هل باتت الطريق مفتوحة أمام ائتلاف «اشتراكي ـ أخضر ـ وسطي» في ألمانيا؟

بعد إعلان لاشيت استعداده للتنحي عن قيادة الديمقراطيين المسيحيين

هل باتت الطريق مفتوحة أمام ائتلاف «اشتراكي ـ أخضر ـ وسطي» في ألمانيا؟
TT

هل باتت الطريق مفتوحة أمام ائتلاف «اشتراكي ـ أخضر ـ وسطي» في ألمانيا؟

هل باتت الطريق مفتوحة أمام ائتلاف «اشتراكي ـ أخضر ـ وسطي» في ألمانيا؟

أدخلت نتائج الانتخابات الألمانية العامة حزب المستشارة أنجيلا ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في حالة تخبط وفوضى غير مسبوقتين. وكذلك أدخلت ألمانيا نفسها في نفق طويل من الانتظار ريثما تنتهي المشاورات بين ثلاثة أحزاب تحاول الاتفاق فيما بينها على الحكم معاً، في سابقة لم تشهدها البلاد من قبل.
ميركل التي أمضت 20 سنة في زعامة حزبها المحافظ؛ 16 منها في سدة الحكم، أبقت الحزب والبلاد في حالة من الاستقرار الطويل، إلا أنها تبدو اليوم عاجزة عن وقف انحدار الديمقراطيين المسيحيين، أو ربما كانت غير مستعدة لذلك، ولعلها تبدو أيضاً عاجزة عن ضمان استمرار الاستقرار الذي عرفته ألمانيا معها. ولكن، بينما تجلس المستشارة المتقاعدة في مقرها لتصرف أعمالها بانتظار تولي المستشار الجديد منصبه، تعصف بالديمقراطيين المسيحيين - الذين تعرضوا لهزيمة مريرة - خلافات داخلية ما عادت خافية على أحد.
وهذه الخلافات دفعت بزعيم الحزب والمرشح الخاسر أرمين لاشيت إلى الإعلان ليل الخميس عن استعداده للاستقالة إفساحاً في المجال أمام الحزب لكي يقود الحكومة الجديدة، في حال فشلت المشاورات الائتلافية بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الفائز والحزبين الصغيرين حزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر الوسطي الليبرالي. وهذه «الاستقالة على مراحل» - كما وصفتها الصحافة الألمانية، تزيد من حالة الارتباك داخل حزب ميركل الجريح والمحبط.

بقدر انشغال ألمانيا بنتائج الانتخابات العامة الأخيرة، وأخبار المشاورات الجارية بين الأحزاب لتشكيل حكومة جديدة، تنشغل البلاد أيضاً بصمت أنجيلا ميركل. ذلك أن المستشارة المتقاعدة لم تعلق علناً على نتائج الانتخابات التي أجريت قبل نحو أسبوعين. وهذا رغم أن خسارة حزبها المحافظ - وإن بفارق ضئيل كان أقل من نقطتين - أمام الاشتراكيين، كانت الأقسى في تاريخه. فقد خسر الديمقراطيون المسيحيون قرابة الـ9 نقاط مئوية من نسبة تأييدهم في انتخابات عام 2017 التي قادتهم فيها ميركل لتفوز حينذاك بولاية رابعة، تبين لاحقاً أنها ستكون الأخيرة لها.
ومنذ صدور النتائج، ظهرت ميركل علناً عدة مرات، ولكن من دون أن تعلق على الانتخابات أو حتى تفتح الباب أمام الأسئلة التي قد تجرها للتعليق. وكان أول ظهور لها ليلة الانتخابات حين وقفت بالقرب من مرشح حزبها الخاسر أرمين لاشيت، مرتدية كمامة سوداء تغطي نصف وجهها، حاولت معها إخفاء تعابيرها خلفها. ولكن، مع ذلك، بدت عابسة وجدية.
لم تبتسم إلا حين صفق لها الحاضرون، بعدما شكرها لاشيت لقيادتها الحزب لمدة عقدين من الزمن، وألمانيا لأكثر من عقد ونصف العقد. وبعد الشكر، تابع لاشيت كلامه، متطرقاً للنتائج، ومعترفاً بأن الحزب غير راضٍ عنها. وفي حينه ظهر واثقاً من أن الشعب منحه «تفويضاً واضحاً» للحكم.

