الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

التجارب الاجتماعية تعمل على تفعيل «جينات المناعة» أو إيقافها

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك
TT

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

بينما تمنحك قلة من الروابط الوثيقة الرعاية والحماية، يوفر لك المحيط الخارجي من الأصدقاء العابرين، الفرص والتحفيز؛ ومن المرجح أنك لا تقدّر مدى أهمية هؤلاء جميعاً في حياتك.

الأصدقاء ضرورة بيولوجية وعاطفية

«الإنسان كائن اجتماعي»، لقد سمعت هذه العبارة مراراً وتكراراً. ولكن ماذا يعني ذلك على وجه التحديد؟ الأصدقاء المقربون، والمعارف العابرون، وحتى الغرباء الذين يستوقفونك في الشارع؛ هؤلاء ليسوا مجرد كماليات لحياة ممتعة أو مثيرة، وإنما هم ضرورة بيولوجية بقدر ما هم ضرورة عاطفية. وهم، تماماً كالغذاء والحركة، أي الركيزة الأساسية لقدرتك على أداء وظائفك بشكل جيد. يُضفي التفاعل مع الآخرين الحيوية على كل جهاز في جسمك تقريباً؛ فهذه التفاعلات تشكِّل مزاجك ودوافعك، وتؤثِّر في تفكيرك وسلوكك، وتمنحك الرفاهية والصحة، بل وتطيل العمر. ويوثِّق مجال بحثي كامل يُعرف باسم «علم الجينوم الاجتماعي» social genomics كيف تعمل التجارب الاجتماعية على تفعيل الجينات أو إيقافها - سيما تلك المتعلقة بجهاز المناعة - وكيف تحمي حمضك النووي. فمن دون الرفاق، فإنك تذبل حرفياً بكل طريقة يمكن ملاحظتها.

اللقاءات - مسكّنات طبيعية

قبل أن تسترسل في القراءة، توقَّف للحظة لتخطط لوجبتك القادمة. ادعُ شخصاً أو شخصين ممن تعرفهم لمشاركتك الطعام سواء في المنزل، أو في مطعم، أو في حديقة، أو حتى على مكتبك، فإن تناول الطعام مع الأصدقاء - التواجد في صحبتهم المادية والانخراط في نشاط متزامن - يحفز الجهاز الأفيوني في الدماغ لإفراز «بيتا إندورفين». وتعمل هذه المادة كمسكن طبيعي يقلل من الآلام الجسدية والعاطفية، كما تعمل كمادة مسببة للبهجة، حيث تطلق العنان لمستويات «الدومابين» وتغمرك بشعور من الطمأنينة.

وعندما يرتبط «بيتا إندورفين» بصنف محدد من مستقبلات الأفيون، فإنه يخلق - بالمعنى الحرفي - مشاعر الدفء والأمان والسلامة، ويدفعك للرغبة في القرب من الآخرين. لكن أثره يتجاوز ذلك بكثير.

ومن كبح استجابة (ردة الفعل) التوتر إلى توسيع القشرة الجبهية وجميع المادة الرمادية المرتبطة بـ«شبكة الوضع الافتراضي» في الدماغ، وصولاً إلى تحفيز إنتاج «الخلايا القاتلة الطبيعية» في الجهاز المناعي التي تحمي من الفيروسات والسرطان؛ ينطلق «بيتا إندورفين» عبر الجهاز العصبي ملامساً أغلب وظائف الجسم. وهو ما يجعل الرفاق مستعدين لدعمك عندما تنهار، وتقديم المساعدة عندما تحتاجها.

ووفقاً لـ«نظرية الأفيون الدماغي للارتباط الاجتماعي» التي وضعها عالم النفس البريطاني «روبن دنبار»، فإن «بيتا إندورفين» هو المادة التي تضمن استدامة المجتمعات البشرية.

ويرى دنبار أن أدمغة البشر لديها قدرة معرفية محدودة لإدارة عدد معين فقط من العلاقات الاجتماعية، وهو 150 علاقة، والمشهور بـ «رقم دنبار Dunbar number» (وهو رقم قريب بشكل مذهل من متوسط عدد المدعوين لحفلات الزفاف في الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية). ويجد دنبار أننا نكون في أفضل حالاتنا عندما تكون خمس من هذه العلاقات هي روابط وثيقة (أقل قليلاً للشخصيات الانطوائية، وأكثر قليلاً للشخصيات المنفتحة).

ورغم كل ما توفره من دعم، فإن الصداقات الوثيقة مكلفة في بنائها والحفاظ عليها؛ فهي تتطلب وقتاً، وتفهماً، ومهارات دبلوماسية، وطاقة عاطفية. والرقم «خمسة» هو العدد الذي يمكننا من خلاله الحفاظ على جودة العلاقات في أعلى مستوياتها، والشعور بأكبر قدر من الرضا عن الحياة.

