رئيس «دافوس»: الجائحة كشفت أهمية التعاون الدولي... وكلفة التقاعس المناخي باهظة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبادرة السعودية الخضراء «حيوية» في الجهود العالمية للحد من الانبعاثات

يرى بورغه برنده أن التعاون الدولي ضرورة مُلحّة لمواجهة تداعيات الجائحة واستعادة نمو اقتصادي مستدام
يرى بورغه برنده أن التعاون الدولي ضرورة مُلحّة لمواجهة تداعيات الجائحة واستعادة نمو اقتصادي مستدام
TT

رئيس «دافوس»: الجائحة كشفت أهمية التعاون الدولي... وكلفة التقاعس المناخي باهظة

يرى بورغه برنده أن التعاون الدولي ضرورة مُلحّة لمواجهة تداعيات الجائحة واستعادة نمو اقتصادي مستدام
يرى بورغه برنده أن التعاون الدولي ضرورة مُلحّة لمواجهة تداعيات الجائحة واستعادة نمو اقتصادي مستدام

للعام الثاني على التوالي، انعقدت أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي افتراضياً، واجتمع قادة الأعمال والحكومات عبر شاشاتهم لبحث تحديات الجائحة والواقع الاقتصادي.
ورأى بورغه برنده، رئيس المنتدى الاقتصادي، في ختام أعمال «أجندة دافوس» لهذا العام، أن «التعاون الدولي ضرورة» مُلحّة لمواجهة تداعيات الجائحة واستعادة نمو اقتصادي مستدام، وتجاوز التوترات المتصاعدة في الساحة الدولية. وقال برنده في حوار مع «الشرق الأوسط» إنه رغم الصعوبات التي رافقت جائحة «كورونا»، فقد نجح العالم بفضل تعاون دولي بين القطاعين العام والخاص في تطوير لقاحات آمنة في فترة قياسية، لافتاً إلى أهمية الاستفادة من هذه التجربة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والهجرة.
ورغم تصاعد التوتر بين الدول الفاعلة، أعرب برنده عن تفاؤل حذر، مستبشراً بدعوة الرئيس الصيني شي جينبينغ، إلى «التنمية السلمية والتعاون المربح».
إلى ذلك، قال برنده إن لدى منطقة الشرق الأوسط فرصة فريدة للتمركز في قلب جهود المناخ العالمية، مشيداً بمبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر» اللتين عدّهما «عنصرين حيويين في الجهود العالمية للحد من الانبعاثات».
وفيما يلي نص الحوار...

