صاحب ذوبان الجليد الدبلوماسي بين الولايات المتحدة الأميركية وكوبا انتشار مفاجئ للأعلام الأميركية هنا. وتألقت النجوم والخطوط الأفقية، التي تميز العلم الأميركي، على مبان سكنية، وسيارات أجرة، كما ظهرت على قمصان رياضية وأغطية رأس، وبناطيل ضيقة، وزينتها بشكل مستدير. بل وصلت الرسوم، التي تميز العلم الأميركي، إلى معطرات الجو التي توضع في السيارات خاصة تلك التي برائحة الفانيلا.
وقال رجل في منتصف العمر يحملق في بنطال تقريبا يتخذ شكل العلم الأميركي ترتديه شابة: «أرى في كوبا أشياء ظننت أنني لن أراها أبدا». وقالت الشابة، التي رفضت ذكر اسمها لقلقها من الحديث عن رمز دولة لا تزال في خلاف مع كوبا حول العديد من القضايا، إن البناطيل كانت هدية من صديق لها يعرف مدى حبها للثقافة الأميركية. وأضافت: «إنها موضة.. لا بيان»، في محاولة للتوضيح في بلد يمكن لأي معارضة صريحة للحكومة فيه أن تجعلك تحت المراقبة أو ما هو أسوأ.
وبعد إعلان واشنطن وهافانا، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن عزمهما استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لا يزال الطرفان يتحدثان بشأن موعد وكيفية إعادة فتح السفارتين. وفي قمة إقليمية عقدت نهاية الأسبوع الماضي في بنما، عقد كل من الرئيس أوباما والرئيس راؤول كاسترو أول اجتماع فعلي بين قادة الدولتين منذ الثورة الكوبية، لكن غاب علما الدولتين عن ذلك الاجتماع.
وقال دبلوماسيون من الجانبين إنه من المتوقع أن يتم السماح لعلمي الدولتين بالرفرفة على مقار البعثات الدبلوماسية عندما يحين الوقت المناسب. وقام العمال خلال الأسابيع القليلة الماضية بتنظيف حامل العلم الأميركي الموجود أمام مقر مكتب رعاية المصالح الأميركية، الذي يقع في الشارع الرئيسي القريب من البحر، استعدادًا لعودة العلم بأمجاده القديمة لأول مرة منذ خمسة عقود.
مع ذلك، وأيًا كان ما يفعله الدبلوماسيون، توضح المشاعر التي يعبر عنها الكثير من أفراد الشعب الكوبي أنهم لم يتوقفوا أبدا عن حبهم للأميركيين رغم الحظر التجاري الذي استمر طويلا، وسنوات العداء السياسي. وخلال السنوات القليلة الماضية مرت كوبا بموجات من هوس الأعلام الأجنبية، فقد كان من الواضح أن العلم البريطاني يحظى بشعبية في عالم الأزياء والملابس خلال دورة الألعاب الأوليمبية، التي عقدت في لندن عام 2012، وكذلك ازدهرت الآن الأشياء المستخدمة في التزيين التي تحمل العلم الأميركي كما كان الحال على مدى سنوات طويلة. وأشار المراقبون للوضع هنا إلى انتشار الملابس، التي تحمل العلم الأميركي، وهو ما مثل مفاجأة بالنسبة إلى البعض في الحكومة. وهاجم مقال نشر خلال العام الماضي على موقع «Cubadebate.com»، وهو موقع إخباري حكومي، تلك المظاهر باعتبارها شكلا من أشكال الإمبريالية الثقافية. وجاء في المقال: «يؤلمني أن أرى كوبا ملتفة في العلم الأميركي. لا يستطيع عقلي تقبل ذلك».
ورغم أن هذا الأمر يعد بالنسبة إلى كثيرين رمزًا للحرية، فربما تعد الملابس، التي تحمل العلم الأميركي، دلالة على تهريب السلع. ويقول مرتدو الملابس إنه يتم استيراد الكثير من الملابس بشكل سري من فلوريدا إلى بنما، وإنه يحظر إعادة بيع هذه الملابس في إطار دفع كوبا باتجاه دعم المشروعات الاجتماعية.
لذا يبدو أن الكثيرين من هؤلاء لديهم أصدقاء، وأقارب، محبون للعلم الأميركي في الخارج. ويمكن للمرء أن يجد سيارة عليها قميص رياضي يحمل عبارة «أحب الولايات المتحدة»، أو سيارة تعود إلى حقبة الخمسينات تحمل ملصقا للعلم الأميركي تسير على طريق سريع وحيد على أطراف هافانا، أو شابا يرتدي بنطالا قصيرا يحمل العلم الأميركي، ويسير في شارع جانبي هادئ بالقرب من هافانا، أو فتاة مراهقة في سوق ترتدي ملابس تحمل العلم الأميركي تغطيها من رأسها إلى أخمص قدميها. وسألت يوجينيا رودريغيز (24 عاما)، ترتدي قميصا رياضيا يحمل العلم الأميركي وتسير هنا دون أن توضح مصدر القطع: «هل يعجبكم هذا؟ يمكنكم الحصول عليه هنا». وقال بعض المعارضين إنهم يعتقدون أن ارتداء ملابس تحمل العلم الأميركي صرخة تنادي بالتغيير، في حين أن المواطنين الكوبيين العاديين ظلوا ودودين مع الزائرين الأميركيين، ولم يقاطعوا الثقافة الأميركية، والألعاب الرياضية الأميركية. وسارع الكثيرون نحو مناقشة حبهم لكرة القاعدة الأميركية، وتبادل أحدث المسلسلات التلفزيونية والأفلام الأميركية على وحدات الذاكرة المحمولة. وقال مارك بيري، عالم الأنثروبولجيا بجامعة تولين الذي يدرس التوجهات الاجتماعية في كوبا: «يشعر الكثير من الكوبيين بالحماس تجاه المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي من المحتمل أن تجلبها عودة العلاقات الأميركية - الكوبية. إن هذا هو التيار السائد حاليا في كوبا ويتجلى في تلك المظاهر الثقافية».
ولم يكن للعلم الأميركي أن ينتشر على هذا النحو، سواء كان تعبيرا عن صيحات موضة عابرة أم لا، لو كان فيديل كاسترو (88 عاما) في السلطة؛ فقد كانت علاقته بالولايات المتحدة تتسم بالعداء، منذ الثورة، التي اندلعت في الخمسينات، وحتى آخر خطاب أدان فيه العقوبات الأميركية المفروضة على العديد من المسؤولين في فنزويلا، وكانت الأعلام الوحيدة، التي تم التلويح بها بدافع من الولايات المتحدة، هي الأعلام الكوبية خلال مسيرات ضد «الإمبراطورية». مع ذلك خفتت المظاهرات منذ تولي فيديل كاسترو السلطة بسبب مرض فيديل عام 2006، والآن تزين أعلام كوبا أحيانا حامل العلم، الذي أقامته كوبا منذ عدة سنوات، بالقرب من مكتب رعاية المصالح للتصدي إلى أشكال الدعاية التي تنشرها الحكومة الأميركية على المبنى.
أما بالنسبة إلى الملابس فأصلها غير واضح، مثل الكثير من الأشياء التي تظهر وتختفي هنا دون تفسير. وقال عدد من الأشخاص الذين يرتدون ملابس تحمل العلم الأميركي إن تلك الملابس أصبحت أكثر رواجًا خلال العام الماضي. ويتجه من يريدون الحصول على تلك الملابس إلى متاجر خاصة توجد داخل منازل، وشقق، حيث يمكنهم الحصول على الكثير من الأزياء، التي تواكب أحدث صيحات الموضة، أو قطع صنعت كتقليد لعلامات تجارية شهيرة. وتتباين الأسعار؛ فقد يزيد سعر بعض القطع، التي تحمل العلم الأميركي، على 15 دولارا، وهو ثمن باهظ في دولة يبلغ فيها متوسط الراتب الشهري 20 دولارا. ويتلقى الكثيرون دعما ماليا من أقارب لهم يعلمون خارج البلاد، في حين يحصل آخرون على مصدر دخل خالص الضرائب من المشروعات الاجتماعية المزدهرة. ويبدو أن الشعبية، التي يحظى بها العلم الأميركي، مؤشر يدل على ما يراه الكثير من المواطنين الكوبيين ترحيبا حارا باستئناف العلاقات، بل وربما عناقا متبادلا. وقالت إليزابيث بائعة في متجر ترتدي بنطالا يحمل العلم الأميركي في ترينيداد «إن هذا شكل بلدنا اليوم. إنها ودودة». وشهدت مدينة ترينيداد، مثل الكثير من المدن والبلدات السياحية، تزايدا كبيرا في عدد السائحين القادمين من الولايات المتحدة بفضل تخفيف القيود المفروضة على السفر.
* خدمة «نيويورك تايمز»
بعد ذوبان الجليد الدبلوماسي.. الأعلام الأميركية تنتشر في كوبا على كل شيء
الهوس بأميركا لا يتوقف.. وحديث الشارع مستمر عن موعد وكيفية إعادة فتح السفارتين
الأعلام الأميركية تنتشر على ملابس الكوبيين بعد زوال الجمود الدبلوماسي بين البلدين (نيويورك تايمز)
بعد ذوبان الجليد الدبلوماسي.. الأعلام الأميركية تنتشر في كوبا على كل شيء
الأعلام الأميركية تنتشر على ملابس الكوبيين بعد زوال الجمود الدبلوماسي بين البلدين (نيويورك تايمز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