عالم أوسع من المعارف

نحن لا نحيا بالروابط الوثيقة وحدها؛ فالمعارف الذين نلتقي بهم بشكل متكرر أو عرضي دونما تخطيط أو جهد - والذين أطلق عليهم مارك غرانوفيتير، عالم الاجتماع الرائد في جامعة ستانفورد، اسم «الروابط الضعيفة» - هم من يدمجوننا في العالم الأوسع. وهؤلاء يقدمون لنا خدمات لا تستطيع الروابط القوية تقديمها؛ فعلى اعتبارهم جسوراً أو قنوات لدوائر اجتماعية متنوعة، ينقلون إلينا وجهات نظر ومعلومات - ولا سيما أخبار فرص العمل - من غير المرجح أن تتدفق عبر الدوائر الاجتماعية المتداخلة التي نعتاد العيش فيها بانتظام.

وترى إيفا ميرسون ميلغروم، الأستاذة الفخرية في علم الاجتماع بجامعة ستانفورد، أنه لا يوجد سقف لعدد الروابط الضعيفة التي يمكننا امتلاكها، وذلك لكونها خالية من الالتزامات ولا تتطلب صيانة مستمرة؛ وتقول: «كل ما عليك فعله هو حضور مناسبة ما بين الحين والآخر».

وبينما تعمل الروابط القوية على تعزيز الراحة العاطفية والتشابه في التفكير والسلوك، تساهم الروابط الضعيفة في تعزيز التعلم والتحفيز المعرفي. وتقول ميلغروم: «نحن ننكشف على وجهات نظر غير مألوفة، مما يزيد من اللدونة العصبية والمرونة العقلية والتكيف الذهني».

ثم تضيف: «الروابط القوية تأتي محمَّلة بالتوقعات، أما الروابط الضعيفة فتوفر مساحة للتجربة والتغيير والنمو دون تكبُّد تبعات عاطفية أو مواجهة إقصاء اجتماعي. إنها تعزِّز الحرية، والقدرة على اختيار جوهر الذات بدلاً من الخضوع لضغوط المجموعات الاجتماعية المترابطة بإحكام».

يمكن أن تنشأ الروابط الضعيفة من اللقاءات العارضة التي تخلقها النشاطات الروتينية اليومية - أماكن العمل، ومدارس الأطفال، والمؤسسات الدينية أو المدنية - وفي الواقع، فإن عنصر المفاجأة يضاعف الأثر العاطفي لهذه التجارب. كما يمكن العثور عليها عبر الانضمام لمجموعات تشاركنا اهتماماتنا، سواء كانت نوادي الحدائق، أو مجموعات القراءة، أو أي نوع من الدورات التدريبية. وتقول ميلغروم: «تكمن المفارقة في أن الروابط الانتقالية تبدو اختيارية، غير أن غيابها مكلف للغاية».

وتُظهر أبحاثها أن هذا الغياب يكون مكلفاً للنساء بصفة خاصة، وربما الأكثر كلفة للنساء الأكبر سناً اللواتي غالباً ما يفقدن الشعور بالهوية أو الأهمية مع تقدمهن في العمر، حيث يتقلص عالمهن الاجتماعي إلى دائرة عائلية صغيرة.

وتوضح ميلغروم: «تسمح الروابط الضعيفة للأفراد بتوسيع نطاق وصولهم باستمرار إلى المجتمع». وتلاحظ أن النساء يركزن عادة على الروابط القوية - البحث عن صديقات مقربات - بينما «يعرف الرجال كيفية تكوين صلات عبر الروابط غير الرسمية؛ إذ لديهم خبرة أكبر في التواصل مع الآخرين بناء على الاهتمامات المشتركة».

روابط ضعيفة تحافظ على المرونة

بالطبع، كل الروابط لا بد أن تبدأ من مكان ما؛ قد يكون الأمر بسيطاً كقولك: «لقد أعجبني تعليقك، هل نرتشف فنجان قهوة بعد انتهاء الاجتماع؟» أو عند الانضمام لمؤسسات مجتمعية تقدم باقة متنوعة من الأنشطة، من فنون الدفاع عن النفس إلى اليوغا أو الرسم، وغير ذلك الكثير.

وتؤكد ميلغروم أن الانخراط في هذه الأنشطة يتيح لك التعرف على الناس كجزء من سعيك وراء اهتماماتك، وهي عادة طريقة خالية من التوتر للقاء أشخاص جدد؛ إذ يصبح النشاط نفسه هو محور التركيز، فلا تضطر للقلق بشأن بدء المحادثة أو توجيهها.

