البحث عن الألوان الطازجة في منابع الشمس ووهج الأنوثة الفائر

«نوا نوا» أو يوميات بول غوغان في تاهيتي

بول غوغان عام 1891
بول غوغان عام 1891
TT

البحث عن الألوان الطازجة في منابع الشمس ووهج الأنوثة الفائر

بول غوغان عام 1891
بول غوغان عام 1891

يشترك الرسامون والكتاب، بخاصة الشعراء منهم، في التقاط الإشارات التي ترسلها إليهم الحياة على شكل صور متناثرة أو احتدام عصبي، أو وميض غامض يحتاج إلى من يتقن تظهيره وينقله إلى طور التشكل. على أن الطرفين اللذين يغرفان من اللهب ذاته أو الينابيع إياها، يفترقان كما هو معلوم في طريقة تعبير كل منهما عن مكابداته، حيث الكتاب والشعراء يتخذون من اللغة أداة للإفصاح عن كشوفهم الرؤيوية، فيما يجعل الرسامون من الألوان والخطوط سبيلهم إلى الهدف نفسه. وقد تكون عبارة «الرسم بالكلمات»، التي وصف نزار قباني من خلالها فن الشعر، هي التجسيد الأمثل للعلاقة الوثيقة بين الكتابة وفن الرسم، حيث لا يحتاج توصيف هذا الأخير إلا إلى قلب العبارة القبانية لتصبح «الكلمات بالألوان». أما الشواهد الأبلغ على تفاعل كل من الوسيلتين التعبيريتين مع الأخرى، فتتمثل في العدد الهائل للقصائد التي استوحاها الشعراء من لوحات التشكيليين ومنحوتاتهم، ومن الأعداد المماثلة للوحات والمنحوتات التي تم استلهامها من قصائد الشعراء والنصوص النثرية العالية.
على أن التقاطعات العديدة بين الكتاب والتشكيليين لم تدفع كلاً من الطرفين إلى الالتزام النهائي بالفن الذي يتقنه إلى درجة الاحتراف، أو على وضع خطوط تماس صارمة بين الطرفين، بل عمد كل منهما إلى اختراق المجال الحيوي للآخر، من خلال الهوية المركبة التي مكنت بعض المبدعين من توزيع موهبتهم على غير حقل تعبيري، بحيث أظهر شعراء وكتاب كثر براعة حقيقية في الرسم، كما هو حال غارسيا لوركا وجبران خليل جبران وناظم حكمت وإيتيل عدنان، فيما أظهر رسامون وتشكيليون عديدون براعة موازية في مجال الكتابة، كما هو حال رامبرانت وفان غوخ وسلفادور دالي وكثر آخرين.
تكشف المذكرات التي كتبها الرسام الفرنسي الشهير بول غوغان، عن رحلته إلى تاهيتي، التي صدرت طبعتها الثانية مؤخراً عن دار «خطوط وظلال»، ونقلتها إلى العربية أبية حمزاوي تحت عنوان جديد هو «يوميات بول غوغان في تاهيتي»، عن قدرة الفنانين الكبار على المواءمة الناجحة بين الكتابة وفنون التشكيل، سواء من حيث الفضاء التخييلي الشاسع، أو من حيث القدرة على تحويل الحواس إلى منصة للتأمل والكشف والتبصر الروحي والرؤيوي. ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى أن الجانب الأهم في رحلة غوغان إلى الجزيرة الواقعة في الطرف الأخير للكوكب ليس المذكرات بحد ذاتها، بل هو الرحلة نفسها بوصفها مجازفة نادرة ومحفوفة بالمخاطر، لا يرتضي خوضها سوى كوكبة من المغامرين، الذين يديرون ظهرهم دون ندامة، لبهرج الحضارة المستجدة وقشورها الزائفة، دون أن ينتقص ذلك بالطبع من الجمالية العالية للغة المؤلف، أو من أسلوبه السردي المحكم والمشوق.
