«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

التفاعلات داخله تمنح مستخدميه انطباع خوض تجارب وصناعة ذكريات حقيقية

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي
TT

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

ما هو الفرق الذي قد يحدثه عامٌ من الزمن؟ في هذا الوقت من العام الماضي، سجّلت عمليات البحث عن «الميتافيرس» أدنى مستوى على «غوغل ترندز»، ولكن بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، ارتفعت هذه المعدّلات إلى أقصى المستويات.

تقنيات مزدهرة
أصبح هذا المصطلح بارزاً لدرجة أنّ واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم – أي «فيسبوك» – غيّرت اسمها إلى «ميتا». ازدهرت التقنيات المرتبطة بالميتافيرس، كنظارات الواقع الافتراضي، لسنوات ولكنّنا على موعد مع المزيد. نحن على وشك الدخول في إعصار مذهل يجمع محرّكات إلكترونية بالوقت الحقيقي أبرزها «يونيتي» و«أنريل إنجاين» (تملكها شركة «إيبيك غيمز»)، ونظارات الواقع الافتراضي (كـ«أوكيولوس» و«إتش تي سي»)، والواقع المعزز («أبل» و«ماجيك ليب»)، ومزودي خدمات اتصال الجيل الخامس («آي تي أند تي» و«فرايزون»)، وسلسلة الكتل «بلوك تشين»، والعملات الرقمية، وطبعاً الذكاء الصناعي.
يستخدم النّاس الإنترنت اليوم للتبضّع وقراءة الأخبار والاستفادة من الخدمات المصرفية والكثير من الأمور الأخرى. وتتمتّع الشبكة بفاعلية عالية، ولكنّ استخدامها يختلف طبعاً عن أداء هذه النشاطات شخصياً؛ لأنّ الشخص الذي يتبضّع عبر الإنترنت مثلاً، لا يستطيع التفاعل مع منسّق المظهر أو تجربة مجموعة من الملابس. نحن نتحدّث هنا عن الوجود المشترك، أي الاستمتاع بتجاربنا الناتجة عن استجابتنا الدماغية في الميتافيرس. تمنح التفاعلات في الميتافيرس أصحابها انطباع خوض تجارب حقيقية وصناعة ذكريات حقيقية - لأنّهم يفعلون ذلك حقاً.
لا تنحصر حالات استخدام الميتافيرس بالتبضع طبعاً؛ لأنه يستطيع حلّ تحديات كبيرة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بـ«أنسنة التقنية».

«الميتافيرس» في التعليم
تملك التجارب الانغماسية القدرة على أنسنة التفاعلات الرقمية، ما يزيد الحاجة إلى تقنيات الميتافيرس كالواقعين المعزز والافتراضي في بعض الحالات. قد تكون رحلة استكشاف للميتافيرس لا تزال في بدايتها، ولكن بعض تطبيقات التعليم والتعلّم أصبحت جاهزة.
يقيس محترفو التعليم النجاح من خلال الفاعلية، التي تعدّ المسألة الأكثر إلحاحاً التي يواجهها التعلّم الإلكتروني التقليدي الموجود منذ ما قبل ظهور الفيروس. فقد أجبرتنا الجائحة على الدخول إلى مختبر هائل حاصرت فيه مؤتمرات الفيديو الكثير من مهامنا التي تشمل التعلّم.
ينطوي التعلّم الإلكتروني على الكثير من الجوانب السلبية التي غالباً ما يسعّرها انعدام المساواة في الحصول على التقنية، إلّا أنّ بعض الدراسات وجدت أنّه فعّال.
تَقدَّم الواقع الافتراضي خطوة إضافية أيضاً. فقد وجدت شركة «بي دبليو سي»، أنّ المتعلّمين الذين تدرّبوا باستخدام الواقع الافتراضي امتلكوا ثقة أكبر بمعدّل 275 في المائة في استخدام ما تعلّموه بعد التدريب - أي تحسّن بنسبة 40 في المائة عن التعلّم في غرف الصفّ، و35 في المائة عن التعلّم الإلكتروني.
تملك تجارب الواقعين الافتراضي والمعزّز القدرة على تجاوز الوسائل الغيابية التي تعتمد مبدأ التلقين والاختبار التي نعلم جميعنا أنها تفتقر للمشاركة والفاعلية. يصل المحتوى الديناميكي والعالي التفاعلية ذو الواقعية العاطفية الذي يطوّره محترفو تعليم الواقع الممتدّ إلى المستخدمين بطريقة معبّرة أكثر. ويتيح التعلّم في الميتافيرس تأسيس تواصل بين المتعلّمين من جميع أنحاء العالم وتقويتهم للتفاعل بطرقٍ معبرة. يتّسم هذا التعليم بتفاعلية وتأثير أكبر لأنه يتيح لنا محاكاة كلّ شيء من المحادثة إلى الجراحة.

