موسكو ترد على رسالة واشنطن بشأن الضمانات الأمنية

TT

موسكو ترد على رسالة واشنطن بشأن الضمانات الأمنية

بات معلوماً، أمس، أن وزارة الخارجية الروسية استدعت السفير الأميركي جون سوليفان، وسلّمته الرد الرسمي على رسالة واشنطن حول الضمانات الأمنية في أوروبا التي تصرّ عليها روسيا. وكانت واشنطن نقلت ردّها على الاقتراحات الروسية نهاية الشهر الماضي. لكن موسكو رفضت الرد الأميركي، وأعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف، أول من أمس، أن بلاده أعدّت رداً مقابلاً على الرسالة الأميركية. وتنشر «الشرق الأوسط» فيما يلي أبرز ما جاء في الرد الروسي:
خصائص عامة
نعلن أن الجانب الأميركي لم يقدم رداً بناءً على العناصر الأساسية لمشروع المعاهدة مع الولايات المتحدة التي أعدها الجانب الروسي بشأن الضمانات الأمنية. نحن نتحدث عن رفض المزيد من توسع حلف شمال الأطلسي، وسحب «صيغة بوخارست» بأن «أوكرانيا وجورجيا ستصبحان عضوين في الناتو»، ورفض إنشاء قواعد عسكرية على أراضي الدول التي كانت في السابق جزءاً من الاتحاد السوفياتي وليسوا أعضاء حاليين في الحلف، بما في ذلك استخدام بنيتها التحتية لإجراء أي نشاط عسكري، وكذلك عودة الإمكانات العسكرية، بما في ذلك القدرات الضاربة، والبنية التحتية للناتو إلى حالة عام 1997، عندما وقّعت روسيا وحلف شمال الأطلسي تفاهماً أساسياً يحدد العلاقة بين الطرفين. وهذه الأحكام تعد أساسية بالنسبة إلى روسيا الاتحادية.
لقد تم تجاهل طبيعة حزمة المقترحات الروسية، حيث تم اختيار الموضوعات «الملائمة» بشكل متعمد، والتي بدورها كانت «ملتوية» في اتجاه خلق مزايا للولايات المتحدة وحلفائها. هذا النهج، بالإضافة إلى الخطاب المصاحب له من المسؤولين الأميركيين، يعزز الشكوك المشروعة في أن واشنطن ملتزمة حقا بإصلاح الوضع الأمني الأوروبي.
إن النشاط العسكري المتزايد للولايات المتحدة والناتو بالقرب من الحدود الروسية ينذر بالخطر، بينما يستمر تجاهل «خطوطنا الحمراء» ومصالحنا الأمنية الأساسية، فضلاً عن حق روسيا السيادي في حمايتها. المطالب بسحب القوات من مناطق معينة على الأراضي الروسية، والتهديدات بفرض عقوبات أكثر صرامة، غير مقبولة وتقوض احتمالات التوصل إلى اتفاقات حقيقية.
في غياب استعداد الجانب الأميركي للاتفاق على ضمانات صارمة وملزمة قانوناً لأمننا ستضطر روسيا إلى الرد، بما في ذلك من خلال تنفيذ إجراءات عسكرية فنية.
حول أوكرانيا
لا يوجد مخطط لأي «غزو روسي» لأوكرانيا؛ لذلك لا يمكن اعتبار التصريحات حول «مسؤولية روسيا عن التصعيد» إلا كمحاولة للضغط على مقترحات روسيا بشأن الضمانات الأمنية والتقليل من قيمتها.
إن الإشارة في هذا السياق إلى الالتزامات الروسية بموجب مذكرة بودابست لعام 1994 لا علاقة لها بالنزاع بين الأوكرانيين ولا تنطبق على الظروف الناتجة من عمل العوامل الداخلية هناك. إن فقدان الدولة الأوكرانية وحدة أراضيها هو نتيجة العمليات التي حدثت داخلها. كما أن الاتهامات لروسيا الواردة في الرد الأميركي بأنها «احتلت القرم» لا تصمد أمام التدقيق. في عام 2014، حدث انقلاب في كييف، بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها، وتم إنشاء دولة قومية تنتهك حقوق السكان الناطقين بالروسية. ليس من المستغرب في مثل هذه الحالة أن يصوت أهالي القرم على إعادة التوحيد مع روسيا.
إذا تم قبول أوكرانيا في الناتو، فسيكون هناك تهديد حقيقي بأن النظام في كييف سيحاول «إعادة» شبه جزيرة القرم بالقوة، وجر الولايات المتحدة وحلفائها، إلى نزاع مسلح مباشر مع روسيا مع كل العواقب المترتبة على ذلك.
