الطعم الحامض مذاق «ضائع» من رواسب المذاقات المنسية

الطعم الحامض مذاق «ضائع» من رواسب المذاقات المنسية
TT

الطعم الحامض مذاق «ضائع» من رواسب المذاقات المنسية

الطعم الحامض مذاق «ضائع» من رواسب المذاقات المنسية

عندما يفكر الباحثون بالفئات الخمس الأساسية للتذوق - الحلو، والمالح، والحامض، والمر، والأومامي - فإنهم يختلفون قليلاً حول الأكثر غموضاً بينها.
تشتهي المخلوقات الحية الحلويات للحصول على السكر والسعرات الحرارية، بينما تغذي شهوة الأومامي كثيراً من الحيوانات بالبروتينات. وينطوي الملح على أهمية كبيرة للأجسام للحفاظ على توازن السوائل ونشاط الخلايا العصبية، بينما تساعد الحساسية للمذاق المر في الحماية من حالات التسمم.
مذاق عريق القدم
ولكن ماذا عن المذاق الحامض؟ يعد الأخير إشارة غريبة غير مرتبطة لا بالتسمم ولا بالتغذية، بل بالمؤشر التقريبي للأس الهيدروجيني المنخفض (pH- درجة الحموضة) ووجود الأحماض - حمض الستريك في الليمون وحمض الأسيتيك في الخل وغيرها.
تعتبر آن ماري توريغروسا، الباحثة المتخصصة في المذاق بجامعة بوفالو، أننا «لا نحتاج المذاق الحامض لنعيش»، و«أنه لمن الغريب أن نحتاج لهذا المذاق». في المقابل، يرى روب دان، عالم البيئة في جامعة ولاية شمال كاليفورنيا، أن «الحامض مذاق ضائع»، وأنه «من رواسب المذاقات المنسية... لا أحد يعلم ما (المذاق الحامض) بالتحديد»، على حد وصف دان.
ولكن على الرغم من كل ما ذُكر، ما زلنا نشعر بقوة بالمذاق الحامض ولسنا وحدنا في ذلك. فبعد مبادرة دان وزملائه أخيراً إلى التحقيق في الجذور التطورية لهذه الحاسة، صرحوا بأنهم لم يجدوا نوعاً حياً واحداً من الفقريات خسر قدرته على تذوق الأطعمة الحامضة، لا الطيور ولا الثدييات ولا البرمائيات ولا الزواحف ولا حتى الأسماك. ويقر الجميع بأن السبب في هذا الأمر يعود لقلة أنواع الحيوانات التي درسها الباحثون - بضع عشرات منها فقط - ولكن تبقى الخلاصة الأهم أن المذاق الحامض نجح في إثبات نفسه.
وبينما خسرت القطط وثعالب الماء والضباع وغيرها من آكلات اللحوم القدرة على الشعور بالمذاق الحلو، وفيما يملك دب الباندا العملاق مناعة قوية ضد مذاق الأومامي، وخسرت الدلافين التي تبتلع فرائسها قطعة واحدة، حساسيتها للمذاقين الحلو والمر... فإن مذاق الحموضة كما يبدو حافظ على قوة فقدها أقرباؤه - من المذاقات - ما يرجح تمتعه بدورٍ قوي وتاريخي ربما.
لغز الطعم الحامض
ولكن هذا الدور أو الشيء الذي يقوم به لا يزال لغزاً ولعله يتفرع إلى أشياء مختلفة بحسب النوع الحي. يعتقد دان أن جزءاً من هذه القصة يبدأ مع الأسماك - النوع الفقري الأقدم وقدراته الخارقة في تذوق الحامض التي قيمها العلماء وأكدوا وجودها. تملك الأسماك براعم للتذوق في أفواهها، كما البشر، ولكنها تمتد لديها لتغطي كامل جسدها (يمكن تشبيهها بلسانٍ كبيرٍ). وتستطيع بعض مجسات استشعار الحمض لدسها، مساعدة هذه الأحياء على الأرجح في الملاحة داخل وخارج المياه التي تحتوي على نسب كبيرة أو منخفضة من ثاني أكسيد الكربون، للمحافظة على التوازن الكيميائي لسوائل أجسامها.
عندما بدأ أجداد الأنواع الحية التي تعيش اليوم على الأرض بالزحف البطيء إلى اليابسة، حافظت حاسة تذوق الحامض على استمراريتها لديها - وتوسعت بسرعة لتشمل التفرعات المختلفة من النوع نفسه. تتمتع الأطعمة الحمضية اليوم بشعبية متوسطة، أي أنها ليست مرغوبة كثيراً ولا مكروهة كثيراً.
ينجح كثير من الأنواع الحية عالية التطور (مثل القرود المتطورة)، وكذلك البشر، في رصد المذاق الحامض، وكذلك تفعل الجرذان والخنازير - حتى تركيزٍ معين على الأقل يُعرف بـ«نقطة الهناء»، أي الدرجة التي تسبق تحول الطعم إلى مقرف. يحذر دان مثلاً من «إعطاء حبة طماطم لخروف» ويؤكد ضرورة «عدم إعطائه حبة ليمون». (لم يجرب دان الأمر ولكنه وزملاءه اطلعوا على دراسة أجريت عام 1970، جاء في نتائجها أن الخرفان تجد في الأطعمة الحامضة مذاقاً سيئاً للغاية).
لم يتضح بعد سبب نفور بعض الأنواع الحية من المذاق الحامض، ولكن العلماء يطرحون أكثر من تخمين. لعل الحيوانات التي أُثبِت كرهها للطعم - كالأحصنة والخفافيش الماصة للدماء والأرانب وعفريت الماء وغيرها - تعده إشارةً على عدم نضوج طعامها، أو على فساده ما يجعله غير صالح للأكل. قد يؤدي الحمض عند تطرف مستواه في الجسم إلى قضم الأنسجة أو تآكل مينا الأسنان، وقد يعبث بكيمياء الجسم ويربك ميكروبات الأمعاء الهشة.
من جهتها، اعتبرت هانا فرانك، باحثة في مجال المحاصيل الزراعية وعلوم التربة بجامعة ولاية كارولينا الشمالية التي تعمل مع دان في بحثه لتفكيك الماضي التطوري للمذاق الحامض، أن «كثيراً من التفسيرات المرتبطة بالأحماض تركز على المساوئ، لكنها لا تزال غير مثبتة». أما دان، فقد اعتبر أن البحث عن سبب التطور وإثباته يشكل كابوساً علمياً، خصوصاً أن التاريخ ليس حافلاً بدراسات لحالة «الخروف الذي توفي لأنه أكثر من تناول الليمون».
ولكن على عكس الخراف، نُعد نحن البشر كنوع حي من أشد معجبي المذاق الحامض، والأمر نفسه ينطبق على أنواع عدة من الأحياء العليا في التطور - كالشمبانزي والأورانغوتان والغوريلا والمكاك والجبون... لأن الحمض يفعل شيئاً جيداً على ما يبدو.
فوائد غنية
يفتش الباحثون منذ سنوات عن سببٍ مقنع لهذا الأمر، ويعتقدون أن المذاق الحامض قد يكون مؤشراً على غنى الطعام بفيتامين سي، وهز العنصر الغذائي الذي خسر أجدادنا ميزة إنتاجه منذ نحو 60 أو 70 مليون عام. ومن هنا، يمكن القول إن الشهية المفتوحة على الأطعمة الحامضة قد تكون ساعدتنا في تجنب ويلات داء الإسقربوط.
تبقى علاقة الكائنات الحية مع الحمضية فوضوية حتى في أبسط الروايات. إذ يمكن للفواكه الحامضة، التي تعد أحياناً وجبة خفيفة ممتازة، أن تكون بعيدة جداً عن النضوج. تعتبر كايتي أماتو، عالمة الأنتروبولوجيا الحيوية من جامعة نورث وسترن المشاركة في بحث دان، أن الحل قد يكمن في شراكة المذاق الحامض مع بعض الحلاوة. تعطي الأطعمة شديدة الحموضة وشديدة الحلاوة مكسباً إضافياً يتمثل بمجموعة كبيرة من الميكروبات الحميدة التي تستوطن الأمعاء وتفكك الكربوهيدرات.
تُعرف هذه العملية باسم التخمير وتنتج مذاقاً حاداً، فضلاً عن أنها تبقي الميكروبات المضرة خارج الجسم وتسحق ألياف النباتات التي يعاني جسمنا من صعوبة في هضمها وحده. يميل البشر، أو بعض منهم، إلى تفضيل أنواع من الأطعمة عالية الحموضة كاللبن الزبادي. هنا، ترى أماتو في الحموضة مؤشراً على التأثير المذهل الذي يتمتع به التخمير، «الأمر الذي تجب مقابلته باختيار النوع الصحيح من الفواكه الناضجة».
ولكن لا بد من الاعتراف بأن دراسات تفضيل المذاق بين الأنواع الحية غير البشرية ليست مهمة سهلة أبداً، إذ تعتمد إحدى أبسط التجارب على تخيير الحيوان بين المياه العادية والمياه المنكهة - بطعم حلو، أو مالح، أو مر أو أومامي، أو حامض - لتحديد السائل الأكثر جذباً للمخلوق.
من جهته، أشار هيرو ماتسونامي، عالم أحياء في الكيمياء الحسية في جامعة ديوك، إلى عنصرٍ أكثر تعقيداً وهو أن الانتشار الواضح لرصد المذاق الحامض بين الفقريات قد لا يعود بالضرورة للطعم، لأن المستقبلات الكيميائية نفسها التي نستخدمها لتصفير الحموضة في أفواهنا تؤدي على ما يبدو مهام أخرى في الجسم قد تكون مهمة جداً، ما يرجح أن يكون هذا الضغط التطوري وحده السبب في استمرار تذوق الحامض طوال هذا الوقت.
* «ذا أتلانتك»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا تعمل «أبل» على إعادة تصميم «سيري» لتتحول من منفذة أوامر إلى مساعد حواري سياقي شبيه بـ«ChatGPT» (شاترستوك)

