«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

التفاعلات داخله تمنح مستخدميه انطباع خوض تجارب وصناعة ذكريات حقيقية

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي
TT

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

ما هو الفرق الذي قد يحدثه عامٌ من الزمن؟ في هذا الوقت من العام الماضي، سجّلت عمليات البحث عن «الميتافيرس» أدنى مستوى على «غوغل ترندز»، ولكن بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، ارتفعت هذه المعدّلات إلى أقصى المستويات.

تقنيات مزدهرة
أصبح هذا المصطلح بارزاً لدرجة أنّ واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم – أي «فيسبوك» – غيّرت اسمها إلى «ميتا». ازدهرت التقنيات المرتبطة بالميتافيرس، كنظارات الواقع الافتراضي، لسنوات ولكنّنا على موعد مع المزيد. نحن على وشك الدخول في إعصار مذهل يجمع محرّكات إلكترونية بالوقت الحقيقي أبرزها «يونيتي» و«أنريل إنجاين» (تملكها شركة «إيبيك غيمز»)، ونظارات الواقع الافتراضي (كـ«أوكيولوس» و«إتش تي سي»)، والواقع المعزز («أبل» و«ماجيك ليب»)، ومزودي خدمات اتصال الجيل الخامس («آي تي أند تي» و«فرايزون»)، وسلسلة الكتل «بلوك تشين»، والعملات الرقمية، وطبعاً الذكاء الصناعي.
يستخدم النّاس الإنترنت اليوم للتبضّع وقراءة الأخبار والاستفادة من الخدمات المصرفية والكثير من الأمور الأخرى. وتتمتّع الشبكة بفاعلية عالية، ولكنّ استخدامها يختلف طبعاً عن أداء هذه النشاطات شخصياً؛ لأنّ الشخص الذي يتبضّع عبر الإنترنت مثلاً، لا يستطيع التفاعل مع منسّق المظهر أو تجربة مجموعة من الملابس. نحن نتحدّث هنا عن الوجود المشترك، أي الاستمتاع بتجاربنا الناتجة عن استجابتنا الدماغية في الميتافيرس. تمنح التفاعلات في الميتافيرس أصحابها انطباع خوض تجارب حقيقية وصناعة ذكريات حقيقية - لأنّهم يفعلون ذلك حقاً.
لا تنحصر حالات استخدام الميتافيرس بالتبضع طبعاً؛ لأنه يستطيع حلّ تحديات كبيرة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بـ«أنسنة التقنية».

«الميتافيرس» في التعليم
تملك التجارب الانغماسية القدرة على أنسنة التفاعلات الرقمية، ما يزيد الحاجة إلى تقنيات الميتافيرس كالواقعين المعزز والافتراضي في بعض الحالات. قد تكون رحلة استكشاف للميتافيرس لا تزال في بدايتها، ولكن بعض تطبيقات التعليم والتعلّم أصبحت جاهزة.
يقيس محترفو التعليم النجاح من خلال الفاعلية، التي تعدّ المسألة الأكثر إلحاحاً التي يواجهها التعلّم الإلكتروني التقليدي الموجود منذ ما قبل ظهور الفيروس. فقد أجبرتنا الجائحة على الدخول إلى مختبر هائل حاصرت فيه مؤتمرات الفيديو الكثير من مهامنا التي تشمل التعلّم.
ينطوي التعلّم الإلكتروني على الكثير من الجوانب السلبية التي غالباً ما يسعّرها انعدام المساواة في الحصول على التقنية، إلّا أنّ بعض الدراسات وجدت أنّه فعّال.
تَقدَّم الواقع الافتراضي خطوة إضافية أيضاً. فقد وجدت شركة «بي دبليو سي»، أنّ المتعلّمين الذين تدرّبوا باستخدام الواقع الافتراضي امتلكوا ثقة أكبر بمعدّل 275 في المائة في استخدام ما تعلّموه بعد التدريب - أي تحسّن بنسبة 40 في المائة عن التعلّم في غرف الصفّ، و35 في المائة عن التعلّم الإلكتروني.
تملك تجارب الواقعين الافتراضي والمعزّز القدرة على تجاوز الوسائل الغيابية التي تعتمد مبدأ التلقين والاختبار التي نعلم جميعنا أنها تفتقر للمشاركة والفاعلية. يصل المحتوى الديناميكي والعالي التفاعلية ذو الواقعية العاطفية الذي يطوّره محترفو تعليم الواقع الممتدّ إلى المستخدمين بطريقة معبّرة أكثر. ويتيح التعلّم في الميتافيرس تأسيس تواصل بين المتعلّمين من جميع أنحاء العالم وتقويتهم للتفاعل بطرقٍ معبرة. يتّسم هذا التعليم بتفاعلية وتأثير أكبر لأنه يتيح لنا محاكاة كلّ شيء من المحادثة إلى الجراحة.