إن الروابط الضعيفة ضرورية وقيِّمة في حد ذاتها؛ فهي تساعد في الحفاظ على مرونتنا وجاذبيتنا طوال الحياة. وتريد ميلغروم منك أن تتخيل شبكتك الاجتماعية كـ«خريطة مترو الأنفاق»: «إذا كانت كل خطوطك تمر عبر المحطات القليلة نفسها (أصدقاؤك الخمسة المقربون)، فأنت فعَّال ولكنك هش. أما الصمود والاستقلالية والشجاعة الاجتماعية، فتأتي من إضافة خطوط جديدة تصل إلى أجزاء مختلفة تماماً من المدينة». والسر المكشوف للجميع هو أن الروابط الضعيفة قد تكون أسرع طريق للوصول إلى الروابط القوية.

قيمة الصداقات القوية

إن «التقدير» الذي توفره الصداقات عالية الجودة يفعل أكثر من مجرد إشعارك بالرضا؛ إنه يجعلك قوياً جسدياً وصلباً عاطفياً.

لقد كشفت أطول دراسة مستمرة حول التنمية البشرية، والتي دخلت عامها الثامن والثمانين وتتابع أحفاد المشاركين الـ 724 الأصليين، أن أهم مؤشر للسعادة وطول العمر هو امتلاك علاقات عالية الجودة. ولا يعني ذلك مجرد وجود أصدقاء، بل وجود «النوع الصحيح» من الأصدقاء.

نحن بحاجة إلى أصدقاء حقيقيين. الأصدقاء الحقيقيون هم أولئك الذين يوفرون الرفقة: فنحن نستمتع بقضاء الوقت معهم، وهم يدعموننا عاطفياً. إنهم متاحون دائماً، ويمكننا الوثوق بهم بما يكفي لمشاركة أمورنا الشخصية.

ميزة أخرى أساسية للأصدقاء الحقيقيين هي «التقدير». إنهم يشجعوننا ويؤكدون إحساسنا بذواتنا وثقتنا بأنفسنا.

وفقاً لعالمة النفس الشهيرة «مارشا لينهان»، فإن التقدير يعني توصيل رسالة لشخص ما مفادها أن «استجاباته منطقية ومفهومة ضمن سياق حياته أو وضعه الحالي». وتجادل لينهان، المعروفة بدراساتها حول اضطراب الشخصية الحدية، بأن تجارب الطفولة المبكرة التي تفتقر إلى التقدير قد تكمن في جوهر هذا الاضطراب، وبصفة أعم، فإن نقص التقدير في مرحلة الطفولة يجعل الأشخاص غير قادرين على تنظيم مشاعرهم في مرحلة البلوغ.

وتقدِّم الدراسات المؤيدة (لها الجانب) أدلة إضافية على ذلك. ففي إحدى الدراسات، أثر نقص التقدير العاطفي من الأم سلباً على الوعي العاطفي للطفل في سن الرابعة. فنحن نصل إلى فهم مشاعرنا، وحتى أنفسنا، من خلال تلقي تأكيدات من الآخرين بأن «من الطبيعي أن نشعر بهذه الطريقة».

قوة التقدير العاطفي

من خلال الإشارة إلى الأمان وتهدئة الجهاز العصبي، يسهم التقدير في شفائنا وجعلنا أقوى. وفي تجربة عملية، كان الأشخاص الذين طُلب منهم حمل دلو ممتد الذراعين أكثر قدرة على الاستمرار في المهمة عندما تلقوا «تقديراً» من مساعد البحث (مثل قوله: «إنه أمر مؤلم، أليس كذلك؟») بدلاً من تلقي «التجاهل» (مثل قوله: «لم أشعر بأي شيء كهذا عندما قمتُ بذلك»). بالنسبة لمن تلقوا التقدير، كانت المهمة أقل استنزافاً لحالتهم المزاجية. ووجدت دراسة أخرى أنه عندما حصل الأشخاص على التقدير بعد مشاركة مشاعرهم حول استبعادهم من لعبة ما، أبلغوا عن تقدير أعلى للذات، وانخفاض في العدوانية والمزاج السلبي.

إن غياب التقدير (التجاهل العاطفي) يؤذينا جسدياً وعقلياً. ففي إحدى الدراسات، أكمل المشاركون اختباراً رياضياً شبه مستحيل في المختبر، ثم تشاركوا بمشاعرهم مع الباحث. واستجاب الباحث بعبارة مؤيدة («كثير من الناس قالوا إنهم شعروا بذلك») أو بعبارة غير مؤيدة («لست متأكداً لماذا تشعر بالتوتر»). وشعر الأشخاص الذين لم يتلقوا تقديراً بسوء أكبر، وارتفع لديهم معدل ضربات القلب. كما شعروا بأمان أقل أثناء التفاعل وكانوا أقل انخراطاً - حيث انخفض التواصل البصري، وزاد العبوس، وقلّت الابتسامة.

