هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا

نجح في بلوغ القمة بعد 5 محاولات سابقة

هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا
TT

هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا

هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا

تجاوز المعارض الزامبي المُخضرم هاكايندي هيشيليما، لقبه المعروف به «بالي»، وهي كلمة تعني «كبير العائلة»، ليصبح «كبيراً» لبلاده كلياً، وذلك بعدما أدّى اليمين الدستورية، بنهاية أغسطس (آب) رئيساً لزامبيا، في عملية انتقال سلمي للسلطة، شكّلت حدثاً لافتاً في القارة الأفريقية.
هيشيليما، خاض السباق تحت راية «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» الوسطي، بأكثر من 59 في المائة من الأصوات، وبفارق مليون صوت تقريباً على منافسه الرئيس السابق إدغار لونغو (يسار الوسط)، وسط نسبة مشاركة كثيفة بلغت 71 في المائة. وذهب مراقبون إلى أن فوز هيشيليما، بوصفه زعيما للمعارضة الزامبية، قد يؤثر بشكل إيجابي على عمليات نقل السلطة في أفريقيا. من ناحية ثانية، أضفى انتصار هيشيليما، رجل الأعمال الذي لامس 60 سنة، نوعاً من الإثارة والتقدير الدولي للعملية الانتخابية في زامبيا، كونه خالف التوقعات السائدة قبل الانتخابات، إذ رجح كثيرون على أفضل التقديرات أن يتعادل المتنافسان، ما يجبرهما على خوض جولة الإعادة. لكن النتيجة جاءت خلاف التوقعات؛ وحصل هيشيليما على 2.8 مليون صوت، في دولة سجّل فيها 7 ملايين ناخب فقط من المواطنين للمشاركة في الانتخابات.
بتولّي هاكايندي هيشيليما رئاسة زامبيا في أعقاب انتخاباتها الرئاسية الأخيرة، تكون هذه المرة الثالثة التي تنتقل فيها السلطة في البلاد سلمياً من حزب حاكم إلى حزب معارض منذ استقلال هذه الجمهورية الأفريقية عن بريطانيا عام 1964. وهو ما دفع الرئيس الجديد إلى اعتبار انتخابه «لحظة تاريخية كان ينتظرها ملايين الزامبيين».
وحقاً في خطاب هيشيليما الأول إلى الشعب - وقد تعمد توجيهه من منزله الواقع في أحد الأحياء السكنية الشعبية في العاصمة لوساكا - أشاد الرئيس بدور الشباب، ولا سيما الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، والذين شكلوا غالبية الناخبين، قائلاً: «هذا النصر ليس لبالي، إنما لرجال ونساء زامبيا، خصوصاً الشباب».
للعلم، كان إدغار لونغو، الرئيس المنتهية ولايته، قد أقرّ قبيل ذلك بهزيمته، وأشاد بفوز منافسه التاريخي. ومما قاله لونغو، الذي كان يرأس زامبيا منذ 6 سنوات: «أريد تهنئة أخي، هاكايندي هيشيليما، الرئيس المنتخب الذي أصبح سابع رئيس للجمهورية».
- رجل أعمال عصامي
ولد هاكايندي هيشيليما في إحدى قرى محافظة مونزي جنوب زامبيا، لعائلة منخفضة الدخل. ويصفه المقرّبون وأعضاء حملته بأنه «رجل أعمال عصامي»، عمل بجهد في المدرسة للفوز بمنحة حكومية للالتحاق بجامعة زامبيا. وفيها تخرّج بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد وإدارة الأعمال عام 1986. ومن ثم، واصل دراسته في جامعة برمنغهام البريطانية حيث حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال.
ولدى عودته إلى زامبيا، عمل هيشيليما في مجال إدارة الأعمال والتجارة، فشغل منصب الرئيس التنفيذي لكل من شركة كوبرز وليبراند - زامبيا (1994 - 1998) وغرانت ثورنتون - زامبيا (1998 - 2006). وبجانب ذلك، يشمل سجل أعماله إدارة الممتلكات والاستشارات المالية والسياحة، وامتلاكه أحد أكبر قطعان الماشية وتربية المواشي في زامبيا.