- صمت ميركل وأسبابه
انتهى ذلك «الاحتفال» الغريب داخل مقر الحزب في العاصمة برلين، وعادت ميركل إلى مقر عملها في المستشارية تاركة تلك الليلة خلفها، لتمضي أيامها الأخيرة في السلطة من دون أي تأثر علني. شغلت نفسها بعقد اجتماعات ولقاءات مع مسؤولين من دول أخرى، مبتعدة عن فوضى المشاورات الحكومية وصخبها. ومن ثم، تابعت ظهورها العلني ولكن مع تحاشي أسئلة الصحافيين، وعندما ظهرت في مؤتمر صحافي مشترك إلى جانب رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، فإنها اكتفت بإلقاء بيان. وكان مكتبها واضحاً في أنها لن تفتح الباب أمام الأسئلة.
بعد ذلك، ظهرت ميركل في «يوم الوحدة»، وفيه ألقت خطاباً تحدث عن المسامحة والحوار ونبذ التطرف من دون أن تتطرق البتة إلى الانتخابات ونتائجها. وهكذا، راحت الصحف تخمن الأسباب الكامنة خلف هذا الصمت. وكتبت صحيفة «بيلد» الشعبية والأكثر انتشاراً في البلاد، أن صمت ميركل «أسبابه الرئيسة تكتيكية»، وأنها «لا تريد أن تربط نفسها بالخسارة التاريخية التي مُني بها حزبها، ولذلك فإن الصمت هو أيضاً للحد من الأضرار». وفي النهاية - حسب «بيلد» - لم تنجح ميركل في تنصيب خليفتها على مقعدها.
الواقع أن صمت ميركل يعود إلى فترة أطول من تلك التي سبقت الانتخابات مباشرة. وهو كان ظاهراً إبان الحملة الانتخابية لحزبها، ما دفع بكثيرين للتساؤل عما إذا كانت راضية حقاً عن اختيار لاشيت. ومعلوم، أن وزيرة الدفاع في آنغريت كرامب كارنباور – «الخليفة المختارة» التي أرادت لها ميركل فعلاً أن تنجح - فشلت وانسحبت من الميدان باكراً، ومعها أحجمت ميركل عن التدخل في مستقبل حزبها.
من ناحية ثانية، رغم هذه الخسارة التاريخية التي مُني بها الاتحاد المسيحي الديمقراطي، فإن مرشحه لاشيت ظل متمسكاً بالأمل في الحكم، بل إنه امتنع حتى تهنئة منافسه الفائز أولاف شولتز الذي نجح في انتشال حزبه الاشتراكي من غرق كان مؤكداً قبل أشهر قليلة، وقاده إلى الصدارة. وهذا، بعكس ميركل، التي قدمت التهنئة لشولتز «احتراماً منها للأعراف»، حسب المتحدث باسمها.
هذا، وكان الرجلان، لاشيت وشولتز، قد انطلقا بعيد صدور النتائج في رحلة إجراء مشاورات مع الحزبين الصغيرين، حزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر الوسطي، اللذين يمسكان بمصير تشكيل الحكومة المقبلة. إذ بات القرار لهما ليختارا مَن يريدان أن يترأس الحكومة المقبلة: لاشيت أو شولتز. وبعد أيام من المشاورات الأحادية، أعلن «الخضر» والديمقراطيون الأحرار أنهما سيبدآن المشاورات الفعلية معاً مع الاشتراكيين لمحاولة الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة شولتز.

- قراءة في النتائج
في الحقيقة، النتائج التي أفرزتها الانتخابات العامة هذه المرة لا تشبه أي انتخابات ماضية. وهي المرة الأولى التي لم يكن فيها رابح واضح، رغم وجود رابح. وهي المرة الأولى التي لن يتمكن أي حزب من تشكيل حكومة مع حزب واحد آخر، بل سيضطر للجوء إلى حزبين آخرين لكي يتعدى عتبة الـ50 في المائة المطلوبة للغالبية المطلقة.
وهنا تجدر الإشارة، إلى أنه في ألمانيا، لا تلقى مهمة تشكيل الحكومة بشكل أوتوماتيكي على من يفوز في الانتخابات، بل على من يكون قادراً على تشكيل حكومة. وهذا بالذات، ما أبقى لاشيت معلقاً بشيء من الأمل بأنه ما زال يستطيع دخول مقر المستشارية. ثم إنه في السنوات الماضية، لم تنخفض نسبة الأصوات التي كان يحصل عليها الديمقراطيون المسيحيون عن عتبة الـ30 في المائة، متقدمين بفارق مريح عن الحزب الثاني، ما يعني أن تفويضهم للحكم كان واضحاً بخلاف هذه المرة.
ولكن رغم تمسك لاشيت الأولي بخيط الأمل، ظل حزبه يتخبط حول السبيل للمضي قدماً. أما الديمقراطيون الأحرار و«الخضر» اللذان أجريا مشاورات أحادية مع الديمقراطيين المسيحيين قبل أن يعلنا منتصف الأسبوع قرارهما المضي مع الاشتراكيين أولاً، بدا وكأنهما كانا يبحثان عن سبب لقطع هذه المشاورات مع الحزب المحافظ. وللعلم، قال حزب «الخضر» منذ البداية إنه يفضل أن يحكم مع الاشتراكيين الأقرب إليه آيديولوجياً، بينما نقل عن الأحرار أنهم يفضلون الحكم مع الديمقراطيين المسيحيين.

- أزمة ثقة... وانقسام
في المؤتمر الصحافي الذي عقده حزب «الخضر» لإعلان قراره ببدء المفاوضات لتشكيل الحكومة مع الاشتراكيين (والأحرار)، تحدثت أنالينا بيربوك، مرشحة «الخضر» الخاسرة للمستشارية، عن «انعدام الثقة» بالديمقراطيين المسيحيين، مستندة بذلك إلى التسريبات التي خرجت من الاجتماعات بينهما إلى الصحافة، رغم الاتفاق على ضرورة إبقاء المشاورات سرية.
بل حتى الأحرار، الذين غالباً ما أوحوا بأنهم يفضلون التحالف مع الديمقراطيين المسيحيين، فترت حماستهم لذلك، وتبعوا «الخضر» بعد ساعة، معلنين قرارهم ببدء المشاورات رسمياً مع الاشتراكيين حول تشكيل الحكومة، إلا أن زعيم الديمقراطيين الأحرار كريستيان ليندنر - الذي يطمح لتولي منصب وزير المالية - لم يقفل الباب كلياً أمام التفاهم مع الديمقراطيين المسيحيين في حال فشلت المفاوضات مع الاشتراكيين. وكان قد لاح أن الديمقراطيين الأحرار أخذوا يحضرون للانسحاب من المشاورات مع الديمقراطيين المسيحيين منذ الاجتماع الأول الذي جمع بينهما نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سرب أحد الحاضرين، وهو ديمقراطي مسيحي، تفاصيل الاجتماع لصحيفة «بيلد». وعندها رد الأحرار بإبداء انزعاجهم الكبير من التسريبات، وكتب قياديون في الحزب تغريدات تشكك بإمكانية بناء شراكة مع حزب لا يمكنه الالتزام بأسس التشاور الرئيسية.
بعض المراقبين قرأ رد الفعل المبالغ به هذا، بأنه محاولة من الأحرار لإيجاد ذريعة تُخرجهم من المشاورات مع الحزب الذي خسر الانتخابات، إذ قد لا يكون الحكم مع حزب خاسر - رغم قربه آيديولوجياً - فكرة سديدة. لكن آخرين اعتبروا التسريبات انعكاساً لتشرذم في الكتلة المحافظة، تحديداً، بين «مكونيها» حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي و«شقيقه» الحاكم في ولاية بافاريا الاتحاد الاجتماعي المسيحي بزعامة ماركوس زودر. وهذا الأخير كان يطمح للترشح لمنصب المستشارية باسم الحزبين المحافظين الشقيقين، إلا أنه خسر المعركة أمام لاشيت. وهنا نشير إلى أن الحزب البافاري يتحالف تاريخياً مع حزب ميركل على المستوى الفيدرالي، لكن وجوده ونفوذه محصوران في ولاية بافاريا، حيث لا تنظيم للديمقراطيين المسيحيين بموجب اتفاق قديم بين الحزبين.
وعندما تكرر السيناريو نفسه، بتسريب تفاصيل اجتماع الديمقراطيين المسيحيين مع «الخضر» بعد يومين، علت التساؤلات حول مدى «سيطرة لاشيت» على حزبه، ومدى جدية الكلام عن وجود «مخرب» يسعى لإلغاء حظوظ لاشيت بأن يغدو المستشار المقبل. وبالمناسبة، عندما سُئل لاشيت عن التسريبات المتكررة اكتفى بالقول إنها «مزعجة»، رافضاً اتهام أحد بها، مضيفاً أنه «لا يعرف» مَن المسؤول عن التسريبات.
ورغم أن أحداً لم يُسم زودر، فإن الشكوك تحيط به وبفريقه، خاصة بعد الخلافات الكبيرة بينه وبين لاشيت إبان الحملة الانتخابية. إذ أمضى زودر بضعة أسابيع بعد خسارته معركة الترشح لمنصب المستشارية، في التهجم على لاشيت ومحاولة إظهاره ضعيفاً، ما أثر على الأخير سلباً يوم التصويت. هذا، ويحظى زودر بتأييد شعبي أكبر بكثير من لاشيت، وينظر إليه على أنه زعيم قوى وناجح بعكس منافسه، ومع ذلك امتنع الديمقراطيون المسيحيون عن اختياره كونه زعيم الحزب الشقيق الأصغر. وفي أعقاب إعلان نتائج الانتخابات، علت أصوات محافظة لتتحدث صراحة عن «خطأ» ارتُكب برفض ترشيح زودر، الذي كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أنه كان سيقود الكتلة المحافظة إلى الفوز بفارق كبير.

- تلميح إلى الاستقالة
والآن، رغم الانقسامات الواضحة داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والدعوات الكثيرة للاشيت من داخل الحزب وخارجه، للاعتراف بالهزيمة والجلوس في صفوف المعارضة، فهو ما زال يرفض ذلك بشكل واضح. وحتى عندما خرج قبل يومين ليعلن «استعداده» للاستقالة، فإنه لم يذكر حتى كلمة «استقالة»، بل استخدم كلمات تعطي المعنى نفسه.
في نهاية المطاف، قد يصل لاشيت إلى هذا الاستنتاج بمفرده قريباً في حال أثمرت المشاورات الجارية بين الاشتراكيين و«الخضر» والديمقراطيين الأحرار «حكومة ائتلافية ثلاثية الأطراف»، إلا أن الوصول إلى هذه النقطة قد يستغرق أسابيع إن لم يكن أشهراً، هي المدة التي قد تمضيها الأطراف الثلاثة في المشاورات الهادفة إلى تشكيل الحكومة. إذ إن الخلافات بينهم لا تنحصر فقط بالسياسات الضريبية ومكافحة التغير المناخي، بل تذهب أبعد فتشمل السياسة الخارجية أيضاً. وبينما يتفق «الخضر» والاشتراكيون على السياسة الضريبية ويختلفان في ذلك مع الأحرار، يختلف «الخضر» مع الاشتراكيين في مجال السياسة الخارجية. وبالتالي، كل هذه الخلافات تعني أن المشاورات الحكومية قد لا تنتهي قبل نهاية العام كما يأمل أولاف شولتز.

- ملامح محتملة لتوجه الحكومة الائتلافية المقبلة
يروج حزب «الخضر» البيئي الذي يسعى إلى الحصول على وزارة الخارجية وتنصيب «زعيمته» أنالينا بيربوك على رأس الوزارة، لموقف متشدد من روسيا والصين. ويعتمد الحزب البيئي على سياسة خارجية مبنية على احترام وحماية حقوق الإنسان، ويعد هذا الأساس الذي يقوده في بناء سياساته الخارجية. ولكن حتى في حال حصل الحزب على وزارة الخارجية، فإن السياسة الخارجية للبلاد تتخذ في مقر المستشارية، وهو ما يعني أنه سيتوجب على الحزب الالتزام بشكل كبير بالسياسة التي تحدد على مستوى رئاسة الحكومة. والمعروف عن الزعيم الاشتراكي (والمستشار المقبل المحتمل) شولتز برغبته في تجنب الصدامات، وهو يشبه في هذا ميركل إلى حد بعيد في ذلك. وحول هذا الشأن كتبت صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية أنه من الأفضل على الاشتراكيين و«الخضر» الاتفاق حول السياسة الخارجية والأمنية بتفاصيلها، وإلا فإن «أزمة دولية مفاجئة، كتلك التي حصلت في أزمة الغواصات مع أستراليا، أو التهديد بحرب في البلقان، قد تباغت الحكومة وتحشرها في الزاوية».
من ناحية ثانية، بينما يسعى «الخضر» للحصول على وزارة الخارجية، يريد الديمقراطيون الأحرار أن يتولى زعيمهم كريستيان ليندنر حقيبة وزارة المالية، وذلك لضمان تمرير سياساتهم الصديقة لقطاع الأعمال، والرافضة للاستدانة ورفع الضرائب. وهنا، بالذات، يختلف الأحرار عن «الخضر» والاشتراكيين بعمق.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.