كيف تمارس التقدير؟ يتضمن التقدير عبارات مثل:

- من الطبيعي أن تشعر بهذه الطريقة.

- أعتقد أن مشاعرك مبررة في هذا الموقف.

- وجهة نظرك مفهومة.

- أنا أتفهم ما تقوله.

وعندما ترغب في التعبير عن عدم الاتفاق، يمكنك القول: «أفهم لماذا ترى الأمر على هذا النحو. إليك ما أود إضافته بناء على رؤيتي للموقف».

عندما يُقدر الأصدقاء مشاعرنا، فإنهم يُظهرون لنا أنه يمكننا قبول عواطفنا. وهذا التقدير العاطفي يُخفف من التفاعلية العصبية. وتُظهر دراسات التصوير العصبي أن الاعتراف بمشاعرنا يحد من تنشيط «اللوزة الدماغية - amygdala»، وهي مركز المعالجة العاطفية في الدماغ، وهي مجموعة الخلايا التي تشير إلى وجود تهديد وتشغل استجابة «الكر والفر».

ومن خلال تهدئة استجابة اللوزة الدماغية للمدخلات السلبية، يؤدي الاعتراف بالمشاعر وتقديرها أيضاً إلى تنشيط قشرة ما قبل الجبهية البطنية الجانبية اليمنى، وهي منطقة الدماغ التي تنظم الاستجابات العاطفية وتهدئ الضيق. وبذلك نصبح أكثر سيطرة على أنفسنا.

* مجلة «سيكولوجي توداي»

ـ خدمات «تريبيون ميديا» * مجلة «سيكولوجي توداي»،

خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

خاص ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

توسع «كوالكوم» حضورها في السعودية بالتوازي مع انتقالها نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي عبر مراكز البيانات والأجهزة والسيارات والصناعة.

نسيم رمضان (هاواي - الولايات المتحدة)
خاص تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)

خاص كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي تعريف دور التطبيقات في الهواتف والحواسيب؟

تدفع «كوالكوم» نحو حوسبة وكيلية تنسق بين التطبيقات والخدمات لتنفيذ المهام عبر الهواتف والحواسيب والأجهزة القابلة للارتداء.

نسيم رمضان (هاواي- الولايات المتحدة)
تكنولوجيا يوسع «يوتيوب» استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (الشركة)

«يوتيوب» يوسع حضوره على التلفزيون ويضيف أدوات ذكاء اصطناعي لصناع المحتوى

يوسع «يوتيوب» أدوات الذكاء الاصطناعي للمونتاج والحماية وإدارة القنوات، مع تطوير البث والشراكات التجارية وتعزيز حضوره في المنطقة.

نسيم رمضان (هاواي)
خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

تطرح «كوالكوم» نموذجاً لذكاء شخصي يعمل عبر الهاتف والحاسوب والأجهزة القابلة للارتداء والسحابة وفق طبيعة كل مهمة.

نسيم رمضان (هاواي (الولايات المتحدة))
خاص التدخل البشري لا يزال ضرورياً في القرارات الحساسة والقطاعات المنظمة (أدوبي)

خاص التحدي المقبل: كيف نفهم قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي قبل منحهم مزيداً من الصلاحيات؟

تبحث المؤسسات عن توازن بين استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، والمخاطر مع استمرار التدخل البشري، وأهمية الرؤية الكاملة للبيانات.

نسيم رمضان (دنفر - الولايات المتحدة)

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل
TT

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

إذا كنتِ تبحثين باستمرار عن أماكن هادئة في العمل للاختباء، أو الصراخ، أو التنفيس عن غضبك، أو حتى البكاء، ثم تعودين بعد فترة وكأن كل شيء على ما يرام، فقد تكونين عرضة لما يُسمى «التأقلم الصامت hushed coping». وقد يُعيقكِ هذا الأمر في الكثير من النساء في مسيرتهن المهنية، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

«التأقلم الصامت»

يُشير التأقلم الصامت إلى عادة كبت مشاعر الإرهاق والضغط النفسي، والمضي قدماً في العمل بصمت. بالنسبة للنساء، قد يُضيف هذا الأمر تعقيداً آخر يتمثل في مكافحتهن للصورة النمطية الراسخة التي تعدّ أن إظهار الكثير من المشاعر في العمل أمر غير مهني.

وقد وجدت دراسة أُجريت على 115 امرأة عاملة في القطاع العام، ونُشرت في مجلة «العدالة الاجتماعية والإدارة العامة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن نحو 55 في المائة من المشاركات وافقن على أن وظائفهن تتطلب منهن إخفاء مشاعرهن الحقيقية. أفادت المشاركات أيضاً بأنهن غالباً ما يخفين الغضب (43 في المائة)، والانزعاج (40 في المائة)، والشعور بالعجز (37 في المائة)، والحزن (34 في المائة).

