كومبيوترات ذكية تفهم نيات المستخدمين تلقائياً

تصممها «غوغل» لمراعاة الحيز الخاص لكل شخص

كومبيوترات ذكية تفهم نيات المستخدمين تلقائياً
TT

كومبيوترات ذكية تفهم نيات المستخدمين تلقائياً

كومبيوترات ذكية تفهم نيات المستخدمين تلقائياً

تخيلوا أنكم بدأتم بمشاهدة عرضٍ ما على نتفليكس في وقتٍ متأخر من الليل، ثم شعرتم أنكم ترغبون بوجبة خفيفة. في الغرفة المظلمة، بحثتم عن جهاز التحكم ولكنكم ضغطتُم على الزر الخاطئ، وسرعتم عرض المحتوى بدل النقر على زر الاستراحة.
الآن، تخيلوا الوضع بطريقة أخرى. نهضتم عن الكنبة فتوقف الفيلم تلقائياً، ومن ثم عدتم وجلستم، فاستُؤنف عرض الفيلم وحده من جديد.

كومبيوترات ذكية
هذا هو الشكل الذي سيكون عليه العالم من حولنا إذا أصبحت أجهزة الكومبيوتر قادرة على فهم نياتنا الخفية تلقائياً بدل اعتمادها على سلوكياتنا المعلنة كالنقر على الفأرة والضغط على الشاشة وحتى استخدام الأوامر الصوتية. ويتخيل علماء التقنية هذه الرؤية منذ عقود، وأطلقوا عليها أسماء عدة أبرزها «الحوسبة المنتشرة» «ubiquitous computing» و«الحوسبة المحيطة» «ambient computing» وحتى «الحوسبة الصامتة» «quiet computing»... والآن، تحاول شركة غوغل تحقيقها من خلال تطوير أجهزة كومبيوتر تفهم القواعد الاجتماعية في الحيز أو المساحة الشخصية.
يقول ليوناردو جيوستي، رئيس قسم التصميم في مختبر غوغل للتقنية المتقدمة والمشاريع: «تلهمنا الطريقة التي يفهم بها الناس بعضهم البعض. عندما تسير خلف أحدهم، يفتح لك الباب ويمسكه. وعندما تضع يدك على شيءٍ ما، يُسلمه لك. ونحن، كبشر، نفهم بعضنا البعض بطريقة فطرية وغالباً دون كلام».

إيماءات وحركات تفاعل
يفرط باحثو التصميم في مختبر التقنية المتقدمة والمشاريع التابع لغوغل في التعزيز المتواصل لجهاز الاستشعار الراداري «سولي» Soli radar sensor لفهم التباينات الاجتماعية الطفيفة التي تختزنها حركاتنا اليومية. ويرى جهاز الاستشعار الجسم البشري كفقاعة صوتية لا أكثر، ولكنه يراقب من عدسته اليمنى الإطار الذاتي والوضعية والنظرة الثاقبة – أي جميع الأشياء التي نقيمها باستمرار لدى تفاعلنا مع الآخرين.
بدأ «سولي» مسيرته كوسيلة لتعقب الإيماءات في لعبة «ميدير» ومن ثم استخدم في هواتف «بيكسل» ليتيح للمستخدمين القيام بأشياء كالمسح الهوائي لتمرير الأغاني – أثار «سولي» الاهتمام على صعيد التقنية ولكنه كان يفتقر للفائدة العملية. بعدها، عمدت غوغل إلى دمجه في جهاز «نست هاب» ليراقب نوم المستخدمين من خلال استشعار استلقائهم وتقلباتهم في السرير وحتى إيقاع أنفاسهم. وشكلت حالة الاستخدام هذه مجالاً واعدا ولكنه كان مجالاً واحداً محصورا بوضعٍ واحد وسياق غير مرتبطٍ بشيءٍ آخر.
تدفع أفكار مختبر غوغل الأخيرة قدرات «سولي» إلى أبعادٍ جديدة. ففي تحديثه الأول، أصبح «سولي» قادراً على مسح مسافة عدة أقدام، واليوم أصبح قادراً على مسح غرفة صغيرة. وباستخدام مجموعة من الخوارزميات، سيتمكن جهاز الاستشعار من حث هاتف غوغل، ومنظم الحرارة، والشاشة الذكية، على قراءة لغة جسد مستخدمهم كما يفعل البشر لتوقع رغباته التالية.
يقول جيوستي إن «تنامي حضور هذه التقنية في حياتنا يجعل فكرة حثها على الاستعانة ببعض الدلالات من حياتنا منطقية جداً. وهكذا، قد يصبح بإمكان منظم الحرارة المثبت عند الباب أن يطلب منا إحضار مظلة في يومٍ ممطر كما يفعل شريك الحياة».
لم تصل غوغل إلى هذه المرحلة بعد ولكن فريقها درب «سولي» على فهم العامل الرئيسي المشترك بين جميع هذه الأمور. يقول جيوتسي: «تخيلنا أن يتمتع الناس والأجهزة بمساحات شخصية، وأن يمنحنا تداخل هذه المساحات فهماً جيداً لنوع المشاركة والعلاقة الاجتماعية التي تجمعهم في أي وقت».
إذا أردتُم مثلاً أن تتحدثوا مع أحدهم – وأنتم واقفون على مسافة منه – وتنظرون في عينيه، سيعي هذا الشخص فوراً أنكم تريدون أن تتكلموا معه، ما سيدفعه إلى التقدم والتفاعل مع وجودكم. يستطيع «سولي» فهم هذا الأمر. ويرجح فريق مختبر التقنية المتقدمة والمشاريع أن النسخة المستقبلية من «غوغل هاب» ستصبح قادرة على تحديد الوقت الذي يكون فيه المستخدم بعيداً، أو على تجهيز الرسائل الإلكترونية بالتزامن مع اقترابه من الجهاز للاطلاع عليها.