الأطروحة التي تكررت في الرد الأميركي بأن روسيا «أشعلت الصراع في دونباس» لا يمكن الدفاع عنها. التسوية ممكنة فقط من خلال تنفيذ اتفاقيات مينسك وفي الفقرة 2 من هذه الوثيقة تم تسمية كييف ودونيتسك ولوغانسك كأطراف. لم تذكر أي من هذه الوثائق مسؤولية روسيا عن الصراع في دونباس. تلعب روسيا، إلى جانب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، دور الوسيط في الصيغة التفاوضية الرئيسية.
لتهدئة الموقف في جميع أنحاء أوكرانيا، من المهم بشكل أساسي اتخاذ الخطوات التالية: إجبار كييف على الامتثال لالتزامات مينسك، ووقف توريد الأسلحة إلى أوكرانيا، وسحب جميع المستشارين والمدربين الغربيين من هناك، وامتناع دول الناتو عن أي مناورات مشتركة مع القوات المسلحة الأوكرانية وسحب جميع الأسلحة الأجنبية التي تم تسليمها سابقاً إلى أوكرانيا.
توزيع القوى
نلاحظ أن الولايات المتحدة تصرّ في ردّها على المقترحات الروسية على أن التقدم في تحسين الوضع الأمني الأوروبي «لا يمكن تحقيقه إلا من حيث خفض التصعيد فيما يتعلق بأعمال التهديد الروسية ضد أوكرانيا»، والتي، كما نفهم، يعني ضرورة انسحاب القوات الروسية من حدود أوكرانيا. في الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة لم تولِ اهتماماً للمطالب الروسية المتعلقة بآليات تسوية الوضع في أوكرانيا.
إن نشر القوات المسلحة للاتحاد الروسي على أراضيها لا يؤثر ولا يمكن أن يؤثر على المصالح الأساسية للولايات المتحدة. نود أن نذكّركم بأنه لا توجد قوات روسية على أراضي أوكرانيا.
في الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها نقل البنى التحتية العسكرية إلى الشرق، لقد تم تجاوز قيود القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، نحن نصرّ على انسحاب جميع القوات المسلحة الأميركية والأسلحة المنتشرة في أوروبا الوسطى والشرقية، وجنوب شرقي أوروبا ودول البلطيق. نحن مقتنعون بأن الإمكانات الوطنية في هذه المناطق كافية تماماً. نحن على استعداد لمناقشة هذا الموضوع على أساس المادتين 4 و5 من مشروع المعاهدة الروسية.
مبدأ عدم قابلية الأمن للتجزئة
لم نر في الرد الأميركي تأكيداً على أن واشنطن ملتزمة بمراعاة المبدأ الثابت المتمثل في عدم تجزئة الأمن. إن التصريحات العامة حول نظر الجانب الأميركي في الأمر تتعارض بشكل مباشر مع استمرار واشنطن في مسار يأتي بنتائج عكسية ومزعزع للاستقرار من أجل خلق مزايا لنفسها ولحلفائها على حساب المصالح الأمنية لروسيا. وهذا يحدث مباشرة على الحدود الروسية. وبالتالي، يتم تجاهل «خطوطنا الحمراء» ومصالحنا الأمنية الأساسية، وينكر حق روسيا غير القابل للتصرف في توفير الأمن وضمان مصالحها.
نذكّركم بأن هذا المبدأ منصوص عليه في ديباجة معاهدة 2011 المبرمة بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأميركية بشأن تدابير الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية.
وكذلك في عدد من الوثائق الأساسية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وروسيا والناتو المعتمدة على أعلى مستوى: في ديباجة وثيقة هلسنكي النهائية لعام 1975، وميثاق باريس لعام 1990 لأوروبا الجديدة، واتفاقية روسيا والناتو لعام 1997، وميثاق إسطنبول لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا لعام 1999 بشأن الأمن الأوروبي، وإعلان روما- روسيا - الناتو 2002، وإعلان آستانة الصادر عن قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لعام 2010.
ونلاحظ أن الرد الوارد يشير إلى تمسك واشنطن بمفهوم عدم قابلية الأمن للتجزئة. لكنه يتلخص في النص في حق الدول في «حرية اختيار أو تغيير أساليب ضمان أمنها، بما في ذلك المعاهدات النقابية». هذه الحرية ليست مطلقة وهي فقط نصف الصيغة المعروفة التي تم تحديدها في ميثاق الأمن الأوروبي.