> حدد تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى 10 تحديات ملحّة، ارتبط الكثير منها بالمناخ. هل تقلقون من أن يفقد التقدم الذي تحقق في «كوب 26» زخمه؟
- تظهر المخاوف المرتبطة بالمناخ بوضوح في تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام، حيث إن تكاليف التقاعس عن العمل بشأن المناخ باهظة. نحن نواجه تحديات حقيقية... فالعالم بحاجة إلى فصل نمو الطاقة في المستقبل عن نمو انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وفي الوقت ذاته تأمين كهرباء كافية لـ700 مليون شخص على كوكبنا لا يحصلون على احتياجاتهم الأساسية من الكهرباء. وستلعب التقنيات الجديدة مثل احتجاز الكربون وتخزينه ومصادر الطاقة المتجددة دوراً رئيسياً في حلّ هذا اللغز.
> أعلنت دول في الشرق الأوسط عن سياسات طموحة صديقة للمناخ، تصدّرتها السعودية بإعلانها خطة الحياد الصفري بحلول 2060. كيف تنظرون إلى هذه الالتزامات؟
- مبادرة السعودية الخضراء ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر عنصران حيويان في الجهود العالمية للحد من الانبعاثات.
نأمل في أن تُحفّز المزايا الاقتصادية الواضحة للاستثمار المبكّر في التقنيات الخضراء الناشئة، إلى جانب التكاليف المدمرة للتقاعس في مكافحة تغير المناخ، جميع الدول على تسريع التحول الطاقي لديها.
وتشكّل استضافة المنطقة لاجتماعَي «كوب» القادمين؛ في مصر عام 2022 والإمارات عام 2023، فرصة فريدة للشرق الأوسط لوضع نفسه في قلب جهود المناخ العالمية، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أنه سيكون إحدى المناطق الأكثر تضرراً من ظاهرة الاحتباس الحراري.
ومن المهم جداً أن نتخذ إجراءات ذات مغزى الآن. فمن خلال حماية كوكبنا وشعوبنا اليوم، يمكننا تعزيز ازدهارنا المشترك غداً. ويعمل المنتدى على إطلاق مجتمع من قادة الحكومات ورجال الأعمال لدفع العمل بشأن الاستدامة في الشرق الأوسط، حيث نأمل أن تلعب السعودية دوراً رائداً.
> انعقدت «أجندة دافوس» هذا العام في أجواء جيوسياسية صعبة، مع تصاعد التوترات بين الغرب وروسيا من جهة، والغرب والصين من جهة أخرى. هل نشهد بوادر حرب باردة جديدة؟
- التوترات الجيوسياسية مصدر قلق، لا سيما في وقت أصبح فيه العالم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. لكن بينما أظلّ واقعياً بشأن المشهد الجيوسياسي، إلا أنني متفائل لأن هناك دلائل على أن الجهات الفاعلة الرئيسية تبحث عن فرص للعمل معاً.
على سبيل المثال، قال الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا الأسبوع في أجندة دافوس، إن «الطريق الصحيح للمضيّ قدماً للبشرية هو التنمية السلمية والتعاون المربح للجانبين». وفي أواخر العام الماضي، رأينا الولايات المتحدة والصين تصدران بياناً مشتركاً بعد «كوب 26» تعهدتا فيه «بالتزام حازم للعمل معاً» لتحقيق أهداف اتفاقية باريس لعام 2015.
يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي، بصفته المنظمة الدولية للتعاون بين القطاعين العام والخاص، كمنصة للحوار بين قادة العالم. ويعدّ انضمام أكثر من 80 من قادة القطاعين العام والخاص إلى «أجندة دافوس» هذا الأسبوع دليلاً على الرغبة القوية في التعاون لمعالجة أزمة المناخ والوباء والتحديات الاقتصادية، من بين قضايا أخرى.
> يقترب الوباء من نهايته، على الرغم من موجة «أوميكرون» المستعرة. ما أبرز الدروس المستفادة من أكبر أزمة صحية منذ قرن؟
- أعظم درس مستفاد من هذا الوباء هو أن التعاون العالمي ضرورة. فقد كانت السرعة الخارقة التي تم بها تطوير لقاحات آمنة وفعالة -في أقل من عام- نتيجة لتعاون مؤسسات البحث وشركات الأدوية والحكومات التي قامت بمواءمة أهدافها والعمل معاً. فلقاح «فايزر - بايونتيك» يتكوّن من 280 مكوناً من 19 دولة مختلفة. هذا مثال واضح على التعاون بين القطاعين العام والخاص.
نأمل أن نلتفت إلى هذا الدرس، ونتعاون بعضنا مع بعض لمواجهة التحديات المشتركة وإتاحة الفرص. التكنولوجيا هي أحد المجالات التي توجد فيها إمكانات هائلة. إذا تعاونت الجهات الفاعلة معاً، يمكن للذكاء الصناعي، على سبيل المثال، زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4% هذا العقد، فضلاً عن تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 4.0%، وفقاً لشركة «بي دبليو سي».
