مطالب متجددة لوسائل الإعلام بتنويع المحتوى

دراسة دولية أظهرت تراجعاً... وخبراء يراهنون على المهنية

معهد رويترز لدراسات الصحافة في جامعة أوكسفورد
معهد رويترز لدراسات الصحافة في جامعة أوكسفورد
TT

مطالب متجددة لوسائل الإعلام بتنويع المحتوى

معهد رويترز لدراسات الصحافة في جامعة أوكسفورد
معهد رويترز لدراسات الصحافة في جامعة أوكسفورد

الثقة في وسائل الإعلام والسعي نحو تحقيق المصداقية والمهنية لاجتذاب الجمهور من أحد الأهداف المهمة لوسائل الإعلام، التي تتحدث بعض التقارير والدراسات الدولية عن تراجعها خلال السنوات الأخيرة الماضية، كنتيجة طبيعية لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
ويربط مراقبون بين تراجع الثقة في الأخبار وتدني مستوى المهنية سعياً وراء «الترند» على مواقع التواصل، أو تحقيق مزيد من القراءات والمشاهدات بغض النظر عن مدى الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية التي تأسس عليها الإعلام. بينما تجددت مطالب الخبراء بـ«ضرورة التمسك بالمهنية والجودة وتنويع المحتوى» كـ«أساس لاستعادة ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، في ظل المنافسة الشديدة مع وسائل التواصل».
ووفقاً لدراسة نشرها «معهد رويترز لدراسات الصحافة» التابع لجامعة أوكسفورد البريطانية في سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن «معدلات الثقة في الأخبار تراجعت على مدار العقود الأخيرة في أجزاء متعددة من العالم، حيث أصبح الإعلام في المركز من مناقشات العامة حول القضايا الخلافية، والجدلية، والعرقية، والسياسية، والأوبئة. وفي معظم الأوقات تقود هذه المناقشات إلى الهجوم على وسائل الإعلام والإعلاميين من جانب أشخاص يعبرون عن عدم ثقتهم في الإعلام».
الدكتورة أروى الكعلي، أستاذة صحافة البيانات بـ«معهد الصحافة وعلوم الأخبار» في تونس، تقرّ خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بـ«تراجع مستوى الثقة في الأخبار»، لكنها تشير إلى «وجود دراسات علمية أخرى تتحدث عن ارتفاع مستوى الثقة في وسائل الإعلام مع جائحة (كوفيد - 19). من بينها تقرير (رويترز) السنوي لعام 2021 الذي تحدث عن أن الجائحة ساعدت في إعادة بناء القليل من الثقة المفقودة في وسائل الإعلام، وساهمت في اتجاهها أكثر إلى الفضاء الرقمي وأبرز تراجعاً سريعاً للصحافة المكتوبة».
وتقول أروى الكعلي إنه «مع تزايد الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة، هناك بحث عن المصادر التي من الممكن أن تقدم المعلومات الدقيقة والصحيحة، خاصة أن (المعطيات المغلوطة المتعلقة بـكوفيد - 19 هي حرفياً مسألة حياة أو موت»، وتذكر أن «تقرير رويترز في يونيو (حزيران) الماضي رصد ارتفاعاً في الاتجاه نحو الدفع مقابل الحصول على الأخبار، أي الاشتراكات في وسائل الإعلام الرقمية خاصة لدى البلدان الاسكندنافية، فهناك قناعة بأن وسائل الإعلام هي التي تقدم معلومات موثوقة إلى حد ما».
هذا، وسبق أن أشار تقرير «معهد رويترز السنوي العاشر عن الإعلام الرقمي» الصادر في 23 يونيو الماضي، إلى «تنامي الثقة في الأخبار لتصل إلى 44 في المائة، بزيادة ست نقاط على العام الماضي. وتصدرت فنلندا قائمة الدول من حيث ارتفاع معدلات الثقة في الأخبار بين متابعيها بنسبة 56 في المائة، في حين احتلت الولايات المتحدة الأميركية ذيل القائمة بنسبة 29 في المائة». غير أن المعهد نفسه أفاد قال في دراسته الأخيرة المنشورة في سبتمبر الماضي عن أنه «رغم أن كوفيد - 19 أعادت بعض القيمة، وذكّرت الناس بأهمية الصحافة والإعلام المستقل، وأعادت جزءاً من الثقة في بعض المناطق... فإن كثيرين ما زالوا ينظرون للأخبار بتشكك».
وتوضح أروى الكعلي أنه «بشكل عام، وإذا ما استثنينا الجائحة، يمكن أن نقول إن هناك نسقاً عاماً لتراجع الثقة في وسائل الإعلام، لعدة أسباب منها: المنافسة الشديدة التي تجدها وسائل الإعلام مع وسائل التواصل. والصعوبات المادية التي يمكن أن تعترضها وهو ما يؤثر في المحتوى. وحالة النفور من المحتويات السلبية التي تأتي مدارس مثل (صحافة الحلول) و(الصحافة البناءة) لتحاول أن تعطي صورة أخرى عن العالم. وهذا إضافة إلى (التوجيه)، الذي يمكن أن تنخرط فيه بعض المؤسسات الإعلامية. والأهم من كل ما سبق هو (غياب الجودة) لدى بعض المؤسسات الإعلامية، فعندما لا تنتج وسائل الإعلام معلومات وأخبار سليمة ودقيقة تفتقر إلى التعمق والتجديد، من الطبيعي أن يتراجع الإقبال على متابعتها، بل وتراجع الثقة فيها».