تحديات التعلّم الانغماسي
يحتاج ذوو الاحتياجات الخاصة والمصابون باعتلالات (بصرية، وسمعية، وغيرها) إلى تجهيزات خاصّة ليتمكّنوا من الاستفادة من كامل تقديمات الميتافيرس، إلّا أنّ الحصول على الأجهزة والأدوات الضرورية قد يكون صعباً بسبب ارتفاع سعرها. لذا؛ يتطلّب الميتافيرس، كما الإنترنت، اعتماد استراتيجية تضمن إتاحته للجميع بالتساوي، خصوصاً لأولئك الذين لا يملكون الوسائط المطلوبة للمشاركة فيه.
لم يولد الميتافيرس حقيقة بعد، ولكن لا بأس بالجهود التي تبذل في هذا الاتجاه، خصوصاً أن مجتمع الميتافيرس يركّز على إيصال التعلّم الانغماسي للجميع قبل كلّ شيء.
تتميّز تقنية الميتافيرس باللامركزية المتأصلة؛ ما يعني أنّ ما احتاج إلى سنوات، وحتّى لعقود، ليتحقّق مع تقنيات أخرى، كالتقديم والوصول للجميع، يتصدّر اليوم سلّم الأولويات.
تخيّلوا مثلاً الفوائد التي يمكن أن يحقّقها الجيل الأوّل من الطلاب الجامعيين بعد اختبار صفوف جامعية افتراضية؛ وتخيّلوا كمّ الخبرة الذي قد يكتسبه فريق العمل في مستشفى ريفي من التدريب الانغماسي على تقنيات طبية متطوّرة. والآن، تخيّلوا هذه الاحتمالات جنباً إلى جنب مع التحديات التي يواجهها نظامنا التعليمي على مستوى العالم، والصعوبات الكبيرة التي تعاني منها البرامج الأكاديمية لمجاراة هذه التحديات.
تعمل فرضية شركة «إس آي بي» للبرمجة ومنظّمة «جوبز فور ذا فيوتشر» على تقاطع هذه الأفكار، مرجّحة أنّ تزويد المتعلّمين في مرحلة الثانوية بتقنية التعلّم الانغماسي سيؤثّر إيجاباً على قدرتهم على تطوير المهارات المطلوبة للتوظيف المثمر. في أوّل استخدامٍ له، أظهر برنامج «سكيل إمرشن لاب»Skill Immersion Lab أنّ أكثر من 85 في المائة من المتعلّمين شعروا بثقة أكبر في التكلّم مع الآخرين بعد انتهاء تجارب التعلّم الانغماسي. وصرّح 85 في المائة من هؤلاء بأنّ قدرتهم على إيجاد الكلمات الصحيحة للتعبير عن فكرة معيّنة تحسّنت خلال البرنامج، بينما اعترف 90 في المائة منه بأنّهم كانوا يراجعون إجاباتهم لمعرفة كيف يمكنكم أن يحسّنوا أنفسهم بعد انتهاء كلّ درس. تظهر النتائج النهائية للبرنامج، أنّ محتوى التعليم الانغماسي منتج، وأنّ الأولوية التالية يجب أن تكون إيصاله إلى أكبر عددٍ من المتعلّمين.

