تساؤلات بشأن تأثير «البودكاست» على الإعلام التقليدي

تساؤلات بشأن تأثير «البودكاست» على الإعلام التقليدي

الاثنين - 27 رجب 1443 هـ - 28 فبراير 2022 مـ رقم العدد [ 15798]
إيميلي مايتليس وجون سوبل

أثار إعلان الإعلاميين البريطانيين البارزين إيميلي مايتليس وجون سوبل، رحيلهما عن هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تساؤلات في الأوساط الإعلامية البريطانية، خاصة أن خبر الرحيل جاء مصحوباً بالإعلان عن عزم مايتليس وسوبل تقديم «بودكاست» مشترك وبرامج راديو على «إل بي سي». وهو أمر اعتبره مراقبون «علامة جديدة على زيادة أهمية صناعة البودكاست، وتأثيرها على الإعلام التقليدي». في حين لاحظ متخصصون وصحافيون زيادة انتشار «البودكاست» في أنحاء العالم وفي المنطقة العربية، وربطوا إقبال المعلنين على «البودكاست» وتأثيره على المستهلك، وخصوصية مخاطبة الجمهور، وإمكانية معرفة حجم من وصلتهم الرسالة الإعلانية المباشرة.
إيميلي مايتليس، مقدمة البرامج التلفزيونية اللامعة، قالت في تغريده عبر حسابها الشخصي على «تويتر» إنها ومحرر شؤون أميركا الشمالية في «بي بي سي» جون سوبل «قررا إطلاق بودكاست جديد مع شركة غلوبال العالمية ينتجه دينو سوفوس. ووصفت الخطوة بأنها «فرصة عظيمة لفعل ما تحب». ولكن في الوقت نفسه أعربت عن «الحزن لترك البي بي سي بعد فترة عمل استمرت 20 سنة، والامتنان للفرص التي حصلت عليها إبان العمل في البي بي سي»، بينما غرد سوبل قائلاً: «فرص كهذه لا تأتي كثيراً؛ لكنني حزين على ترك البي بي سي التي عملت فيها طويلاً».
وفق تقرير لصحيفة «الفاينانشيال تايمز» البريطانية بشأن رحيل مايتليس وسوبل عن الـ«بي بي سي» فإن «هيئة الإذاعة البريطانية خسرت اثنين من نجومها لصالح شركة غلوبال التجارية، التي أسسها رائد الأعمال آشلي تابور كينغ عام 2007. وهذا مؤشر على حجم المنافسة التي تواجهها الـ(بي بي سي) في الحفاظ على المواهب في ظل تقليص الميزانيات».
من ناحية ثانية، أثار إعلان مايتليس وسوبل مناقشات متعددة في بريطانيا. قالت كاتي رزال، محررة الشؤون الثقافية في الـ«بي بي سي»، في تعليقها على الخبر إن «هناك الكثير من الأمور التي يمكن قراءتها من هذا الإعلان، إذ ثمة ادعاء بأنه يعد مثالاً آخراً على عجز الـ(بي بي سي) عن الاحتفاظ بمواهبها الإعلامية بانضمام مايتليس وسوبل إلى قائمة الراحلين قبلهما مثل أندرو نيل وأندرو مار؛ لكن هذه الأخبار تشير أيضاً إلى مدى تنافسية السوق والعروض المغرية التي تقدم على الطاولة». وأضافت أن «الخبر يدل على أهمية البودكاست مع إقدام شركات تجارية كبيرة مثل غلوبال على ضخ استثمارات ضخمة في صناعة البودكاست».
أنس بنضريف، الصحافي المغربي المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، لفت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى «زيادة انتشار البودكاست أخيراً في جميع أنحاء العالم وحتى في المنطقة العربية». وربط هذا التطور بـ«سهولة الاستماع للبودكاست في أي مكان أثناء التحرك والتنقل، من دون أي إعاقة للمستهلك عن أداء مهامه اليومية... هذا أهم أسباب انتشار البودكاست عالمياً، إضافة إلى تنوع المواضيع التي يتناولها لتناسب الأذواق والأعمار كافة».
أما الصحافي المصري إيهاب الزلاقي، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «المصري اليوم» الخاصة، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من بين كل أشكال العمل الإعلامي المختلفة، لا يوجد شكل حدث له تصاعد كماً وكيفاً على المستوى العالمي أكثر من البودكاست، الذي يمزج بين إمكانيات الإذاعة التقليدية، مع سهولة وشخصنة الوصول، حيث يصل للمستهلك بشكل مباشر طالما اشترك في مجموعة معينة». وأضاف أن «ميزة البودكاست الأساسية تكمن في إمكانية الاستماع إليه في أي مكان، أثناء التنقل في وسائل المواصلات، أو أثناء ممارسة الرياضة اليومية، أو متابعة الأنشطة اليومية من دون تعطيل للمستهلك».
الزلاقي يشير إلى أن «شكل وطريقة الاستهلاك، من الأسباب الرئيسية لازدهار هذا القالب الإعلامي... ومن بين كل أنواع وأشكال الإعلام المقدمة حالياً، التقليدي أو الجديد، فإن البودكاست حقق قفزات هائلة في جذب الإعلانات، فبات يستقطب استثمارات إعلانية مختلفة الأشكال، سواء كانت فواصل إعلانية أو نصاً يقرأه مقدم البودكاست نفسه... أما السبب في إقبال المعلنين على البودكاست فهو تأثيره على المستهلك، وخصوصية مخاطبة الجمهور، وإمكانية معرفة حجم من وصلتهم الرسالة الإعلانية المباشرة».
حقاً، يشهد «البودكاست» زيادة متسارعة في جميع أنحاء العالم. ووفقاً لتقرير نشره موقع «ستاتيستا» مطلع فبراير (شباط) الحالي، فإن «عدد مستمعي البودكاست في بريطانيا تجاوز 19.1 مليون مستمع خلال عام 2021. ومن المتوقع أن يرتفع إلى 28 مليون بحلول عام 2026». ويشير تقرير الموقع إلى أنه في «الولايات المتحدة الأميركية وصل عدد مستمعي البودكاست خلال عام 2021 إلى 120 مليون مستمع، مع توقع وصوله إلى 160 مليوناً عام 2023 بزيادة تصل إلى 20 مليون مستمع سنوياً».
كذلك أفادت دراسة نشرها موقع «آي إيه بي» البحثي المتخصص في الولايات المتحدة الأميركية، منتصف العام الماضي، أن «حجم عائدات الإعلانات في صناعة البودكاست زاد بنسبة 19 في المائة عام 2020. ومن المتوقع أن تتجاوز قيمة الاستثمارات الإعلانية فيها العام المقبل 2023 الملياري دولار». وذكر إيريك جون، نائب مدير مركز الإعلام في «آي إيه بي»، إن «صناعة البودكاست ستشهد قفزات خلال العامين المقبلين، فحتى خلال فترة العمل من المنزل نتيجة جائحة (كوفيد – 19) ظل البودكاست وسيطاً مفضلاً للجمهور، استفاد منه المعلنون».
وفي سياق موازٍ، أشار موقع «إيه ماركتير» في دراسة أجراها على 18 دولة ونشرها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى أن «عدد مستمعي البودكاست وصل عام 2021 إلى نحو 384 مليون مستمع، ومتوقع أن يصل إلى 424 مليون مستمع العام الحالي، ويتجاوز الـ500 مليون مستمع عام 2024». وتؤكد الدراسة «ازدياد شعبية البودكاست في جميع أنحاء العالم».
عودة إلى العالم العربي، يقول أنس بنضريف إن «مساحة الحرية التي يوفرها البودكاست في مناقشة القضايا المتعددة، تجعله وسيطاً مقبولاً ومطلوباً على المستوى العربي، فهو يستطيع خلق علاقة حميمة مع المستمع ويشعره بأنه موجه له، مما يقربه أكثر للجمهور»، موضحاً أن «مستوى انتشار البودكاست عربياً يختلف من منطقة لأخرى، فبينما يشهد ازدهاراً وانتشاراً في دول الخليج، يقل هذا الانتشار في منطقة شمال أفريقيا».
من جانبه، يؤكد إيهاب الزلاقي أن «المنطقة العربية ما زالت في مرحلة استكشاف البودكاست كغيره من أشكال الإعلام الجديدة، وهناك حالة اهتمام حقيقية ومتزايدة بصناعته في المنطقة العربية لأسباب متعددة من بينها: أنه يقدم مواضيع متنوعة من تاريخ واقتصاد وترفيه، ويتطرق إلى قضايا حساسة قد لا يتطرق لها الإعلام التقليدي». ثم يشير إلى «ظهور شركات عربية في الأردن ومصر ولبنان متخصصة في إنتاج البودكاست مما يؤكد تزايد الاهتمام بهذه الصناعة، وإن لم يكن ذلك بحجم صعودها في الغرب».
أيضاً على المستوى المؤسسي تحاول وسائل الإعلام التقليدية استكشاف هذه الصناعة الجديدة. وهنا يروي الزلاقي تجربة «المصري اليوم» مع إنتاج «البودكاست»، قائلاً إنها «قدمت حلقات بودكاست خلال شهر رمضان الماضي في إطار استكشافها لهذا الشكل المزدهر من الإعلام؛ لكن التجربة لم يحدث لها التراكم الكافي ولم تتحول للشكل المؤسسي». ويستطرد أن «هناك نقطة مهمة يجب الانتباه لها في هذا السياق، وفي سياق الإعلام الجديد بشكل عام... فالعالم الآن يتجه لفكرة منتج المحتوى الفردي، وليس المؤسسات التي تحتكر النشر، حيث يستطيع أي شخص قادر على إنتاج محتوى أن ينشره، ويحصل على عائدات مالية منه دون الحاجة لمؤسسة كبرى يحمل اسمها». ثم ذكر أن «الفرد أسرع من المؤسسة في تنفيذ وملاحقة التطورات الجديدة، فالمؤسسات تحتاج إلى وضع خطط وضخ ميزانيات وبحث إمكانية الاستمرار، وفي النهاية قد تستمر التجربة أو لا».


إعلام

اختيارات المحرر

فيديو