رموز صور صغيرة غير مرئية ترصد رسائلك الإلكترونية

الشركات التجارية تراقب صندوق مراسلات البريد الإلكتروني

رموز صور صغيرة غير مرئية ترصد رسائلك الإلكترونية
TT

رموز صور صغيرة غير مرئية ترصد رسائلك الإلكترونية

رموز صور صغيرة غير مرئية ترصد رسائلك الإلكترونية

حذر خبراء في خصوصية البيانات من انتشار صور صغيرة غير مرئية داخل البريد الإلكتروني تعمل على جمع معلومات عن صاحبه.
وحديثاً، أطلقت شركة «بروتون ميل» لحماية الخصوصية في خدمات البريد الإلكترونية ميزة جديدة لمنع الشركات من تعقب المستخدم ونشاطه داخل بريده الإلكتروني – الأمر الذي كان الكثيرون منا يجهلون أنه يحصل في الأساس.

- بريد إلكتروني مهدد
يقول بيل فيتزجيرالد، باحث في شؤون الخصوصية ومدير منظمة «فاني مونكي» الناشطة في هذا المجال «قد يبدو لكم صندوق الواردات بيئة هادئة، ولكنه في الحقيقة ليس إلا صفحة أخرى على شبكة الإنترنت». إذ تضع الشركات رموزاً صغيرة غير ظاهرة داخل البريد الإلكتروني مهمتها تزويد هذه الشركات بمعلومات عن موعد زيارتكم للبريد، وموقعكم أثناء الزيارة، وتوقيت استخدامه. وفي حال كان مزود خدمة البريد الإلكتروني الذي تتعاملون معه لا يستخدم تقنية التعمية (الترميز بهدف منع كشف المحتوي) بين الأطراف، لا شيء يمكن أن يمنعه من الوصول إلى الرسائل أيضاً.
واعتبر فيتزجيرالد أن «قسماً من الرسائل الإلكترونية الموجودة في صندوق الواردات يجب أن تُعامل كالاتصالات التي ترد من جهة لا تعرفونها، أي لا تردوا عليها، واحذفوها، واحجبوا مرسلها».
مع تنامي الاهتمام بخصوصية البيانات وما يتعلمه الناس كل يوم عن الوسائل التي تستخدمها التطبيقات ومحركات البحث لتعقب مستخدميها، يفترض هؤلاء ببساطة أن إرسال المواد وتلقيها عبر البريد الإلكتروني يحافظ على خصوصيتهم. ولكن الحقيقة هي أن البريد الإلكتروني يشكل أرضاً خصبة للتعقب خصوصاً أن مزودي الخدمات لا يفعلون الكثير لمواجهة الأمر، على حد تعبير الخبراء.

- تعقب الرسائل والأشخاص
وقدم تاتوم هانتر، الخبير الأميركي في التكنولوجيا، في تقرير إعلامي له في واشنطن، تفصيلات كثيرة عما تعتزم شركات الإنترنت الكبرى عمله في هذا المجال؛ إذ نقل عن جيني طومسون، المتحدثة باسم «غوغل»، كشفت أن شركتها مثلاً تحمل صور البريد الإلكتروني لمستخدميها على خوادمها، وهنا تحديداً تختبئ تقنيات التعقب، إلا أن طومسون رفضت الإفصاح عما إذا كانت وسائل «غوغل» للحماية تمنع المتعقبين من جمع المعلومات أم لا. بدورها، لا تحجب شركة «آوتلوك» تقنيات التعقب في الحسابات الشخصية والتجارية رغم أنها تطبق هذه الخطوة في تطبيقها المخصص لأجهزة ويندوز، بحسب ما أفادت لين آيرس، مساعدة نائب الرئيس في القسم المسؤول عن «آوتلوك» في «مايكروسوفت».
من جهتها، اعتزلت خدمة «جي ميل» قراءة محتوى البريد الإلكتروني لمستخدميها منذ عام 2017؛ بهدف تحسين وسائل استهدافهم بواسطة الإعلانات، بينما صرحت آيرس بأن «آوتلوك» لم تبادر أبداً إلى اعتماد هذه الوسيلة. ويشير خبراء الخصوصية إلى أن عدم اعتماد «غوغل» و«مايكروسوفت» و«ياهو» لتقنية التعمية بين الأطراف يصعب تحديد درجة اختراقهم للبريد الإلكتروني.
تساعد المعلومات المتعلقة بكيفية ردكم على مختلف أنواع الرسائل الإلكترونية الشركات ذات العلامات التجارية في معرفة أنواع المحتوى التي تفضلونها لتزودكم بالمزيد مما يشبهها. من جهته، أشار فيتزجيرالد إلى أن من الصعب معرفة إلى أين تذهب البيانات بعد مغادرتها لصندوق واردات المستخدم، لافتاً إلى أن بعض شركات الإعلانات الرقمية تحتفظ بملفات عن المستخدمين وتغذيها باستمرار. بمعنى آخر، قد تتحول المعلومات المتعلقة بعادات استخدامكم للبريد الإلكتروني إلى نقطة في مجموعة متنامية من البيانات.