الحيز الشخصي
ولكن كيف يمكن لـ«سولي» أن يعرف أن المسافة أصبحت كافية للقيام بذلك؟ لهذه الغاية، يدرس الفريق حالياً البحث الاجتماعي الذي أجراه إدوارد تـ. هول واقتراح «بروكسيميكس» الذي ناقشه في كتابه «ذا هيدن دايمنشن» (البعد الخفي). وكان هول في اقتراحه أول من يتحدث عن السياق الاجتماعي للمساحة المحيطة بأجسادنا – يصنف مبدأ «بروكسيميكس» أي شيء داخل مسافة 18 بوصة كمساحة شخصية، وأي شيء في مسافة 12 بوصة كمساحة اجتماعية للمحادثة، وأي شيء بعد هاتين المسافتين مساحة عامة يجب مشاركتها دون أي توقعات.
يعمل الفريق على ترميز هذا البحث ودمجه في برنامج المختبر الإلكتروني وإدخاله إلى بعض الحركات. يستطيع جهاز الاستشعار مثلاً فهم «اقترابكم» ليبدأ بعرض عناصر واجهة المستخدم التي لم تكن على الشاشة في وقت سابق. لكن الاقتراب باتجاه جهاز ما ودفعه لملاحظة وجودكم يعتبر مهمة بسيطة نسبياً، ويبقى العمل الأكثر تعقيداً بالنسبة للمختبر في استعراض كيفية التعامل مع المواقف المحيرة والشائكة.
درب الفريق نظام المختبر على فهم أن اقتراب المستخدم كثيراً من الشاشة دون النظر باتجاهها يعني أنه غير مهتم برؤية المزيد، وأطلقوا على هذا التدريب اسم «مرور»، ما يعني أن منظم الحرارة «نست» لن يعمل في كل مرة تمرون فيها بجانبه.
كما دربوا «سولي» على قراءة الجهة التي تنظرون إليها حتى ولو كنتم واقفين على مسافة قريبة. يعتبر هذا التدريب الذي سموه «استدارة» مثالياً اليوم لأي شخص يحاول طهي وصفة ما بمساعدة مقطع فيديو مصور على منصة يوتيوب.
وشرحت لورين بيدال، المصممة الأولى في مختبر غوغل للتقنية المتقدمة والمشاريع فكرة «استدارة» على الشكل التالي: «لنقل إنكم تطهون في المطبخ وتشاهدون مقطعا لوصفة جديدة. في هذه الحالة، يمكن للجهاز أن يأخذ استدارة رأسكم عن الجهاز لإحضار مكونٍ ما بعين الاعتبار ويوقف تشغيل الفيديو، ثم يعيد تشغيله بعد استئنافكم النظر إليه. يعتبر الطهي مثالاً ممتازاً هنا لأن اليدين تكونان غالباً مبللتين أو ملطختين».
وأخيًرا، يستطيع النظام أن يحدد أيضاً «النظرة الخاطفة». تعمل أجهزة الآيفون اليوم على تعقب وجه المستخدم لمعرفة إذا كان ينظر إلى الشاشة، للاستجابة عبر فتح قفل الجهاز أو عرض الرسائل أوتوماتيكياً. يعتبر «هذا الأمر نظرة خاطفة» طبعاً، ولكن مختبر غوغل يدرس هذه الحركة على نطاق أوسع يشمل النظر الخاطف إلى شخص في نفس الغرفة. لم يقدم مختبر غوغل أي وعود حتى اليوم فيما يتعلق بتاريخ إدخال هذه المزايا إلى أجهزة متوفرة حالياً في الأسواق التجارية، ولكن الأكيد أن هذا العمل لا يقع في إطار التنظير الفارغ.
* «فاست كومباني»،
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)
علوم الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