تعلّم وتواصل بشري
ما هو تأثير التعلّم في الميتافيرس على التواصل البشري؟ يذكرنا هاتفنا الذكي بمتوسط الوقت الذي نمضيه على الشاشات، وإذا جمعناه مع الساعات التي نمضيها في مؤتمرات الفيديو واستخدام البريد الإلكتروني، سنرى عالماً مصغّراً عن الحياة الرقمية المتنامية التي يعيشها النّاس اليوم. ينطبق الأمر نفسه على الأولاد الذين يتنقّلون بين العمل المدرسي وموقع المدرسة الإلكتروني والتواصل الاجتماعي والتراسل والمحادثات عبر «فيس تايم» وألعاب الفيديو. يستمرّ الجزء الذي نمضيه من حياتنا في العالم الرقمي بالنمو، ولكن ما الذي قد يحصل إذا أصبحت هذه التفاعلات أفضل؟
على عكس البريد الإلكتروني وغيره من وسائل التواصل على الإنترنت، يملك الميتافيرس القدرة على استنساخ التفاعلات البشرية وإقناع الآخرين بها بفضل حسّ الوجود والواقعية العاطفية اللتين يتميّز بهما. تضمن مكانية هاتين الميزتين نوعاً من الألفة والارتباط بالعالم المادّي.
يحدّ الاتصال الافتراضي من صدق تعابير الوجه ولغة الجسد، فضلاً عن أنّه يضع حواجز رقمية ومادية بين البشر. في المقابل، يستطيع المستخدم خلال اجتماع بالواقع الافتراضي أو المعزّز أن يرى حركات الشخصيات الرمزية التي تمثّل الزملاء، بالإضافة إلى الشعور بوجودهم وكأنّهم معه في العالم الحقيقي.
تساعد زيادة التفاعلات الرقمية أيضاً في تعزيز تركيزنا وانتباهنا في حياتنا الحقيقية؛ لأن زيادة إنتاجية التعاون والتعلّم الانغماسيين تترك لنا المزيد من الوقت للاستفادة منه في أيّامنا العادية للتواصل مع العالم المادي والأشخاص المحيطين بنا فيه. يملك الميتافيرس القدرة على تحقيق توازنٍ مع الجوانب السلبية للرقمنة، عبر تعزيز الأنسنة والتواصل خلال الوقت الذي نمضيه في العالم الإلكتروني، ومساعدتنا بالاستمتاع أكثر بالحياة التي نعيشها بعيدا عن التقنية.
أعلم أنّ الكثيرين يرون أنّ الميتافيرس هو أحدث الفصول في مجموعة كبيرة من الكلمات والمصطلحات التقنية الغريبة. ولكن أعتقد أنه يستحق قدر الحماس الذي حصل عليه في الأشهر الفائتة لأنّه يقدّم فرصة عظيمة ومنفذا لمستقبلٍ أفضل. وأخيراً، يبقى القرار لنا إذا كنّا نريد الدخول إليه وتحقيق الاستفادة القصوى منه بطريقة مسؤولة وعادلة.
* الشريك المؤسس ومدير قسم المحتوى في شركة «تيل سبن»
- يدرس حالياً برنامج تعليم انغماسي ونتائجه. «فاست كومباني»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

دراسة علمية تكشف عن أن الرموز التعبيرية النصية قد تُربك نماذج الذكاء الاصطناعي مسببة أخطاء صامتة تؤثر على دقة الفهم والقرارات الآلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