> ديون مفرطة، تضخم قياسي، نمو بطيء... المشهد الاقتصادي يُقلق الخبراء حول العالم. هل تعدّ هذه المؤشرات عواقب مؤقتة للوباء، أم أنها أعراض لمشكلة اقتصادية متوطّنة؟
- في عام 2020 تَقلّص الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1%، مما تسبب في تداعيات مدمرة لعدّة مجتمعات. بينما من المتوقع أن يسجّل النمو العالمي للعام الماضي 5.9%، وخفّض صندوق النقد الدولي التوقعات الأولية (6%)، محذّراً من انتعاش متباين بين الدول والصناعات.
لذلك، في حين أن بعض الدول انطلقت على طريق الانتعاش، لا تزال الاقتصادات ذات الدخل المنخفض معرّضة للخطر.
لطالما دعا المنتدى الاقتصادي العالمي إلى نموذج اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة، وقد دافعنا عن «رأسمالية أصحاب المصلحة»، والتي تحثّ قطاع الأعمال على مراعاة مصالح الجميع في المجتمع.
تنعكس الشعبية المتزايدة لهذه الفكرة في مبادرة قياس رأسمالية أصحاب المصلحة، والتي تقدم مجموعة عالمية من ممارسات رأسمالية أصحاب المصلحة التي يمكن للشركات استخدامها وإعداد تقارير عنها. ومنذ إطلاقها قبل عام، أبدت 100 شركة بالفعل دعمها للمبادرة وأدرجت أكثر من 50 شركة مقاييس «رأسمالية أصحاب المصلحة» في تقاريرها الخاصة بعامي 2020 و2021.
وفي وقت سابق من هذا العام، جمع المنتدى بين شركات التكنولوجيا والمالية الرائدة، والهيئات الحكومية لإطلاق «تحالف إديسون»، حيث تعمل هذه المنصة الأولى من نوعها على تعزيز الوصول الرقمي بأسعار معقولة للجميع بحلول عام 2025.
> الأمن السيبراني هو تحدٍّ آخر يحذّر منه تقرير المخاطر لهذا العام. كيف يمكن للدول تأطير الفضاء السيبراني، وهل العالم بحاجة إلى هيئة دولية جديدة لتنظيمه؟
- لقد أصبحنا نعتمد بشكل متزايد على الأنظمة الرقمية على مستوى العالم في السنوات الأخيرة، وهو اتجاه تسارع خلال الوباء. في الوقت نفسه، ارتفعت الجرائم الإلكترونية. فوفقاً للتقرير الجديد للمنتدى الاقتصادي العالمي، المعنون «توقعات الأمن السيبراني العالمي 2022»، ارتفعت هجمات برامج الفدية بنسبة 151% في عام 2021، وتعرّضت المؤسسات لمتوسط 270 هجوماً إلكترونياً خلال عام بزيادة قدرها 31% عن عام 2020.
أفضل طريقة لمواجهة هذه التحديات هي من خلال التعاون المشترك، بين الشركات وصانعي السياسات والهيئات التنظيمية. فقد أشار أكثر من 90% من المشاركين في استطلاع حديث أجريناه على 120 من قادة الإنترنت العالميين إلى تلقي رؤى قابلة للتنفيذ من مجموعات مشاركة المعلومات الخارجية.
لهذا الغرض، يعمل مركز الأمن السيبراني لدينا على تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني بين أصحاب المصلحة الرئيسيين، في القطاعين العام والخاص. تجمع شبكة مراكزنا للثورة الصناعية الرابعة، النشطة في 15 دولة، الحكومات والشركات الرائدة والمجتمع المدني والمبتكرين لمواجهة هذه الأنواع من التحديات المتعلقة بتبني التكنولوجيا والحوكمة.
> عادت الهجرة لتفرض نفسها كقضية جدلية في الكثير من الدول، على الرغم من الحاجة المتزايدة لليد العاملة. ما السبب؟
- على مدى العقد الماضي، ارتفع عدد المهاجرين الدوليين باستمرار، من 221 مليون شخص في عام 2010 إلى 281 مليوناً في عام 2020. وتعد الصعوبات الاقتصادية، وتغير المناخ، والصراع وعدم الاستقرار السياسي، بعض أبرز العوامل الدافعة. قد يؤدي تزايد مخاطر النزوح المرتبط بتغير المناخ إلى تفاقم المشكلة خلال السنوات القادمة. وتنعكس هذه الاتجاهات في تقرير المخاطر العالمية، حيث يتم تصنيف «الهجرة غير الطوعية» على أنها مصدر قلق طويل الأجل.
وفقاً لذلك، يعدّ تحسين التعاون الدولي لإدارة تدفقات الهجرة أمراً حيوياً. يمكن أن تتيح قنوات هجرة أكثر كفاءة وتنظيماً تعزيز العلاقات السياسية والتعاون بين الدول بشأن هذه القضية الحساسة والمعقدة، وذلك عبر وضع أطر قانونية وسياسات متماسكة، والتعاون عبر الحدود، ومواجهة أفضل لعمليات التهريب.