- 5 محاولات فاشلة
دخل هيشيليما السياسية عبر «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» المعارض، وهو حزب سياسي ليبرالي. وبعد وفاة أندرسون مازوكا في عام 2006، انتخب رئيساً جديداً للحزب. كما شغل منصب زعيم «التحالف الديمقراطي المتحد» (UDA)، وهو تحالف من 3 أحزاب سياسية معارضة. وما يذكر أنه قبل الفوز الأخير برئاسة الجمهورية، خاض هيشيليما 5 انتخابات سابقة خلال أعوام 2006 و2008 و2011 و2015 و2016، فشل في تحقيق الفوز فيها كلها، كما تعرض إبّان هذه الفترة لعدة محاولات انتقامية.
كانت أولى المحاولات، انتخابات عام 2006، يوم كان هيشيليما مرشحاً لـ«التحالف الديمقراطي المتحد» وخاض الانتخابات ضد الرئيس يومذاك ليفي مواناواسا من «الحركة من أجل الديمقراطية المتعددة الأحزاب» ومرشح «الجبهة الوطنية» مايكل ساتا. وفي حينه حصل هيشيليما على دعم الرئيس السابق والزعيم الاستقلالي التاريخي كينيث كاوندا، إلا أنه احتل المركز الثالث بنحو 25 في المائة من الأصوات.
وبعدها ترشح هيشيليما عن حزب «الاتحاد الوطني الديمقراطي» في انتخابات عام 2008 التي أجريت بعد وفاة الرئيس مواناواسا. ومجدداً جاء في المركز الثالث بنسبة 19.7 في المائة من الأصوات. ثم في يونيو (حزيران) 2009 عقد حزب هيشيليما تفاهماً مع «الجبهة الوطنية» بقيادة مايكل ساتا لخوض انتخابات 2011 معاً. ومع ذلك، أدت عوامل التردّد وقلة الثقة بين طرفي التفاهم والاتهامات القبلية من كلا الجانبين إلى انهيار ذلك التفاهم في مارس (آذار) 2011.
وجاءت الانتخابات الرئاسية خلال يناير (كانون الثاني) 2015. وفيها كان هيشيليما أحد المرشحين الأساسيين. إلا أنه خسرها هذه المرة بهامش ضيق بلغ 27757 صوتاً (1.66 في المائة) ضد مرشح الحزب الحاكم، إدغار لونغو. وحينئذ استنكر هيشيليما الانتخابات، وشكك بنزاهة الاقتراع، لكنه في المقابل حثّ أنصاره على التزام الهدوء. ولقد واجه مرة أخرى لونغو مرشحاً رئيساً للمعارضة في الانتخابات أغسطس 2016 الرئاسة، وهُزم مرة أخرى بفارق ضئيل.
بعدها، يوم أبريل (نيسان) 2017، ألقي القبض على هيشيليما بشبهة الخيانة، ووجهت إليه تهمة محاولة قلب نظام الحكم، بعدما رفض موكبه فتح الطريق لموكب الرئيس لونغو. وهي قضية اعتبرها كثيرون في حينه مخالفة مرورية بسيطة، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الخيانة. غير أنه على أي حال، قبع في السجن لمدة 4 أشهر، قبل أن تُسقَط التهم تحت ضغط دولي مكثف.
بل إنه بعد سجنه منحته مؤسسة «فريدريش ناومان» للحرية جائزة «الحرية الأفريقية» يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 في حدث استضافته مدينة جوهانسبورغ، كبرى مدن جنوب أفريقيا وعاصمتها الاقتصادية.
- وعود من رحم المعاناة
أما بعد الانتصار الكبير، فقد تعهد هاكايندي هيشيليما في خطاب تنصيبه، بأن تضمن حكومته حصول المواطنين على 3 وجبات لائقة كل يوم؛ قائلاً: «لا يجوز لأي مواطن زامبي أن ينام جائعاً». وأضاف متعهداً بأنه «سيركز على إنعاش الاقتصاد، وخلق فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل». وفي حين يُنظَر إلى تعهدات هيشيليما على أنها ترفع آمال الزامبيين البسطاء فوق استطاعة الواقع الراهن لاقتصاد البلاد؛ فإن الخطاب أيضاً ينمّ عن خلفية هيشيليما الذي عانى في صغره، وفق الباحث النيجيري المتخصص في الشؤون الأفريقية، الدكتور حكيم نجم الدين. وبالفعل، لم يفوّت الرئيس المنتخب، الذي وعد بأن يكون رئيساً لكل المواطنين، فرصة التنديد بالنظام المنتهية ولايته... ووعد «بديمقراطية أفضل».