عدة أسباب للتراجع
بدورها أرجعت كارولين إلياس، عضو هيئة التدريس في كلية الإعلام بالجامعة الأميركية بالقاهرة، تراجع الثقة في الإعلام إلى عدة أسباب على رأسها «المستوى المهني للإعلام». وأشارت كارولين إلياس إلى أنه «مع تطور وسائل الإعلام وسيطرة الإعلام الإلكتروني، أصبح الصحافي مطالباً بتقديم عدد معين من الأخبار يومياً، وتحت ضغط العدد غاب عنصرا الجودة والتحقق من الأخبار، إضافة إلى ضعف العائد المادي للصحافيين، ما لا يحفزهم لبذل مزيد من الجهد لتحسين جودة القصة الصحافية»، لافتة إلى «قلة عدد دورات التأهيل الإعلامي، وفتح المهنة لكل من يرغب في العمل فيها دون تدريب».
من جهته، يرفض الصادق أحمد عبد السلام، الصحافي السوداني المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، «الادعاء بتراجع الثقة في الإعلام». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أحدث تغييراً كبيراً في المشهد الإعلامي العالمي. وهكذا أصبح في استطاعة الملايين من الأفراد على مستوى العالم، التحول من خانة المتلقي السلبي فقط للأخبار والمعلومات، إلى التفاعل مع ما ينشر عبر وسائل الإعلام التقليدي بالرد والتعليق والاتفاق والاختلاف معها». ويضيف عبد السلام أن «الأمر تطور إلى إنتاج رسائل إعلامية خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أي أنها أصبحت قنوات تنشر مادة خاصة بها، ولا تقوم فقط بالرد والتعليق على ما ينشر عبر الوسائل التقليدية. وهذا ما أدى لزيادة الثقة في وسائل الإعلام التقليدية خاصة بين المتخصصين في مجالات الإعلام، والأمن، والدبلوماسية... وبين السياسيين، الذين ما عادوا يتعاطون مع ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أنه حقيقة، إلى حين التأكد من دقة المعلومة كلياً أو جزئياً بعد نشرها عبر وسائل الإعلام التقليدية».
غير أن عبد السلام يشير إلى «غياب المهنية كسبب لتراجع الثقة في الكثير من وسائل الإعلام التقليدية»، على حد قوله. فيوضح أن «الكثير من وسائل الإعلام ابتعد عن المهنية، وعن الاهتمام بتحقيق نوع من الحياد»، مشيراً إلى أنه «لا يدعو إلى الحياد الكامل، لكن توفير قدر من الاحترام لعقل القارئ والمتلقي وقدرته على تحليل وتمحيص ما ينشر».
عودة إلى دراسة «معهد رويترز» الأخيرة، التي اعتمدت على بيانات من بريطانيا والهند والبرازيل والولايات المتحدة، فنراها تشير إلى أن «الناس يثقون بالمصادر التي يستخدمونها بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، والعكس لا يثقون في المصادر التي لا يستخدمونها، ومن بينها منصات المواقع الإلكترونية، كما أن كثيراً من الناس لديهم تصورات سلبية عن الممارسات الصحافية الأساسية».
ووفق الدراسة فإن «معدلات الثقة تقل لدى كبار السن غير المتعلمين، والذين لا يهتمون كثيراً بالسياسة». وأيضاً كشفت الدراسة «وجود كثير من الاهتمام بمدى التغير في نظرة الناس للأخبار، في أعقاب انتشار مواقع التواصل، واعتماد الناس عليها كمصادر للمعلومات».
هنا تعلق كارولين إلياس فتقول إن «السعي وراء الترند على مواقع التواصل أفقد الإعلام دوره ومصداقيته، فبدلاً من أن يكون صانعاً للحدث، ومنتجاً للمعلومات الصحيحة، أصبح لاهثاً وراء ما يتناوله الجمهور على مواقع التواصل، من دون تحقق أو تقديم قيمة مضافة للجمهور، وهو ما يضعف مستوى الثقة في الإعلام بشكل عام»، على حد قولها.
أما أروى الكعلي فتشير إلى أن «وسائل التواصل لها تأثير كبير على مستوى الثقة في الإعلام... والناس يحصلون على المعلومات عبر تصفح الشبكات الاجتماعية. ولكن، للأسف فإن بعض وسائل الإعلام وفي ظل المنافسة الشديدة في الفضاء الرقمي، سقطت في بعض الممارسات التي تتنافى مع أخلاقيات المهنة من أجل تحصيل أعداد متابعين مرتفع، مثل نشر عناوين مضللة أو أخبار غير دقيقة، أو اللجوء إلى الإثارة، فأثقل السعي لإرضاء الخوارزميات كاهل المؤسسات الإعلامية، وطرح عليها إشكالية أخلاقية وعملية أيضاً، وهي هل نكتب، ونصور، ونصمم للمستخدمين أم للخوارزميات؟».
ومن ثم، تضيف أروى الكعلي أنه «في مقابل ذلك هناك ما يعرف بـ(تعب السوشيال ميديا) عندما يشعر الناس بأنهم مغمورون بكمية كبيرة من المعلومات فيتجهون إلى الانسحاب من وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يؤثر على وسائل الإعلام التي وجدت أن عليها أن تهاجر إلى هذه الفضاءات الجديدة». وأكمل أنه «من الذكاء في العصر الحالي، الاستثمار في المحتويات الرقمية مع الحفاظ على أخلاقيات المهنة والممارسات السليمة، ففي النهاية ما يميز الصحافي عن أي صانع محتوى آخر هو التزامه بهذه الأخلاقيات».
في المقابل، يشدد عبد السلام على أن «الانتشار الكبير للأخبار عبر وسائل التواصل رفع من مستوى الثقة في وسائل الإعلام التقليدية من صحف، ومجلات، وقنوات تلفزيونية وإذاعية وجعلها تبدو كمراجع لتأكيد أو نفي صحة أي معلومة، فضلاً عن أن كل وسائل الإعلام التقليدية أصبح لها حسابات خاصة بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي».