سياسة الباب المفتوح لحلف الناتو
تجدد الولايات المتحدة «دعمها القوي» لسياسة «الباب المفتوح» التي يتبعها الناتو. بشكل يتعارض مع الالتزامات الأساسية التي تم التعهد بها في إطار مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، وفي المقام الأول الالتزام «بعدم تعزيز أمن طرف على حساب أمن الأطراف الأخرى».
ندعو الولايات المتحدة والناتو إلى العودة إلى الوفاء بالتزاماتهما الدولية في مجال الحفاظ على السلام والأمن. نتوقع مقترحات محددة من أعضاء الحلف بشأن محتوى وأشكال التوحيد القانوني للتخلي عن التوسع الإضافي لحلف الناتو شرقاً.

طبيعة العروض المطروحة
نلاحظ استعداد الولايات المتحدة للعمل بشكل جوهري على تدابير الحد من المخاطر. في الوقت نفسه، نسجل أن واشنطن قد أدركت أخيراً مبررات عدد من المقترحات والمبادرات الروسية في هذه المجالات والتي تم طرحها في السنوات الأخيرة.
نلفت انتباه الجانب الأميركي مرة أخرى إلى حقيقة أن روسيا، في الوثائق التي قدمناها بشأن الضمانات الأمنية، اقترحت اتباع مسار تسوية شاملة طويلة الأجل للوضع غير المقبول الذي يتطور باستمرار. في منطقة اليورو الأطلسي. بادئ ذي بدء، نحن نتحدث عن إنشاء أساس مستقر لهيكل أمني في شكل اتفاقية بشأن امتناع الناتو عن اتخاذ المزيد من الإجراءات التي تضر بأمن روسيا. هذا يشكل أساساً لا يتغير بالنسبة لنا. في غياب مثل هذا الأساس القوي، لن تكون تدابير الحد من الأسلحة والحد من المخاطر العسكرية مستدامة على المدى الطويل.
وبالتالي، فإن المقترحات الروسية ذات طبيعة شاملة وينبغي النظر فيها ككل دون الفصل بين مكوناتها.

معاهدة ستارت
تقترح الولايات المتحدة الانخراط «على الفور» في «إجراءات تطوير معاهدة ستارت» في إطار الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي. ومع ذلك، في الوقت نفسه، يحاول الجانب الأميركي اتباع نهج لم يتم تنسيقه معنا، والذي ينص على التركيز حصرياً على الأسلحة النووية، بغض النظر عن قدرة أسلحة معينة على تشكيل تهديد مباشر على الجانب الآخر. هذه النظرة الأحادية الجانب للأمور تتعارض مع التفاهمات التي تم التوصل إليها في القمة الروسية الأميركية في 16 يونيو (حزيران) 2021 في جنيف فيما يتعلق بالطبيعة الشاملة للحوار الاستراتيجي.
تواصل روسيا الدعوة إلى نهج متكامل للقضايا الاستراتيجية. نقترح المشاركة في التطوير المشترك لـ«معادلة أمان» جديدة.