تحديات التعلّم الانغماسي
يحتاج ذوو الاحتياجات الخاصة والمصابون باعتلالات (بصرية، وسمعية، وغيرها) إلى تجهيزات خاصّة ليتمكّنوا من الاستفادة من كامل تقديمات الميتافيرس، إلّا أنّ الحصول على الأجهزة والأدوات الضرورية قد يكون صعباً بسبب ارتفاع سعرها. لذا؛ يتطلّب الميتافيرس، كما الإنترنت، اعتماد استراتيجية تضمن إتاحته للجميع بالتساوي، خصوصاً لأولئك الذين لا يملكون الوسائط المطلوبة للمشاركة فيه.
لم يولد الميتافيرس حقيقة بعد، ولكن لا بأس بالجهود التي تبذل في هذا الاتجاه، خصوصاً أن مجتمع الميتافيرس يركّز على إيصال التعلّم الانغماسي للجميع قبل كلّ شيء.
تتميّز تقنية الميتافيرس باللامركزية المتأصلة؛ ما يعني أنّ ما احتاج إلى سنوات، وحتّى لعقود، ليتحقّق مع تقنيات أخرى، كالتقديم والوصول للجميع، يتصدّر اليوم سلّم الأولويات.
تخيّلوا مثلاً الفوائد التي يمكن أن يحقّقها الجيل الأوّل من الطلاب الجامعيين بعد اختبار صفوف جامعية افتراضية؛ وتخيّلوا كمّ الخبرة الذي قد يكتسبه فريق العمل في مستشفى ريفي من التدريب الانغماسي على تقنيات طبية متطوّرة. والآن، تخيّلوا هذه الاحتمالات جنباً إلى جنب مع التحديات التي يواجهها نظامنا التعليمي على مستوى العالم، والصعوبات الكبيرة التي تعاني منها البرامج الأكاديمية لمجاراة هذه التحديات.
تعمل فرضية شركة «إس آي بي» للبرمجة ومنظّمة «جوبز فور ذا فيوتشر» على تقاطع هذه الأفكار، مرجّحة أنّ تزويد المتعلّمين في مرحلة الثانوية بتقنية التعلّم الانغماسي سيؤثّر إيجاباً على قدرتهم على تطوير المهارات المطلوبة للتوظيف المثمر. في أوّل استخدامٍ له، أظهر برنامج «سكيل إمرشن لاب»Skill Immersion Lab أنّ أكثر من 85 في المائة من المتعلّمين شعروا بثقة أكبر في التكلّم مع الآخرين بعد انتهاء تجارب التعلّم الانغماسي. وصرّح 85 في المائة من هؤلاء بأنّ قدرتهم على إيجاد الكلمات الصحيحة للتعبير عن فكرة معيّنة تحسّنت خلال البرنامج، بينما اعترف 90 في المائة منه بأنّهم كانوا يراجعون إجاباتهم لمعرفة كيف يمكنكم أن يحسّنوا أنفسهم بعد انتهاء كلّ درس. تظهر النتائج النهائية للبرنامج، أنّ محتوى التعليم الانغماسي منتج، وأنّ الأولوية التالية يجب أن تكون إيصاله إلى أكبر عددٍ من المتعلّمين.