شروط لبناء الثقة
بحسب دراسة «معهد رويترز» فإن «بناء قدر مستقر من الثقة في وسائل الإعلام يتطلب اتباع مناهج مختلفة بحسب نوعيات الجمهور واهتماماتهم، واختبار كيف يستجيب الجمهور للرسائل المختلفة. ومن خلال ذلك يمكن لوسائل الإعلام، أن تبني استراتيجية للمضي قدماً في تحقيق مزيد من الثقة».
هنا أكدت كارولين إلياس أن «الحل لاستعادة الثقة، هو زيادة دورات التأهيل والتدريب للإعلاميين، والعمل على التحقق من الأخبار والمعلومات قبل نشرها، وزيادة رواتب الإعلاميين، والأهم من ذلك كله محو الأمية الإعلامية والمعلوماتية، وجعل هذه المادة مقررة على الأطفال في المدارس... فمع التطور التكنولوجي أصبحت علاقة الإنسان بالإعلام تبدأ مبكراً من الطفولة، ولا بد أن نعلم أولادنا كيف يتعاملون مع وسائل الإعلام ويتحققون من المعلومات المنتشرة على الفضاء الإلكتروني؟».
ومن ثم، دعت كارولين إلياس إلى «تدريس مادة أخلاقيات الإعلام في الجامعات لجميع التخصصات، فلا يوجد تخصص الآن لا يتعامل أو ينشر معلوماته على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن هنا بات ضرورياً معرفة أخلاقيات استخدام هذه الوسائل، فالإنترنت اليوم أصبح لغة عالمية للحوار والحياة».
أما عبد السلام فيطالب «وسائل الإعلام التقليدية بالاهتمام أكثر بتحقيق الأداء الإعلامي المهني في عملها، والمتمثل أولاً في احترام عقل المتلقي، وعدم الإفصاح المباشر عن رسائل تبدو أنها في صالح هذا الخط أو ذاك حول أي قضية من القضايا المثارة. إذ أن القيمة الأساسية لأي وسيلة إعلامية تتمثل في مقدرتها على احترام عقل المتلقي، وليس التعامل معه كطفل يسهل التحكم فيه وتوجهيه، خصوصاً أن المعلومة أصبحت أسهل ما يمكن الحصول عليها في عصرنا هذا».
وفي موضوع الثقة، ترى أروى الكعلي أن «جائحة كوفيد - 19 أظهرت أنه عند الأزمات يعود الناس إلى وسائل الإعلام بالضرورة، وهذا يدل على أن الحفاظ على الثقة أو استعادتها ممكن، بالتأقلم مع خصوصيات الفضاء الرقمي، وتنويع المحتويات المقدمة والتأقلم مع مستخدم يتغير باستمرار».

وتوضح أنها «ليست من مؤيدي النظرة المتشائمة حول مستقبل وسائل الإعلام، لأن وسائل الإعلام تستمد وجودها من مصداقيتها ومن تطبيق أخلاقيات المهنة، ومن ضمان جودة المعلومة، وتقديم مختلف وجهات النظر... ومن دون وسائل الإعلام لن نكون إلا أمام سرديات التزييف والتضليل أو الاستقطاب وخطاب الكراهية، فالإعلام ركيزة أساسية في عصر ما بعد الحقيقة».
ولكن في الوقت نفسه – حسب أروى الكعلي - «لا يمكن لوسائل الإعلام أن تستمر أمام هذه المنافسة على وسائط التواصل الاجتماعي إن لم تستثمر أكثر في الجودة والدقة، إذ أصبحت وسائل الإعلام هي أيضاً مصدراً للتضليل والتوجيه... وعندها يصعب أن تستمر».


مقالات ذات صلة

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.