أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

«مشروع أومّا» للطفية الدليمي

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»
TT

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

السخرية اللاذعة التي يواجه بها «فلاح» أصدقاءه المثقفين المتحمسين لإنقاذ أنفسهم وبلادهم من يأسها في شقة العزاب ببغداد، بتشبيههم بقادة «الفيالق السومرية» في مدينة «أوما» في عهد ملكها القوي «لوكال زاكيسي» الذي كان يتحضر لغزو «لكش» والاستيلاء على كنوزها ثم توحيد بلاد سومر، هي حجر الأساس المهمل الذي يتنكر السرد له في رواية الكاتبة العراقية لطفية الدليمي «مشروع أوما» - منشورات «المدى»، 2021. هذه السخرية نقرأها، ابتداءً، في استرجاع خارج زمن السرد الذي يبدأ بعودة إبراهيم الصافي لبلدته/ قريته الصافية. لم تستقر الرواية على توصيف نهائي للصافية؛ فهي بلدة، وهي قرية أيضا، برغم أن توصيف البلدة أكثر تواترا واستخداما في الرواية.
قصة العائد وما يتصل بها من عوالم سردية مغرية، إذن، هي الأصل الذي تدافع عنه الرواية وتتعمد تبريزه عبر العنوان، أولا، بما يقدمه من تأويل سردي مخصوص. وهناك، ثانيا، ثيمات العمل المتعلقة ببناء عالم متخيل يوازي عالمنا الحقيقي؛ غير أن المفارقة أن مقاصد الرواية وعالمها السردي لا تنجح في إخفاء و«طرح» القيمة الفائقة لـ«سخرية» فلاح السوداء وقد تكفلت، بمفردها، بصناعة المشهد بطرفيه اللذين سيحيلاننا إلى زمنين ومكانين وقصتين مختلفين تماما «وقد نتحدث عن ثلاث قصص!»، وهي ذاتها ما سيحسم توزيع المادة الحكائية في الرواية على قسمين: الأول بعنوان «وقائع بلدة الصافية»، والثاني بعنوان «مشروع أوما»، وينشغل القسمان بتوزيع مادتهما الحكائية على فقرات تحمل عناوين مختلفة.
القصة المضمرة: حي بن يقظان... أربعة مؤلفين لقصة واحدة، أربعة ينفذون «مشروع أوما».
ولكن لماذا كل هذه الأهمية لسخرية «فلاح»، الشاب شبه الفوضوي الذي لم يستقر، في حياته، على «عمل» أو «دراسة»؛ فمن دراسة الفلسفة في الجامعة التي هجرها ليعمل «بائع كتب» ومصمم ديكورات ومصور أفلام قصيرة وعازفا في فرقة موسيقية، إلى «صيغة المبالغة» الملازمة لاسمه كما يصحح لأصدقائه: «فَلّاح» وليس بـ«فلاح» «يا ناس اسمي على وزن (فعّال)». هذا القدر اللافت من «الفوضوية» المصاغة بسخرية فاقعة أعطت كلامه وسلوكه النافرين قيمة كبرى نجدها بصياغة أخرى ومختلفة لقصة ضمنية لا يصرح بها السرد سوى مرة واحدة ثم يهملها. إنها قصة «حي بن يقظان» التي تعاقب على «تأليفها» أربعة فلاسفة مسلمين، هم: الفيلسوف «ابن سينا» وقد كتبها أثناء سجنه، وأعاد كتابتها الشيخ شهاب الدين السهروردي، وتولى إعادة كتابتها، مجددا، الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، والكتابة الأخيرة كانت على يد ابن النفيس. عندنا هنا أربع صياغات لقصة واحدة، تتحدث عن شخص واحد يسمى «حي بن يقظان» الذي ينشأ على جزيرة منعزلة برعاية «ظبية» تجده هناك، وقد ضاع منها ابنها، فترضع الطفل وترعاه. يستعيد إبراهيم الصافي «لأمر لم يعلنه» قصة حي بن يقظان أمام أصدقائه ويجري بينهم حديث عن القصة الفلسفية التي تنسجم وقائعها مع