بينما تمنحك قلة من الروابط الوثيقة الرعاية والحماية، يوفر لك المحيط الخارجي من الأصدقاء العابرين، الفرص والتحفيز؛ ومن المرجح أنك لا تقدّر مدى أهمية هؤلاء جميعاً

هارا أستروف مارانو ود (واشنطن) ماريسا فرانكو (واشنطن)
تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.


نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
TT

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

يشير باحثون إلى أن البعوض يُعد من أخطر الكائنات بسبب قدرته على العثور على البشر ونقل الأمراض. وعلى مدى عقود، حاول العلماء فهم العوامل التي تجذب هذه الحشرات. لكن سؤالاً أساسياً ظل دون إجابة واضحة: كيف تتحرك البعوضة فعلياً في الهواء أثناء بحثها عن ضحية؟

دراسة جديدة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع جهات أخرى تقدّم إجابة تفصيلية. فقد طوّر الفريق إطاراً ثلاثي الأبعاد قادراً على التنبؤ بكيفية طيران البعوض استجابةً لإشارات حسية مختلفة.

فهم سلوك الطيران

تعتمد البعوضة على مجموعة من الإشارات البيئية لتحديد موقع الإنسان، تشمل إشارات بصرية مثل شكل الجسم، وإشارات كيميائية مثل ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس. وتُظهر الدراسة أن هذه الإشارات لا تجذب البعوض فقط، بل تؤثر بشكل مباشر في طريقة طيرانه.

ولفهم هذا السلوك، قام العلماء بتتبع حركة البعوض في بيئة تجريبية، حيث جرى تسجيل مسارات الطيران بدقة أثناء استجابة الحشرات لمحفزات مختلفة. وهذا سمح بتحليل كيفية تنقلها في الفضاء، وليس فقط أماكن هبوطها.

سلوك الطيران يتغير حسب نوع الإشارات مع أنماط مختلفة عند توفر إشارات منفردة أو مجتمعة (أ.ف.ب)

أنماط طيران متعددة

حددت الدراسة ثلاثة أنماط رئيسية للطيران تعتمدها البعوضة وفقاً لنوع الإشارات المتاحة. عند توفر الإشارات البصرية فقط، تقترب البعوضة بسرعة قبل أن تنحرف بعيداً، في نمط يُشبه «المرور السريع»، ما يشير إلى أن الرؤية وحدها لا تكفي لتأكيد الهدف.

أما عند توفر الإشارات الكيميائية فقط، مثل ثاني أكسيد الكربون، فإن سلوكها يتغير، حيث تبطئ حركتها وتبدأ بالتحليق ذهاباً وإياباً، محاولةً البقاء قرب مصدر الإشارة. لكن عند الجمع بين الإشارات البصرية والكيميائية، تتبنى البعوضة سلوكاً أكثر تركيزاً، إذ تبدأ بالدوران حول الهدف بشكل منتظم، في حركة تشبه استعداد المفترس للهبوط.

نموذج قائم على البيانات

لبناء هذا النموذج، أجرى الباحثون تجارب باستخدام مجموعات من البعوض داخل بيئة محكومة. وتم استخدام كاميرات لتسجيل حركتها ثلاثية الأبعاد أثناء تعرضها لمحفزات مختلفة. وعبر هذه التجارب، جُمعت عشرات الملايين من نقاط البيانات ومئات الآلاف من مسارات الطيران، ما أتاح بناء نموذج رياضي قادر على التنبؤ بحركة البعوض في ظروف متعددة.

ويتميز النموذج بقدرته على تبسيط سلوك معقد دون فقدان دقته، ما يجعله أداة عملية للأبحاث المستقبلية.

