أفلام مهرجان روتردام تتوالى وسط حالات غياب وحضور

بينها فيلم برتغالي جيد عن رواية ألمانية قديمة

«اللقيط» (البرتغال)
«اللقيط» (البرتغال)
TT

أفلام مهرجان روتردام تتوالى وسط حالات غياب وحضور

«اللقيط» (البرتغال)
«اللقيط» (البرتغال)

عندما باشرت بعض مهرجانات السينما الدولية برمجة أفلامها على الإنترنت، سنة 2020 واجهت سريعاً انتقادات حادة من الوسط السينمائي، خصوصاً من المخرجين فيه. هذا على أساس أن المهرجان يحرم السينمائيين المشاركين بأفلامهم من نعمة الانخراط مع الجمهور الواسع وتلقي ردود الفعل المناسبة على أعمالهم.
سبب آخر دفع بالعديد من المخرجين، خصوصاً للممانعة، هو شعورهم بأن أفلامهم صُنعت لوسيط واحد هو العرض في الصالات وأي عرض آخر، كعروض الإنترنت هو تنازل فني - تقني في الأساس. أضف إلى ذلك، أن العروض المنزلية في حد ذاتها متحررة من الجلوس طوال الوقت أمام الشاشة واحترام واجبات وتقاليد المشاهدة على الشاشة الكبيرة. لكن الجلوس أمام الشاشة الكبيرة وعدم التحرر من شروطها (لا تستطيع إذا خرجت من الصالة للرد على هاتف أو سهوت، أن تعوض ما فاتك)، لكنها هي الشروط التي كونت فن السينما والعروض، وأسست لمهرجانات السينما وجودها وحضورها منذ ثلاثينات القرن الماضي.
في مطلع ذلك العام اضطر مهرجانان سينمائيان كبيران (روتردام وصندانس)، لتحويل برامجهما إلى النت. وفي ربيعه اضطر مهرجان «كان» للانسحاب من جولة العروض بأسرها غير راضٍ، ومعه الحق، في أن يتحول إلى حدث منزلي.
في العام الماضي غاب برلين وحضر صندانس وروتردام وكان سينمائياً. وفي السنة الجارية، عاود صندانس وروتردام للإذعان لضرورات مكافحة الوباء، بينما أصر برلين على الحضور معلنا تدابير صارمة لمنع تفشي الوباء في صالات السينما.
إلى الآن لم يشهد مهرجان سينمائي من تلك المهرجانات التي تحيط بنا واعتدنا على حضورها، تفشي «كورونا» بسبب عروضه الفعلية. لا فنيسيا تأثر، ولا لوكارنو، ولا كارلوفي فاري، ولا الجونة، ولا القاهرة. كلها شهدت حشوداً من الملقحين وغير الملقحين (وعربياً بالكمامات ومن دونها) ومع ذلك لم تقع المصيبة التي ظن البعض أنها ستقع. السبب؟ غير معروف رغم أن بعض الواثقين من أن الأمور في الأساس غير واضحة، وبالتالي هي عرضة لحياكة شروط حياة جديدة على البشر في كل مكان، يعتبرون ذلك دليلاً على تبني نظرية أن المسألة بأسرها مفبركة انطلقت بتصنيع الداء و- سريعاً - تصنيع الدواء وتحويل إيراداتهما إلى الحسابات المغلقة.
خمسة أفلام
مهما يكن، ها هو مهرجان روتردام ينتقل إلى أسبوعه الثاني بمزيد من الأفلام المستقلة عن الإنتاجات الكبيرة وعن سياسات المهرجانات الرئيسية الثلاثة (برلين وكان وفنيسيا)، في اختيار الأعمال التي تعود لمخرجين مؤسسين وذي صيت وشهرة.
هنا تكمن ملاحظة أساسية أخرى، وهي أنه على عكس المهرجانات الفعلية (أي التي تُقام بجمهور فعلي من الحاضرين)، لا يمكن للمرء أن يسمع لا التصفيق ولا الصفير. لا علامات الإعجاب ولا الوقوف لدقائق احتراماً وتعبيراً عن الإعجاب المطلق. في المقابل لا ترى من سيغادر الصالة بعد قليل أو لاحقاً خلال العرض عاكساً عدم رغبته في المواصلة.
في راحة البيت يستطيع المرء أن يصفق أو يتوقف عن المشاهدة سراً، ولو أن الناقد أكثر حذراً من أن يقدم على أي من الفعلين، لا التصفيق (لا ضرورة له حتى وإن كان الفيلم رائعاً لأن الكتابة عنه وحدها هي التي ستعكس الإعجاب به)، ولا قطع الفيلم والتحول إلى سواه (كون ذلك لا يدخل قواعد المهنة وأمانتها). بذلك ما على المرء، سواء أكان حاضراً في الصالة أو جالساً أمام شاشته المنزلية، سوى المتابعة معجباً كان أو كارهاً. التالي خمسة أفلام تعكس الحالتين:
The Making of a Crime Scene ★★★
في سنة 1984 اغتيل الكاتب التايواني - الأميركي هنري ليو في منزله. أُلقي القبض على القاتل، واسمه وو دَن. وصدر حكم بحبسه لنحو عشر سنوات. لكن الرجل وجد نفسه طليقاً بقرار آخر بعد ست سنوات. لم يغادر الولايات المتحدة بل مكث فيها ووجد لنفسه عملاً جديداً إذ قرر أن يدخل مجال السينما فأسس لنفسه شركة صغيرة.
يبحث المخرج هسو تشي - يو في الجريمة التي ارتكبت كاشفاً عن أن القاتل مأجور ينتمي إلى عصابة تايوانية اسمها «يونايتد بامبو»، استأجرت خدماتها الحكومة التايوانية لتنفيذ العملية بغية إسكات الضحية الذي عرف عنه وقوفه موقفاً مغايراً (وبالنسبة للبعض كان معاديا) لتايوان.
يعتمد هذا الفيلم التسجيلي على وقائع ليس من السهل تجاهلها، بما في ذلك ملاحقته لحال القاتل بعد الإفراج عنه وتأسيس شركة إنتاج (باسم ووكسيا)، انشغلت بأفلام الأكشن التايوانية التاريخية وغابت كما غاب اسم صاحبها عن الذكر إلى أن تحدث المخرج تشي - يو عن أحداث حياته من جديد كاشفاً احتمال أن تكون الضحية لاقت حتفها بسبب مواقفها. يعكس الفيلم شخصية القاتل الذي اعتبر نفسه خادماً لبلاده بقدر ما اعتبر نفسه منتجاً لأفلام البطولة الوطنية. شيء من العبث في النظرة، لكن الفيلم يوجز مراحلها المختلفة ويصور وو دَن في الزمن الحاضر، مستعيناً بأرشيف جيد من الأمس.
The Child ★★★
روايات الألماني هنريخ فون كلايست (1777 - 1811)، لم تنتقل كثيراً إلى الشاشة الكبيرة، وما انتقل منها (دون العشرين) حققه مخرجون أوروبيون من بينهم هلما ساندرز - برامز وإريك رومير وفولكر شلندروف هانز - يورغن سلبيرغ وأرنو دس باييرس. فيلمان أميركيان فقط من نصوص كلايست هما «راغتايم» (مستوحى ومن إنجاز ميلوش فورمان التشيكي الأصل)، وThe Jack Bull المستوحى من رواية باسم «مايكل كوهلاس» حققه جون بادهام.
الآن دور المخرجين البرتغاليين مرغريت دَ هيليرين وفيليكس دوتيلوي - لياغواز في إنتاج برتغالي - فرنسي مشترك، كُتب لهما عن رواية كلايست «اللقيط» (Der Findling)، التي نُشرت سنة 1811 سنة وفاة الكاتب.
دراما تاريخية تدور أحداثها سنة 1554 حول الشاب بيلا (ياو أراس) الذي تبنته عائلة ثرية بعد اختفاء ابنها إثر رحلة قام بها إلى أفريقيا. تختار العائلة له المرأة التي سيتزوجها (ماريا ياو بينهو)، لكنه يحب الفتاة الفقيرة التي تعمل في الكنيسة روزا (إينيس تافاريز)، ما يسبب عدداً من المشاكل، من بينها ما هو نابع من الفارق الطبقي ومنها ما هو عائد إلى أن روزا توهم بيلا بالحب، لكنها ستتخلى عنه عندما يمنحها رجل آخر إمكانية العودة إلى المغرب حيث وُلدت.
باستثناء معركة يدوية من 30 ثانية، لا وجود لمعارك ولا لمبارزات سيوف ولا حتى صفعة. هناك سيف يبقى في غماده ووتيرة وإيقاع غير مستعجل. على ذلك، الفيلم آسر ومشغول باهتمام المخرجين بتفاصيل المكان وتصاميم الملابس والديكور وبتصوير ملهم من ماريو باروزو الذي هو مخرج بدوره. تمثيل جيد ضمن خطة عمل تنتمي بالفعل إلى روح أدبية واضحة. الموسيقى مستخدمة باعتدال، وعندما ترتفع حدة الدراما يستخدم المخرجان حفيف أوراق الشجر كدلالة.
في كله يبدو الفيلم، في هذه الأيام، كما لو كان آتياً من زمن آخر. ربما لو كانت هناك سينما على أيام كلايست لأنتجت السينما فيلماً يشبه هذا الفيلم.
Malintzin 17 ★
حمامة حطت على سلك الكهرباء. بنت عشها. سكنته ولم تتحرك. إنها تفكر بالوجود، لكن ليس على طريقة المخرج السويدي روي أندرسن في فيلمه الرائع «الحمامة جلست على غصن شجرة تفكر بالوجود»، لكن على طريقة هات الكاميرا، هناك حمامة أريد تصويرها.
المخرج المكسيكي يوجينيو بولغوفسكي يحقق فيلماً تسجيلياً من 64 دقيقة عن تلك الحمامة التي جلست فوق (ما يبدو) بيضة واحدة ستفقس قبيل نهاية الفيلم. يطل وابنته الصغيرة من نافذة منزله على العش ويصور الحمامة في جلستها. يصورها والشمس ساطعة ويصورها والمطر ينهمر ويصورها في النهار وفي الليل. لكنه كذلك ينوع: يصور ابنته (ويتحدث إليها مجيباً على تساؤلاتها)، ويصور الشارع تحت شرفته. يصور سيارات عابرة وأشخاصا يسيرون مع كلابهم وشاحنة القمامة وأي مرتجل أو عربة أخرى.