تعلّم وتواصل بشري
ما هو تأثير التعلّم في الميتافيرس على التواصل البشري؟ يذكرنا هاتفنا الذكي بمتوسط الوقت الذي نمضيه على الشاشات، وإذا جمعناه مع الساعات التي نمضيها في مؤتمرات الفيديو واستخدام البريد الإلكتروني، سنرى عالماً مصغّراً عن الحياة الرقمية المتنامية التي يعيشها النّاس اليوم. ينطبق الأمر نفسه على الأولاد الذين يتنقّلون بين العمل المدرسي وموقع المدرسة الإلكتروني والتواصل الاجتماعي والتراسل والمحادثات عبر «فيس تايم» وألعاب الفيديو. يستمرّ الجزء الذي نمضيه من حياتنا في العالم الرقمي بالنمو، ولكن ما الذي قد يحصل إذا أصبحت هذه التفاعلات أفضل؟
على عكس البريد الإلكتروني وغيره من وسائل التواصل على الإنترنت، يملك الميتافيرس القدرة على استنساخ التفاعلات البشرية وإقناع الآخرين بها بفضل حسّ الوجود والواقعية العاطفية اللتين يتميّز بهما. تضمن مكانية هاتين الميزتين نوعاً من الألفة والارتباط بالعالم المادّي.
يحدّ الاتصال الافتراضي من صدق تعابير الوجه ولغة الجسد، فضلاً عن أنّه يضع حواجز رقمية ومادية بين البشر. في المقابل، يستطيع المستخدم خلال اجتماع بالواقع الافتراضي أو المعزّز أن يرى حركات الشخصيات الرمزية التي تمثّل الزملاء، بالإضافة إلى الشعور بوجودهم وكأنّهم معه في العالم الحقيقي.
تساعد زيادة التفاعلات الرقمية أيضاً في تعزيز تركيزنا وانتباهنا في حياتنا الحقيقية؛ لأن زيادة إنتاجية التعاون والتعلّم الانغماسيين تترك لنا المزيد من الوقت للاستفادة منه في أيّامنا العادية للتواصل مع العالم المادي والأشخاص المحيطين بنا فيه. يملك الميتافيرس القدرة على تحقيق توازنٍ مع الجوانب السلبية للرقمنة، عبر تعزيز الأنسنة والتواصل خلال الوقت الذي نمضيه في العالم الإلكتروني، ومساعدتنا بالاستمتاع أكثر بالحياة التي نعيشها بعيدا عن التقنية.
أعلم أنّ الكثيرين يرون أنّ الميتافيرس هو أحدث الفصول في مجموعة كبيرة من الكلمات والمصطلحات التقنية الغريبة. ولكن أعتقد أنه يستحق قدر الحماس الذي حصل عليه في الأشهر الفائتة لأنّه يقدّم فرصة عظيمة ومنفذا لمستقبلٍ أفضل. وأخيراً، يبقى القرار لنا إذا كنّا نريد الدخول إليه وتحقيق الاستفادة القصوى منه بطريقة مسؤولة وعادلة.
* الشريك المؤسس ومدير قسم المحتوى في شركة «تيل سبن»
- يدرس حالياً برنامج تعليم انغماسي ونتائجه. «فاست كومباني»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

خاص «عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)
تكنولوجيا تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

دراسة من جامعة أكسفورد تحذر من أن ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال قد تسيء فهم المشاعر وتثير مخاوف بشأن التطور العاطفي والخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
TT

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم الملاحة التقليدية.

وفي هذا السياق، أعلنت «غوغل» عن مجموعة من المزايا الجديدة ضمن تطبيق «خرائط غوغل»، تهدف إلى جعل التخطيط للرحلات والتنقل داخل المدن أكثر تفاعلاً وذكاءً.

تتمثل أبرز هذه الإضافات في ميزة جديدة تحمل اسم «Ask Maps»، وهي أداة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتمكين المستخدمين من طرح أسئلة طبيعية ومباشرة داخل التطبيق، بدلاً من الاكتفاء بعمليات البحث التقليدية.

وبفضل هذه الميزة، يمكن للمستخدم الاستفسار عن أفضل الأماكن المناسبة لنشاط معين، مثل المقاهي الهادئة للعمل أو المطاعم المناسبة للقاءات العائلية، ليقوم النظام بتحليل كمّ كبير من البيانات المتاحة، بما في ذلك تقييمات المستخدمين والصور والمراجعات، ومن ثم تقديم اقتراحات دقيقة ومفصلة.

تعتمد هذه التقنية على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي طورتها «غوغل»، ما يسمح بتحويل تطبيق الخرائط من مجرد أداة لتحديد المواقع إلى مساعد رقمي قادر على فهم السياق وتقديم توصيات مخصصة لكل مستخدم.

إلى جانب ذلك، كشفت الشركة عن تطويرات جديدة في ميزة «الملاحة الغامرة» (Immersive Navigation)، التي تُقدم تجربة عرض ثلاثية الأبعاد أكثر واقعية لمسارات التنقل.

وتتيح هذه الميزة للمستخدم استعراض الطريق بشكل تفصيلي قبل بدء الرحلة، مع عرض المباني والطرق والمعالم المحيطة بدقة بصرية عالية، فضلاً عن توضيح المسارات والانعطافات ومداخل الوجهات المختلفة، بما يُسهم في تقليل الأخطاء أثناء القيادة أو الوصول إلى المواقع المزدحمة.