ولعل المآل المرير الذي انتهت إليه علاقة غوغان بصديقه فان غوخ في الجنوب الفرنسي، بعد فترة من الألفة والتناغم الشخصي والإبداعي، قد شكل العامل الحاسم في دفع غوغان إلى النأي بنفسه بعيداً عما يعرقل مسيرته من عوائق ومنغصات، باحثاً عن المنعطف الجذري الذي يضع حياته وفنه في مسار آخر.
وإذا كان البحث عن سحر الشرق، الممتد بجغرافيته الشاسعة من شواطئ المتوسط إلى جزر اليابان، قد شكل السمة المشتركة لعدد من كتاب الغرب وفنانيه، كما كان حال غوته ونوفاليس وأرنست رينان وغيرهم، فإن صاحب غوغان قد ذهب بعيداً في تعطشه إلى اكتشاف المجهول والبحث لضربات فرشاته عن الألوان الصارخة في توهجها، قاصداً الجزيرة الواقعة في الأحشاء الشرقية الجنوبية للمحيط الهادئ، التي كانت فرنسا قد ضمتها حديثاً إلى ما سمته مستعمرات ما وراء البحار.
«في ليلة الثامن من حزيران، وبعد ثلاثة وستين يوماً من السفر، ثلاثة وستين يوماً من التلهف والانتظار، لمحنا عن بُعد ناراً غريبة تتماوج على صفحة الماء، ومن السماء أفلتت قمة بركانية ذات أثلام». بهذه اللغة البصرية الباذخة يستهل غوغان انطباعاته عن تاهيتي، التي لا يصح في رأيي نعتها باليوميات لأنها لا تعتمد على التقسيم الزمني اليومي لتأريخ الرحلة، بل على التدوين التلقائي والحر لما علق في ذهن المؤلف من أحداث وانطباعات. فالكتاب الصغير الذي لا يكاد عدد صفحاته يبلغ المائة، لا يغطي سوى بعض وقائع المرحلة الأولى من إقامة غوغان في الجزيرة النائية، التي غادرها مؤقتاً لتسويق أعماله التشكيلية في باريس، قبل أن يعود إليها من جديد ليقضي بقية حياته في كنف عوالمها البدائية وأهلها البسطاء الذين تتأرجح أمزجتهم بين السكينة الوادعة والتماهي الكلي مع شراسة الطبيعة وتحولاتها المباغتة.
وإذا كانت الصدفة المجردة هي التي شاءت أن يترافق دخول غوغان إلى العاصمة التاهيتية بابيتي مع رحيل الملك المريض بوماري، فقد حرص غوغان على توثيق تلك اللحظة المفصلية في تاريخ الجزيرة، سواء من خلال انتقالها النهائي إلى عهدة الفرنسيين، أو من خلال الطقوس الجنائزية المحلية التي تتم في مثل هذه الحالات، والتي يشارك في إحيائها سكان الجزر الصغيرة المجاورة، قبل أن ينتهي كل شيء وتعاود عجلة الحياة دورانها الأبدي. فخلال أيام قليلة يستعيد الناس مرحهم الاعتيادي وحيويتهم الفائضة الممهورة بلهب الشموس، حيث الرجال الأشداء الذين يضربون الأرض بأقدام مثيرة للغبار، يمسكون بأيدي نساء مبرعمات الصدور لهن، كما يقول غوغان «وداعة وليونة حيوان صغير، قوي ومعافى، وتفوح منهن رائحة حيوانية ونباتبة، كما عطر دمائهن وأريج الغاردينيا المشكولة في شعرهن، ويهزجن بصوت واحد: (يني ميراهي نوا نوا)». ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن هذه العبارة التي تعني بالعربية «الآن نفوح شذى» هي العنوان الأصلي لمذكرات بول غوغان الذي عرف من خلال علاقاته العاطفية بنساء تاهيتي، كيف ينقل ذلك الشذى النفاذ إلى لوحاته اللاحقة.