رغبة المتحاورين بالخروج من مأزقهم الشخصي في بلادهم المحطمة؛ فتصطدم القصة المستعادة بسخرية «فلّاح» الذي يستعيد، ساخرا، مشهد المدينة السومرية المتأهبة للانقضاض على «لكش» وتوحيد سومر. وشتان بين المشهدين، مشهد الفيالق السومرية ومشهد الأصدقاء المتحمسين لإنقاذ أنفسهم من الطوفان. في المشهد الأول كان هناك «ملك» قوي يحكم «مدينة» صاعدة ستنجح بتوحيد بلاد سومر، فيما المشهد الثاني يختصره أربعة شباب يائسين لا يملكون غير «الثرثرة» سبيلا لإنقاذ أنفسهم من الطوفان القادم.
يهمل السرد قصة «حي بن يقظان» ومقاصدها، مثلما لا يحتفي كثيرا بسخرية فلّاح، ويدشن عالمه بمنطق العائد «إبراهيم الصافي» إلى قريته بعد تسع سنوات؛ غير أن إبراهيم لا يعود لبلدته المخربة وبساتينها المحترقة ليروي ما حصل، كما تعودنا في سردية المنفي العائد في روايات عراقية وعربية كثيرة. إنه يعود ليفتح بيت أهله المهمل بعد وفاة أمه، يعود لحب عمره «زهيرة الصافي»، ويعود ليحول سخرية «فلاح» إلى واقع وفي باله أن «الصافية»، بلدته، هي أوما السومرية التي يجب «الشروع» ببنائها. يترك إبراهيم أصدقاءه في بغداد ويعود ليبدأ العمل بـ«مشروع أوما». وقبل أن يغادر يدعوهم للالتحاق به، وسنجد، بعد حين، أن فلّاح وفيصل هما الملتحقان الوحيدان به. هكذا تكتمل الأركان الأربعة للقصة المضمرة، قصة أربعة مؤلفين تركوا لنا قصة واحدة بأربع صياغات سردية فلسفية، فيما نحن، الآن، أمام أربعة أشخاص سينفذون «مشروع أوما».
أي قصة: زمن أوما المستعاد... زمن الصافية المتخيل؟
لا يزيد الزمن في الرواية عن ثلاث سنوات. يبدأ في اليوم العاشر من أغسطس (آب) سنة 2026 وينتهي في صيف 2028؛ ولكن يوجد زمن آخر يقابله حينا، ويمثل غالبا ذاكرة يستعيدها زمن السرد ويتبناها. إنه زمن «أوما» المدينة السومرية في أقصى الجنوب العراقي في عهد ملكها «لوكال زاكيسي». الزمن الأول هو زمن متخيل، تجري أحداثه في المستقبل لكنه، كذلك، زمن مشبع بالإحالات إلى أحداث كبيرة وخطيرة حصلت في عقد زمني يسبق زمن السرد المتخيل. عندنا إشارات واضحة عن وقائع تخص وتؤرخ لسقوط مدن كبرى بيد عصابات القتلة المسلحة وميليشيات لا رادع لها تعيث فسادا في البلاد، إشارات عن مظاهرات كبيرة تسبقها أخرى عن مدن وبيوت تُسقط على رؤوس أهلها. ثمة حكومة ضعيفة تعجز عن توفير أبسط الخدمات من ماء وكهرباء، ناهيك عن حماية الناس، مواطنيها المفترضين. وثمة «الصافية» التي نعرف، من إشارات ضمنية، أنها تقع في مدينة عراقية شرق بغداد «ديالى». فيما يظل الزمن الثاني، زمن أوما المستعاد «في حدود 2327 قبل الميلاد، المقابل لبعض زمن السرد 2027 بعد الميلاد»، خلفية حكائية يتكئ إليها السرد، فهي أقرب إلى مرآة كبرى ترى فيها شخصيات الرواية ذواتها المضطربة والمتحولة في آن واحد. ومثلما يختلف الزمنان، يختلف المكانان كذلك؛ «الصافية» في شرق البلاد، وأوما في الجنوب. والرابط بين المكانين والزمنين هو مقاومة اليأس والنجاة من الطوفان القادم لا محالة بعد توحيد البلاد مجددا.