- طريقة التعقب
كيف يُنفذ التعقب عبر البريد الإلكتروني؟ يواجه بعض المعلنين على شبكة الإنترنت صعوبة في تحديد هوية المستخدمين المتفاعلين مع إعلانٍ معين، ولكن الأمر يصبح أسهل في البريد الإلكتروني لأن عنوانه يرتبط بصاحبه بقوة في كل أنحاء الشبكة. تستخدم الشركات كبار مزودي خدمات البريد الإلكتروني كـ«ميل تشيمب» أو «تويليو» - التي ترسل وتحلل حملات البريد الإلكتروني نيابة عن زبائنها - لإرسال الإعلانات إلى صندوق واردات المستخدم وقياس تفاعله معه.
تعتمد تقنيات تعقب البريد الإلكتروني غالباً على البيكسلات pixels (أي عناصر الصورة)، وهي عبارة عن مربعات ملونة صغيرة تشكل عند تجميعها صورة لما تشاهدونه على شاشتكم. تكون بيكسلات التعقب شفافة عادة ولكل واحدة منها اسم ملف مميز محصور بالمستخدم أو بحملة إعلانية معينة. عند تحميلكم الصور الواردة داخل نشرة إخبارية أو في رسالة إلكترونية تسويقية، تُحمل البيكسلات أيضاً، وتعلم الشركة المرسلة في معظم الأحيان الشخص، أو الجهة التي حملتها.
يشرح بارت باتلر، رئيس قسم التقنية في شركة «بروتون»، أن هذه البيكسلات تسلم إلى الشركات عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالمستخدم لتحديد موقعه الإلكتروني، وبدقة أحياناً. ويمكنها أيضاً أن تحدد نوع الجهاز الذي يستخدمه والمتصفح الذي يستعمله والتوقيت الذي يتفقد فيه بريده الإلكتروني. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعلومات لا تذهب لمزود خدمات البريد الإلكتروني الذي تتعامل مع الشركة فحسب، بل قد تصل أيضاً إلى أي طرف تختار الشركة ومزود خدماتها مشاركتها معه.
يقول باتلر، إن «جميع المعلومات الواردة من خلال تحميل الصور ستذهب إلى واحدٍ من مزودي الخدمات هؤلاء ولا شك في أن هذا الأمر مهم جداً. تُباع هذه المعلومات عادة لأشخاص ينشؤون ملفات تسويق عن المستخدمين».
تزعم شركتا «تويليو» و«ميل تشيمب» أنهما لا تبيعان بيانات الناس، ولكن سياسة الخصوصية الخاصة بـ«تويليو» تصرح بأن الشركة تشارك البيانات مع أطراف خارجية بعد الحصول على إذن الزبون أو العلامات التجارية التي ترسل له الرسائل الإلكترونية. في المقابل، تقول سياسة «ميل تشيمب»، إنها تشارك البيانات مع «الشركات التابعة لها وفروعها» فقط – ولكن فيتزجيرالد اعتبر أن الشركات تستخدم هذه اللغة عادة في سياسات خصوصيتها لتمويه درجة مشاركتها للبيانات.
كشفت كريستينا سكافوني، نائب رئيس قسم الاتصالات التجارية في «ميل تشيمب»، عن أن الشركة لا تبيع بيانات الزبائن ولكنها تبيع أدوات وخدمات تعتمد على بياناتهم. من جهته، رفض كريس بادن، المتحدث باسم «تويليو» التصريح بما إذا كانت شركته تفعل الأمر نفسه.
يعتبر أليكس بوير، رئيس قسم تسويق المنتج في شركة «برانش» المتخصصة بالتسويق، أن مسألة التعقب عبر البريد الإلكتروني قد تبدو غير مهمة مقارنة بالتعقب الذي يتعرض له المستخدمون عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ولفت أيضاً إلى أنه يتوجب على أي شركة تعمل بشفافية إدراج إجراءات حماية للخصوصية في العقود التي توقعها مع مزودي خدمات البريد الإلكتروني لتجنب تسرب معلومات زبائنها إلى سوق البيانات. ولكن عدد الشركات التي تتواجد في صندوق واردات المستخدمين يومياً وضعف الشفافية فيما يتعلق بالممارسات البيانية، يجعل معرفة ما إذا كانت هذه الشركات فعلا تحمي بيانات المستخدم أمرا مستحيلا دون بحثٍ جدي في المسألة.