لم تُصب العاصمة بابيتي أي هوى في قلب غوغان. لا لافتقارها إلى الجمال، بل لأن الأوروبيين قد حولوها بفعل جشعهم المفرط وهوسهم بالتجارة والربح، إلى مدينة هجينة يتم بشكل ممنهج إبعاد سكانها عن نقائهم الأصلي وإدخالهم في شبكة أخرى من علاقات الانتفاع والرياء والتكاذب الاجتماعي. ولأن المرأة بالنسبة لغوغان هي المعيار الحساس والأكثر تعبيراً عن الحقيقة الإنسانية، فهو لم يستطع مواصلة علاقته بالأميرة فاييتوا التي كُلفت برعايته أثناء المرض، لأنها أجهدت نفسها بغية إرضائه في تقليد السلوكيات الغربية الوافدة، وفي استعراض ثقافتها الأوروبية، فيما كان هو يبحث على النقيض من كل ذلك، عما تتركه براكين البلاد في أعماق نسائها من وهج الأصالة وذهبِها المختزن.
ولم يتوان الرسام الأربعيني في إطار المقارنة بين التقاليد الاجتماعية الغربية والأخرى التاهيتية، عن الانتصار للثانية على الأولى، ليس فقط بما يخص براءة السلوك ونقاء السريرة، بل بما يخص العلاقات العاطفية بين الجنسين، وخلوها التام من العقَد والتابوهات. ففي تاهيتي «تمنح الغابة والنسيم الآتي من البحر، القوة للرئة فتتسع، وتنمو الأكتاف عريضة. رجالهم ونساؤهم يتعرضون بالقدر نفسه لأشعة الشمس ويدوسون الحصى والرمال. وهذا التقارب بين الجنسين جعل علاقاتهم شديدة السهولة، وحالة التعري الطبيعية الدائمة أبعدت أذهانهم عن مشاغل الجسد (الغامض) التي تولَد توتراً شديداً لدى الشعوب المتمدنة». أما في بيئتنا الأوروبية، يقول غوغان «فبفضل الأحزمة والمشدات، نجحنا في جعل المرأة كائناً كامل التشوه، وأبقيناها في حالة من الضعف العصبي والدونية الجسدية».
ومع أن غوغان يفرد صفحات شتى للحديث عن الحضارة الماوورية وما تحفل به من حكايا وأساطير متصلة بأصل الخليقة وآلهتها الكثيرة المنوط بها تنظيم شؤون الطبيعة والبشر، فإن الاسترسال في تعقب معتقدات السكان الأصليين، قبل وصول بعثات التبشير المسيحي، قد أسهم في إبطاء السرد وحشوه بفائض غير مبرر من الأسماء والتفاصيل من جهة، وفي حرمان القارئ من تعقب مسيرة المؤلف بكل ما يكتنفها من غرابة وقدرة على الإدهاش. أما زواج غوغان من الفتاة اليافعة تاهورا، فيعود الفضل فيه إلى الصدفة وحدها، حيث عرضت عليه امرأة أربعينية أن تزوجه من ابنتها الجميلة، فيما لو قطع لها وعداً صادقاً بإسعادها والاعتناء بها. وهو ما حدث بالفعل، حيث استطاعت هذه الفتاة، بما تمتلكه من فتنة وذكاء، أن تحرض زوجها على الرسم، وأن تجسد بالنسبة له الروح الماوورية المترعة بالاندفاع الشهواني والغموض الساحر. إلا أن تاهورا التي بدأت تتعلق شيئاً فشيئاً بزوجها القادم من وراء المحيط، ما لبثت أن شعرت بصدمة قاصمة وهو ينقل إليها خبر مغادرته للجزيرة وعودته إلى بلاده الأم، قبل أن يكتشف فيما بعد أنه لم يعد قادراً على تحمل العلاقات الرأسمالية المنفرة التي بدأت تلقي بظلالها على البشر في بلاد الغرب، ويعود أدراجه ثانية إلى الجزيرة الفردوسية التي شهدت ولادته الثانية، والتي أراد لها أن تكون مثواه الأخير. وحين لوحت له تاهورا بمنديل الوداع، لم يملك غوغان سوى أن يستعير لها من إحدى شاعرات تاهيتي هذه الأبيات المؤثرة:
إيه يا نسائم الجنوب والشرق اللطيفة
تحومين بعذوبة وتحلقين فوق رأسي
أسرعي إلى الجزيرة المجاورة
هناك ستجدين في ظل شجرته المفضلة
ذلك الذي هجرني
قولي له إنك رأيتِني أبكي



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».