مقالات ذات صلة

ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

خاص ميناء نيوم في السعودية (نيوم)

ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

في الخامس عشر من أبريل نشرت شركة «نيوم» السعودية على منصة «إكس» تغريدة لافتة تحمل رسالة مختصرة وبالغة الدلالة: «أوروبا - مصر - نيوم - الخليج: طريقك الأسرع».

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً.

«الشرق الأوسط» (كوبيرتينو (كاليفورنيا))
الاقتصاد أمين صندوق في متجر بقالة يسحب أوراقاً نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

الدولار يتراجع والين تحت ضغط «شهية المخاطر» وترقب مفاوضات السلام

تراجع الدولار وسط تعرض الين الياباني لضغوط، يوم الثلاثاء، حيث اتجه المستثمرون نحو العملات المرتبطة بالمخاطر.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد امرأة هندية ترتدي حلياً ذهبياً في متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار وترقُّب «محادثات السلام» في إسلام آباد

تراجع الذهب يوم الثلاثاء مع ارتفاع الدولار، في حين يترقب المستثمرون المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)

النفط يتراجع وسط توقعات باستئناف المحادثات الأميركية - الإيرانية

تراجعت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، عن مكاسب الجلسة السابقة، وسط توقعات بعقد محادثات سلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن السعودية تمتلك «مصدات مالية قوية» تعزز صمودها في وجه تداعيات الحرب الحالية في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن متانة الحيز المالي للمملكة ومؤسساتها السيادية تمنحها القدرة على امتصاص الصدمات وحماية زخم مشاريع «رؤية 2030». وأوضح أن قدرة الرياض على التكيّف وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية تمثلان نموذجاً للمرونة الاقتصادية الضرورية في ظل الظروف الراهنة.

ورأى أزعور أن الصراع الحالي يمثل «نقطة تحول جيو - اقتصادية» لم تشهدها المنطقة منذ 50 عاماً. ونبّه إلى خطورة «الصدمة متعددة الأوجه» التي تواجهها دول المنطقة، حيث لا تقتصر الضغوط على الجوانب العسكرية، بل تمتد لتشمل اضطراب سلاسل الإمداد، وتصاعد تكاليف الشحن، وتذبذب أسواق السلع الأساسية.


مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في شهادة تاريخية أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، وضع كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، «استقلالية القرار النقدي» كقاعدة أساسية لمستقبل المصرف المركزي، مؤكداً لأعضاء اللجنة أنه سيتخذ قراراته بمعزل عن أي نصيحة أو ضغط من الرئيس دونالد ترمب، ومسلّطاً الضوء على نجاحه في الحفاظ على انخفاض التضخم باعتباره «الدرع الواقية» التي ستحصن استقلالية المؤسسة وتحميها من السجالات السياسية، مشدداً على أن «التضخم المنخفض هو خيار، وعلى الاحتياطي الفيدرالي تحمل مسؤوليته دون أعذار».

وقال وارش أمام أعضاء اللجنة الذين سيرفعون توصياتهم بشأن تثبيته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى فترة ولاية مدتها أربع سنوات على رأس البنك المركزي: «استقلالية السياسة النقدية أمرٌ جوهري».

وأضاف أن الحفاظ على هذه الاستقلالية «يقع على عاتق الاحتياطي الفيدرالي إلى حد كبير» من خلال تحقيق أهدافه وعدم تجاوز صلاحياته الممنوحة له من الكونغرس.

وقال وارش، الممول البالغ من العمر 56 عاماً والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: «لا أعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة بشكل خاص عندما يُبدي المسؤولون المنتخبون - الرؤساء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، أو أعضاء مجلس النواب - آراءهم بشأن أسعار الفائدة. لقد كلّف الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي بمهمة ضمان استقرار الأسعار، دون أعذار أو مراوغة، أو جدال أو قلق. التضخم خيار، ويجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته. انخفاض التضخم هو سلاح الاحتياطي الفيدرالي الأقوى».

