هل يلجأ ليستر سيتي إلى الحل الأسهل ويقيل بريندان رودجرز؟

وسط شائعات تشير إلى أن المدير الفني لـ«الثعالب» أصبحت أيامه معدودة بسبب سوء النتائج

TT

هل يلجأ ليستر سيتي إلى الحل الأسهل ويقيل بريندان رودجرز؟

انتشرت شائعة، مؤخراً، بأن بريندان رودجرز أقيل من منصبه كمدير فني لنادي ليستر سيتي، واتضح بعد ذلك أن هذا لم يكن صحيحاً، لكن حقيقة أن هذه التقارير التي بدت معقولة للغاية كانت معبرة عن الأمر تماماً. ربما أدى الأداء الجيد أمام وستهام في المرحلة الخامسة والعشرين – رغم الفشل في تحقيق الفوز بسبب هدف التعادل القاتل الذي أحرزه وستهام في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع – إلى تهدئة الأمور بعض الشيء قبل مباراة الفريق يوم الأحد الماضي أمام وولفرهامبتون، لكن الضغوط زادت مرة أخرى بعد الخسارة أمام وولفرهامبتون بهدفين مقابل هدف وحيد.
ربما يكون رودجرز قد قاد ليستر سيتي مرتين إلى احتلال المركز الخامس في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز (مع تاسع أعلى فاتورة للأجور) وفاز بكأس الاتحاد الإنجليزي الموسم الماضي، لكن من الواضح أن هناك استياءً واضحاً في ملعب «كينغ باور». وكان هذا الأسبوع قد شهد الذكرى السنوية الخامسة لإقالة ليستر سيتي لمديره الفني السابق كلاوديو رانييري، الذي قاد النادي للفوز بلقب الدوري في الموسم الذي تلا الإقالة. ربما كان من الممكن آنذاك تبرير إقالة رانييري على أنها ضرورة محزنة لإبعاد النادي عن شبح الهبوط لدوري الدرجة الأولى، لكن هذا ليس احتمالاً واقعياً هذا الموسم، حتى لو امتدت مسيرة ليستر سيتي دون أي فوز محلي إلى خمس مباريات، بما في ذلك الهزيمة المهينة في كأس الاتحاد الإنجليزي أمام نوتنغهام فورست.
هذه هي كرة القدم الحديثة، فعندما يحقق فريق إنجازاً ما في موسم معين، فإن التوقعات في الموسم التالي تطالب الفريق بتحقيق نفس الإنجاز وربما أفضل، ولا يتم النظر إلى رصيد المدير الفني في السابق ولا يتم منحه فرصة ثانية: بمجرد حدوث أي خطأ، تكون هناك مطالبات بإقالة المدير الفني، وإذا تراجعت النتائج لمدة شهر واحد فإن ذلك يمحو سنوات من التطوير والإنجاز. ومع ذلك، فإنه ليس سراً أن رودجرز يعد أحد أبرز المرشحين لتولي القيادة الفنية لمانشستر سيتي خلفاً للمدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا عندما يترك النادي في نهاية المطاف، وأن اهتمامه بهذا المنصب كان أحد الأسباب التي جعلت نادي توتنهام لا يعرض عليه تولي قيادة الفريق في الصيف الماضي.
في الحقيقة، يقدم رودجرز كرة قدم حديثة ومتطورة وممتعة، كما أنه واحد من أربعة مديرين فنيين فقط نجحوا في الفوز بالبطولات والألقاب مع ليستر سيتي (واثنان فقط إذا استبعدنا كأس رابطة الأندية الإنجليزي المحترفة). لقد فاز بكل البطولات المحلية الممكنة مع سلتيك في اسكتلندا، وجعل ليفربول أقرب إلى لقب الدوري الإنجليزي الممتاز مما كان عليه طوال 24 عاماً، وقاد سوانزي سيتي للصعود للدوري الإنجليزي الممتاز، ولديه سجل رائع في تطوير اللاعبين الشباب. لكن هذا يمثل مفارقة: كيف يمكن لرودجرز أن يكون مرشحاً العام الماضي لتولي القيادة الفنية لمانشستر سيتي الذي فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز أكثر من مرة، ومع ذلك يبدو الآن على حافة الهاوية مع ليستر سيتي؟
هناك نظرية مفادها أن رودجرز عرضة بشكل خاص لمقولة بيلا غوتمان بأن السنة الثالثة في قيادة رودجرز لأي فريق تكون صعبة للغاية، لأنه بعد موسمين يبدأ اللاعبون في الشعور بالإرهاق والتعب من أساليبه التدريبية. وربما يكون صحيحاً أن هناك فترة صلاحية طبيعية لبعض الحيل والطرق التي يتبعها رودجرز لتعليم لاعبيه والتي كشف عنها في الفيلم الوثائقي «بيينغ ليفربول».
لكن الأدلة التي تدعم وجهة النظر هذه ضئيلة، بل ربما تكون معدومة. لقد استمر رودجرز مع سوانزي سيتي لمدة موسمين فقط. صحيح أن موسمه الثالث مع ليفربول شهد تراجعاً من 2.21 نقطة في المباراة الواحدة إلى 1.63 نقطة في المباراة، لكن ربما يكون السبب في ذلك هو بيع المهاجم الأوروغوياني لويس سواريز إلى برشلونة، إلى جانب التراجع الطبيعي في الأداء بعد موسم استثنائي والشعور بالإرهاق الذهني والنفسي بعدما كان الفريق قريباً للغاية من الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز. وعندما رحل رودجرز عن سلتيك في فبراير (شباط) من موسمه الثالث، كان الفريق يحصل في المتوسط على 2.33 نقطة في المباراة الواحدة، مقابل 2.15 نقطة في ثاني موسم لرودجرز مع النادي.
ومع ذلك، فإن فكرة أن المديرين الفنيين لديهم دورة طبيعية مدتها نحو ثلاث سنوات هي فكرة استمرت لمدة نصف قرن على الأقل. فعندما تولى جاك تشارلتون، منصب المدير الفني لميدلسبره في عام 1973، حذره جوك شتاين من الحاجة إلى تخفيف الركود بأي ثمن، إما عن طريق تطوير نفسه وإما عن طريق إحداث تغييرات في صفوف الفريق. لكن بعد ذلك، وكما اعترف رودجرز نفسه هذا الأسبوع، فإنه في نادٍ بمكانة ليستر سيتي فإن عملية التجديد تقوم في الأساس على رغبة اللاعبين في التطور والتحسن والوصول إلى مستويات أفضل: في السنوات الأخيرة، كان ليستر سيتي هو أفضل فريق إنجليزي من حيث اكتشاف المواهب الشابة والتعاقد معها بأسعار زهيدة وتطويرها ورعايتها ثم بيعها بمبالغ كبيرة. ومن المرجح أن يكون لاعب خط الوسط البلجيكي يوري تيلمانز، الذي أصبح محط أنظار تشيلسي وليفربول ومانشستر يونايتد، هو النجم القادم الذي سيبيعه ليستر سيتي إلى أحد أندية القمة بمقابل مادي كبير.
لكن، بشكل أساسي، من المستحيل تقييم ليستر سيتي هذا الموسم دون الحديث عن اللاعبين الذين افتقد الفريق خدماتهم. لقد غاب ويسلي فوفانا عن 23 مباراة بالدوري بسبب الإصابة، وغاب خيمس جاستن عن 19 مباراة، ونامباليس ميندي عن 14 مباراة، وجوني إيفانز عن 13 مباراة، وريكاردو بيريرا عن عشر مباريات، وتيموثي كاستاني عن ست مباريات، وجيمي فاردي وتيلمانز عن أربع مباريات. كما فقد الفريق خدمات كل من كيليتشي إيهيناتشو وويلفريد نديدي وميندي لمشاركتهم مع منتخبات بلادهم في نهائيات كأس الأمم الأفريقية.
لا يقتصر الأمر على غياب عدد كبير من اللاعبين عن الكثير من المباريات، لكن المشكلة الكبرى تتمثل في أن عدداً كبيراً من هؤلاء اللاعبين كانوا في الخط الخلفي، وتزامن ذلك مع تراجع مستوى المدافع التركي تشالار سوينجو بعد عودته من المشاركة مع منتخب بلاده في نهائيات كأس الأمم الأوروبية. قد يفسر ذلك جزئياً السبب في اهتزاز شباك الفريق بـ11 هدفاً من ركلات ركنية هذا الموسم، أكثر من أي فريق آخر في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو ما يمثل 27 في المائة من إجمالي عدد الأهداف التي استقبلها الفريق. لكن يجب الإشارة إلى أن شباك ليستر سيتي اهتزت بـ11 هدفاً من ركلات ركنية أيضاً الموسم الماضي، ليتذيل الفريق جميع فرق المسابقة في هذه الإحصائية، وهو ما يعني أن المشكلة مستمرة وليست وليدة الموسم الحالي.
لقد غير رودجرز طريقة اللعب ليعتمد على نظام المراقبة «رجل لرجل» في الكرات الثابتة بعد المباراة التي حقق فيها الفوز على ليفربول قبل بداية العام الجديد، لكن لم يؤدِّ ذلك إلى تحسن واضح. واقترب رودجرز بشكل خطير من إلقاء اللوم على لاعبيه، قائلاً: «يمكنك أن تلعب بدفاع منطقة أو بتكتل في الخلف أو أن تعتمد على الرقابة (رجل لرجل)، لكن عندما تدافع أثناء ركلة ركنية يجب أن تكون لديك الإرادة اللازمة لإخراج الكرة بالرأس». إنه محق إلى حد ما، وعندما يعود أفضل مدافعي الفريق للمشاركة بعد عودتهم من الإصابة وعندما تتحسن ثقة اللاعبين بأنفسهم، من المحتمل أن تتحسن الأمور في ليستر سيتي ككل. لكن هذا لا يفسّر السبب وراء استمرار هذه المشكلة لفترة طويلة.
إذا، هذه المشكلة تمثل مصدر قلق واضح، وتتطلب حلاً في أسرع وقت ممكن. قد يكون رودجرز غير قادر على العثور على هذا الحل، وربما يكون قد أصيب بشكل من أشكال متلازمة الموسم الثالث، وربما وصلت الأوضاع إلى نقطة يكون من الصعب عندها الإصلاح. لكن غياب عدد كبير من اللاعبين بداعي الإصابة ربما يقدم تفسيراً معقولاً. هناك أوقات يكون يمر فيها المدير الفني بحالة ركود بشكل واضح ويكون التغيير ضرورياً، وفي ظل كل الغيابات التي تحدثنا عنها، يحتل ليستر سيتي نهاية المرحلة السادسة والعشرين، المركز التاسع في جدول الترتيب، أي على بُعد خمسة مراكز من المركز الذي كان من المتوقع أن يحتله في ضوء فاتورة الأجور لديه (مع العلم أن له مباراتين مؤجلتين). كرة القدم هي رياضة لا تتحلى بالصبر، لكن يتعين على ليستر سيتي أن يتحلى بالهدوء والصبر في هذا الوقت بالتحديد!


مقالات ذات صلة


حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.