يعتمد البعوض على مزيج من الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان (رويترز)

سلوك غير خطي

من أبرز نتائج الدراسة أن سلوك البعوض لا يمثل مجرد جمع بسيط للاستجابات المختلفة. فعند توفر أكثر من نوع من الإشارات، لا تدمج البعوضة ردود فعلها، بل تعتمد نمطاً جديداً كلياً. وهذا يشير إلى أن الحشرة تعالج المعلومات الحسية بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد، إذ تعدّل سلوكها بشكل ديناميكي بدلاً من اتباع قواعد ثابتة.

تمتد أهمية هذا البحث إلى مجال الصحة العامة. فالبعوض مسؤول عن نقل أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك وفيروس غرب النيل، والتي تتسبب في مئات الآلاف من الوفيات سنوياً.

ومن خلال فهم كيفية حركة البعوض، يمكن تطوير وسائل أكثر فاعلية للحد منه. وتشير الدراسة إلى أن الاعتماد على نوع واحد من الإشارات في المصائد قد لا يكون كافياً، وأن الجمع بين إشارات متعددة قد يعزز فعاليتها.

استراتيجية متعددة الحواس

يؤكد الباحثون أن مكافحة البعوض تتطلب استهداف أكثر من حاسة في الوقت نفسه. فالمصيدة التي تجمع بين الشكل البصري والجاذبية الكيميائية قد تكون أكثر قدرة على جذب البعوض والاحتفاظ به. ويعكس هذا توجهاً أوسع نحو تطوير حلول تعتمد على فهم السلوك، بدلاً من الأساليب التقليدية.

آفاق البحث المستقبلية

يركز النموذج الحالي على الإشارات البصرية وثاني أكسيد الكربون، لكنه قابل للتطوير ليشمل عوامل أخرى مثل الحرارة والرطوبة والروائح المختلفة، التي تلعب أيضاً دوراً في جذب البعوض. ويمكن لهذا النهج أن يساعد في اختبار استراتيجيات جديدة بشكل أسرع وأكثر كفاءة. تمثل هذه الدراسة خطوة نحو إدارة أكثر دقة وفعالية للبعوض. فمن خلال فهم كيفية تحركه، يمكن تقليل فرص احتكاكه بالبشر.

ومع استمرار تطوير هذا النموذج، قد يسهم في ابتكار أدوات جديدة للحد من انتشار الأمراض التي تنقلها هذه الحشرات، ما يجعله ليس مجرد إنجاز علمي، بل خطوة مهمة في مجال الصحة العامة.


«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
TT

«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)

حذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) من حملة قرصنة منظمة تستهدف مستخدمي تطبيقات المراسلة الشهيرة، ويرتبط منفذوها بأجهزة الاستخبارات الروسية. وتأتي هذه التحذيرات في ظلِّ تنامي الهجمات السيبرانية التي تستهدف أفراداً ذوي أهمية استخباراتية عالية حول العالم، بمَن في ذلك مسؤولون حكوميون، وعسكريون، وشخصيات سياسية وصحافيون.

وفي بيان مشترك مع وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA)، أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم، وفقاً لما نشرته صحيفة «إندبندنت».

وأوضح البيان: «تستهدف هذه الهجمات أفراداً ذوي قيمة استخباراتية عالية، مثل المسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الأميركية، والعسكريين، والشخصيات السياسية، والصحافيين».

وأضاف البيان: «بعد اختراق الحساب، يمكن للمهاجمين الاطلاع على رسائل الضحايا، وقوائم جهات الاتصال الخاصة بهم، وإرسال رسائل نيابة عنهم، وتنفيذ عمليات تصيّد احتيالي إضافية ضد تطبيقات المراسلة التجارية الأخرى».

وأظهرت التحقيقات أن القراصنة كانوا يركزون بشكل خاص على مستخدمي تطبيق «سيغنال»، مع إمكانية تطبيق أساليبهم نفسها على تطبيقات أخرى شائعة مثل «واتساب» و«تلغرام».

وفي رد رسمي، أكدت شركة «سيغنال» أن الهجمات تمَّت عبر حملات تصيّد احتيالية متطورة تهدف إلى خداع المستخدمين لحملهم على مشاركة معلومات حساسة، مثل رموز التحقُّق أو أرقام التعريف الشخصية (PIN).