واعتبر وارش أن البيانات المستخدمة لتقييم التضخم غير دقيقة إلى حد بعيد، وقال إنه سيُجري مراجعة للبيانات، ومشيراً إلى أن الإجراءات الحالية التي يتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي «معيبة».

وأوضح أنه يُفضل استخدام المتوسط ​​المُعدَّل أو الوسيط لتغيرات الأسعار للحصول على فهم أفضل لمعدل التضخم الأساسي.

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

نقد «حقبة باول» وضرورة التغيير

وفي مواجهة اتسمت بالنقد الصريح، دعا وارش إلى «تغيير جذري» في آليات إدارة السياسة النقدية، معتبراً أن الإطار الحالي يحتاج إلى أدوات جديدة كلياً.

وانتقد وارش تمسك الإدارة الحالية بتوقعاتها لفترات أطول مما ينبغي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن تداعيات أخطاء السياسة النقدية لعامي 2021 و2022، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «لا مسألة أكثر إلحاحاً من تكلفة المعيشة» في الوقت الراهن.

وأبلغ وارش أعضاء مجلس الشيوخ أنه سيفي بتعهده بالتخلي عن ممتلكاته في حال تثبيته في منصبه، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل كيفية التخلص من ملايين الدولارات من الأصول. وقال: «حتى لا يكون هناك أي شك في استقلاليتي، ولا أي شك في شفافية سجلي المالي، وافقت على التخلي عن جميع أصولي المالية تقريباً، وسيتم التخلي عن غالبيتها العظمى قبل أن أرفع يدي اليمنى وأؤدي اليمين الدستورية».

حتى قبل أن يُلقي وارش كلمته الافتتاحية، كرّر ترمب في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» أنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُسرع مرشحه المُختار لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خفض أسعار الفائدة. يُمثّل هذا التوقع تحدياً كبيراً لقائد البنك المركزي الذي يحتاج إلى حشد أصوات زملائه الذين ما زالوا قلقين بشأن تأثير صدمة أسعار النفط المستمرة على التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وقد صرّح وارش بأن خفض أسعار الفائدة مُبرّر لأن التغييرات التكنولوجية التي أطلقها الذكاء الاصطناعي سترفع الإنتاجية، وهو رأي يقول محافظو بنوك مركزية آخرون إنه قد يكون صحيحاً بمرور الوقت، ولكنه لا يجعل خفض أسعار الفائدة مناسباً بالضرورة على المدى القصير.

لقد فشل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدفه البالغ 2 في المائة لأكثر من خمس سنوات، أولاً بسبب صدمة جائحة كوفيد-19، ولكن مؤخراً بسبب تأثير تعريفات إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، وهي مشكلة محتملة للمشرعين الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولطالما تصادم ترمب مع باول بشأن السياسة النقدية منذ تعيينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. تنتهي ولاية باول رسمياً على رأس البنك المركزي في 15 مايو (أيار)، لكن من الممكن أن يبقى في منصبه لفترة أطول إذا تأخرت المصادقة على تعيين وارش.

في هذه المرحلة، لا يزال توقيت توصية اللجنة أو تصويت مجلس الشيوخ غير مؤكد. وقد صرّح السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو اللجنة، بأنه سيعرقل ترشيح وارش إلى أن تُسقط وزارة العدل الأريكية تحقيقاً مع باول يعدّه السيناتور تافهاً وجزءاً من مساعي ترمب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة أو إجبار باول على الاستقالة.

ورغم أن اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل قد يكون الأخير لباول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، لكن هذا المأزق قد زاد من احتمالية بقائه في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته رسمياً. لا يبدو أن المدعية العامة الأميركية لمنطقة كولومبيا، جانين بيرو، حليفة ترمب، مستعدة للتخلي عن التحقيق مع باول، ولا يبدو أن الرئيس يضغط عليها للقيام بذلك، على الرغم من أن هذا الموقف يعني احتمال استمرار العمل مع رئيس البنك المركزي الحالي لأشهر إضافية، أو إشعال معركة قانونية أخرى بمحاولة تعيين بديل مؤقت من بين محافظي الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين.