وفي المقابل، ربط نجم الدين، في بحثه بـ«قراءات أفريقية»، أهم التحديات التي تواجه إدارة هيشيليما بإخفاقات حكومة سلفه لونغو، التي أدّت إلى انهيار الثقة العامة. وتتمثّل هذه التحديات في إنعاش الاقتصاد وإعادة تعزيز العمليات الديمقراطية من خلال التركيز على أولويات شملت معالجة أزمة الديون الاقتصادية الزامبية، ومحاربة الفساد، والحدّ من هيمنة الفرع التنفيذي للحكومة.
ووفق الخبير الأفريقي، فإن الديون الاقتصادية كانت من القضايا الأساسية التي أدّت إلى هزيمة الرئيس السابق لونغو. إذ أثّرت خدمة الديون المتراكمة بشكل سلبي في العائلات والأسر الزامبية. ذلك أن الديون في عهد لونغو ارتفعت من نسبة 36 في المائة إلى نسبة 110 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الزامبي. ثم إن زامبيا تخلّفت عن سداد الفائدة التي تبلغ 42.5 مليون دولار أميركي على سندات دولية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وكان بين أبرز العوامل التي ساهمت في ارتفاع هذه الديون؛ تذبذب أسعار النحاس (أحد أهم ثروات البلاد)، والجفاف الشديد في عام 2019. وبطبيعة الحال، تداعيات جائحة «كوفيد 19».
- سوء استخدام السلطة
من ناحية أخرى، تورّطت - أو قُل شوهت سمعة - حكومة الرئيس السابق إدغار لونغو بعدة قضايا تتعلق بالفساد؛ ففي عام 2017 كُشف النقاب عن أن الحكومة اشترت 42 سيارة إطفاء مقابل 42 مليون دولار، واكتَشف مركز الاستخبارات المالية في زامبيا أن مسؤولين رفيعي المستوى غسلوا مليارات من العملة الزامبية (الكواتشا) من خلال مسارب الفساد والتهرب الضريبي. كذلك، أدّى سوء الإدارة في عام 2018 إلى تعليق الجهات الدولية المانحة تقديم مبلغ 34 مليون دولار لتمويل برامج التعليم والرعاية الاجتماعية في البلاد. وأيضاً، اكتُشفت مخالفات تقدّر بـ17 مليون دولار في عقد وزارة الصحة الزامبية صفقات شراء عدة في خضمّ أزمة «كوفيد 19».
وأخيراً لا آخراً، في عام 2019 قدمت حكومة لونغو مشروع قانونٍ هدَف إلى تحقيق عدة أمور؛ منها إزالة إشراف المشرّعين على التعاقدات المتعلقة بالدَّيْن العام. إلا أن حكومته فشلت في تحقيق الأهداف من مشروع القانون، إذ تضمنت الأحكام الأخرى للمشروع الحدّ من سلطات الجمعية الوطنية لعزل الرئيس، بينما سمح المشروع بإقالة القضاة من خلال محكمة يعينها الرئيس؛ بدلاً من لجنة الشكاوى القضائية القائمة.
هذا، وعلى الرغم من رفض قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والقانونيين هذه المحاولة من قبل حكومة لونغو، فإن المحاولة أيضاً عززت شعبية المعارضة. وفي أكتوبر 2020 انسحب النواب أعضاء «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» من الجمعية الوطنية (البرلمان) من أجل منع تمرير مشروع القانون الذي قدّمته حكومة لونغو.
وبناءً على ما تقدّم، دعا باحثون سياسيون الرئيس الجديد هيشيليما إلى الحذر من الخطوات والمحاولات التي أدت إلى الاستياء العام تجاه الرئيس السابق لونغو، كما حذّروه من استغلال منصبه التنفيذي لإسكات هيئة البثّ المستقلة أو تضييق الخناق على المنافذ الإخبارية الخاصة؛ حيث خلقت مثل هذه الممارسات بيئة متحيّزة في أواخر الشهور من عهد الرئيس السابق لونغو.