- خطوات وقائية
كيف تتعاملون مع التعقب عبر البريد الإلكتروني؟ إذا كنتم لا تريدون السماح للشركات بالتجسس عليكم بواسطة بريدكم الإلكتروني، يمكنكم منع بعضها ببساطة من خلال حجب الصور.
في بريد «جي ميل» على الكومبيوتر، اذهبوا إلى إعدادات – انظر جميع الإعدادات - عام – صور، واضغطوا على «اطلب الإذن قبل عرض الصور الخارجية»، ثم احفظوا التغييرات.
إذا كنتم تستخدمون تطبيق ويندوز لبريد «آوتلوك»، سيُصار إلى حجب الصور غيابياً. أما إذا كنتم تستخدمون حساباً شخصياً أو تجارياً على موقع البريد الإلكتروني، فيمكنكم حجب بعض البيكسلات المتعقِبة بالذهاب إلى إعدادات – الاطلاع على جميع إعدادات «آوتلوك» – بريد – بريد الإعلانات – المرشحات. اختاروا قبول الملفات المرفقة والصور والروابط من الأشخاص والجهات المدرجة في لائحة المرسلين الآمنين.
يمكنكم استخدام مقاربة أخرى تعتمد على البريد الإلكتروني الحامي للخصوصية. يمنع تطبيق البريد الإلكتروني من «أبل» بيكسلات التعقب من جمع البيانات عن موقعكم أو توقيت فتحكم للرسالة، بحسب الشركة.
تقدم شركة «بروتون» السويسرية المعنية بالخصوصية خدمة البريد الإلكتروني «بروتون ميل» التي تستخدم تقنية التعمية بين الأطراف، ما يعني أن بريدكم الإلكتروني لن يكون مرئياً لأحد ولا حتى للشركة نفسها. (وإذا تعرضت الشركة للقرصنة – نظراً لتنامي هذه المشكلة في العالم الرقمي – لن يتمكن القراصنة حتى من رؤية بياناتكم)؛ لأن ميزة حجب المتعقب تحمي عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بكم وغيرها من المعرفات من الشركات اللاهثة خلف البيانات وشركائها التقنيين.
في سياق متصل، يقول ماتياس بفاو، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة «توتانوتا» الألمانية التي تقدم خدمة بريد إلكتروني تركز على الخصوصية بالدرجة الأولى، إن خدماته تعتمد تقنية التعمية بين الأطراف وتحجب جميع أنواع البيكسلات غيابياً.
وأخيراً وليس آخراً، يمكنكم تعديل عادات استخدام البريد الإلكتروني بشكلٍ يقلل تسليم معلوماتكم الخاصة للشركات. يوصي فيتزجيرالد المستخدمين بالبدء بالتعامل مع الرسائل الإلكترونية التسويقية على أنها رسائل مزعجة، لا تفتحوها إذا أمكنكم تجنبها، وبادروا إلى الحجب أو إلغاء التسجيل في أول فرصة. «ولكن أبقوا في بالكم أن تطبيق هذه الخطوات سيؤدي إلى تراجع القسائم والعروض المغرية التي تصلكم».
واعتبر فيتزجيرالد أيضاً، أن عادات الخصوصية الصحية قد تغير حياتنا في هذا العالم، حيث تراقبنا الشركات وتعد الملفات الخاصة بنا وتستخدم معلوماتنا للتأثير على سلوكنا تحت غطاء القانون، لافتاً إلى أن التركيز المتزايد على العادات البسيطة، سيزيد تشكيكنا بالنظام ككل. وأخيراً، ختم قائلاً «يحتاج هذا الأمر إلى تغييرٍ منهجي بدل الخيارات الفردية المختلفة».


