مخاوف من «اثنين أسود» للأسواق الأميركية وتكرار سيناريو الكساد الكبير

هل يتراجع ترمب عن الرسوم وتنجح تكتيكاته في جلب الدول إلى طاولة المفاوضات؟

شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)
شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)
TT

مخاوف من «اثنين أسود» للأسواق الأميركية وتكرار سيناريو الكساد الكبير

شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)
شاشة تظهر مؤشر «داو جونز» الصناعي في اختتام التداولات بعد تسجيله خسائر فادحة (إ.ب.أ)

أبدى عدد كبير من الخبراء والمحللين مخاوف من أن تشهد أسواق المال يوم الاثنين «حمام دم»، وانهيارات كما حدث في «الاثنين الأسود» عام 1987، خصوصاً بعد موجات البيع الضخمة التي استمرت يومي الخميس والجمعة، وكانت بمثابة خميس وجمعة أسودين، وجعلت المحللين يتخوفون مما يحمله الأسبوع الجديد من خسائر زائدة، وإشارات حقيقية عن مدى سوء الأوضاع.

وحذرت شبكة «سي إن بي سي» من تفاقم التضخم، وتوقف النمو الاقتصادي، وتكرار سيناريو عام 1987، ما لم يقم الرئيس ترمب بخطوات لتخفيف الضرر الزائد في أسواق المال العالمية.

وقد شهدت «وول ستريت» انخفاضات لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.8 في المائة يوم الخميس، وهو أكبر انخفاض في يوم واحد منذ جائحة «كوفيد - 19». وانخفض بشكل أكبر يوم الجمعة بنحو 6 في المائة ليصل إجمالي الخسائر إلى 6.6 تريليون دولار خلال يومين. كما شهد مؤشر «ناسداك» لشركات التكنولوجيا انخفاضاً بنسبة 6 في المائة بنهاية تداولات يوم الجمعة. وخرجت تصريحات متضاربة من مسؤولي البيت الأبيض حول ما إذا كانت الرسوم الجمركية دائمة أو أنها مجرد تكتيكات يمارسها ترمب للحصول على تنازلات حيث قال إن هذه الرسوم تمنح إدارته قوة كبيرة للتفاوض.

التاريخ يعيد نفسه

وجددت هذه الانخفاضات والاضطرابات في سوق الأسهم الأميركية، المخاوف من تكرار الاثنين الأسود الذي حدث في 19 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1987، حينما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 22 في المائة، مسجلاً أكبر انخفاض في يوم واحد في تاريخ سوق الأسهم الأميركية. واستمرت الانخفاضات بقية الشهر، وبحلول أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) فقدت معظم مؤشرات سوق الأوراق المالية أكثر من 20 في المائة من قيمتها، وأدى ذلك إلى خسائر بقيمة 1.71 تريليون دولار. وقد تأثرت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم، حيث شهدت الأسواق الأوروبية والآسيوية انخفاضات حادة في ذلك الوقت.

وأعادت اضطرابات سوق المال إلى الذاكرة ما حدث في عام 1929 حينما فقدت سوق الأسهم أكثر من 20 في المائة من قيمتها في يومين، وفقدان 50 في المائة في غضون ثلاثة أسابيع. في ذلك الوقت، انهارت «وول ستريت»، مما أدى إلى الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين، وما حدث بعد انهيار بنك «ليمان براذرز» عام 2008، والذعر الذي ساد أسواق الأسهم بعد جائحة «كوفيد - 19» عام 2020.

وتخوّف المحللون من أن يعيد التاريخ نفسه، مشيرين إلى أن الركود لا مفر منه بعد رسوم ترمب الجمركية.

ولهذه المخاوف ما يبررها. فقد فرض الرئيس ترمب تعريفة جمركية 10 في المائة على جميع الواردات من 180 دولة، وفرض تعريفة جمركية أكثر صرامة على ستة من أكبر الشركاء التجاريين (الاتحاد الأوروبي 20 في المائة - المكسيك 25 في المائة - الصين 54 في المائة - كندا 25 في المائة - اليابان 24 في المائة - فيتنام 46 في المائة)، وسيدخل ذلك حيز التنفيذ يوم الأربعاء في التاسع من أبريل (نيسان). وهو ما يمثل فعلياً أكبر زيادة ضريبية في الولايات المتحدة منذ عام 1968، وفقاً لبنك «جي بي مورغان».