تعتمد تقنية القراصنة على انتحال صفة حساب الدعم الرسمي للتطبيق؛ لخداع المستخدمين وحملهم على النقر على روابط ضارة، أو مشاركة رموز التحقق الخاصة بهم، ما قد يمنح المهاجمين وصولاً غير مصرَّح به إلى الحساب.

وفي بعض الحالات، قد تؤدي هذه الهجمات إلى مضاعفات أخرى، مثل إصابة جهاز المستخدم ببرامج خبيثة.

وحذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية المستخدمين من رسائل غير متوقعة أو مشبوهة من جهات اتصال مجهولة، داعين إلى توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أي رسائل أو روابط غير مألوفة على تطبيقات المراسلة.


«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
TT

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

في أبريل (نيسان) عام 1976، تأسست شركة صغيرة داخل مرآب في كاليفورنيا. حدث لم يكن يوحي آنذاك بحجم التأثير الذي ستتركه لاحقاً على العالم. وبعد خمسين عاماً، أصبحت «أبل» واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا نفوذاً وقيمة، في مسيرة لم تُبْنَ على الابتكار فقط، بل على القدرة المتكررة على إعادة ابتكار الذات في اللحظات الحاسمة.

تاريخ «أبل» تَشكّل بقدر كبير من اللحظات التي كادت تغيّر مسارها بالكامل. فإحدى أبرز هذه اللحظات وقعت في الأيام الأولى للتأسيس، حين باع رونالد واين، الشريك الثالث في الشركة، حصته البالغة 10 في المائة مقابل 800 دولار بعد 12 يوماً فقط. اليوم، تُقدّر قيمة تلك الحصة بنحو 382 مليار دولار. ورغم أن هذه القصة تُستَخدم كثيراً كمثال على الفرص الضائعة، فإنها تعكس حقيقة أعمق وهي أن نجاح «أبل» لم يكن حتمياً.

منزل عائلة ستيف جوبز بولاية كاليفورنيا حيث انطلقت شركة «أبل» عام 1976 في بداياتها الأولى داخل هذا المرآب.

جعلُ الحوسبة شخصية

منذ البداية، سعت «أبل» إلى جعل الحوسبة أقرب إلى الأفراد. وقد تجسد هذا الطموح بوضوح في عام 1984 مع إطلاق جهاز «ماكنتوش». الجهاز جاء بذاكرة 128 كيلوبايت وسعر 2495 دولاراً أي ما يعادل نحو 7810 دولارات اليوم، لكنه قدّم واجهة رسومية غيّرت طريقة تفاعل المستخدمين مع الحاسوب، وأصبحت لاحقاً معياراً في الصناعة.

لم يكن «ماكنتوش» مجرد منتج، بل رؤية لطبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وقد عززت هذه الرؤية حملة «1984» الإعلانية الشهيرة، التي عرضت خلال «السوبر بول»، ورسّخت صورة «أبل» كشركة تتحدى السائد. ومنذ تلك المرحلة، تبنّت «أبل» استراتيجية واضحة: تقديم منتجات متميزة بسعر أعلى، مع التركيز على التجربة الكاملة وليس السعر فقط.

من الإدراج إلى النمو المبكر

طرحت «أبل» أسهمها للاكتتاب العام في ديسمبر (كانون الأول) 1980 بسعر 22 دولاراً للسهم. وبعد احتساب الانقسامات اللاحقة للسهم، بلغ سعره نحو 0.13 دولار في أوائل 1981. هذا الرقم يعكس حجم التحول الذي شهدته الشركة لاحقاً. لكن النمو لم يكن مضموناً. ففي منتصف التسعينات، واجهت «أبل» تحديات كبيرة، مع تراجع موقعها في السوق وازدياد المنافسة.

جهاز «ماكنتوش 128 كيه» الذي أُطلق عام 1984 وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي قدمت واجهة رسومية سهلة الاستخدام

1997... لحظة التحول الحاسمة

بحلول عام 1997، كانت «أبل» على حافة الإفلاس. تعددت منتجاتها دون وضوح في الاستراتيجية، وضعفت قدرتها على المنافسة. ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد إنقاذ، بل إعادة تعريف كاملة. قامت الشركة بتبسيط منتجاتها والتركيز على التصميم وإعادة بناء هويتها حول تجربة المستخدم. هذه المرحلة لم تكن عودة فقط، بل بداية لحقبة جديدة. فقليل من الشركات ينجو من مثل هذه الأزمات، والأقل منها من يتحول بعدها إلى قوة مهيمنة.