مقالات ذات صلة

«عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

«عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)
تكنولوجيا تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

دراسة من جامعة أكسفورد تحذر من أن ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال قد تسيء فهم المشاعر وتثير مخاوف بشأن التطور العاطفي والخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا  كاميرا "إس 1- 4 كيه إنفينيت"

كاميرا للسيارات وسماعات لاسلكية مطورة

إليكم اثنين من أحدث الأجهزة الجديدة: كاميرا للسيارات بالذكاء الاصطناعي . تعدّ كاميرا لوحة القيادة للسيارات dashcam من شركة «فيرويد»، «إس 1-4 كيه إنفينيت» …

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا كيف تشاهد البث المباشر مجاناً على هاتفك أو جهازك اللوحي؟

كيف تشاهد البث المباشر مجاناً على هاتفك أو جهازك اللوحي؟

تتوفر الكثير من الخيارات لمشاهدة الفيديوهات عبر الإنترنت بفضل خدمات البث المباشر المتوفرة بكثرة، لكن ماذا لو كنت تبحث عن مشاهدة البث التلفزيوني المباشر

جي دي بيرسدورفر (نيويورك)
تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)

فيديو: «مدرسة الروبوتات» بالصين… آلات تتعلّم الحياة اليومية بعيون البشر

مشاهدون يتابعون عرضاً للروبوتات في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
مشاهدون يتابعون عرضاً للروبوتات في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

فيديو: «مدرسة الروبوتات» بالصين… آلات تتعلّم الحياة اليومية بعيون البشر

مشاهدون يتابعون عرضاً للروبوتات في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
مشاهدون يتابعون عرضاً للروبوتات في العاصمة الصينية بكين (رويترز)

في مختبر متطور بمدينة Wuhan الصينية، تبدو المشاهد أقرب إلى فصل دراسي غير مألوف: صفٌّ من الروبوتات الشبيهة بالبشر يقف في انتظار التعليمات، بينما يقف أمامها مدربون بشريون يوجّهون حركاتها خطوةً خطوة. هنا، فيما يشبه «مدرسة للروبوتات»، تتعلم الآلات كيف تعيش تفاصيل الحياة اليومية كما يفعل البشر. وفقاً لموقع «يورونيوز».

يعتمد الباحثون الصينيون على تقنيات الواقع الافتراضي لتدريب هذه الروبوتات على أداء مهام متنوعة، تبدأ من إعداد فنجان قهوة، ولا تنتهي بالأعمال المنزلية البسيطة. ويرتدي المدربون نظارات الواقع الافتراضي ويمسكون بأجهزة تحكم يدوية، فتتحول حركاتهم مباشرةً إلى أوامر تنفذها الروبوتات في الوقت الفعلي.

وتشرح كو تشيونغبين، وهي مدربة روبوتات تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، طبيعة هذه التجربة قائلة إن المدربين «يرتدون نظارات الواقع الافتراضي ويمسكون بأجهزة تحكم في أيديهم، لتصبح اليدان اليمنى واليسرى بمثابة ذراعي الروبوت. وهكذا يتعلم الروبوت حركاتنا وأوضاعنا عبر تقليدها».

وتضيف أن البيانات الناتجة عن هذه الحركات تُرفع لاحقاً إلى السحابة الإلكترونية، حيث تُراجع وتُعتمد ضمن قاعدة بيانات، قبل أن تُحمّل مجدداً إلى الروبوت ليبدأ التعلم منها.