وبعودة إبراهيم الصافي إلى «الصافية» يتقرر كل شيء في الرواية: الوقائع السردية لقسميها الأول والثاني، وصور الراوي ومنطق السرد ومشهدية المكان، بل حتى عتبة العنوان ذي الحمولة الإخبارية التي تظهر للقارئ بصيغة السؤال، فيما يكون النص جوابا مفترضا لسؤال ابتدائي: ما مشروع أوما؟ ولا بأس؛ لكن هل، حقا، أن ثيمة «العودة» تحظى بكل هذه القيمة؟ تقرر هذه الأهمية، ابتداء، تراجعا سرديا لقيمة «السخرية» التي أهملها السرد والمتمثلة بشخصية «فلّاح» عبر كلامه وأفعاله. وهذا التراجع مفهوم ومسوغ لصالح تنامي قيم العمل والبناء الثاوية في العنوان «مشروع أوما». لكن السرد ينشغل، في الخفاء، بقصة ثانية، هي الأصل كما نعتقد، تمثلها قصة الفلاسفة الأربعة الذين تركوا لنا أربع قصص عن حي بن يقظان، وهم في الرواية إبراهيم الصافي وزهيرة الصافي فيصل «ولاحقا زوجته معلِّمة التلاميذ» ثم فلّاح «ولاحقا مها الفتاة المغتصبة».
كم قصة عندنا هنا؟ هل نحن إزاء قصة مدينة «أوما» السومرية بوصفها «الأمثولة» الكلية للذاكرة؛ أم أننا إزاء قصة بلدة «الصافية» كما يقدمها القسم الأول، أم أننا إزاء قصة الجدة المتسلطة، أم قصة العمة «روضة» التي حبستها الجدة في قبو البيت الكبير وماتت مع جنينها، أم أن «مشروع أوما» هو التمثيل الموازي الأحدث لقصة حي بن يقظان بصياغاتها الأربع؟ يمكننا أن نقول إننا أمام كل هذه الحكايات؛ نحن أمام قبو الحكايات، القبو الذي تنزل إلى قاعه زهيرة فتصدمها رائحة العفونة وأسرار الجدة الراحلة ومصائبها، وهي ذاتها أسرار بيت الصافي الكبير، أسرار الصافية. نحن إزاء هذه الحكايات كلها؛ ولكن كيف؟
لنترك عتبة العنوان ونتأمل الصور التي يظهر عبرها راوي السرد. هو الراوي المراقب الذي يحكي وينقل لنا رؤى وخطابات الشخصيات السردية، وفي مواضع ليست كثيرة يترك مكانه ويتولى السرد الراوي كلي العلم، ثم نجد الراويين، في الخاتمة، يتركان الشخصيات تتكلم، بعد أن حقق المشروع قدرا ملحوظا من النجاح، وصار بقاؤه ودوامه رهن قدرة الجميع، لا سيما إبراهيم وزهيرة، على المقاومة والصمود. زهيرة، مثلا، تنتظر مولودها من إبراهيم، وهي تعرف أن القتلة وعصابات الإرهاب لن يتركوهم بسلام. فيصل يعود بزوجته «المعلِّمة» إلى «الصافية» ويستكمل معها مشروع التعليم الحر للأولاد. فلّاح يتوج حبه لـ«مها/ علياء»، الفتاة المغتصبة التي تعهدت الجدة برعايتها وتبنيها. تنتهي الرواية كما لا تبدأ، بالأمل ومشهد البساتين المزدهرة بعد أن كانت محض رماد في مفتتح الرواية، لكن مشهد الخاتمة لا يخدع القارئ بأوهام الانتصار إنما يضعه في قلب مشهد «القتلة» المتربصين بالحالمين.
تنسجم مشهدية المكان مع تحولات الراوي وأصواته السردية، فالـ«صافية»، مثلا، كما يقدمها القسم الأول من الرواية، هي مكان بلا ملامح حقيقية؛ مجرد قرية شهدت الخراب والموت، نكتشف تفاصيلها الأولى بعيني زهيرة في مطلع الرواية. قرية لا يميزها سوى بستان الورد ومشهد بيت الصافي الكبير على مرتفع مكاني ليس بعيدا عن النهر. لكنها ستأخذ سمات المكان الحقيقي ذي الملامح الذاتية بتحول السرد إلى منطق الراوي المتكلم، إذ سنشهد تفتح المكان وازدهاره عندما يتولى الرواة الأربعة سرد قصة كل منهم. لنقل عندما يتولى الرواة «كتابة» قصة «مشروع أوما»، وهو الأصل الذي جهد السرد لإخفائه بلا جدوى.

- ناقد وأكاديمي عراقي



جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.


«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية
TT

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ليس من السّهل الكتابة عن البربرية من داخل اللغة التي أنجبت الحضارة، ولا مساءلة الخراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فاضل السلطاني، في كتابه «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار»، -دار خطوط وظلال، عمان- يفعل ذلك تماماً، فيضعنا أمام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذاً المقالة الصحافية جسراً يعبر عليه الفكر من آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحس المفكر، تلك الارتجافات الخفية التي تسبق الزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعاً لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يتغير أمام عينيه، من وعود التنوير والحداثة، إلى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بارتداء قفازات حريرية.

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك في القسم الأول من كتابه، ملامح هذه البربرية الجديدة: بربرية تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلى القاع. وفي هذه المفارقة تكمن مأساة الإنسان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوماً إثر يوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود.

تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتاً شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإليوت إلى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حواراً حول مصير العالم. حين يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فإنه يشير إلى تلك اللحظة التي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هذا التشظي الذي رصده أدباء الحداثة في بدايات القرن العشرين، يراه متجسداً الآن بصورة أشد عنفاً ووضوحاً في القرن الحادي والعشرين. إنه عصر السيولة المطلقة، حيث تذوب الحقائق، وتتلاشى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم.

يذهب الكتاب بعيداً في تحليل ظاهرة «الشعبوية» التي تجتاح العالم، من «بريكست» البريطاني إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثاً سياسية منعزلة، وإنما كأعراض لمرض حضاري عضال. إنها عودة «القبلية» في ثياب عصريّة، وانتصار الغريزة على العقل، والخوف على الأمل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعياً نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا السياق، حتى «العمارة» عند الطغاة ليست سوى محاولة يائسة للخلود عبر الحجر، تعويضاً عن الفناء الذي يزرعونه في البشر.

وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظاهرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الثقافي، فيرفض القراءات السطحية التي تكتفي بالنتائج السياسية المباشرة، ليغوص في البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كان زلزالاً ضرورياً لخلخلة قيم الطاعة والخضوع التي تكلست عبر قرون. ورغم المآلات الدموية، والانتكاسات، وصعود قوى الظلام، فإنه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمةٍ وجودية عليا. إنها قراءة تنحاز للمستقبل، وتراهن على «مكر التاريخ» الذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية.

في الكتاب حيز واسع لمناقشة قضايا التنوير، والعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، ومفاهيم الهوية والمنفى. وينتقد بجرأة «أسئلة التنوير المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عن دور الحامل السياسي والاجتماعي في إحداث أيّ تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقداً للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطواً مسلحاً على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها.

القسم الثاني المخصص لـ«الأدب» يحتفي بالكلمة بعدّها قدرة أخيرة على ترميم ما هشمته السياسة. الأدب هنا لا يقرأ كترفٍ فكري أو ملاذٍ جمالي من واقع مأزوم، بل كمختبر أخلاقي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها.

يطوف بنا المؤلف في عوالم دوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، ونايبول، وجورج أورويل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، ليبحث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الأدب شهادة على الإنسان حين تفشل الدولة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام.

في هذه النصوص، الأدب ضرورة وجودية، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمين على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين.

يتناول السلطاني قضية الشعر بحساسية عاليّة كما يليق بكاتبٍ يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصداً انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلاً عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يولدون بعد الموت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الزمن، ويُعيد الاعتبار لأسماء غيبها النسيان أو القمع، ويضيء على تجارب من ثقافات مختلفة، مؤكداً عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت.

يكتب المؤلف من منطقة نادرة تلتقي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة من دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتحمل قلقها وأسئلتها داخل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمل، وبشغفٍ معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفي هذا المسار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكاً في عملية التفكير، وطرفاً في مساءلة العالم ومعناه.

يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوةٌ ملحةٌ لاستعادة الحس الأخلاقي، والعودة إلى الينابيع الأولى للمعرفة والثقافة، تلك التي تضع الإنسان في مركز الكون، وتؤمن بقدرته على تجاوز شرطه المأساوي. بذلك يمثل في مجمل مقالاته، دفاعاً مستميتاً عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان.

إن قراءة نصوص السلطاني تشبه النظر في مرآة صافية، نرى فيها وجوهنا، ووجوه عصرنا، بلا رتوش أو أقنعة، وتضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية في منع «البربرية» من اقتحام أبوابنا المشرعة.

إنه كتاب يقرأ ليبقى، ولعل أهميته تزداد مع مرور الوقت، بوصفه شهادة حية من عين يقظة على زمن التحولات الكبرى، وزمن الأسئلة التي لم تعد تقبل الانفعالات العابرة.


مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»
TT

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات التي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نوع من التسليم بالوحدة والتعايش معها، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطلّ على هذه الذات ولا يطمئنّ عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بها الذات نفسها، وتقدمها لها بوصفها حكماً نهائياً لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم.

الديوان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الكلّي بمعاينة تحولات الواقع المحيط بالذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطلال وذكريات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مفردة «هنا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية في فهم الحمولات الدلالية لمجمل القصائد، وفي حل شيفرات الطاقة الشعورية المسيطرة على الذات الشعرية، فـ«هنا»، هذه، لا تتصل فقط بالمكان، لكنها في هذا السياق الشعري تشير إلى الزمان والمكان كليهما، أيضاً إلى لحظة حضارية وثقافية مغايرة عمَّا اعتادته الذات.