نشر الأسلحة النووية خارج التراب الوطني
لم ترد الولايات المتحدة في وثيقتها على عنصر من «مجموعة» التدابير التي اقترحناها، مثل سحب الأسلحة النووية المنتشرة خارج حدودها إلى الأراضي الوطنية ورفض نشرها خارج الإقليم الوطني، واكتفت بذكر ضرورة معالجة المشكلة على منصة حوار استراتيجي حول الأسلحة النووية غير الاستراتيجية دون مراعاة خصوصيات انتشارها والعوامل الأخرى التي تؤثر على أمن الأطراف.
نود أن نوضح أن مقترحاتنا تدور حول حل مشكلة وجود بعض الدول غير النووية في حلف شمال الأطلسي - في انتهاك لمعاهدة حظر الانتشار النووي بما في ذلك نشر أسلحة نووية أميركية قادرة على ضرب أهداف على الأراضي الروسية.

الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى
إننا نعتبر هذه القضية من المجالات ذات الأولوية في الحوار الروسي - الأميركي حول الاستقرار الاستراتيجي. نعتقد أن الحد من هذه الفئة من الأسلحة هو عنصر ضروري في «المعادلة الأمنية» الجديدة التي ينبغي وضعها بشكل مشترك بين روسيا والولايات المتحدة.
نواصل الانطلاق من أهمية المبادرات الروسية التي تستند إلى فكرة الوقف الاختياري المتبادل القابل للتحقق لنشر الصواريخ النووية متوسطة المدى في أوروبا.

القاذفات الثقيلة والسفن الحربية السطحية
نلاحظ اهتمام الجانب الأميركي بالفكرة الروسية الخاصة بإجراءات إضافية لتخفيف المخاطر فيما يتعلق برحلات القاذفات الثقيلة بالقرب من الحدود الوطنية للطرفين. نرى موضوعاً للمناقشة وإمكانية عقد اتفاقيات مقبولة للطرفين.
نذكّرك بعنصر لا يقل أهمية عن اقتراح «الحزمة» المتعلق بالرحلات البحرية المماثلة للسفن القتالية، والتي تنطوي أيضاً على مخاطر جسيمة.

التدريبات والمناورات العسكرية
الولايات المتحدة لم ترد على المقترحات الواردة في مشروع المعاهدة الروسية. ويبدو أن الجانب الأميركي ينطلق من حقيقة أنه من الممكن تخفيف التوتر في المجال العسكري من خلال زيادة الشفافية واتخاذ إجراءات إضافية لتقليل الخطر تماشياً مع مقترحات الغرب لتحديث وثيقة فيينا.
إننا نعتبر مثل هذا النهج غير واقعي ومنحازاً، ويهدف إلى «متابعة» أنشطة القوات المسلحة للاتحاد الروسي. إن تدابير بناء الثقة والأمن بموجب وثيقة فيينا لعام 2011 ملائمة لبدء مناقشة حول إمكانية تحديثها، يجب تهيئة الظروف اللازمة. ولهذا؛ يجب على الولايات المتحدة وحلفائها التخلي عن سياسة «احتواء» روسيا واتخاذ تدابير عملية ملموسة لتهدئة الوضع العسكري السياسي.
فيما يتعلق بمنع الحوادث في أعالي البحار وفي المجال الجوي فوقها، نرحب باستعداد الولايات المتحدة لإجراء المشاورات المناسبة. ومع ذلك، لا يمكن لهذا العمل أن يحل محل تسوية المشاكل الرئيسية التي تطرحها روسيا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.