لكن التجربة لا تخلو من بعدٍ إنساني. تقول تشيونغبين إن أكثر ما يمنحها شعوراً بالرضا هو لحظة نجاح الروبوت في إنجاز المهمة: «الأمر ممتع للغاية. أشعر بإنجاز حقيقي عندما ينجح الروبوت في تنفيذ ما تعلمه، وكأنني أعلّم طفلي شيئاً جديداً وأراه يتطور أمامي».

ويقع هذا المشروع في منطقة تطوير التكنولوجيا الفائقة لبحيرة الشرق، المعروفة أيضاً باسم «وادي البصريات في الصين»، حيث تُنشأ بيئات تدريب تحاكي الواقع بدقة. ففي قاعات المختبر، يمكن مشاهدة غرف معيشة أو ورش عمل صناعية أُعدّت خصيصاً لتدريب الروبوتات على التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية.

ويعتمد التدريب على التكرار المكثف؛ إذ يعيد المدربون الحركة نفسها مئات أو آلاف المرات، من أجل بناء قاعدة بيانات ضخمة تمكّن الروبوتات من تعلم المهارات تدريجياً.

ويقول يانغ شينيي، قائد المشروع في شركة «Data Fusion Technology»، إن الهدف من هذه العملية هو «إنشاء سيناريوهات واقعية تحاكي الحياة اليومية». ويضيف أن المدرب قد يضطر أحياناً إلى تكرار حركة واحدة عشرات الآلاف من المرات حتى يكتسب الروبوت القدرة على فهمها وتنفيذها بدقة.

ويؤكد الباحثون أن هذه الجهود تمثل خطوة مهمة نحو تسريع تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر القادرة على العمل والتفاعل داخل البيئات الواقعية، سواء في المنازل أو المصانع.

ولم يعد الأمر مقتصراً على المختبرات فحسب؛ إذ بات بإمكان الزوار في «7S Robot Store» مشاهدة بعض هذه الروبوتات عن قرب، والتفاعل معها مباشرة، حيث تستجيب للأوامر وتنفذ مهام بسيطة، في مشهدٍ يعكس ملامح عالمٍ قد تصبح فيه العلاقة بين الإنسان والآلة أكثر قرباً مما كان يُعتقد.


وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية
TT

وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

وافقت وزارة النقل الأميركية على ثمانية برامج تجريبية في 26 ولاية، تسمح لطائرات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية (eVTOL) ببدء اختبارات عملية.

خدمة سيارات الأجرة الجوية

وسيُتيح البرنامج توفير خدمة سيارات الأجرة الجوية في مدن مختارة، بينما ستساعد البيانات المُجمعة من الشركات المشارِكة إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) على وضع لوائح لتوسيع نطاق هذه التقنية، مع الحفاظ على سلامة المجال الجوي الحضري.

وقال جو بن بيفيرت، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة جوبي للطيران، في بيان: «هذه لحظة فارقة للابتكار الأميركي، إذ ستتمكن المجتمعات في جميع أنحاء أميركا من رؤيته في سماء مُدنها، هذا العام».

وستُجرى برامج تجريبية في مناطق معتمَدة من قِبل وزارات النقل في تكساس ويوتا وبنسلفانيا ولويزيانا وفلوريدا وكارولينا الشمالية، ويشمل بعضها عدة ولايات. كما ستُشرف هيئة موانئ نيويورك ونيوجيرسي ومدينة ألبوكيرك على برامج تجريبية إضافية.

سيارات طائرة

لطالما كانت المركبات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي (أو السيارات الطائرة) حلماً من أحلام الخيال العلمي. تستطيع هذه الطائرات الإقلاع والهبوط تماماً كالمروحيات، ما يعني عدم الحاجة إلى مدرَّج. وهي تُعطي الأمل في تجنب الازدحام المروري الخانق، فضلاً عن تحقيق حلم الوصول إلى الوجهات بسرعة أكبر.