بيئة العمل: «اصمتي واعملي»

تقول ليوني كينيبول، خبيرة القيادة النسائية والمؤسسة المشاركة لمنصة Female x Finance المهنية والإعلامية، لمجلة «فاست كومباني»: «ترغب النساء بشدة في الشعور بالتقدير والاهتمام، ويشعرن بمشاعر كثيرة في مكان العمل. لكنهن لا يجدن البيئة المناسبة للتعبير عن رغباتهن بصراحة». وتضيف: «يبدو أن بيئة العمل مصممة على أساس (اصمتي واعملي)». قد يبدو الصمت الخيار الأكثر أماناً مهنياً.

تكلفة مهنية ونفسية خفية ومتراكمة

لكن السلوكيات التي تقلل من احتمالية وصف الشخص بأنه عاطفي قد تقلل أيضاً من فرص ملاحظته كموظف، والاستماع إليه، وترقيته في نهاية المطاف. كما أن التأقلم الصامت قد يعني تجنب المحادثات الصعبة، ورفض الفرص، وتحمل أعباء عمل مرهقة بصمت.

وتقول كينيبول: «تفترض النساء وجود الكثير من الأمور عن الشركات دون التحدث عنها». بينما تقول كريستين سيكلز، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة الاستشارات «مايك دروب وركشوب»: «لذلك؛ قد يصعب رصد التكلفة المهنية لأنها تتراكم من خلال كل ما لا يفعله الشخص. وهذا ما يجعل التأقلم الصامت مكلفاً للغاية... فالتكلفة خفية ومتراكمة».

وتضيف: «إنها الترقية التي لا تسعى (المرأة) إليها لأنها غارقة في المشاكل، والتقييمات السلبية التي تتجاهلها. ولا يظهر أي من ذلك في لحظة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الاستمرار في فعله سهلاً للغاية».

تأقلم ناجم عن التجاهل وعدم التقدير

من جهتها، تقول إيمي فيجليوتي، الاختصاصية النفسية المرخصة ومؤسسة عيادة «سيلف ووركس» للعلاج النفسي، لمجلة «فاست كومباني» إن التأقلم الصامت قد ينبع من الشعور بالتجاهل أو عدم الاحترام أو عدم التقدير؛ أو التعامل مع مُديرين سامّين؛ أو قلة فرص النمو. ومع مرور الوقت، قد يتطور إلى نوع من اليأس المكتسب؛ إذ تفترض المرأة العاملة أنه إذا لم يُجدِ التحدث نفعاً في الماضي، فلماذا أُرهق نفسي بالمحاولة مجدداً؟

تقول فيجليوتي إن المعاناة في صمت قد تُنهك الموظفات عاطفياً ونفسياً؛ ما يُضعف اندفاعهن في نهاية المطاف، بل ويجعلهن يشككن في كفاءتهن. وقد يُلحق ذلك الضرر بأصحاب العمل أيضاً: فعندما لا يشعر غالبية الموظفين بالأمان الكافي لمشاركة أفكارهم، أو طرح أسئلتهم، أو التعبير عن مخاوفهم، يُمكن أن يُصبح صمتهم «عائقاً كبيراً أمام التغيير والتطوير التنظيمي»، على حد قولها.

التأقلم في صمت دليل على ضرورة التغيير

تقول جيني هاريسون، محامية حقوق الموظفين والمؤسسة المشاركة لمكتب جيني هاريسون للمحاماة، لمجلة «فاست كومباني»، إنه إذا وقع أي شخص في فخ التأقلم الصامت نتيجة عبء عمل يفوق طاقته، فعليه أولاً الاستعداد لمحادثة صريحة مع مديره بشأن قائمة مشاريعه، ومتطلبات الجدول الزمني، والتزامه تجاه الشركة. كما تنصح هاريسون بالتدرب على طريقة العرض بهدوء قبل الاجتماع؛ حتى يتمكن الموظف أو الموظفة من التعبير عن احتياجاته دون الشعور بالإرهاق.

وتضيف: «فكّري في إخبار مديرك بأنك تعتقدين أن من مصلحة الشركة زيادة الموارد المخصصة للمشاريع لضمان تسليمها في الوقت المحدد وبأعلى مستوى من الكفاءة والتنفيذ. إذا حاولت التواصل بوضوح ولم تستجب الشركة، فسيكون لديك كل المعلومات الكافية عن طبيعة هذه الشركة».

البحث عن مُحاورين

وتتفق فيجليوتي على أهمية التعبير عن الرأي، لكنها تقول إن التخلص من هذه العادة لا يعني بالضرورة البدء بمديرك.