وحسب ما أعلنته الشركة، فقد بدأت هذه المزايا الوصول تدريجياً إلى المستخدمين؛ حيث تم إطلاقها أولاً في الولايات المتحدة، مع بدء توفرها كذلك في الهند على الهواتف الذكية العاملة بنظامي «آندرويد» و«آي أو إس».

ومن المتوقع أن تتوسع هذه الخصائص لاحقاً إلى أسواق إضافية حول العالم خلال الفترة المقبلة، ضمن خطة تدريجية لتعميمها على نطاق أوسع.


دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
TT

دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)

مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت روبوتات الدردشة جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم. فهذه الأنظمة تُستخدم للحصول على المعلومات، وطلب النصائح، والإجابة عن الأسئلة المعقدة، بل وحتى لتقديم نوع من الدعم الاجتماعي أو الرفقة. ويعتمد عليها المستخدمون من مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك الأطفال والمراهقون.

لكن تقريراً جديداً حذّر من مخاطر محتملة مرتبطة بهذه التقنيات، مشيراً إلى أن بعض روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقدم معلومات تساعد المستخدمين على التخطيط لأعمال عنف خطيرة، بما في ذلك حوادث إطلاق النار في المدارس، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وحسب التقرير الصادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية، فإن ثمانية من كل عشرة روبوتات دردشة تعمل بالذكاء الاصطناعي قد تساعد المستخدمين الشباب في التخطيط لهجمات عنيفة.

ورغم أن هذه الروبوتات يُفترض أن تعمل مصادر للمعلومات أو أدوات تعليمية ووسائل مساعدة يومية، فإن التقرير يشير إلى أن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً وخطورة مما يُعتقد.

فقد وجد الباحثون أن ثمانية من أصل عشرة من برامج الدردشة الآلية الرائدة الموجهة للمستهلكين قدمت نوعاً من المساعدة للمستخدمين الذين طلبوا معلومات تتعلق بتنفيذ هجمات عنيفة. وشمل ذلك منصات معروفة مثل «شات جي بي تي» و«ديب سيك».

وجاء في التقرير: «قدمت معظم برامج الدردشة الآلية معلومات عملية للمستخدمين الذين يعبرون عن آيديولوجيات متطرفة، قبل أن تطلب منهم تحديد المواقع والأسلحة التي سيستخدمونها في الهجوم، وذلك في أغلب الردود».

وأشار التقرير إلى أن برنامج «ديب سيك» ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أفاد الباحثون بأنه تمنى للمهاجم المحتمل «إطلاق نار سعيداً وآمناً».

شعار تطبيق «ديب سيك» (رويترز)

وفقاً للمركز، فإن برنامج «كلود إيه آي» التابع لشركة «آنثروبيك» كان المنصة الوحيدة التي «أثبتت» قدرتها على تثبيط المستخدم عن التخطيط للهجمات العنيفة، ما يشير إلى وجود ضوابط أمان فعالة نسبياً، وإن كانت هذه الضوابط - حسب التقرير - لا تُطبّق بشكل مثالي في معظم المنصات الأخرى.

وأضافت المنظمة غير الربحية في تقريرها أن بعض الأنظمة أبدت استعداداً مرتفعاً للغاية للاستجابة لمثل هذه الطلبات.

فعلى سبيل المثال، أظهرت النتائج أن منصتي «Perplexity» و«Meta AI» قدمتا المساعدة للمهاجمين المحتملين في 100 في المائة و97 في المائة من الحالات على التوالي.

يأتي نشر هذا التقرير في أعقاب حادثة إطلاق نار في مدرسة «تومبلر ريدغ» في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا. وقد أُفيد لاحقاً بأن أحد موظفي شركة «أوبن إيه آي» رصد داخلياً أن المشتبه به في الحادثة استخدم برنامج «شات جي بي تي» بطرق اعتُبرت متوافقة مع التخطيط لأعمال عنف.

وفي تعليقه على النتائج، قال عمران أحمد، رئيس مركز مكافحة الكراهية الرقمية: «قد تساعد برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمندمجة الآن في حياتنا اليومية، مطلق النار التالي في مدرسة على التخطيط لهجومه، أو متطرفاً سياسياً على تنسيق عملية اغتيال».