في السنوات الأخيرة، استثمرت شركات كبرى مئات الملايين من الدولارات في هذه التقنية، على أمل تحويل هذا الحلم إلى واقع. فعلى سبيل المثال، أنفقت شركة تويوتا 500 مليون دولار للاستثمار في شركة جوبي، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024. كما تُعدّ خطوط دلتا الجوية من المستثمرين أيضاً، حيث استثمرت 80 مليون دولار في جوبي. في غضون ذلك، استثمرت شركة يونايتد 10 ملايين دولار في شركة آرتشر للطيران، و15 مليون دولار في شركة إيف إير موبيليتي عام 2022.

مركبات بيئية خافتة الضجيج

إلى جانب ما تَعِد به من تقليل التوتر، صُممت السيارات الطائرة لتكون أكثر هدوءاً من الطائرات التقليدية، بل حتى من أجهزة تكييف الهواء. ولأنها تعمل بالكهرباء، يُمكنها أيضاً المساهمة في خفض انبعاثات الكربون.

خدمات للمسافرين وللطوارئ

علاوة على ذلك، تُعدّ هذه السيارات أدوات قيّمة لفرق الاستجابة للطوارئ. وقد أوضحت وزارة النقل الأميركية، في بيانها، عدداً من الاستخدامات المحتملة التي تتجاوز نقل الركاب، لتشمل شبكات الشحن والخدمات اللوجستية، وعمليات الاستجابة الطبية الطارئة، والنقل البحري.

وقال نائب مدير إدارة الطيران الفيدرالية، كريس روشيلو: «ستساعدنا هذه الشراكات على فهم كيفية دمج هذه الطائرات في نظام المجال الجوي الوطني بشكل آمن وفعّال». وإلى جانب شركتيْ جوبي وآرتشر، ستشارك شركات أخرى في البرنامج التجريبي، ومنها بيتا، وإلكترا، وإلروي إير، وويسك، وأمباير، وريلايبل روبوتيكس.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)
تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)
TT

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)
تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

يتوسع حضور الذكاء الاصطناعي بسرعة في مختلف جوانب الحياة اليومية، لكن أحد أكثر المجالات غير المتوقعة التي بدأ يدخلها هو عالم ألعاب الأطفال. فقد ظهرت في السنوات الأخيرة فئة جديدة من الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على التحدث مع الأطفال والإجابة عن أسئلتهم والمشاركة في ألعاب تفاعلية. غير أن باحثين يرون أن تطور هذه التقنيات يسير بوتيرة أسرع من فهمنا لتأثيراتها المحتملة في نمو الأطفال خلال السنوات الأولى من حياتهم.

دراسة جديدة من جامعة كامبردج تبحث في كيفية تفاعل الأطفال دون سن الخامسة مع هذه الألعاب الذكية، وتثير تساؤلات حول تأثيراتها على التطور العاطفي والخصوصية ودور الذكاء الاصطناعي في مراحل التعلم المبكرة. وقد أُجريت الدراسة ضمن مشروع «الذكاء الاصطناعي في السنوات المبكرة» الذي يدرس آثار الألعاب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي المصممة للأطفال الصغار.

وتشير النتائج إلى أنه رغم ما قد توفره هذه الألعاب من فرص تعليمية، فإنها تثير أيضاً مخاوف مهمة تتعلق بالاستجابة العاطفية للأطفال وحماية بياناتهم وطبيعة العلاقة التي قد ينشئونها مع الآلات.

رفيق جديد للّعب

على عكس الألعاب التقليدية، تستطيع الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي التفاعل مع الأطفال بشكل ديناميكي. فهي تعتمد على نماذج لغوية قادرة على إجراء محادثات والإجابة عن الأسئلة وتوليد محتوى تفاعلي يشبه التواصل البشري. ويشير الباحثون إلى أن بعض هذه الألعاب يُسوَّق بالفعل بوصفه رفيقاً تعليمياً أو صديقاً للأطفال، إذ يمكنه التفاعل مع الطفل في الزمن الحقيقي.