وتضيف: «أعتقد أن النقطة الأساسية هنا هي أنه عند محاولة التخلص من عادة معينة، ابدأ بأفراد من جمهور تشعر معه بالراحة والأمان، ويحترم رأيك». بينما تقترح كينيبول بالمثل البدء بخطوات صغيرة. يمكن أن تكون الخطوة الأولى ببساطة هي التحدث عن مخاوفك مع زميلة أو زميل تثقين بها أو به، وهما اللذان قد يشاركانك إياها أو يقدمان لك رأياً واقعياً قيّماً. وتقول: «الخطوة الأولى دائماً هي التحدث مع شخص تثق به في المؤسسة، شخص لديه خبرة أطول منك، ويعرف ثقافة العمل، ويعرف كيف تُدار الأمور هناك – حينذاك ستسمعين، على الأرجح، أن الأمر ليس شخصياً (بل عمومياً)».

وأحياناً، قد يكشف هذا الحوار عن أن التوتر الذي يُظهره مديرك لا علاقة له بأدائك، وقد يفتح الباب أمام تواصل أكثر صراحة.

وتقول كينيبول: «الجميع مشغولون، والجميع يتعامل مع التوتر بطريقة مختلفة، لكن لا تأخذي الأمر على محمل شخصي».

* مجلة «فاست كومباني»


هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
TT

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

تثير التحذيرات الجديدة -التي تشير إلى أن البشر يقتربون من مرحلة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي- تساؤلاً مقلقاً: هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي ليصبح واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه البشرية؟

ورغم صعوبة تقييم مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن السيناريو الأسوأ -وهو انقراض البشرية- يجعل المخاوف الأرضية الأخرى تبدو ضئيلة الأهمية، كما كتب تشيكو هارلان (*).

التغير المناخي... علم راسخ

البشرية... من أزمة «صناعية» إلى أخرى

صحيح أن التغير المناخي يتسبب في ظروف حرارة خطيرة، ويؤجج العواصف العاتية، ويدمر المحاصيل، وقد يؤدي إلى اضطرابات هائلة على مستوى الكوكب، لكن كل ذلك لا يهم إلا إذا ظلت حضارتنا قائمة ومعروفة بهيئتها الحالية.

يقول توبي أورد، الباحث في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «الهاوية: المخاطر الوجودية ومستقبل البشرية» (The Precipice): «فيما يتعلق بالأمور التي قد تؤدي إلى نهاية البشرية، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً أكبر».

يضع هذا الوضع نشطاء المناخ في حالة تنافس للحصول على قدر محدود من الاهتمام السياسي، ففي حين يجتمع الدبلوماسيون وقادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمعالجة أكثر مشكلات الكوكب إلحاحاً، يخشى البعض أن يتم تجاهل قضية الاحتباس الحراري رغم تفاقمها.

عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس ترمب في واشنطن يوم الخميس، من المتوقع أن يناقش زعيما الدولتين الأكثر إنتاجاً لغازات الدفيئة قضايا عدة، من بينها سلامة الذكاء الاصطناعي. أما التغير المناخي -الذي يصفه ترمب بأنه «خدعة»- فمن غير المرجح أن يكون مدرجاً على جدول الأعمال.

التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً وأكثر واقعية

كتبت ليا ستوكس، أستاذة سياسات البيئة في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الأسبوع الماضي، أن الذكاء الاصطناعي «يستحوذ على كل اهتمامنا»، وجادلت بأن التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً أكثر واقعية، مستشهدة بموجات الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف والانهيار الجليدي المروع الذي وقع الشهر الماضي في نيبال.

وكتبت الدكتورة ستوكس: «على عكس الذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً؛ إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن. يبدو أيضاً أن الكثيرين قد تناسوا -بشكل مريح لأنفسهم- مدى إلحاح ضرورة حل هذه المشكلة».

تكهنات حول كارثة الذكاء الاصطناعي

من المعروف أن البشر يفتقرون إلى الكفاءة في تقييم المخاطر. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تظل المخاطر في الغالب مجرد تكهنات في هذه المرحلة، فحتى أكثر التوقعات جرأةً بشأن تسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية غالباً ما تفتقر إلى تفاصيل حول كيفية وقوع هذه الكارثة.. هل ستأتي النهاية على شكل ميكروب فائق الخطورة صممه الذكاء الاصطناعي أم عبر إطلاق أسلحة نووية؟ كما أن دمار المجتمع البشري قد يحدث ببطء أكبر، من خلال استيلاء نظام ذكاء اصطناعي مارق على البنية التحتية، في حين يعاني البشر من الجوع ويُحرمون من الحصول على الدواء.