إعادة تشكيل الأسواق

انطلاقة «أبل» الجديدة لم تعتمد فقط على طرح منتجات ناجحة، بل على إعادة تعريف أسواق كاملة. جهاز «آي ماك» في 1998 أعاد تقديم «أبل» كشركة تركز على التصميم والبساطة. وفي 2001، غيّر «آي بود» طريقة استهلاك الموسيقى الرقمية، ليس كجهاز فقط، بل كجزء من منظومة متكاملة. هذه المنظومة أو ما يمكن وصفه بـ«النظام البيئي»، أصبحت جوهر استراتيجية «أبل». لم تعد المنتجات مستقلة، بل مترابطة، تعمل معاً لتقديم تجربة موحدة.

جاء «آيفون» في 2007 ليشكل نقطة التحول الأبرز. لم يكن مجرد هاتف، بل منصة جديدة للحوسبة الشخصية، غيّرت شكل الصناعة بالكامل. ثم توسعت «أبل» لاحقاً مع «آيباد» في 2010 و«أبل ووتش» في 2015 و«إيربودز» في 2016. وفي كل مرة، لم تكتفِ الشركة بالمشاركة في السوق، بل أعادت تشكيله.

التصميم كاستراتيجية

أحد الثوابت في مسيرة «أبل» هو اعتبار التصميم جزءاً من الاستراتيجية، وليس مجرد عنصر جمالي. البساطة وسهولة الاستخدام والتكامل أصبحت عناصر أساسية في تميّز الشركة. كما أن بناء نظام بيئي مترابط منح «أبل» ميزة تنافسية قوية. فالقيمة لم تعد في جهاز واحد، بل في كيفية تفاعل الأجهزة والخدمات معاً. بعبارة أخرى، لم يكن الابتكار في المنتج فقط، بل في العلاقة بين المنتجات.

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك في إحدى المناسبات بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

من الرؤية إلى التنفيذ

ارتبط اسم «أبل» طويلاً بستيف جوبز، الذي قاد العديد من ابتكاراتها. وبعد وفاته في 2011، تولى تيم كوك القيادة. جوبز عُرف برؤيته للمنتجات، بينما ركّز كوك على توسيع العمليات وتعزيز الكفاءة. ورغم اختلاف الأسلوب، حافظت الشركة على مسار النمو والتوسع.

ومع مرور الوقت، أصبحت «أبل» أكثر من شركة تقنية. فشعار «التفاحة المقضومة» أصبح من أكثر الرموز شهرة في العالم، إلى جانب علامات مثل «نايكي» و«ماكدونالدز». ومن اللافت أن الاسم نفسه لم يُختر لأسباب تقنية، بل لأن ستيف جوبز كان يحب التفاح، واسم «ماكنتوش» مستمد من نوع منه. لكن عبر الزمن، تحولت العلامة إلى رمز للابتكار والبساطة ونمط تفكير معين.

أجهزة مختلفة لشركة «أبل» (رويترز)

البقاء عبر عصور متعددة

ما يميز «أبل» هو قدرتها على البقاء ذات صلة عبر تحولات تكنولوجية متتالية، من الحواسيب الشخصية إلى الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، فالأجهزة القابلة للارتداء. في حين اختفت شركات كانت رائدة في إحدى هذه المراحل، استطاعت «أبل» أن تعيد تموضعها باستمرار. تعكس رحلة «أبل» نمواً مالياً كبيراً، لكنها في جوهرها قصة قدرة على التغيير. أزمة 1997 تبقى لحظة، ومن دونها ربما لم تظهر العديد من الابتكارات التي أصبحت اليوم جزءاً من الحياة اليومية.

المستقبل.. اختبار جديد

في عامها الخمسين، تقف «أبل» في موقع قوة. لكن التحدي المقبل ليس تكرار الماضي، بل إعادة تعريف نفسها مرة أخرى. خلال خمسة عقود، نجحت الشركة في توقع التحولات التكنولوجية والمساهمة في تشكيلها. والسؤال الآن: هل يمكنها أن تفعل ذلك مجدداً في بيئة أكثر تعقيداً؟

ما تؤكده التجربة هو أن قوة «أبل» لم تكن في منتج واحد، بل في قدرتها على التطور. فمن مرآب صغير إلى شركة عالمية، تبقى قصتها درساً في أن الابتكار وحده لا يكفي بل إن القدرة على إعادة الابتكار هي ما تصنع الفارق.

Your Premium trial has ended