وتُعد السنوات الأولى من حياة الطفل حتى سن الخامسة مرحلة حساسة في التطور الاجتماعي والعاطفي. وخلال هذه الفترة يتعلم الأطفال أساسيات التواصل والعلاقات عبر التفاعل مع الوالدين ومقدمي الرعاية والأقران. لذلك فإن إدخال أنظمة ذكاء اصطناعي محاورة في هذا السياق قد يخلق فرصاً جديدة، لكنه قد يطرح أيضاً تحديات غير متوقعة.

تقول الباحثة إيميلي غوداكر، إحدى المشاركات في الدراسة، إن بعض الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تؤكد للأطفال أنها «أصدقاء لهم»، في مرحلة لا يزال الأطفال فيها يتعلمون معنى الصداقة نفسها. وقد يدفع ذلك بعض الأطفال إلى مشاركة مشاعرهم أو مشكلاتهم مع اللعبة بدلاً من التحدث إلى شخص بالغ. لكن إذا لم تتمكن اللعبة من فهم تلك المشاعر أو الاستجابة لها بشكل مناسب، فقد تكون النتيجة إشكالية.

يدعو الباحثون إلى وضع معايير تنظيمية أوضح لحماية الأطفال وضمان شفافية استخدام البيانات (شاترستوك)

ألعاب الذكاء الاصطناعي

لفهم كيفية تفاعل الأطفال مع هذه الألعاب في الواقع، أجرى الباحثون جلسات ملاحظة مباشرة لأطفال يلعبون مع لعبة ذكاء اصطناعي محادثة تُدعى «غابو» (Gabbo). وشملت الدراسة 14 طفلاً تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات، إضافة إلى مقابلات مع الآباء بعد جلسات اللعب. خلال الجلسات، استخدم الأطفال اللعبة بطرق مختلفة. بعضهم طرح عليها أسئلة حول ما تحبه أو ما تفضله، بينما بدأ آخرون ألعاباً تخيلية معها. وكثيراً ما تعامل الأطفال مع اللعبة كما لو كانت شريكاً اجتماعياً حقيقياً، إذ قاموا بمعانقتها أو التعبير عن مشاعرهم تجاهها. وفي إحدى الحالات، قال طفل للعبة: «أنا أحبك»، فردت اللعبة برسالة إرشادية تقول: «يرجى التأكد من أن التفاعل يلتزم بالإرشادات المتاحة».

ويبرز هذا المثال أحد التحديات الأساسية يتعلق بمدى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم السياق العاطفي كما يفعل البشر على الرغم من محاكاة الحوار. كما لاحظ الباحثون أيضاً حالات متكررة من سوء الفهم في المحادثة، إذ كانت اللعبة أحياناً تتجاهل مقاطعات الطفل أو تسيء تفسير كلامه أو لا تستجيب لتغيير الموضوع، الأمر الذي أدى أحياناً إلى شعور الأطفال بالإحباط.

أين تفشل الألعاب الذكية؟

أحد أهم استنتاجات الدراسة يتعلق بطبيعة اللعب في الطفولة المبكرة، فالتطور في هذه المرحلة يعتمد بدرجة كبيرة على اللعب الاجتماعي واللعب التخيلي، وهما عنصران أساسيان في نمو مهارات التواصل والخيال لدى الطفل. لكن الباحثين وجدوا أن الألعاب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لا تزال ضعيفة في التعامل مع هذين النوعين من اللعب. فعلى سبيل المثال، عندما قدم طفل هدية خيالية للعبة ضمن لعبة تخيلية، أجابت اللعبة بأنها «لا تستطيع فتح الهدية»، ثم غيرت الموضوع.

وفي حالة أخرى، قال طفل إنه يشعر بالحزن، لكن اللعبة ردت بطريقة مبهجة ودعت إلى الاستمرار في اللعب، وهو رد قد يُفسَّر على أنه تجاهل لمشاعر الطفل. ويرى الباحثون أن هذا يعكس حدود قدرة الأنظمة الحالية على فهم الإشارات العاطفية الدقيقة، وهي مهارة أساسية في التفاعل الإنساني خلال الطفولة.