ماذا يعني أن تصبح «سيري» شبيهة بـ«ChatGPT»؟

تعمل «أبل» على تحويل «سيري» إلى مساعد شبيه بـ«ChatGPT»، يركز على السياق والتنفيذ والخصوصية، في خطوة تعكس تغير تفاعل المستخدمين مع الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد السواحة يتحدث خلال الجلسة الحوارية بـ«المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس (الشرق الأوسط)

السعودية تستهدف المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للاقتصاد العالمي

أكد المهندس عبد الله السواحة، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا نموذج «Rho-Alpha» يدمج الرؤية واللغة والفعل في إطار تعلم واحد ما يمكّن الروبوتات من التفاعل مع العالم المادي بمرونة أعلى (مايكروسوفت)

روبوتات تفكر وتتحرك: ما الذي يميّز «Rho-Alpha» من «مايكروسوفت»؟

تستعرض أبحاث «مايكروسوفت» نموذجاً جديداً يمكّن الروبوتات من فهم العالم والتكيّف معه عبر دمج الرؤية واللغة والفعل في ذكاء متجسّد واحد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

«أوبن إيه آي» تستكشف جهازاً صوتياً غامضاً بلا شاشة، قد يعيد تعريف التفاعل مع الذكاء الاصطناعي ويفتح سباقاً جديداً على مستقبل الحوسبة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»