باحثو «MIT» يطوّرون تقنية تمكّن شريحتين من توثيق بعضهما ببصمة سيليكون مشتركة دون تخزين مفاتيح خارجية لتعزيز الأمان والكفاءة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الفرق عالية الأداء تتفوق بفضل الاستثمار المنهجي في الذكاء الاصطناعي والشراكات والتخطيط البيعي (رويترز)

«سيلزفورس»: 9 من كل 10 فرق مبيعات تتجه إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي

تقرير «سيلزفورس» يكشف تسارع تبنّي وكلاء الذكاء الاصطناعي في المبيعات، لرفع الإنتاجية، وتحسين البيانات، ودعم نماذج تسعير مرنة لتحقيق النمو.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات ذكاء اصطناعي متخصصة للتعامل مع البريد الإلكتروني

كيف تتحول الفوضى الرقمية إلى أداة إنتاجية متقدمة؟

في عصرنا الرقمي، تحول البريد الإلكتروني من وسيلة للتواصل إلى عبء يومي ثقيل. وبالنسبة للكثيرين،

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا توليفة مناسبة الثمن لتوصيل "آيبود" بكابل منج قبل 15 عاما بجهاز كومبيوتر بمنافذ "يو اس بي" صغيرة

كيف تتعامل مع العشرات من الأجهزة القديمة؟

أطاحت الجوالات الذكية بمشغلات الموسيقى الرقمية والكاميرات وألقتها جانباً بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال كثير من الناس يحتفظون بتلك الاجهزة مخبأة في مكان ما.

جيه دي بيرسدورفر (نيويورك)

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
TT

دراسة: الرموز التعبيرية في المحادثات تربك فهم الذكاء الاصطناعي

الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)
الوجوه التعبيرية النصية البسيطة قد تُسبب التباساً دلالياً لدى نماذج اللغة الكبيرة ما يؤدي إلى فهم خاطئ لنية المستخدم (شاترستوك)

تتركز أغلب النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي حول مخاطر كبرى؛ كالتحيز والهلوسة وإساءة الاستخدام أو القرارات الآلية غير القابلة للتفسير. لكن دراسة بحثية جديدة تلفت الانتباه إلى مصدر مختلف تماماً للمخاطر المحتملة. إنها الرموز الصغيرة التي نستخدمها يومياً من دون تفكير مثل الوجوه التعبيرية النصية (emoticons).

الدراسة، المنشورة على منصة «arXiv» تكشف عن أن نماذج اللغة الكبيرة قد تُسيء فهم هذه الرموز البسيطة بطرق تؤدي إلى أخطاء وظيفية صامتة، لا تظهر على شكل أعطال واضحة، بل في مخرجات تبدو صحيحة شكلياً لكنها لا تعكس نية المستخدم الحقيقية.

رموز مألوفة... ومعانٍ ملتبسة

على عكس الرموز التعبيرية الحديثة (emoji) التي تمثل وحدات مرئية موحدة، تعتمد الوجوه التعبيرية النصية مثل «: -)» أو «: P» على تسلسل أحرف «ASCII». ورغم بساطتها ، تحمل هذه الرموز معاني سياقية دقيقة، تختلف باختلاف الثقافة أو سياق الاستخدام. المشكلة، بحسب الباحثين، أن نماذج اللغة لا تتعامل دائماً مع هذه الرموز باعتبارها إشارات دلالية، بل قد تفسرها أحياناً كجزء من الشيفرة البرمجية أو كنص حرفي بلا معنى عاطفي.

هذا الالتباس الدلالي قد يبدو تفصيلاً صغيراً، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي في مهام حساسة، مثل توليد الشيفرات البرمجية أو تحليل التعليمات أو تشغيل وكلاء آليين يتخذون قرارات تلقائية.