وفي غياب خليفة مؤكد للمنصب الرفيع، سبق للبنك المركزي أن عيّن رئيساً مؤقتاً للاحتياطي الفيدرالي. تمتد ولاية باول محافظاً للبنك المركزي حتى عام 2028، ما يعني أنه قد يبقى صانعاً رئيسياً للسياسات حتى في حال تثبيت وارش. كما صرّح ترمب بأنه قد يُقيل باول إذا لم يتخلَّ عن منصبه كمحافظ. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستُثير طعناً قانونياً، كما حدث في محاولة الرئيس الصيف الماضي لإقالة ليزا كوك، محافظة الاحتياطي الفيدرالي.


بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
TT

بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)

أعلن مسؤول النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس، يوم الثلاثاء، أن التكتل الأوروبي يدرس توسيع وارداته من وقود الطائرات الأميركي، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتعزيز استقرار قطاع الطيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة.

وأوضح تزيتزيكوستاس أن الاتحاد سيصدر توجيهات لشركات الطيران بشأن التعامل مع قضايا تشغيلية مثل مواعيد الإقلاع والهبوط، وحقوق المسافرين، والتزامات الخدمة العامة، في حال حدوث أي اضطرابات محتملة في إمدادات وقود الطائرات. وأضاف أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على نقص فعلي في الإمدادات، لكنه حذّر من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيكون «كارثياً» على أوروبا والاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما بين 30 في المائة و40 في المائة من احتياجاته من وقود الطائرات، يأتي نحو نصفها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية، يوم الأربعاء، حزمة أوسع من التدابير المرتبطة بالطاقة والنقل، تشمل إنشاء «مرصد لوقود الطائرات» لمراقبة مستويات الإمدادات بشكل دوري.

وقال تزيتزيكوستاس عقب اجتماع وزراء النقل في الاتحاد الأوروبي: «في حال ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات، يجب استخدام المخزونات الاستراتيجية بالشكل الأمثل، مع ضمان الشفافية الكاملة في أي عمليات سحب وطنية لتفادي تشوهات السوق».

وأضاف أنه لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على حدوث «إلغاءات واسعة النطاق» خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. في المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من احتمال بدء نقص فعلي في الوقود بحلول يونيو (حزيران)، في حين تشير شركات الطيران الأوروبية إلى أن الضغوط الحالية تتركز في ارتفاع الأسعار فقط.

وقالت مجموعة «إيه آي جي» المالكة للخطوط الجوية البريطانية و«إيبيريا» إنها لا تواجه أي اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات في مطاراتها الرئيسية، لكنها تتعرض لارتفاع ملحوظ في التكاليف. كما أعلنت مجموعة «دي إتش إل» الألمانية أنها مؤمّنة من حيث إمدادات الوقود لعمليات الشحن في أوروبا حتى يونيو، بينما تبقى التوقعات في آسيا أقل وضوحاً.

وأكد المسؤول الأوروبي أن المفوضية تسعى إلى تسريع تطوير وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الشرق الأوسط. إلا أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) كان قد حذر من أن إنتاج الوقود المستدام لا يزال دون المستويات المطلوبة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، مشيراً إلى أن تكلفته قد تصل إلى خمسة أضعاف الوقود التقليدي.

وتسمح قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمكافحة «التزود بالوقود الزائد» باستثناءات في حالات النقص المحتمل، على أن يتم توضيح الإطار التنظيمي بشكل أدق يوم الأربعاء.

كما تدرس المفوضية الأوروبية خيار تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك وقود الطائرات الأميركي (جيت إيه) الذي يتميز بدرجة تجمد أعلى من المعيار الأوروبي.

وختم تزيتزيكوستاس بالقول: «لا حاجة في هذه المرحلة إلى أي إجراءات تمس حياة المواطنين أو حركة السفر والعمل. أوروبا مستعدة لاستقبال السياح والضيوف خلال موسم الصيف». وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يبرر التراجع عن حقوق تعويض الركاب في حالات التأخير أو الإلغاء.