الأتمتة تنتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل... ثم يقع خلل ما

يقول سيث باوم، المدير التنفيذي لمعهد المخاطر الكارثية العالمية: «هناك سيناريوهات لكوارث تدريجية قد يسببها الذكاء الاصطناعي، فنحن نواصل أتمتة المزيد والمزيد من العمليات بمرور الوقت، لننتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل، ثم يقع خلل ما».

تنبع هذه التوقعات من شعور بأن البشر بصدد خلق كيان قد يستعصي على السيطرة، كيان قد يكتسب القدرة على تطوير نفسه ذاتياً، ليصبح أذكى وأسرع منا بكثير من جميع النواحي الجوهرية. أما عن الحلول للحيلولة دون حدوث كل ذلك فهي غير موجودة بعد.

التغير المناخي... علم راسخ

في المقابل، تتسم قضية التغير المناخي بوجود حقائق ومعطيات معلومة، فالعلم الذي يربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة العالمية هو علم راسخ لا يقبل الجدل. كما أن الحلول المتاحة للحد من الانبعاثات -مثل الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية- هي حلول مُثبتة الفعالية ومتوفرة بكثرة. وعلى الصعيد العالمي، أصبحت المؤتمرات السنوية الرامية إلى درء هذه الأزمة جزءاً ثابتاً من الأجندة الدولية، وهي مؤتمرات تزخر بالمصطلحات العلمية والسياسية، فضلاً عن السجالات الدبلوماسية حول خطط العمل طويلة الأجل.

قد تبدو هذه المؤتمرات ذات طابع بيروقراطي، إلا أنها أثبتت أهميتها، فقد كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أما الآن فيقول العلماء إن الاحترار يسير في مسار يؤدي إلى ارتفاع قدره 2.6 درجة مئوية (4.7 درجة فهرنهايت)، وذلك بناءً على السياسات والاتجاهات الحالية. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من الحد الذي عدّته الدول مقبولاً أو قابلاً للتحمل.

تتجلى عواقب تغير المناخ في أحداث متطرفة ومفاجئة مثل حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المشكلة ببطء نسبي، وبطرق قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه المستمر. فمنذ أن أصبحت هذه القضية محط اهتمام العالم قبل جيل مضى، أثارت لحظات من التكاتف الجماعي، فضلاً عن ردود فعل معارضة ومشاعر اليأس والإرهاق. يقول الدكتور بوم: «نحن نميل إلى اعتبار الأمور التي تحدث تدريجياً أموراً طبيعية ونعتاد عليها. فالناس العاديون لا يرغبون في أن يكون هذا الأمر هو محور تفكيرهم الدائم».

مخطط دائري لبيانات الاستدامة (صورة رقمية مُولّدة لمقطع عرضي دائري متعدد البيئات تُظهر تطور المدينة من مدينة قديمة ملوثة إلى نمط حياة نظيف يعتمد على الطاقة البديلة المستدامة)

مشكلات من صنع البشر

ثمة روابط ملحوظة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ باعتبارهما تهديدين للبشرية. ففي كلتا الحالتين، تنبع المخاطر من أنشطة بشرية؛ سواء كان ذلك يتمثل في تطوير «نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والرائدة» (frontier models)، أو في حرق الوقود الأحفوري الذي يغذّي الاقتصاد العالمي الحديث. وفي كلتا الحالتين أيضاً، تمارس شركات عملاقة (سواء كانت شركات تكنولوجيا تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات أو شركات طاقة عملاقة عابرة للقارات) تأثيراً هائلاً على مسار التاريخ.

وقد قلّل الرئيس ترمب من شأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً أخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنها تصدر عن «الأشخاص أنفسهم الذين قالوا قبل وقت قصير، إن العالم سيفنى بسبب (تغير المناخ)».

الذكاء الاصطناعي... تدمير البيئة أم حمايتها؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون أداة فعالة في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنه -على سبيل المثال- تصميم أنظمة إنذار أكثر تطوراً للكوارث، أو ابتكار حلول تخفف من حدة نقص المياه العالمي. وبالفعل، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تعزيز حماية جزر المالديف (التي تتميز بانخفاض مستوى أراضيها عن سطح البحر) وإعادة تأهيل المناطق الساحلية.

الذكاء الاصطناعي سيستهلك عام 2030 كهرباء تعادل ما يستهلكه نحو 200 مليون نسمة

ولكن على المدى القصير على الأقل، يجعل الذكاء الاصطناعي خفض انبعاثات غازات الدفيئة أمراً أكثر صعوبة؛ إذ يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المائة خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وقد ذكر معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك بحلول عام 2030 كمية من الكهرباء تعادل ثلاثة أضعاف ما تستهلكه نيجيريا وباكستان وبنغلاديش مجتمعة، وهي دول يبلغ مجموع سكانها نحو 650 مليون نسمة.