يمتد تأثير هذا الالتباس إلى الأنظمة المعتمدة على «الوكلاء الأذكياء» ما قد يضخّم الخطأ عبر سلاسل قرارات آلية متتابعة (شاترستوك)

قياس المشكلة بشكل منهجي

لفهم حجم هذه الظاهرة، طوّر فريق البحث إطاراً آلياً لاختبار تأثير الوجوه التعبيرية النصية على أداء النماذج. واعتمدوا على مجموعة بيانات تضم 3.757 حالة اختبار، ركزت في الغالب على سيناريوهات برمجية متعددة اللغات، حيث قد يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء دقيقة ولكن مؤثرة.

حقائق

38 %

هو معدل تجاوز الخطأ الذي سجلته الاختبارات عند وجود رموز تعبيرية نصية رغم بساطة هذه الإشارات وشيوع استخدامها اليومي.

الفشل الصامت

النتيجة الأكثر إثارة للقلق في الدراسة ليست نسبة الخطأ بحد ذاتها، بل طبيعة هذه الأخطاء. فقد وجد الباحثون أن أكثر من 90 في المائة من حالات الإخفاق كانت «فشلاً صامتاً»؛ أي أن النموذج أنتج مخرجات تبدو صحيحة من حيث البنية أو الصياغة، لكنها تنفذ منطقاً مختلفاً عمّا قصده المستخدم.

في البرمجة، على سبيل المثال، قد يؤدي ذلك إلى شيفرة تعمل دون أخطاء، لكنها تنفذ وظيفة غير متوقعة. هذا النوع من الأخطاء يصعب اكتشافه؛ لأنه لا يولد تحذيرات مباشرة، وقد لا يظهر إلا بعد فترة طويلة، أو في ظروف تشغيل محددة.

تجاوز النماذج نفسها

لم تتوقف الدراسة عند اختبار النماذج اللغوية بشكل مباشر، بل امتدت إلى أنظمة قائمة على «الوكلاء» (agent - based frameworks) التي تعتمد على هذه النماذج كعقل مركزي لاتخاذ القرار. ووجد الباحثون أن الالتباس الدلالي ينتقل بسهولة إلى هذه الأنظمة المركبة، ما يعني أن الخطأ لا يبقى محصوراً في إجابة واحدة، بل قد يتضخم عبر سلسلة من القرارات الآلية. هذا الاكتشاف مهم في ظل التوجه المتسارع نحو استخدام وكلاء ذكيين لإدارة مهام معقدة، من أتمتة البرمجيات إلى تشغيل سلاسل عمل كاملة دون تدخل بشري مباشر.

لماذا تفشل الحلول الحالية؟

قد يبدو الحل بديهياً، وهو تعليم النموذج تجاهل الوجوه التعبيرية، أو إضافة تعليمات صريحة في المطالبات (prompts). لكن الدراسة تشير إلى أن هذه المعالجات السطحية ليست كافية. فحتى مع تعليمات إضافية، استمرت النماذج في الوقوع في الالتباس نفسه، ما يدل على أن المشكلة أعمق من مجرد «سوء صياغة» في الطلب.

يرجّح الباحثون أن جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب نفسها، حيث لا يتم تمثيل الوجوه التعبيرية النصية بشكل متسق، أو يتم التعامل معها أحياناً على أنها ضوضاء لغوية. كما أن البنية الداخلية للنماذج قد لا تميز بوضوح بين الرمز بوصفه إشارة عاطفية أو عنصراً نحوياً أو جزءاً من شيفرة.

الدراسة: جذور المشكلة تعود إلى بيانات التدريب وبنية النماذج نفسها ما يستدعي اختبارات أمان أدق وتحسين تمثيل الإشارات اللغوية الصغيرة (أدوبي)

سلامة الذكاء الاصطناعي

تكشف هذه الدراسة عن جانب مهم من التحديات التي تواجه نشر نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئات الواقعية. فالمخاطر لا تنشأ فقط من القرارات الكبرى أو المدخلات الخبيثة، بل قد تأتي من تفاصيل صغيرة ومألوفة ويومية. وفي سياق سلامة الذكاء الاصطناعي، يسلط البحث الضوء على الحاجة إلى اختبارات أكثر دقة، لا تكتفي بتقييم صحة الإجابة من حيث المضمون العام، بل تدرس مدى تطابقها مع نية المستخدم. كما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية هذه النماذج للتعامل مع اللغة كما تُستخدم فعلياً، لا كما تُكتب في الأمثلة المثالية.