فرص تعليمية محتملة

مع ذلك، لا ترفض الدراسة فكرة استخدام هذه الألعاب بالكامل. فقد رأى بعض الآباء والمعلمين المشاركين في الدراسة أن لها إمكانات تعليمية، خصوصاً في مجالات مثل تطوير اللغة والتواصل. إذ يمكن للألعاب الذكية إجراء محادثات مع الأطفال وطرح أسئلة متابعة وتشجيعهم على التفاعل اللفظي، ما قد يساعد في تنمية المهارات اللغوية. كما يمكن أن توفر تجارب تعلم شخصية تتكيف مع استجابات الطفل، وهو ما قد يكون مفيداً في بعض السياقات التعليمية. لكن الباحثين يشددون على أن هذه الفوائد لم تُثبت علمياً بعد. فقد أظهرت مراجعة الأدبيات العلمية التي أجريت ضمن المشروع أن الدراسات حول تأثير الألعاب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الأطفال دون الخامسة لا تزال محدودة للغاية.

أظهرت الملاحظات أن الألعاب الذكية قد تسيء فهم مشاعر الأطفال أو ترد بطريقة غير مناسبة عاطفياً (شاترستوك)

مخاوف تتعلق بالخصوصية

إحدى القضايا الرئيسية التي أثارتها الدراسة تتعلق بالبيانات والخصوصية، فالألعاب القائمة على المحادثة تعتمد على تسجيل الصوت أو معالجته، ما يعني احتمال جمع بيانات عن الأطفال. وقد أعرب العديد من الآباء المشاركين في الدراسة عن قلقهم بشأن طبيعة هذه البيانات ومكان تخزينها. كما لاحظ الباحثون أن سياسات الخصوصية لبعض الألعاب المتوفرة في السوق غير واضحة، أو تفتقر إلى تفاصيل مهمة. وهذا يثير تساؤلات حول كيفية استخدام هذه البيانات ومن يمكنه الوصول إليها.

علاقة عاطفية من طرف واحد

تشير الدراسة أيضاً إلى احتمال أن يطور الأطفال نوعاً من العلاقة العاطفية مع الألعاب الذكية. فقد لوحظ أن الأطفال في الدراسة عانقوا اللعبة وقبلوها وتحدثوا معها كما لو كانت صديقاً. ويصف الباحثون هذا النوع من التفاعل بأنه علاقة شبه اجتماعية أي علاقة عاطفية من طرف واحد. ورغم أن اللعب التخيلي مع الألعاب أمر طبيعي في الطفولة، فإن القدرة الحوارية للذكاء الاصطناعي قد تجعل هذه العلاقة أكثر تعقيداً.

وفي ضوء هذه النتائج، يدعو الباحثون إلى وضع معايير تنظيمية أوضح للألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي الموجهة للأطفال. وتشمل التوصيات تطوير معايير سلامة واضحة، وتعزيز الشفافية بشأن استخدام البيانات، ووضع ملصقات تساعد الآباء على تقييم مدى ملاءمة اللعبة للأطفال. كما يقترح الباحثون الحد من تصميم الألعاب بطريقة تشجع الأطفال على اعتبارها أصدقاء حقيقيين. ويؤكد خبراء أن تصميم هذه المنتجات يجب أن يتم بالتشاور مع متخصصين في حماية الطفل قبل طرحها في الأسواق.

تقنية سبقت الأدلة

في النهاية، يؤكد الباحثون أن الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تزال تقنية جديدة نسبياً، وأن فهم تأثيراتها على نمو الأطفال ما زال في بدايته. لكن ما يبدو واضحاً هو أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل يدخل إلى مساحات كانت تقليدياً تعتمد على التفاعل البشري المباشر. ويبقى السؤال المطروح: هل ستصبح هذه الألعاب أدوات تعليمية مفيدة، أم ستخلق تحديات جديدة في فهم الأطفال للعلاقات والتواصل؟

بالنسبة للباحثين، الإجابة تعتمد إلى حد كبير على كيفية تصميم هذه التقنيات وتنظيمها واستخدامها في حياة الأطفال. فحتى مع تطور التكنولوجيا، يبقى العنصر الأكثر أهمية في نمو الطفل هو ما لم يتغير: التفاعل الإنساني الحقيقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended