زيلينسكي: إجلاء 3000 شخص من ماريوبول المحاصرة

نحو 160 ألفاً لا يزالون عالقين في المدينة

أطفال نائمون في حافلة بينما تصل قافلة مؤلفة من 30 حافلة تحمل أشخاصًا تم إجلاؤهم من ماريوبول وميليتوبول إلى مركز التسجيل في زابوريجيه (أ.ف.ب)
أطفال نائمون في حافلة بينما تصل قافلة مؤلفة من 30 حافلة تحمل أشخاصًا تم إجلاؤهم من ماريوبول وميليتوبول إلى مركز التسجيل في زابوريجيه (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: إجلاء 3000 شخص من ماريوبول المحاصرة

أطفال نائمون في حافلة بينما تصل قافلة مؤلفة من 30 حافلة تحمل أشخاصًا تم إجلاؤهم من ماريوبول وميليتوبول إلى مركز التسجيل في زابوريجيه (أ.ف.ب)
أطفال نائمون في حافلة بينما تصل قافلة مؤلفة من 30 حافلة تحمل أشخاصًا تم إجلاؤهم من ماريوبول وميليتوبول إلى مركز التسجيل في زابوريجيه (أ.ف.ب)

فر أكثر من ثلاثة آلاف شخص من ماريوبول في حافلات وسيارات خاصة على ما أعلنت السلطات الأوكرانية، بينما يستعد الصليب الأحمر اليوم (السبت) لمحاولة تنفيذ عملية إجلاء جديدة من هذه المدينة الساحلية المحاصرة والمدمرة بعد فشل محاولة أولى.
وفي اليوم السابع والثلاثين للغزو الروسي لأوكرانيا الذي أسفر عن سقوط آلاف القتلى المدنيين والعسكريين، تخفف القوات الروسية قبضتها على كييف وتعمل على تجميع صفوفها للتركيز على شرق البلاد حيث ستتواجه مع جيش أوكراني متمرس مما قد يشير إلى صراع «طويل الأمد» قد يستمر أشهرا وفق ما حذر البنتاغون.
في جنوب شرقي البلاد لا تزال ماريوبول محل نزاع بين الطرفين والوضع الإنساني فيها كارثي. وبعد قصف استمر أسابيع عدة على هذه المدينة الاستراتيجية الواقعة على بحر آزوف، أعلنت السلطات المحلية أن ما لا يقل عن خمسة آلاف من أبناء المدينة قتلوا.
وتفيد التقديرات الأخيرة أن نحو 160 ألف شخص لا يزالون عالقين في المدينة التي من شأن سقوطها أن يؤمن تواصلا جغرافيا للروس، من شبه جزيرة القرم وصولا إلى الجمهوريتين الانفصاليتين المواليتين للروس في منطقة دونباس. وتجري عمليات إجلاء المدنيين بشكل تدريجي بعدما كانت مستحيلة على مدى أسابيع.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقطع مصور بث ليل الجمعة السبت «اليوم (الجمعة) عملت الممرات الإنسانية في ثلاث مناطق: دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا. تمكنا من إنقاذ 6266 شخصاً، بينهم 3071 من ماريوبول».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1509894602924331009
وأوضحت نائبة رئيس الوزراء الأوكراني إيرينا فيريشتشوك أن «1431 شخصاً سافروا من برديانسك وميليتوبول بوسائلهم الخاصة إلى زابوريجيا. 771 من بينهم أتوا من ماريوبول». وأضافت أن «42 حافلة من برديانسك تقل سكانا من ماريوبول و12 حافلة من ميليتوبول تقل سكانا محليين» كانت في طريقها مساءً إلى زابوريجيا، متحدثة عما مجموعه «أكثر من 2500 شخص».
ورصدت وكالة الصحافة الفرنسية مساء أمس (الجمعة) دخول حوالي 30 حافلة إجلاء إلى مدينة زابوريجيا، بعضها يقل أشخاصاً فروا من ماريوبول بمفردهم ثم نقلوا بالحافلات إلى الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا.
وبعد وصولهم إلى ضاحية زابوريجيا، بكى بعض الأشخاص الذين غادروا ماريوبول، ارتياحا لعودتهم إلى مناطق تسيطر عليها القوات الأوكرانية.

وقال أشخاص عدة تم إجلاؤهم من ماريوبول لوكالة الصحافة الفرنسية إنهم اضطروا إلى السير مسافة 15 كيلومترا أو أكثر لمغادرة المدينة، قبل أن يجدوا سيارات خاصة لمواصلة رحلتهم. وانتهت مشقتهم برحلة في الحافلة استمرت 12 ساعة سلكت طريقا تنتشر فيها الكثير من الحواجز قبل الوصول إلى زابوريجيا. وهي رحلة كانت تستمر ثلاث ساعات قبل الحرب.
وقالت أولينا وهي تحمل طفلتها الصغيرة «رحنا نبكي عندما وصلنا إلى هذه المنطقة. بكينا عندما رأينا جنودا عند حاجز مع شارات أوكرانية على أذرعهم. لقد دمر منزلي، رأيته على صور. مدينتنا لم تعد موجودة».
قالت أولغا، وهي امرأة أوكرانية كانت تنتظر في مركز للأسر النازحة في زابوريجيا، «أنا أبكي، لقد رأيت حفيدتي للتو». وأضافت «عائلة والدتها لا تزال في ماريوبول ولا نعرف ما إذا كانوا على قيد الحياة. لا توجد كلمات لأعبر عن مدى سعادتي برؤيتها بأمان».
وتمكن سكان ماريوبول هؤلاء من الوصول إلى مدينة برديانسك التي تحتلها القوات الروسية، حيث تم ضمهم إلى القافلة وفق شهادات أدلى بها ركاب لوكالة الصحافة الفرنسية ومسؤولون.
من جهتها قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي كان مقررا أن تشارك في عملية الإجلاء، الجمعة إن فريقها الذي أرسل إلى ماريوبول اضطر إلى أن يعود أدراجه، لأن الإجلاء المقرر لآلاف المدنيين من هذه المدينة الساحلية التي تحاصرها القوات الروسية كان «مستحيلا» الجمعة.

وأضافت اللجنة في بيان أن فريقها الذي «يضم ثلاث آليات وتسعة أشخاص، لم يصل إلى ماريوبول ولم يتمكن من تسهيل المرور الآمن للمدنيين اليوم (الجمعة)».
وأوضحت اللجنة أنه «لكي تنجح العملية، من الضروري أن يحترم الأطراف الاتفاقات ويوفروا الشروط اللازمة والضمانات الأمنية» مشددة على أن محاولة جديدة ستحصل السبت.
لكن استمرار المعارك يهدد هذه الضمانات. فقد اتهمت روسيا الجمعة أوكرانيا بتنفيذ هجوم بواسطة مروحيات على أراضيها ولوحت باحتمال تشديد نهجها خلال المفاوضات.
واستهدفت الضربة الجوية منشآت تخزين وقود تابعة لشركة «روسنيفت» للطاقة في بلغورود في روسيا على بعد حوالي 40 كيلومترا من حدود أوكرانيا.
ورفضت كييف التأكيد أنها تقف وراء الهجوم. وقال الرئيس زيلينسكي لمحطة «فوكس نيوز» التلفزيونية الأميركية «عفوا، لكنني لا أخوض في الأوامر التي أصدرها كقائد أعلى» للقوات المسلحة.
وغردت وزارة الدفاع البريطانية مساء أمس (الجمعة) كاتبة أن تدمير خزانات الوقود في بلغورود فضلا عن انفجار مخزن للذخيرة قرب المدينة «يفرض ضغوطا إضافية على المدى القصير على السلاسل اللوجيستية الروسية التي تتعرض أصلا لضغط كبير».

وحذرت أوكرانيا من أن الجنود الروس الذين غادروا محطة تشرنوبيل النووية بعد احتلالها مدة أسابيع، قد يكونون تعرضوا لإشعاعات. وكانت هذه المحطة العام 1986 مسرحا لأسوأ كارثة نووية في العالم.
قال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا إن روسيا تصرفت بطريقة «غير مسؤولة على كل الأصعدة» خلال الأسابيع الأربعة التي سيطرت خلالها على هذه المنطقة. وأكد أنها عملت خصوصاً على عرقلة عمل طواقم المحطة و«حفرت خنادق في مناطق ملوثة» بالإشعاعات.
وقال زيلينسكي إن روسيا تعد «لضربات قوية» في جنوب البلاد وشرقها خلافا لتصريحات روسيا ومفادها أنها عمدت إلى تخفيف حدة المواجهات.
وقال الرئيس الأوكراني لمحطة «فوكس نيوز»، «أعطونا صواريخ. أعطونا طائرات. لا تستطيعون إعطاءنا طائرات إف - 18 أو إف - 19؟ أعطونا طائرات سوفياتية قديمة. أعطوني أي شيء لأدافع عن بلدي».
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أنها ستوفر مساعدات عسكرية إضافية لأوكرانيا بقيمة قد تصل إلى 300 مليون دولار تشمل أنظمة صواريخ موجهة بالليزر وطائرات مسيرة «انتحارية» من طراز «سويتش بلايد» فضلا عن طائرات مسيرة خفيفة من نوع «بوما».
وقال المتحدث باسم الوزارة جون كيربي في بيان إن «هذا القرار يؤكد التزام الولايات المتحدة الراسخ سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها دعما لجهودها البطولية لصد الحرب التي قررتها روسيا».
وأضاف «الولايات المتحدة التزمت الآن بأكثر من 2.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية لأوكرانيا منذ تولي إدارة بايدن السلطة، بما في ذلك أكثر من 1.6 مليار دولار من المساعدات العسكرية منذ الغزو غير المبرر والمتعمد من جانب روسيا».
واستؤنفت محادثات السلام بين المسؤولين الأوكرانيين والروس الجمعة عبر الفيديو لكن الكرملين حذر من أن هجوم بلغورود قد يعوق هذه المفاوضات.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف «من الواضح أننا لا نستطيع أن نعتبر أن ما حصل سيوفر ظروفاً ملائمة لمتابعة المفاوضات».
ويزور وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية البريطاني مارتن غريفيث موسكو الأحد في محاولة للحصول على «وقف لإطلاق النار لأغراض إنسانية» في أوكرانيا على ما أعلن الأمين العام أنطونيو غوتيريش.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.