ويتخوف المحللون من الإجراءات الانتقامية التي قررتها الصين بفرض ضريبة 34 في المائة على الواردات الأميركية، وتوقعات بإجراءات انتقامية مماثلة من كندا والاتحاد الأوروبي، وأن تحذو دول أخرى حذوها في الأسابيع المقبلة، بما يعني أن سوق الأسهم قد تنخفض بشكل أكبر إذا تصاعدت الحرب التجارية.

وتشير التقارير إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تخطط لتشكيل جبهة موحدة ضد رسوم ترمب الجمركية، وأن تتخذ مجموعة من التدابير المضادة ضد واردات أميركية تصل قيمتها إلى 28 مليار دولار. وهي خطوة تعني انضمام الاتحاد الأوروبي إلى الصين وكندا في فرض رسوم جمركية انتقامية على الولايات المتحدة، في تصعيد يمكن أن يتحول إلى حرب تجارية عالمية بما يجعل السلع أكثر تكلفة للمستهلكين، ويدفع الاقتصادات في جميع أنحاء العالم إلى الركود

وكانت صدمة «وول ستريت» من قوة وصرامة الرسوم الجمركية التي حددها ترمب كبيرة وواضحة. وأشار عدد من المحللين إلى أنها «غير منطقية وعبثية»، وتدفع الولايات المتحدة إلى الركود، وتسبب ركوداً تضخمياً. وتندر المحللون من شعار MAWA (اجعلوا أميركا ثرية مرة أخرى) الذي رفعه ترمب، وأشاروا إلى أنه تحول إلى MAGDA أي «اجعلوا أميركا تعاني من الكساد العظيم مرة أخرى».

متداول في بورصة نيويورك يتابع تراجعات كل مؤشرات الأسهم (أ.ف.ب)

من النمو القوي إلى الركود

وخلال الأسبوع الماضي، تحولت التوقعات من النمو القوي للاقتصاد الأميركي، وتسارع نمو معدلات التوظيف، وانخفاض معدل البطالة، وارتفاع الأجور إلى خطر الركود. وأصبح انخفاض الأسهم، وعمليات البيع الموازية في السندات غير المرغوب فيها، وتكلفة التعريفات الجمركية، واحتمال ضعف الصادرات بسبب التعريفات الانتقامية، كلها عوامل تؤثر على التوقعات بالدخول إلى مرحلة كساد.

وقال بروس كاسمان الخبير الاقتصادي في بنك «جي بي مورغان» إن الركود هو النتيجة الأكثر احتمالاً بمجرد دخول الرسوم الجمركية المتبادلة حيز التنفيذ، متوقعاً أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 0.3 في المائة خلال العام الحالي، منخفضاً عن توقعات البنك السابقة في يناير (كانون الثاني) الماضي حين توقع نمو الناتج المحلي بنسبة 2 في المائة. وفي مذكرة بعنوان: «ستكون هناك دماء» رفع كاسمان احتمالات حدوث ركود عالمي من 40 في المائة إلى 60 في المائة.

وقال بريستون كالدويل المحلل في شركة «مورنينغ ستار» إن احتمالات حدوث ركود اقتصادي تتراوح بين 40 في المائة و50 في المائة، مشيراً إلى أن الرسوم الجمركية ستؤدي إلى انخفاض في النمو الاقتصادي الأميركي، وتدهور مستويات المعيشة للأميركيين.

متداول في بورصة نيويورك يرصد تراجعات الأسهم بعد قرار ترمب فرض رسوم جمركية جديدة (إ.ب.أ)

تكتيكات التفاوض

ويراهن تيار متفائل من المحللين على أن يقوم ترمب بمفاوضات مع الشركاء التجاريين بما يمنع مزيداً من الانهيار في سوق الأسهم. وقال مايك ويلسون كبير استراتيجيي الأسهم الأميركية في «مورغان ستانلي»: «إذا رأينا أن الدول تأتي إلى طاولة المفاوضات في الأمد القريب، ويتم خفض معدلات الرسوم الجمركية، فمن المرجح أن يساعد ذلك في تخفيف بعض الضغوط. وإذا استمرت المفاوضات، وتم اتخاذ تدابير إضافية، فمن المرجح أن يرتفع خطر الركود».

وقال ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي إن سياساته لا تتغير أبداً، مما يشير إلى أن المفاوضات غير واردة. لكن يوم الجمعة، زعم ترمب أن فيتنام عرضت إلغاء رسومها الجمركية مقابل التوصل إلى اتفاق. وفسرت الأسواق ذلك على أنه استعداد للتفاوض، مما أدى إلى ارتفاع أسهم شركة «نايكي» التي تستورد منتجاتها من فيتنام.

ويقول خبراء الاقتصاد إن هذا التنافر يزيد من حالة عدم اليقين، ويجعل الشركات مترددة في اتخاذ قرارات استثمارية كبرى، مما يؤدي إلى مزيد من استنزاف الطلب الكلي.


مقالات ذات صلة

وزير الجيش الأميركي يتنحى عن منصبه

الولايات المتحدة​ وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ب) p-circle

وزير الجيش الأميركي يتنحى عن منصبه

قال البيت الأبيض، الاثنين، إن وزير الجيش الأميركي سيتنحى عن منصبه بعد 18 شهراً من توليه المسؤولية، في أحدث رحيل لمسؤول عسكري بارز في إدارة ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية جوشوا كوشنر (أ.ب)

شقيق صهر ترمب يندم على دخوله مشروع إنفانتينو: «لو علمنا لما شاركنا»

أعرب جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن ندمه على مشاركة شركته الاستثمارية «ثرايف كابيتال» في مشروع جياني إنفانتينو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

ترمب سيعيد النظر في موقف أميركا من جزر فوكلاند

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيعيد النظر في موقف الولايات المتحدة من جزر فوكلاند، وهي أرخبيل يخضع للحكم البريطاني في جنوب المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ امرأة تحمل لافتة كُتب عليها «صوّت» خلال مسيرة «الدفاع عن حق التصويت» عند نصب لنكولن التذكاري في العاصمة الأميركية واشنطن - 28 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

رئيس الأركان الأميركية: لا خطط للجيش لإرسال قوات إلى مراكز الاقتراع في نوفمبر

قال رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال دان كين، إنه لا توجد أي خطط لإرسال قوات إلى مراكز الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي بالكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى الصحافيين برفقة وزير الدفاع بيت هيغسيث مارس الماضي (أرشيفية - رويترز)

«أكسيوس»: ترمب يدرس ضربات دورية ضد إيران في «هرمز»

يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مساعديه توجيه ضربات محدودة ومتكررة ضد أهداف إيرانية في مضيق هرمز لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
TT

الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)
حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

حضر العامل الاقتصادي في كثير من الصراعات بين الدول على مرّ التاريخ. فمن الحصار التجاري إلى التحكم بطرق التجارة والموارد، استخدمت القوى المتنافسة إمكاناتها الاقتصادية للضغط على خصومها وتعزيز موقعها. لكن تشابك الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة زاد من فاعلية الأدوات الاقتصادية وتنوّعها في هذه الصراعات، من العقوبات المالية والرسوم الجمركية إلى قيود التكنولوجيا والطاقة والمواد الحيوية وسلاسل الإمداد.

وتكشف الصراعات الدولية الراهنة عن اتساع توظيف الأدوات الاقتصادية في صراعات النفوذ بين الدول. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يستخدمان العقوبات والقيود التجارية ضد خصومهما، فيما تستفيد الصين من ثقلها التجاري والصناعي لتعزيز موقعها في المنافسة الاقتصادية مع القوى الأخرى، وتحتفظ الدول المنتجة للطاقة بأوراق قوة نابعة من الموارد التي تسيطر عليها. وهكذا يصبح حجم الاقتصاد وموقع الدولة داخل النظام التجاري والمالي العالمي جزءاً من قدرتها على التأثير في سلوك الآخرين.

العقوبات في خدمة الأهداف السياسية

تُعد العقوبات من أكثر صور توظيف الاقتصاد وضوحاً في صراعات النفوذ. ومن خلال العقوبات، تستطيع دولة أو مجموعة دول حرمان دولة خصم من مصادر التمويل أو الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا، بهدف زيادة التكلفة الاقتصادية المترتبة على مواقفها وقراراتها السياسية، والضغط عليها لتغيير هذه السياسات.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، وهو مركز أبحاث أميركي متخصص في القضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية، إلى أن أدوات الحرب الاقتصادية تشمل -إضافة إلى العقوبات المالية- سياسات تجارية وصناعية وتنظيمية يمكن من خلالها التأثير في قدرة الخصم على تحويل موارده الاقتصادية إلى قوة.

وتقدّم روسيا منذ غزوها أوكرانيا مثالاً بارزاً على استخدام العقوبات الاقتصادية للضغط على دولة بهدف التأثير في سياساتها. فقد استهدفت العقوبات الغربية قطاعات مالية وصناعية وتكنولوجية روسية، إلى جانب محاولات تقليص عائدات موسكو من الطاقة، في إطار الضغط عليها بسبب استمرار الحرب. وسَعَت روسيا إلى الحد من تأثير هذه الإجراءات عبر إعادة توجيه جزء من تجارتها نحو أسواق أخرى والبحث عن قنوات بديلة للحصول على السلع والتمويل، بما يساعدها على تحمل تكلفة العقوبات ومواصلة حربها.

ورغم أن العقوبات لم تدفع موسكو إلى تغيير سياستها تجاه أوكرانيا، فإنها أرخت بظلالها على الاقتصاد الروسي، من خلال تقييد الوصول إلى بعض التقنيات والاستثمارات والأسواق الغربية، وزيادة تكلفة بعض الواردات والمعاملات التجارية، فضلاً عن الضغوط التي تعرّضت لها قطاعات تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية. وهنا يظهر أحد حدود فاعلية العقوبات السياسية: فقد تُلحق العقوبات تكلفة اقتصادية ملموسة بالدولة المستهدَفة، من دون أن تكون هذه التكلفة كافية بالضرورة لدفع قيادتها إلى تغيير السياسة التي فُرضت العقوبات بسببها.

ناقلة نفط تابعة لمجموعة «سوفكومفلوت» الروسية تعبر مضيق البوسفور في تركيا (رويترز)

التجارة أداة للضغط الاقتصادي

تؤدي التجارة دوراً أكثر تعقيداً في صراعات النفوذ، لأن العلاقة التجارية التي تحقق مكاسب للدولتين في الظروف الطبيعية قد تتحوّل إلى مصدر قوة لإحداهما عند وقوع خلاف بينهما. وكلما زاد اعتماد دولة على سوق الدولة الأخرى أو على منتجات يصعب استبدالها، ازدادت قدرة الأخيرة على توظيف هذا الاعتماد لتحقيق أهداف سياسية.

ويبرز ذلك خصوصاً في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تُستخدم الرسوم الجمركية وقيود التصدير والسياسات الصناعية في سياق التنافس بين البلدين على موقعيهما في الاقتصاد العالمي، وعلى الصناعات والتقنيات التي يُتوقع أن تؤثر في موازين القوة مستقبلاً.

ويظهر ذلك بوضوح في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية. فالسيطرة على التكنولوجيا أو على المواد الضرورية لإنتاجها تمنح الدول أدوات ضغط تضاف إلى أهميتها التجارية. وفي المقابل، تدفع هذه المخاطر الحكومات والشركات إلى نقل بعض مراحل الإنتاج إلى الداخل أو إلى دول أخرى وتنويع مصادر الاستيراد، حتى عندما تكون التكلفة الاقتصادية أعلى. وتبرز فيتنام والمكسيك، على سبيل المثال، بين الدول التي استقطبت استثمارات وتصنيعاً كان يتركز جزء منه في الصين، مع سعي الشركات الأميركية إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليص مخاطر الاعتماد الكبير على السوق الصينية.

رقاقة إلكترونية وسط علمَي الولايات المتحدة والصين (رويترز)

إيران تحت وطأة العقوبات

تمثل إيران حالة بارزة لاستخدام القوة الاقتصادية في ممارسة الضغط السياسي. فقد استهدفت العقوبات الأميركية على مدى سنوات مصادر رئيسية للإيرادات الإيرانية، وفي مقدّمتها صادرات النفط، إلى جانب القطاع المالي، كما شملت بعض الإجراءات شركات ومؤسسات أجنبية تتعامل مع طهران. وهدفت واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى زيادة التكلفة الاقتصادية على إيران والضغط عليها في ملفات مرتبطة ببرنامجها النووي وسياساتها الإقليمية.

وأشارت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والدولية إلى أن سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني. وأدت القيود المفروضة على النفط والقطاع المالي والتعاملات الخارجية إلى تضييق قدرة طهران على الاستفادة من مواردها الاقتصادية والوصول إلى النظام المالي الدولي، وإن لم تؤدِّ هذه الضغوط إلى تحقيق جميع الأهداف السياسية التي وضعتها واشنطن.

وتظهر التجربة الإيرانية حجم التأثير الذي تستطيع الولايات المتحدة ممارسته من خلال موقعها في النظام المالي والاقتصادي العالمي، إذ تؤثر العقوبات الأميركية أيضاً في قرارات الشركات والمؤسسات الأجنبية التي تخشى التعرّض لإجراءات عقابية عند التعامل مع طهران. وبذلك تستخدم واشنطن ثقلها الاقتصادي لتوسيع نطاق الضغط على إيران وزيادة التكلفة الاقتصادية التي تواجهها في ظل المواجهة بين البلدين.

العلم الإيراني أمام منشأة نفطية (رويترز)

الطاقة مورد اقتصادي وورقة استراتيجية

وتبقى الطاقة في قلب صراعات النفوذ بسبب ارتباطها المباشر بالصناعة والنقل والأسعار والنمو الاقتصادي. فامتلاك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز يمنح الدول المنتجة ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً في علاقاتها الدولية، وقدرة كبرى على التأثير في الدول المستوردة، التي يمكن أن تتأثر اقتصاداتها بتراجع الإمدادات أو ارتفاع أسعار الطاقة.

وقد أعادت حرب أوكرانيا إبراز دور الطاقة في صراعات النفوذ، إذ استخدمت روسيا إمدادات الغاز إلى أوروبا ورقة للضغط في خضم المواجهة مع الغرب، من خلال خفض الإمدادات إلى عدد من الدول الأوروبية، مستفيدةً من الاعتماد الكبير لعدد من هذه الدول على الغاز الروسي. ودفع ذلك أوروبا إلى تسريع جهودها لتقليص هذا الاعتماد وتنويع مصادرها من الطاقة.

وتبرز أهمية الطاقة أيضاً في التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، نظراً إلى الدور الحيوي للمضيق في إمدادات النفط والغاز وتأثير أي اضطراب في حركة الملاحة عبره على الاقتصاد العالمي.

ومع التحوّل نحو الطاقة النظيفة، تبرز موارد أخرى تمنح الدول ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً. فالنفط والغاز يحتفظان بأهميتهما، فيما تزداد قيمة الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة والبطاريات، مع تنامي الحاجة إليها في الصناعات الجديدة. وهذا الاعتماد يمنح الدول التي تملك هذه الموارد أو تسيطر على إنتاجها أوراق قوة جديدة في علاقاتها مع الدول الأخرى.

منجم للعناصر الأرضية النادرة في كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الاقتصاد في موازين القوة

تكمن قوة الأدوات الاقتصادية في أنّ الدول يحتاج بعضها إلى بعض. فالعقوبات تكون مؤثرة لأن الدولة المستهدَفة تحتاج إلى الأسواق والتمويل، وقيود التصدير تكون مؤلمة عندما يصعب العثور على التكنولوجيا البديلة، والطاقة تصبح ورقة ضغط عندما يعتمد المستورد على عدد محدود من الموردين.

لكن توظيف الاعتماد الاقتصادي وسيلةً للضغط يدفع الدول أيضاً إلى محاولة تقليل اعتمادها على الدول الأخرى، عبر تنويع الموردين، وزيادة الإنتاج المحلي، وتخزين المواد الحيوية وإعادة رسم سلاسل الإمداد. ومن هنا تتسع سياسات «خفض المخاطر»، التي تقوم على تقليل الاعتماد المفرط على دولة أو مصدر واحد في القطاعات الحيوية، فيما يحظى الأمن الاقتصادي باهتمام متزايد في سياسات عديد من الدول.

وهكذا تشكّل المنافسة الاقتصادية جزءاً من صراع أوسع على القدرة على التأثير: مَن يملك السوق التي يصعب الاستغناء عنها؟ ومَن يتحكّم بالموارد والتكنولوجيا؟ ومَن يستطيع فرض تكلفة اقتصادية على خصمه من دون أن يتحمّل تكلفة مماثلة؟

وفي عالم شديد الترابط اقتصادياً، تشكّل القدرة على التحكم بالأسواق والموارد والتكنولوجيا والتمويل عنصراً مهماً من عناصر القوة بين الدول. فكلّما امتلكت دولة أوراقاً اقتصادية يصعب على خصومها الاستغناء عنها، ازدادت قدرتها على استخدام هذه الأوراق للضغط وتعزيز موقعها في صراعات النفوذ.


«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
TT

«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)

تدخل «لوسيد موتورز» الأميركية مرحلة جديدة تركز على تحسين السيولة وخفض التكاليف وتعزيز الانضباط التشغيلي، مستهدفةً تحقيق وفورات بقيمة 1.4 مليار دولار، بالتزامن مع إطلاق منتجات جديدة وتوسيع عملياتها في السعودية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، سيلفيو نابولي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن أولويات الشركة تشمل تحسين التدفقات النقدية، وتطوير برنامج سيارات الأجرة ذاتية القيادة، واستكمال انتقال مصنع «AMP-2» إلى التصنيع المتكامل، إلى جانب تطوير المركبات متوسطة الحجم تمهيداً لإطلاقها.

وأكد نابولي أن استراتيجية «لوسيد» في المملكة تتجاوز التصنيع، لتشمل بناء منظومة متقدمة للمركبات الكهربائية والتقنيات المرتبطة بها، بما يدعم مكانة السعودية في مستقبل قطاع التنقل.


«وول ستريت» تتراجع تحت ضغط النفط وتوقعات رفع الفائدة الأميركية

شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«وول ستريت» تتراجع تحت ضغط النفط وتوقعات رفع الفائدة الأميركية

شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» خلال تعاملات يوم الاثنين، تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن التضخم، بالتزامن مع تنامي رهانات المستثمرين على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، بعد النبرة المتشددة التي تبناها رئيسه كيفين وارش في خطابه الأخير.

وتأتي خسائر الأسهم في مستهل سبتمبر المرتقب، الذي يُعد تاريخياً من أضعف أشهر العام بالنسبة إلى الأسواق، في حين يترقب المستثمرون بيانات اقتصادية جديدة قد تحسم إلى حد كبير مسار السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.

وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 0.65 في المائة، أو 346.30 نقطة، إلى 53210.80 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.46 في المائة إلى 7676.10 نقطة، وهبط مؤشر «ناسداك» المجمع 0.34 في المائة إلى 26312.74 نقطة.

رهانات متزايدة على رفع الفائدة

وتعزّزت توقعات رفع الفائدة بعد تصريحات وارش خلال اجتماعات «جاكسون هول» الأسبوع الماضي؛ إذ أشار إلى أن صناع السياسة النقدية قد يحتاجون إلى زيادة تكاليف الاقتراض إذا لم يتراجع التضخم باتجاه مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، فإن احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر ارتفعت إلى أكثر من 60 في المائة، مقارنة بـ41.4 في المائة قبل أسبوع، في تحول يعكس سرعة استجابة الأسواق لتصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي».

ويرى محللو «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش» أن عدم صدور مفاجأة سلبية كبيرة في البيانات الاقتصادية يضع على وارش مسؤولية المضي نحو رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول)، محذرين من أن التراجع عن هذا المسار قد يؤثر في المصداقية التي اكتسبها من خطابه الأخير.

بيانات الوظائف تحت المجهر

وتزداد أهمية البيانات الاقتصادية المقبلة في تحديد اتجاه السياسة النقدية، خصوصاً مع تباين المؤشرات الأخيرة بشأن مسار التضخم.

ففي حين أظهر تقرير التضخم الاستهلاكي لشهر يوليو اعتدالاً في ضغوط الأسعار، جاء مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يفضّله «الاحتياطي الفيدرالي» لقياس التضخم، أعلى من المتوقع، مما أبقى حالة عدم اليقين بشأن مدى استمرار الضغوط السعرية.

وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى تقرير الوظائف الأميركي المقرر صدوره في 4 سبتمبر، باعتباره أحد أبرز المؤشرات التي قد تساعد في تحديد قرار «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل. وكان وارش قد أشار إلى أن البيانات الأخيرة لا تُظهر تحسناً ملموساً في الاتجاهات الأساسية لسوق العمل.

النفط يزيد ضغوط التضخم

وفي الوقت نفسه، شكّل ارتفاع أسعار النفط عبئاً إضافياً على الأسهم، مع تجدد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط واضطراب حركة شحنات الخام عبر مضيق هرمز.

وصعد خام برنت بنحو 1.04 في المائة، ما دفع أسهم شركات الطاقة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى الارتفاع 0.97 في المائة، في حين تعرضت القطاعات الأخرى لضغوط بيعية.

وتزيد أسعار الطاقة المرتفعة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تقدير مدى استعداد «الاحتياطي الفيدرالي» للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو تشديدها مجدداً.

أسهم التكنولوجيا تقاوم الضغوط

ورغم تراجع السوق عموماً، بدت أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات أكثر تماسكاً، إذ ارتفع سهم «إنفيديا» 1.13 في المائة، في حين صعد سهم «سان ديسك» 3.75 في المائة، و«كوالكوم» 2.49 في المائة.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «إنفيسكو»، ديفيد تشاو، إنه لا يزال يفضّل القطاعات المرتبطة باتجاهات النمو الهيكلي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، تعرضت أسهم شركات المرافق لضغوط، إذ تراجع القطاع 1.19 في المائة، في حين هوى سهم «PG&E» بنحو 19.4 في المائة، متجهاً إلى تسجيل أسوأ جلسة له منذ أكثر من ست سنوات إذا استمرت الخسائر.

أداء شهري متباين

وعلى الرغم من تراجع المؤشرات في جلسة الاثنين، لا تزال الصورة الشهرية أكثر إيجابية لبعضها. ويتجه «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى إنهاء سلسلة من التراجعات الشهرية المتتالية، في حين يسير «داو جونز» نحو تسجيل مكاسب للشهر الخامس على التوالي.

ويعكس ذلك استمرار قوة الاقتصاد الأميركي وأداء الشركات، رغم تصاعد المخاوف بشأن التضخم وأسعار الفائدة.

وفي تحرك لافت آخر، ارتفع سهم «غيم ستوب» 4.5 في المائة بعدما أعلنت الشركة أنها ستسدد نحو 27 في المائة من صفقة مبادلة ديون بقيمة 1.4 مليار دولار نقداً من السيولة المتاحة لديها، بدلاً من إصدار أسهم جديدة، في خطوة تحول دون مزيد من تخفيف ملكية المساهمين الحاليين.