على صعيد متصل، من الدروس المستفادة في الانتخابات الرئاسية الزامبية الأخيرة، كما يرى نجم الدين، أن إخراج الشباب من المعادلة السياسية قد يكلف الإدارة القائمة تفويضها الشعبي، ومن ثم الحكم، بالنظر إلى قوة العلاقة بين الشباب والسياسة ودور الشباب في العمليات الانتخابات. فالأرقام تشير إلى أن نحو 54 في المائة من الناخبين الـ7023499 المسجلين في لوائح الانتخابات كانوا تحت سن 35 سنة من العمر، وصوّت هؤلاء بأعداد كبيرة بسبب معارضتهم للسياسات التي رأوا أنها لا تمثّلهم، بل إنها سبب مفاقمة الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية. ولا ننسى هنا الواقع المؤلم في مسألة البطالة، ذلك أن معدل بطالة الشباب في زامبيا خلال عام 2020 بلغ 22.63 في المائة.
وبالتالي، لدى مراجعة نتائج الانتخابات الأخيرة، يلاحظ أن الضآلة النسبية لعدد الأصوات التي حصل عليها إدغار لونغو في المناطق التي لم تحظَ باهتمام إدارته، والمناطق الريفية التي تنظر إلى سياسات التعدين أنها أتت لصالح النخبة التي تسرق وتنهب خيرات البلاد. ولذلك فسّر كثيرون خسارة لونغو وفوز منافسه هيشيليما بأنه «استعادة السلطة مِن قِبَل المواطنين» الزامبيين.
- قبول دولي
أما على الصعيد الدولي، فلوحظ أن انتخاب هاكايندي هيشيليما، حظي بقبول دولي لافت. إذ حضر مراسم تنصيبه عدد من القادة الأفارقة، يتقدمهم سامية حسن رئيسة تنزانيا، وموكويتسي ماسيسي رئيس بوتسوانا، وفيليكس تشيسيكيدي رئيس الكونغو الديمقراطية، وأوهورو كينياتا رئيس كينيا، ولازاروس رئيس شاكويرا ملاوي، وسيريل رامافوزا رئيس جنوب أفريقيا، وهاكه غينغوب رئيس ناميبيا، وإيمرسون منانغاغوا رئيس زيمبابوي. إضافة إلى ممثلين عن المملكة العربية السعودية وغانا وبريطانيا والولايات المتحدة، وممثلين رفيعي المستوى من مفوضية الاتحاد الأفريقي وأمانة رابطة الشعوب البريطانية المعروفة بـ«الكومنولث».
ولقد أشاد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي، بالرئيس المنتهية ولايته على فترة حكمه وإظهار القيادة القوية وحنكة الدولة من خلال قبوله بنتائج الانتخابات. وكرّر رئيس المفوضية التأكيد على استمرار دعم مفوضية الاتحاد الأفريقي لجمهورية زامبيا في رحلتها لتعميق أوراق اعتماد الحكم الديمقراطي والتشاركي في البلاد.
وأيضاً رحّب الاتحاد الأوروبي، بنتائج الانتخابات في زامبيا، وهنّأ هيشيليما على فوزه، ونشر الموقع الرسمي الخاص بالشؤون الخارجية الأوروبية أن الاتحاد يثني على الناخبين الذين أظهروا بوضوح التزامهم بالديمقراطية. ووجد التقييم الأوليّ لبعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات أنه على الرغم من ورود بعض القصور إبان الحملة الانتخابية، كان يوم الانتخابات نفسه هادئاً إلى حد كبير ونظمت العملية الانتخابية بشكل جيد من الناحية الفنية.
ختاماً، يعول كثيرون اليوم على تكرار تجربة زامبيا في كثير من الدول الأفريقية، التي تفتقر إلى انتخابات ديمقراطية وانتقال سلمي للسلطة، إلا أن الخبير النيجيري حكيم نجم الدين، يرى أن ما حدث في زامبيا – على أهميته – «لن يغير الواقع السياسي في معظم الدول الأفريقية، خاصة تلك التي تعاني من أزمة قيادية وصراعات سياسية، يُعزّزها تمديد حكامها لولاياتهم الرئاسية ويمرحون في استبداديتهم تجاه مواطنيهم المنتقدين».