تراجع الشركات عن أهدافها البيئية

لقد أصبحت شركات التكنولوجيا مشترياً رئيسياً للطاقة، وباتت تدعم مشروعات تعتمد على كل من الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري. في خطاب ألقاه يوم الاثنين، وصف سايمون ستيل، مسؤول المناخ في الأمم المتحدة، قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه «شره لاستهلاك الطاقة»، وقال إنه بحاجة إلى «احترام العلم وبدء مواءمة مساره مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، وبشكل عاجل».

وفي اليوم نفسه، صرح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيرأس مؤتمر المناخ الدولي لهذا العام في نوفمبر (تشرين الثاني)- بأن جدول أعمال المؤتمر سيتضمن مناقشة «الاستهلاك المتزايد للطاقة» في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «عالماً يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، ونظام طاقة عالمياً يعاني من الاضطراب، ومخاوف متزايدة بشأن صعود الذكاء الاصطناعي؛ كلها أمور تستدعي التحرك».

قبل ست سنوات، وضعت شركة «غوغل» خطة للاعتماد على طاقة خالية من الكربون بحلول عام 2030. وقد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، هذه الخطة بأنها «مبادرة طموحة للغاية لتحقيق الاستدامة» أو ما يُعرف بـ«مشروع القمر» (moonshot)، مشيراً إلى أن مدينته الأم في الهند، تشيناي، كانت قد غمرتها مياه الفيضانات قبل بضع سنوات، ما جعل «آثار تغير المناخ تبدو أقرب بكثير إلى حياته الشخصية».

سباق الذكاء الاصطناعي غيّر الأولويات

إن انبعاثات «غوغل» مستمرة في الارتفاع، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة «مايكروسوفت»، التي كانت قد أعلنت سابقاً هدفها بأن تصبح «سالبة الكربون» (أي تزيل من الكربون أكثر مما تنتج) بحلول عام 2030.

وفي العام الماضي، نشر الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- مقالاً طويلاً (يقع في 5000 كلمة) جادل فيه بأن تغير المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». وقد عكست استنتاجاته -التي جاءت بعد سنوات من تمويل قضايا المناخ- وجهة نظر مثيرة للجدل مفادها أنه حتى مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب سيظل بوسع البشر «العيش والازدهار في معظم أنحاء الأرض». ثم في الشهر الماضي، نشر غيتس مقالاً مطولاً آخر، تناول فيه مخاطر الذكاء الاصطناعي.

سمة مشتركة: عدم القدرة على التنبؤ

غير أن العديد من العلماء يرون أنه من الخطأ افتراض أن تغير المناخ سيسير وفق مسار يمكن التنبؤ به، أو بطريقة تتيح للدول إدارته والسيطرة عليه. ويشير البعض إلى أن أنظمة كوكب الأرض أثبتت -على مدى العقد الماضي- أنها أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة التدريجي مما كان متوقعاً، فضلاً عن أن المزيد من الاحترار لا يزال بانتظارنا.

إن العالم يفقد جمال الشعاب المرجانية والأسماك التي تتخذ منها موطناً، والاقتصادات القائمة على صيد تلك الأسماك. كما أن النباتات والأشجار تذبل وتضعف تحت وطأة ظروف مناخية أقسى، ما قد يقلّص إحدى الوسائل الطبيعية التي تمتص بها الأرض غاز ثاني أكسيد الكربون. ويؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى انكشاف مساحات واسعة من المياه الداكنة الممتصة للحرارة، ما يزيد من حدة ارتفاع درجات الحرارة. وعلاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات المستقبلية في ظروف المحيطات إلى إضعاف أو توقف أنظمة دورانٍ -لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام- تُعد حيوية للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة في بعض أنحاء العالم.

وتشير كاثرين ريتشاردسون، الأستاذة في جامعة كوبنهاغن، المتخصصة في دراسة «حدود الكوكب»، إلى أن مخاطر حلقات التغذية الراجعة وتعقيد نظام الأرض هما السبب الدقيق وراء خطورة وضع افتراضات مسبقة حول شكل العالم في المستقبل ومدى ملاءمته للعيش.

وذكرت أن معظم مراحل التقدم البشري -بدءاً من العصر الحجري والعصر البرونزي ووصولاً إلى عصر النهضة- قد تحققت في ظل درجات حرارة ظلت ضمن نطاق محدود. وقالت: «لا نعلم يقيناً ما إذا كان بوسعنا الازدهار» في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار درجتين أو ثلاث درجات مئوية. وأضافت أننا لا نعرف حتى الآن كيف قد يبدو عالم كهذا. وللتعبير عن حالة عدم اليقين المرتبطة بتغير المناخ، استخدمت عبارات مشابهة لتلك التي تُستخدم في التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. إذ قالت: «قد نفقد السيطرة على هذه العملية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.