الخطوة التالية

لا تقدم الدراسة حلولاً نهائية، لكنها ترسم خريطة واضحة للمشكلة، وتدعو إلى مزيد من البحث في كيفية تمثيل الرموز غير التقليدية داخل النماذج اللغوية. وقد يكون ذلك عبر تحسين بيانات التدريب أو تطوير آليات تفسير دلالي أدق أو دمج اختبارات أمان جديدة تركز على «الإشارات الصغيرة».

تهدف الدراسة إلى القول إن في عصر الذكاء الاصطناعي، لا توجد تفاصيل صغيرة حقاً. حتى رمز ابتسامة بسيط قد يحمل مخاطر أكبر مما نتخيل، إذا أسيء فهمه داخل عقل آلي يعتمد عليه البشر في قرارات متزايدة الحساسية.


تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
TT

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)
أظهر النموذج الأولي تطابقاً في البصمة بنسبة تفوق 98 % ما يضمن توثيقاً مستقراً وموثوقاً (شاترستوك)

في عالم الأمن السيبراني تقوم الثقة غالباً على أسرار مخزنة في مكان آخر؛ قد تكون على خادم أو داخل ذاكرة محمية أو في قاعدة بيانات سحابية. لكن ماذا لو لم يكن من الضروري أن تغادر هذه الأسرار الشريحة الإلكترونية أساساً؟

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تقنية تصنيع تُمكّن شريحتين إلكترونيتين من توثيق بعضهما عبر «بصمة» مادية مشتركة، من دون الحاجة إلى تخزين بيانات تعريف حساسة على خوادم طرف ثالث. ويمكن لهذه المقاربة أن تعزز الخصوصية وتخفض استهلاك الطاقة والذاكرة المرتبط عادةً بالأنظمة التشفيرية التقليدية.

الأسرار المخزّنة خارج الشريحة

حتى عندما تُصمَّم شرائح «CMOS» لتكون متطابقة، فإنها تحتوي على اختلافات مجهرية طفيفة تنشأ بشكل طبيعي أثناء عملية التصنيع. هذه الاختلافات تمنح كل شريحة توقيعاً مادياً فريداً يُعرف باسم «الدالة الفيزيائية غير القابلة للاستنساخ» (PUF). ومثل بصمة الإصبع البشرية، يمكن استخدام هذه الدالة للتحقق من الهوية.

في الأنظمة التقليدية، عندما يتلقى الجهاز طلب توثيق، فإنه يولّد استجابة تعتمد على بنيته الفيزيائية. ويقارن الخادم هذه الاستجابة بقيمة مرجعية مخزنة مسبقاً للتأكد من صحة الجهاز. لكن هذه البيانات المرجعية يجب أن تُخزَّن في مكانٍ ما، وغالباً على خادم خارجي. وإذا تم اختراق ذلك الخادم، تصبح منظومة التوثيق بأكملها عرضة للخطر.

يقول يون سوك لي، طالب الدراسات العليا في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في «MIT» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «أكبر ميزة في هذه الطريقة الأمنية أننا لا نحتاج إلى تخزين أي معلومات. ستبقى كل الأسرار داخل السيليكون دائماً».

تعتمد التقنية على استغلال الاختلافات المجهرية الطبيعية في تصنيع شرائح «CMOS» لإنشاء بصمة غير قابلة للاستنساخ (MIT)

شريحتان ببصمة واحدة

للتغلب على الاعتماد على التخزين الخارجي، ابتكر فريق «MIT» طريقة لتصنيع شريحتين تتشاركان بصمة مدمجة واحدة؛ أي بصمة فريدة لهاتين الشريحتين فقط.