وأضاف: «عندما تُصمم نظاماً يهدف إلى الامتثال لكل طلب، وتحقيق أقصى قدر من التفاعل، وتجنب رفض أي استفسار، فإنه في نهاية المطاف قد يمتثل للأشخاص الخطأ».

وختم بالقول: «ما نشهده هنا ليس مجرد فشل تكنولوجي، بل فشل في تحمل المسؤولية».


أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
TT

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر تطوراً كالتعرف إلى الصور وتشخيص الأمراض والمساعدة في اتخاذ قرارات معقدة. لكن رغم هذا التقدم الكبير، لا يزال كثير من نماذج التعلم الآلي المتقدمة يعمل بطريقة توصف غالباً بأنها «صندوق أسود». فهي تقدم تنبؤات دقيقة، لكن الأسباب التي تقود إلى هذه التنبؤات تبقى غير واضحة، حتى بالنسبة للمهندسين الذين طوروا هذه الأنظمة.

ويعمل باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حالياً على معالجة هذه المشكلة من خلال تطوير طرق تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على شرح قراراتها. ويهدف هذا العمل إلى جعل نماذج التعلم الآلي ليست دقيقة فحسب، بل أكثر شفافية أيضاً، حيث يتمكن البشر من فهم المنطق الذي يقف وراء التنبؤات التي تقدمها هذه الأنظمة.

تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي

تزداد أهمية قدرة الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراته مع توسع استخدام هذه التقنيات في مجالات حساسة، مثل الرعاية الصحية والنقل والبحث العلمي. ففي هذه المجالات، يحتاج المستخدمون غالباً إلى فهم العوامل التي أدّت إلى نتيجة معينة، قبل أن يتمكنوا من الوثوق بها أو الاعتماد عليها.

فعلى سبيل المثال، قد يرغب طبيب يراجع تشخيصاً طبياً قدّمه نظام ذكاء اصطناعي في معرفة الخصائص التي دفعت النموذج إلى الاشتباه بوجود مرض معين. وبالمثل، يحتاج المهندسون الذين يعملون على تطوير السيارات ذاتية القيادة إلى فهم الإشارات أو الأنماط التي جعلت النظام يحدد وجود مشاة أو يفسر موقفاً مرورياً معيناً.

غير أن كثيراً من نماذج التعلم العميق تعتمد على علاقات رياضية معقدة تشمل آلافاً حتى ملايين من المتغيرات. ورغم أن هذه الأنظمة قادرة على اكتشاف أنماط دقيقة داخل البيانات، فإن الطريقة التي تصل بها إلى قراراتها قد تكون صعبة الفهم بالنسبة للبشر. وقد أصبح هذا النقص في الشفافية أحد أبرز التحديات في مجال الذكاء الاصطناعي الحديث.

ولهذا ظهر مجال بحثي يعرف باسم «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير»، ويهدف إلى تطوير تقنيات تساعد البشر على فهم كيفية وصول الأنظمة الذكية إلى نتائجها، بما يسمح بتقييم موثوقيتها واكتشاف الأخطاء المحتملة وتعزيز الثقة في الأنظمة المؤتمتة.

تهدف هذه الأبحاث إلى بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية ومساءلة من خلال تحقيق توازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها (أدوبي)

نهج قائم على المفاهيم

ركّز الباحثون في «MIT » على تحسين تقنية تعرف باسم «نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي». ويهدف هذا النهج إلى جعل طريقة تفكير أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً للبشر.

في هذا النموذج، لا ينتقل النظام مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة النهائية. بدلاً من ذلك، يحدد أولاً مجموعة من المفاهيم أو الخصائص التي يمكن للبشر فهمها، ثم يستخدم هذه المفاهيم كأساس لاتخاذ القرار.

فإذا كان النظام، على سبيل المثال، مدرباً على التعرف إلى أنواع الطيور من الصور، فقد يحدد أولاً خصائص بصرية مثل «أجنحة زرقاء» أو «أرجل صفراء». وبعد التعرف إلى هذه السمات، يمكن للنظام أن يصنف الطائر ضمن نوع معين.

وفي مجال التصوير الطبي، قد تشمل هذه المفاهيم مؤشرات بصرية، مثل أنماط معينة في الأنسجة أو أشكال محددة تساعد في اكتشاف الأمراض. ومن خلال ربط التنبؤات بهذه المفاهيم الواضحة، يصبح من الأسهل على المستخدمين فهم الطريقة التي توصل بها النظام إلى نتيجته.