الديوان تطل من خلاله الذات في مرايا وجودها الراهن، تحدق في ذاتها وفيما آلت إليه، معترفةً بأنها أصبحت ذاتاً قديمة؛ هذه الذات التي تراوح النظر إلى عالمين: عالم ذكرياتها وماضيها، ومن ناحية أخرى تحدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملةً موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئةً بما يمكن أن تذهب إليه الأوضاع مستقبلاً، إذا سار العالم بهذه الوتيرة، فالذات الشعرية هنا تظهر مبصرةً تشظّيها وضياعها، ومعترفةً بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيراً ما يجمع الأزمنة الثلاثة في مقطع شعري واحد، كما نراه يقول في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»:

«أقر...

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً

وفارغ اليدين»

فالذات الشعرية، هنا، في لحظات اعتراف أسيان، كمحارب مهزوم يرفع راية الاستسلام، مقرّاً في لحظة كشف وجودية بأنه بات «قديماً»، غير قادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديماً ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بالعذوبة والخصب والنماء، والاستمرارية، كأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كان هنا، معطاءً وعذباً كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب.

في قصيدة «بالشاشات التصقوا» يتحول البشر إلى مجموعة من الآليين، الملتصقين بشاشات الهواتف والتلفزيون، وغيرها من أدوات عصر المعلومات، فقد استبدلوا الفرجة على الحياة بالعيش فيها، مما أدى إلى استلاب الإنسان وتشيُّئه. إن الذات تعاين هذه التحولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فالشاشات تمنع الآخرين من التواصل مع الذات الشعرية، وتحيل عالمها إلى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلاً عن الأشجار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هذه الشاشات التي انزرعت عنوةً تمتصّ هذا الهواء، إنها وباء جديد، مصنوع من معدن، يسرق الأرواح كما سرق «كورونا» الوجوه والملامح، عندما أجبر البشر على الاختباء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول:

«لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح باباً

أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباءٍ

وانزرعت في الساحات

وفي الحارات

وفي أيدي الأطفال»

ثمة مجموعة من التقابلات المهيمنة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، البكر، ذي الطبيعة النقية والهادئة والحميمة. وفي الجهة المقابلة هناك مفردات العالم الآخذ في فرض هيمنته (الحروب/ الصحراء/ الهمجيون/ الشاشات/ الفيروسات والأوبئة/ الغربان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكةً دالةً على تصورٍ ما للوجود الإنساني، لكنّ مفردات الجهة الأولى آخذةٌ في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حضوره وتسيّده، بكل قسوته وغلظته، فالصحراء تنتصر على الحقول والبساتين، والحروب تهزم الشعر وتلوث السحب، حتى إن الهواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»:

«الهواء الذي كان لا لون له

والذي كان يلعب حولي

(...)

فجأة

صار مثل الحجر

هامداً وثقيلاً

وأسود مثل الوباء

ومثل الحروب التي حولنا تتوالد»

فالهواء، هنا، نموذج للنزوع البيئي الذي يفرض حضوره بقوة في الديوان، فالبيئة والذات الشاعرة كلتاهما في لحظة ذبول، أمام ازدهار الحروب والأوبئة والشاشات، فهناك نظام إنتاج وعلاقات تنطفئ، وأنظمة أخرى تنمو وتهيمن فارضةً قواعدها، حتى إنها تفرض هيمنتها على الهواء الذي يفقد خواصه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لوناً أسود، يصبح هواءً جديداً، ثقيلاً مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها.

في مواجهة كل هذا الاغتراب، تنزع الذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير من القصائد، مسترجعةً ما كانت عليه من فتوة وعنفوان، حينما كان الشعر يتدفق غزيراً وعذباً مثل تدفق النيل، وأحياناً تأتي هذه الاستعادة في صيغة «فضفضة»، كما عنون إحدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قراءة شعرية في مآلات الربيع العربي، التي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية.

الذات الشعرية في هذا الديوان منهزمة ومنسحقة أمام وطأة متغيرات لا تقدر على مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنها ذات خسرت صراعها مع الزمان والمكان، بما يجعل الديوان مرثية لزمن جميل مضى، وهجاء لزمن يفرض حضوره ومواضعاته. رثاء لأمكنة كانت مفعمة بالسحب وهديل الحمام وجمال الطبيعة والبيئة بكل مفرداتها، وهجاء لأمكنة حديثة متصحرة، حيث انتصر التصحر على خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والحارات، والتواصل الحي بين البشر، ولزمن الثرثرة على المقاهي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبئة والحروب، والكمامات والقنابل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه:

«آن لي

أن ألمَّ طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها.

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يَسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري».