هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا

نجح في بلوغ القمة بعد 5 محاولات سابقة

هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا
TT

هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا

هاكايندي هيشيليما... «رجل أعمال عصامي» رئيساً لزامبيا

تجاوز المعارض الزامبي المُخضرم هاكايندي هيشيليما، لقبه المعروف به «بالي»، وهي كلمة تعني «كبير العائلة»، ليصبح «كبيراً» لبلاده كلياً، وذلك بعدما أدّى اليمين الدستورية، بنهاية أغسطس (آب) رئيساً لزامبيا، في عملية انتقال سلمي للسلطة، شكّلت حدثاً لافتاً في القارة الأفريقية.
هيشيليما، خاض السباق تحت راية «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» الوسطي، بأكثر من 59 في المائة من الأصوات، وبفارق مليون صوت تقريباً على منافسه الرئيس السابق إدغار لونغو (يسار الوسط)، وسط نسبة مشاركة كثيفة بلغت 71 في المائة. وذهب مراقبون إلى أن فوز هيشيليما، بوصفه زعيما للمعارضة الزامبية، قد يؤثر بشكل إيجابي على عمليات نقل السلطة في أفريقيا. من ناحية ثانية، أضفى انتصار هيشيليما، رجل الأعمال الذي لامس 60 سنة، نوعاً من الإثارة والتقدير الدولي للعملية الانتخابية في زامبيا، كونه خالف التوقعات السائدة قبل الانتخابات، إذ رجح كثيرون على أفضل التقديرات أن يتعادل المتنافسان، ما يجبرهما على خوض جولة الإعادة. لكن النتيجة جاءت خلاف التوقعات؛ وحصل هيشيليما على 2.8 مليون صوت، في دولة سجّل فيها 7 ملايين ناخب فقط من المواطنين للمشاركة في الانتخابات.
بتولّي هاكايندي هيشيليما رئاسة زامبيا في أعقاب انتخاباتها الرئاسية الأخيرة، تكون هذه المرة الثالثة التي تنتقل فيها السلطة في البلاد سلمياً من حزب حاكم إلى حزب معارض منذ استقلال هذه الجمهورية الأفريقية عن بريطانيا عام 1964. وهو ما دفع الرئيس الجديد إلى اعتبار انتخابه «لحظة تاريخية كان ينتظرها ملايين الزامبيين».
وحقاً في خطاب هيشيليما الأول إلى الشعب - وقد تعمد توجيهه من منزله الواقع في أحد الأحياء السكنية الشعبية في العاصمة لوساكا - أشاد الرئيس بدور الشباب، ولا سيما الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، والذين شكلوا غالبية الناخبين، قائلاً: «هذا النصر ليس لبالي، إنما لرجال ونساء زامبيا، خصوصاً الشباب».
للعلم، كان إدغار لونغو، الرئيس المنتهية ولايته، قد أقرّ قبيل ذلك بهزيمته، وأشاد بفوز منافسه التاريخي. ومما قاله لونغو، الذي كان يرأس زامبيا منذ 6 سنوات: «أريد تهنئة أخي، هاكايندي هيشيليما، الرئيس المنتخب الذي أصبح سابع رئيس للجمهورية».
- رجل أعمال عصامي
ولد هاكايندي هيشيليما في إحدى قرى محافظة مونزي جنوب زامبيا، لعائلة منخفضة الدخل. ويصفه المقرّبون وأعضاء حملته بأنه «رجل أعمال عصامي»، عمل بجهد في المدرسة للفوز بمنحة حكومية للالتحاق بجامعة زامبيا. وفيها تخرّج بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد وإدارة الأعمال عام 1986. ومن ثم، واصل دراسته في جامعة برمنغهام البريطانية حيث حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال.
ولدى عودته إلى زامبيا، عمل هيشيليما في مجال إدارة الأعمال والتجارة، فشغل منصب الرئيس التنفيذي لكل من شركة كوبرز وليبراند - زامبيا (1994 - 1998) وغرانت ثورنتون - زامبيا (1998 - 2006). وبجانب ذلك، يشمل سجل أعماله إدارة الممتلكات والاستشارات المالية والسياحة، وامتلاكه أحد أكبر قطعان الماشية وتربية المواشي في زامبيا.
- 5 محاولات فاشلة
دخل هيشيليما السياسية عبر «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» المعارض، وهو حزب سياسي ليبرالي. وبعد وفاة أندرسون مازوكا في عام 2006، انتخب رئيساً جديداً للحزب. كما شغل منصب زعيم «التحالف الديمقراطي المتحد» (UDA)، وهو تحالف من 3 أحزاب سياسية معارضة. وما يذكر أنه قبل الفوز الأخير برئاسة الجمهورية، خاض هيشيليما 5 انتخابات سابقة خلال أعوام 2006 و2008 و2011 و2015 و2016، فشل في تحقيق الفوز فيها كلها، كما تعرض إبّان هذه الفترة لعدة محاولات انتقامية.
كانت أولى المحاولات، انتخابات عام 2006، يوم كان هيشيليما مرشحاً لـ«التحالف الديمقراطي المتحد» وخاض الانتخابات ضد الرئيس يومذاك ليفي مواناواسا من «الحركة من أجل الديمقراطية المتعددة الأحزاب» ومرشح «الجبهة الوطنية» مايكل ساتا. وفي حينه حصل هيشيليما على دعم الرئيس السابق والزعيم الاستقلالي التاريخي كينيث كاوندا، إلا أنه احتل المركز الثالث بنحو 25 في المائة من الأصوات.
وبعدها ترشح هيشيليما عن حزب «الاتحاد الوطني الديمقراطي» في انتخابات عام 2008 التي أجريت بعد وفاة الرئيس مواناواسا. ومجدداً جاء في المركز الثالث بنسبة 19.7 في المائة من الأصوات. ثم في يونيو (حزيران) 2009 عقد حزب هيشيليما تفاهماً مع «الجبهة الوطنية» بقيادة مايكل ساتا لخوض انتخابات 2011 معاً. ومع ذلك، أدت عوامل التردّد وقلة الثقة بين طرفي التفاهم والاتهامات القبلية من كلا الجانبين إلى انهيار ذلك التفاهم في مارس (آذار) 2011.
وجاءت الانتخابات الرئاسية خلال يناير (كانون الثاني) 2015. وفيها كان هيشيليما أحد المرشحين الأساسيين. إلا أنه خسرها هذه المرة بهامش ضيق بلغ 27757 صوتاً (1.66 في المائة) ضد مرشح الحزب الحاكم، إدغار لونغو. وحينئذ استنكر هيشيليما الانتخابات، وشكك بنزاهة الاقتراع، لكنه في المقابل حثّ أنصاره على التزام الهدوء. ولقد واجه مرة أخرى لونغو مرشحاً رئيساً للمعارضة في الانتخابات أغسطس 2016 الرئاسة، وهُزم مرة أخرى بفارق ضئيل.
بعدها، يوم أبريل (نيسان) 2017، ألقي القبض على هيشيليما بشبهة الخيانة، ووجهت إليه تهمة محاولة قلب نظام الحكم، بعدما رفض موكبه فتح الطريق لموكب الرئيس لونغو. وهي قضية اعتبرها كثيرون في حينه مخالفة مرورية بسيطة، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الخيانة. غير أنه على أي حال، قبع في السجن لمدة 4 أشهر، قبل أن تُسقَط التهم تحت ضغط دولي مكثف.
بل إنه بعد سجنه منحته مؤسسة «فريدريش ناومان» للحرية جائزة «الحرية الأفريقية» يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 في حدث استضافته مدينة جوهانسبورغ، كبرى مدن جنوب أفريقيا وعاصمتها الاقتصادية.
- وعود من رحم المعاناة
أما بعد الانتصار الكبير، فقد تعهد هاكايندي هيشيليما في خطاب تنصيبه، بأن تضمن حكومته حصول المواطنين على 3 وجبات لائقة كل يوم؛ قائلاً: «لا يجوز لأي مواطن زامبي أن ينام جائعاً». وأضاف متعهداً بأنه «سيركز على إنعاش الاقتصاد، وخلق فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل». وفي حين يُنظَر إلى تعهدات هيشيليما على أنها ترفع آمال الزامبيين البسطاء فوق استطاعة الواقع الراهن لاقتصاد البلاد؛ فإن الخطاب أيضاً ينمّ عن خلفية هيشيليما الذي عانى في صغره، وفق الباحث النيجيري المتخصص في الشؤون الأفريقية، الدكتور حكيم نجم الدين. وبالفعل، لم يفوّت الرئيس المنتخب، الذي وعد بأن يكون رئيساً لكل المواطنين، فرصة التنديد بالنظام المنتهية ولايته... ووعد «بديمقراطية أفضل».
وفي المقابل، ربط نجم الدين، في بحثه بـ«قراءات أفريقية»، أهم التحديات التي تواجه إدارة هيشيليما بإخفاقات حكومة سلفه لونغو، التي أدّت إلى انهيار الثقة العامة. وتتمثّل هذه التحديات في إنعاش الاقتصاد وإعادة تعزيز العمليات الديمقراطية من خلال التركيز على أولويات شملت معالجة أزمة الديون الاقتصادية الزامبية، ومحاربة الفساد، والحدّ من هيمنة الفرع التنفيذي للحكومة.
ووفق الخبير الأفريقي، فإن الديون الاقتصادية كانت من القضايا الأساسية التي أدّت إلى هزيمة الرئيس السابق لونغو. إذ أثّرت خدمة الديون المتراكمة بشكل سلبي في العائلات والأسر الزامبية. ذلك أن الديون في عهد لونغو ارتفعت من نسبة 36 في المائة إلى نسبة 110 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الزامبي. ثم إن زامبيا تخلّفت عن سداد الفائدة التي تبلغ 42.5 مليون دولار أميركي على سندات دولية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وكان بين أبرز العوامل التي ساهمت في ارتفاع هذه الديون؛ تذبذب أسعار النحاس (أحد أهم ثروات البلاد)، والجفاف الشديد في عام 2019. وبطبيعة الحال، تداعيات جائحة «كوفيد 19».
- سوء استخدام السلطة
من ناحية أخرى، تورّطت - أو قُل شوهت سمعة - حكومة الرئيس السابق إدغار لونغو بعدة قضايا تتعلق بالفساد؛ ففي عام 2017 كُشف النقاب عن أن الحكومة اشترت 42 سيارة إطفاء مقابل 42 مليون دولار، واكتَشف مركز الاستخبارات المالية في زامبيا أن مسؤولين رفيعي المستوى غسلوا مليارات من العملة الزامبية (الكواتشا) من خلال مسارب الفساد والتهرب الضريبي. كذلك، أدّى سوء الإدارة في عام 2018 إلى تعليق الجهات الدولية المانحة تقديم مبلغ 34 مليون دولار لتمويل برامج التعليم والرعاية الاجتماعية في البلاد. وأيضاً، اكتُشفت مخالفات تقدّر بـ17 مليون دولار في عقد وزارة الصحة الزامبية صفقات شراء عدة في خضمّ أزمة «كوفيد 19».
وأخيراً لا آخراً، في عام 2019 قدمت حكومة لونغو مشروع قانونٍ هدَف إلى تحقيق عدة أمور؛ منها إزالة إشراف المشرّعين على التعاقدات المتعلقة بالدَّيْن العام. إلا أن حكومته فشلت في تحقيق الأهداف من مشروع القانون، إذ تضمنت الأحكام الأخرى للمشروع الحدّ من سلطات الجمعية الوطنية لعزل الرئيس، بينما سمح المشروع بإقالة القضاة من خلال محكمة يعينها الرئيس؛ بدلاً من لجنة الشكاوى القضائية القائمة.
هذا، وعلى الرغم من رفض قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والقانونيين هذه المحاولة من قبل حكومة لونغو، فإن المحاولة أيضاً عززت شعبية المعارضة. وفي أكتوبر 2020 انسحب النواب أعضاء «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» من الجمعية الوطنية (البرلمان) من أجل منع تمرير مشروع القانون الذي قدّمته حكومة لونغو.
وبناءً على ما تقدّم، دعا باحثون سياسيون الرئيس الجديد هيشيليما إلى الحذر من الخطوات والمحاولات التي أدت إلى الاستياء العام تجاه الرئيس السابق لونغو، كما حذّروه من استغلال منصبه التنفيذي لإسكات هيئة البثّ المستقلة أو تضييق الخناق على المنافذ الإخبارية الخاصة؛ حيث خلقت مثل هذه الممارسات بيئة متحيّزة في أواخر الشهور من عهد الرئيس السابق لونغو.
على صعيد متصل، من الدروس المستفادة في الانتخابات الرئاسية الزامبية الأخيرة، كما يرى نجم الدين، أن إخراج الشباب من المعادلة السياسية قد يكلف الإدارة القائمة تفويضها الشعبي، ومن ثم الحكم، بالنظر إلى قوة العلاقة بين الشباب والسياسة ودور الشباب في العمليات الانتخابات. فالأرقام تشير إلى أن نحو 54 في المائة من الناخبين الـ7023499 المسجلين في لوائح الانتخابات كانوا تحت سن 35 سنة من العمر، وصوّت هؤلاء بأعداد كبيرة بسبب معارضتهم للسياسات التي رأوا أنها لا تمثّلهم، بل إنها سبب مفاقمة الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية. ولا ننسى هنا الواقع المؤلم في مسألة البطالة، ذلك أن معدل بطالة الشباب في زامبيا خلال عام 2020 بلغ 22.63 في المائة.
وبالتالي، لدى مراجعة نتائج الانتخابات الأخيرة، يلاحظ أن الضآلة النسبية لعدد الأصوات التي حصل عليها إدغار لونغو في المناطق التي لم تحظَ باهتمام إدارته، والمناطق الريفية التي تنظر إلى سياسات التعدين أنها أتت لصالح النخبة التي تسرق وتنهب خيرات البلاد. ولذلك فسّر كثيرون خسارة لونغو وفوز منافسه هيشيليما بأنه «استعادة السلطة مِن قِبَل المواطنين» الزامبيين.
- قبول دولي
أما على الصعيد الدولي، فلوحظ أن انتخاب هاكايندي هيشيليما، حظي بقبول دولي لافت. إذ حضر مراسم تنصيبه عدد من القادة الأفارقة، يتقدمهم سامية حسن رئيسة تنزانيا، وموكويتسي ماسيسي رئيس بوتسوانا، وفيليكس تشيسيكيدي رئيس الكونغو الديمقراطية، وأوهورو كينياتا رئيس كينيا، ولازاروس رئيس شاكويرا ملاوي، وسيريل رامافوزا رئيس جنوب أفريقيا، وهاكه غينغوب رئيس ناميبيا، وإيمرسون منانغاغوا رئيس زيمبابوي. إضافة إلى ممثلين عن المملكة العربية السعودية وغانا وبريطانيا والولايات المتحدة، وممثلين رفيعي المستوى من مفوضية الاتحاد الأفريقي وأمانة رابطة الشعوب البريطانية المعروفة بـ«الكومنولث».
ولقد أشاد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي، بالرئيس المنتهية ولايته على فترة حكمه وإظهار القيادة القوية وحنكة الدولة من خلال قبوله بنتائج الانتخابات. وكرّر رئيس المفوضية التأكيد على استمرار دعم مفوضية الاتحاد الأفريقي لجمهورية زامبيا في رحلتها لتعميق أوراق اعتماد الحكم الديمقراطي والتشاركي في البلاد.
وأيضاً رحّب الاتحاد الأوروبي، بنتائج الانتخابات في زامبيا، وهنّأ هيشيليما على فوزه، ونشر الموقع الرسمي الخاص بالشؤون الخارجية الأوروبية أن الاتحاد يثني على الناخبين الذين أظهروا بوضوح التزامهم بالديمقراطية. ووجد التقييم الأوليّ لبعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات أنه على الرغم من ورود بعض القصور إبان الحملة الانتخابية، كان يوم الانتخابات نفسه هادئاً إلى حد كبير ونظمت العملية الانتخابية بشكل جيد من الناحية الفنية.
ختاماً، يعول كثيرون اليوم على تكرار تجربة زامبيا في كثير من الدول الأفريقية، التي تفتقر إلى انتخابات ديمقراطية وانتقال سلمي للسلطة، إلا أن الخبير النيجيري حكيم نجم الدين، يرى أن ما حدث في زامبيا – على أهميته – «لن يغير الواقع السياسي في معظم الدول الأفريقية، خاصة تلك التي تعاني من أزمة قيادية وصراعات سياسية، يُعزّزها تمديد حكامها لولاياتهم الرئاسية ويمرحون في استبداديتهم تجاه مواطنيهم المنتقدين».