مقالات ذات صلة

نيجيريا: احتجاجات وشلل للإفراج عن زعيم متهم بـ«الإرهاب»

أفريقيا ننامدي كانو زعيم حركة شعب «بيافرا» الأصليين الموجود في السجن منذ 4 سنوات بتهمة الإرهاب (إعلام محلي)

نيجيريا: احتجاجات وشلل للإفراج عن زعيم متهم بـ«الإرهاب»

تحولت أحياء من العاصمة النيجيرية أبوجا، الاثنين، ساحة لمطاردات مفتوحة بين قوات الأمن ومتظاهرين يطالبون بالإفراج عن ننامدي كانو، زعيم حركة شعب «بيافرا» الأصلي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج تقع زامبيا في الجزء الجنوبي من القارة الأفريقية (الشرق الأوسط)

زامبيا تعفي السعوديين من تأشيرة الدخول لأراضيها

ثمّنت السعودية، اليوم (الاثنين)، قرار حكومة جمهورية زامبيا إعفاء المواطنين السعوديين من تأشيرة الدخول إلى أراضيها. وأشارت وزارة الخارجية السعودية إلى أن هذا القرار يأتي تأكيداً على عمق العلاقات المتطورة بين المملكة وزامبيا، وتجسيداً لمواصلة العمل المشترك بما يحقق تطلعات قيادتي البلدين الصديقين بالمزيد من التقدم والازدهار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

خادم الحرمين يتلقى رسالة من رئيس زامبيا

تلقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، رسالة خطية من الرئيس الزامبي هاكيندي هيشيليما، تتعلق بتعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين. وتسلم الرسالة الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله في الرياض اليوم (الأحد)، المبعوث الخاص لرئيس زامبيا وزير الخارجية والتعاون الدولي ستانلي كاكوبو. وجرى خلال الاستقبال، بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيزها في شتى المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حيال القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس زامبيا

خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس زامبيا

تلقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز رسالة خطية، من الرئيس الزامبي هاكيندي هيشيليما، تتعلق بالعلاقات الثنائية بين البلدين والشعبين الصديقين، وسبل دعمها وتعزيزها في مختلف مجالات التعاون والتنسيق المشترك. تسلم الرسالة الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله اليوم (الاثنين) وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الزامبي ستانلي كاكوبو. وجرى خلال الاستقبال بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، وسبل تعزيزها في شتى المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حيال القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
حصاد الأسبوع زامبيا... التركيبة الجغرافية والاجتماعية

زامبيا... التركيبة الجغرافية والاجتماعية

جمهورية زامبيا هي بلاد مغلقة، لا ساحلية، تقع في الجزء الجنوبي من القارة الأفريقية. وتجاور زامبيا، التي كانت قبل استقلالها مستعمرة روديسيا الشمالية، كلاً من جمهورية الكونغو الديمقراطية في الشمال، وتنزانيا من الشمال الشرقي، وملاوي (نياسالاند سابقاً) من الشرق، وموزمبيق وزيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقاً) وبوتسوانا (بتشوانالاند سابقاً) وناميبيا (جنوب غربي أفريقيا سابقاً) إلى الجنوب، وأنغولا إلى الغرب. عاصمة زامبيا وكبرى مدنها مدينة لوساكا، التي تقع في الجزء الجنوبي الأوسط من البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.