المشكلة أن هذا ليس فيلماً، وإن كان، فهو من أكسل الأفلام التي شاهدها هذا الناقد. أكثر من ذلك، يقول المخرج إن هذا «المشروع» بدأ سنة 2015، لكن كما يعلم جميع «كشاشي الحمام» في العالم، أن الحمامة تضع بيضها في أسابيع قليلة. في كل الأحوال هو أيضاً فيلم بلا ميزانية صوره المخرج كاملاً من شرفته (ما عد مشهداً صغيراً يلتقطه من باب العمارة).
Kafka for Kids ★
هذا الفيلم يروي حكاية ويعتمد شكل المقابلة ويزين نفسه بالرسوم المتحركة. حققه رووي (Roee) روزمان بهدف معلن في العنوان، «كافكا للأولاد». يختار المخرج الإسرائيلي رواية Metamorphosis، التي استوحى بعضها المخرج الكندي ديفيد كروونبيرغ في فيلم جيد عنوانه «الغداء العاري» سنة 1991، ذلك لم يكن اقتباساً بل استلهماً لحكاية تنص على رجل يرى نفسه حشرة. والفيلم الحالي (الموجه للصغار) يدور أكثر حول هذا التحول.
طبعاً، لو كان الفعل جيداً وموحياً ومسلياً لكسب الفيلم رهان تصديه لرواية تصعب ترجمتها إلى فيلم، لكن الحاصل هو أن هناك راويا يجلس وراء مكتب. للمكتب دوائر صغيرة يطل من كل واحدة وجه شخص يلعب بحاجبيه وبعينيه. هذا قبل وبعد الانتقال إلى دقائق من تلك الرواية وقد رُسمت في أنيميشن بدائي الفن وغير ملهم بدوره.
خلال العرض كنت أسمع قرقعة ما. أنصت جيداً، من ثم أدركت أنها صوت عظام فرانز كافكا وهي تهتز في قبره.
The Plains ★★
«السهول» فيلم غريب من تحقيق الأسترالي ديفيد إيستيل، الذي لم يسبق له الوقوف وراء الكاميرا. غريب لسببين رئيسيين: الكاميرا لا تخرج من مكانها في المقعد الخلفي للسيارة، وتصور كل ما يمر أمامها في ثلاث ساعات.
بكلمة أخرى، هذا فيلم من ثلاث ساعات على المشاهد أن يبقى حبيس مكانه تماماً كتلك الكاميرا (لسيمون وولش الذي سبق وصور للمخرج فيلماً قصيراً بعنوان «الأب» سنة 2011).
المسافة من مكتب المحامي أندرو (أندرو باكوفسكي) إلى منزله في ضواحي ملبورن. كل يوم مساء يركب سيارته ويمضي بها. يتصل بزوجته ليخبرها بأنه غادر المكتب. أندرو في الخمسين من عمره وكل ما نراه له هو وجهه في المرآة المنصبة أمامه. الرحلة التي يبدأ بها الفيلم ليست سوى الأولى. سنقطع المسافة ذاتها كل يوم. يتوقف لكي يصعد زميل له اسمه ديفيد (المخرج بنفسه) وفي كل يوم نستمع إلى حديثهما معاً خلال الرحلة.
«السهول» ليس بالفيلم الكسول كحال ذلك الفيلم التسجيلي عن الحمامة، لكنه ليس بدوره بعيداً عن هذا التموضع. الحديث بين أندرو وديفيد يكشف حياة الاثنين. ذلك الفيلم مبني على ذلك الحوار ومستجداته يوماً بعد يوم. قليل من التمثيل (أو حسناته)، والكثير من الانحباس داخل سيارة لثلاث ساعات. في البداية يبدو الفيلم مثيراً من حيث أسلوب سرده المختار. لاحقاً ما يُصاب بالتكرار وتنطفئ شمعته الوحيدة كعمل أريد له أن يكون جديداً ومنفرداً.


مقالات ذات صلة

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد القس في دور «صقر القفوف» العقل المدبر لكل مصائب الحي (شاهد)

خيوط الشك تمزّق «حي الجرادية»... وتثير جدل الجمهور

تشهد الدراما السعودية في موسم رمضان هذا العام تنوعاً متزايداً في الموضوعات والبيئات الاجتماعية، ويأتي مسلسل «حي الجرادية» ضمن هذه الأعمال.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

في سباق أفضل سيناريوهين، أصلي ومقتبس، للفوز بجائزة الأوسكار يكمن الفارق الأول بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، وسيناريو مقتبس عن مسرحية أو كتاب أو أي مصدر آخر.

محمد رُضا (لندن)
خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

خاص جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».