ويمكن فهم الفكرة عبر تشبيه بسيط: تخيّل ورقة تم تمزيقها إلى نصفين، الحواف الممزقة عشوائية وفريدة، ولا يمكن إعادة إنتاجها بدقة. ومع ذلك، فإن القطعتين تتطابقان تماماً؛ لأنهما تتشاركان نفس الحافة غير المنتظمة. طبّق الباحثون هذا المفهوم أثناء تصنيع أشباه الموصلات؛ إذ تُنتج عدة شرائح في الوقت نفسه على رقاقة سيليكون واحدة قبل فصلها. واستغل الفريق هذه المرحلة لإدخال «عشوائية مشتركة» بين شريحتين متجاورتين قبل تقطيعهما. يشرح لي: «كان علينا إيجاد طريقة لتنفيذ ذلك قبل مغادرة الشريحة المصنع، لتعزيز الأمان. فبمجرد دخول الشريحة في سلسلة التوريد، لا نعرف ما الذي قد يحدث لها».

هندسة العشوائية داخل السيليكون

لإنشاء البصمة المشتركة، استخدم الباحثون عملية تُعرف باسم «انهيار أكسيد البوابة» (Gate Oxide Breakdown)؛ إذ يتم تطبيق جهد كهربائي مرتفع على ترانزستورات محددة مع تسليط ضوء «LED» منخفض التكلفة عليها. وبسبب الفروقات المجهرية الطبيعية، ينهار كل ترانزستور في لحظة مختلفة قليلاً. تمثل حالة الانهيار هذه مصدر العشوائية التي تُبنى عليها البصمة الفيزيائية.

ولإنشاء بصمة مزدوجة، صمّم الفريق أزواجاً من الترانزستورات تمتد عبر شريحتين متجاورتين، مع ربطها بطبقات معدنية أثناء وجودها على الرقاقة نفسها. وعند حدوث الانهيار، تتطور خصائص كهربائية مترابطة بين الترانزستورات المرتبطة.

بعد ذلك، تُقطَّع الرقاقة بحيث تحصل كل شريحة على نصف زوج الترانزستورات، وبالتالي تحتفظ كل واحدة ببصمة مشتركة مع الأخرى. وبعد تحسين العملية، تمكّن الباحثون من إنتاج نموذج أولي لشريحتين متطابقتين أظهرتا تطابقاً في العشوائية بنسبة تفوق 98 في المائة، وهي نسبة كافية لضمان توثيق مستقر وآمن.

ويقول لي إنه «لم يتم نمذجة انهيار الترانزستورات بدقة في العديد من المحاكاة، لذلك كان هناك قدر كبير من عدم اليقين. تحديد جميع الخطوات وتسلسلها لإنتاج هذه العشوائية المشتركة هو جوهر الابتكار في هذا العمل». والأهم أن التقنية متوافقة مع عمليات تصنيع «CMOS» القياسية، ولا تتطلب مواد خاصة. كما أن استخدام مصابيح «LED» منخفضة التكلفة وتقنيات دوائر تقليدية يجعل تطبيقها على نطاق واسع أمراً عملياً.

يمكن أن تفيد التقنية الأجهزة منخفضة الطاقة مثل المستشعرات الطبية عبر توفير أمن أعلى بتكلفة طاقة أقل (شاترستوك)

أهمية خاصة للأجهزة منخفضة الطاقة

يمكن أن تكون هذه التقنية مفيدة بشكل خاص في الأنظمة التي تعمل بقيود طاقة صارمة؛ إذ تُعد الكفاءة والأمن أولوية في آن واحد. فعلى سبيل المثال، قد تستفيد كبسولات استشعار طبية قابلة للبلع متصلة برقعة تُرتدى على الجسم من هذا النهج؛ إذ يمكن للكبسولة والرقعة توثيق بعضهما مباشرة من دون الحاجة إلى خادم وسيط أو بروتوكولات تشفير معقدة تستهلك طاقة إضافية.

يعد أنانثا تشاندراكاسان، نائب رئيس «MIT» والمؤلف المشارك في الدراسة، أن «هناك طلباً متزايداً بسرعة على أمن الطبقة الفيزيائية للأجهزة الطرفية». ويضيف أن منهج البصمة المزدوجة «يتيح اتصالاً آمناً بين العقد من دون عبء بروتوكولات ثقيلة، ما يحقق كفاءة في الطاقة وأمناً قوياً في الوقت نفسه».

نحو ترسيخ الثقة في العتاد نفسه

لا يقتصر البحث على الحلول الرقمية فقط؛ إذ يستكشف الفريق أيضاً إمكان تطوير أشكال أكثر تعقيداً من «السرية المشتركة» تعتمد على خصائص تماثلية يمكن تكرارها مرة واحدة فقط.

ويرى روانان هان، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب والمؤلف المشارك في الدراسة، أن هذه الخطوة تمثل محاولة أولية لتقليل المفاضلة بين الأمان وسهولة الاستخدام. ويقول: «إن إنشاء مفاتيح تشفير مشتركة داخل مصانع أشباه الموصلات الموثوقة قد يساعد على كسر المفاضلة بين تعزيز الأمان وتسهيل حماية نقل البيانات».

ومع تزايد انتشار الأجهزة المتصلة وتوسع الحوسبة الطرفية، قد يصبح دمج الثقة مباشرة في العتاد أمراً ضرورياً. فمن خلال ضمان بقاء الأسرار داخل السيليكون نفسه، تشير هذه التقنية إلى مستقبل يُبنى فيه التوثيق داخل الشريحة لا خارجها.


«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
TT

«إنستغرام» لتنبيه الآباء عند بحث المراهقين عن محتوى متعلق بالانتحار

إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)
إنستغرام سينبه أولياء الأمور إذا أجرى ​أبناؤهم ممن هم في سن المراهقة عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس (رويترز)

أفاد تطبيق «إنستغرام» بأنه سيبدأ بتنبيه أولياء الأمور، إذا أجرى ​أبناؤهم، ممن هم في سن المراهقة، عمليات بحث متكررة عن مصطلحات مرتبطة بالانتحار أو إيذاء النفس، خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك في وقت تتزايد فيه ‌الضغوط على الحكومات ‌لاعتماد قيود ​مشابهة لحظر ⁠أستراليا ​استخدام وسائل ⁠التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

ووفقاً لـ«رويترز»، قالت بريطانيا، في يناير (كانون الثاني)، إنها تدرس فرض قيود لحماية الأطفال عند اتصالهم بالإنترنت، ⁠بعد الخطوة التي اتخذتها ‌أستراليا، في ‌ديسمبر (كانون الأول). ​ وأعلنت إسبانيا واليونان ‌وسلوفينيا، في الأسابيع القليلة الماضية، ‌أنها تدرس أيضاً فرض قيود.

وذكر تطبيق «إنستغرام» المملوك لشركة «ميتا بلاتفورمز»، اليوم (الخميس)، أنه سيبدأ ‌في تنبيه أولياء الأمور المسجَّلين في إعدادات الإشراف الاختيارية، ⁠إذا ⁠حاول أطفالهم الوصول إلى محتوى يتعلق بالانتحار أو إيذاء النفس.

وتابعت المنصة في بيان: «تُضاف هذه التنبيهات إلى عملنا الحالي للمساعدة في حماية القصّر من المحتوى الضار المحتمل على (إنستغرام)... لدينا سياسات صارمة ضد المحتوى الذي ​يروج أو ​يشيد بالانتحار أو إيذاء النفس».