حدود المفاهيم المحددة مسبقاً

ورغم أن استخدام المفاهيم يمكن أن يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية، فإن النسخ السابقة من هذا النهج كانت تعتمد إلى حد كبير على مفاهيم يحددها الخبراء مسبقاً. لكن في الواقع، قد لا تعكس هذه المفاهيم دائماً التعقيد الكامل للمهمة التي يؤديها النظام. فقد تكون عامة للغاية أو غير مكتملة أو غير مرتبطة مباشرة بالأنماط التي يستخدمها النموذج فعلياً أثناء اتخاذ القرار. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى تقليل دقة النموذج أو تقديم تفسير لا يعكس الطريقة الحقيقية التي يعمل بها.

ولهذا سعى فريق «MIT» إلى تطوير طريقة جديدة تستخرج المفاهيم مباشرة من داخل النموذج نفسه. فبدلاً من فرض أفكار محددة عليه مسبقاً، تحاول هذه التقنية تحديد الأنماط والتمثيلات التي تعلمها النموذج خلال مرحلة التدريب. بعد ذلك، يتم تحويل هذه الأنماط الداخلية إلى مفاهيم يمكن للبشر فهمها واستخدامها لتفسير قرارات النظام.

تزداد أهمية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي مع استخدامه في مجالات حساسة مثل الطب والنقل والبحث العلمي (أدوبي)

ترجمة تفكير الآلة إلى لغة مفهومة

لتحقيق ذلك، جمع الباحثون بين مكونين مختلفين من تقنيات التعلم الآلي. يقوم الأول بتحليل البنية الداخلية للنموذج المدرب لتحديد الخصائص الأكثر أهمية التي يعتمد عليها عند اتخاذ التنبؤات. أما الثاني فيحوّل هذه الخصائص إلى مفاهيم يمكن للبشر تفسيرها. وبمجرد تحديد هذه المفاهيم، يصبح النظام ملزماً بالاعتماد عليها عند إصدار توقعاته. وبهذا تتشكل سلسلة واضحة منطقياً تربط بين البيانات المدخلة والنتيجة النهائية.

ويشبه الباحث الرئيسي أنطونيو دي سانتيس هذا الهدف بمحاولة فهم طريقة تفكير الإنسان. ويقول: «بمعنى ما، نريد أن نكون قادرين على قراءة عقول نماذج الرؤية الحاسوبية هذه. نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي هو إحدى الطرق التي تسمح للمستخدمين بفهم ما الذي يفكر فيه النموذج ولماذا اتخذ قراراً معيناً». ويرى الباحثون أن استخدام مفاهيم مستخرجة من المعرفة الداخلية للنموذج يمكن أن ينتج تفسيرات أكثر وضوحاً ودقة مقارنة بالطرق السابقة.

تحقيق التوازن بين الدقة والشفافية

يُعد تحقيق التوازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها أحد التحديات الرئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. فالنماذج الأكثر تعقيداً غالباً ما تحقق أفضل النتائج من حيث الدقة، لكنها تكون أيضاً الأصعب في الفهم. يحاول النهج الجديد الذي طوّره باحثو «MIT» معالجة هذه المشكلة من خلال اختيار عدد محدود من المفاهيم الأكثر أهمية لشرح كل تنبؤ. وبهذه الطريقة يركز النظام على الإشارات الأكثر صلة بالقرار بدلاً من الاعتماد على علاقات خفية داخل النموذج. كما يساعد ذلك على تقليل ما يعرف بـ«تسرب المعلومات»، وهي الحالة التي يعتمد فيها النموذج على أنماط في البيانات لا تظهر في التفسير الذي يقدمه.

نحو أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مساءلة

مع ازدياد اعتماد المؤسسات على أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، من المرجح أن تصبح القدرة على فهم طريقة عمل هذه الأنظمة أكثر أهمية. فالنماذج الأكثر شفافية يمكن أن تساعد الباحثين على اكتشاف التحيزات المحتملة وتحسين موثوقية الأنظمة والتأكد من أنها تعمل كما هو متوقع. ويمثل البحث الذي أجراه فريق «MIT» خطوة في هذا الاتجاه. فمن خلال تمكين نماذج التعلم الآلي من تفسير قراراتها بطريقة أكثر وضوحاً ومعنى، قد يسهم هذا النهج في تقليص الفجوة بين الخوارزميات المعقدة والفهم البشري.