مقالات ذات صلة

نيجيريا: احتجاجات وشلل للإفراج عن زعيم متهم بـ«الإرهاب»

أفريقيا ننامدي كانو زعيم حركة شعب «بيافرا» الأصليين الموجود في السجن منذ 4 سنوات بتهمة الإرهاب (إعلام محلي)

نيجيريا: احتجاجات وشلل للإفراج عن زعيم متهم بـ«الإرهاب»

تحولت أحياء من العاصمة النيجيرية أبوجا، الاثنين، ساحة لمطاردات مفتوحة بين قوات الأمن ومتظاهرين يطالبون بالإفراج عن ننامدي كانو، زعيم حركة شعب «بيافرا» الأصلي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج تقع زامبيا في الجزء الجنوبي من القارة الأفريقية (الشرق الأوسط)

زامبيا تعفي السعوديين من تأشيرة الدخول لأراضيها

ثمّنت السعودية، اليوم (الاثنين)، قرار حكومة جمهورية زامبيا إعفاء المواطنين السعوديين من تأشيرة الدخول إلى أراضيها. وأشارت وزارة الخارجية السعودية إلى أن هذا القرار يأتي تأكيداً على عمق العلاقات المتطورة بين المملكة وزامبيا، وتجسيداً لمواصلة العمل المشترك بما يحقق تطلعات قيادتي البلدين الصديقين بالمزيد من التقدم والازدهار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

خادم الحرمين يتلقى رسالة من رئيس زامبيا

تلقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، رسالة خطية من الرئيس الزامبي هاكيندي هيشيليما، تتعلق بتعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين. وتسلم الرسالة الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله في الرياض اليوم (الأحد)، المبعوث الخاص لرئيس زامبيا وزير الخارجية والتعاون الدولي ستانلي كاكوبو. وجرى خلال الاستقبال، بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيزها في شتى المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حيال القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس زامبيا

خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من رئيس زامبيا

تلقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز رسالة خطية، من الرئيس الزامبي هاكيندي هيشيليما، تتعلق بالعلاقات الثنائية بين البلدين والشعبين الصديقين، وسبل دعمها وتعزيزها في مختلف مجالات التعاون والتنسيق المشترك. تسلم الرسالة الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله اليوم (الاثنين) وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الزامبي ستانلي كاكوبو. وجرى خلال الاستقبال بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، وسبل تعزيزها في شتى المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر حيال القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
حصاد الأسبوع زامبيا... التركيبة الجغرافية والاجتماعية

زامبيا... التركيبة الجغرافية والاجتماعية

جمهورية زامبيا هي بلاد مغلقة، لا ساحلية، تقع في الجزء الجنوبي من القارة الأفريقية. وتجاور زامبيا، التي كانت قبل استقلالها مستعمرة روديسيا الشمالية، كلاً من جمهورية الكونغو الديمقراطية في الشمال، وتنزانيا من الشمال الشرقي، وملاوي (نياسالاند سابقاً) من الشرق، وموزمبيق وزيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقاً) وبوتسوانا (بتشوانالاند سابقاً) وناميبيا (جنوب غربي أفريقيا سابقاً) إلى الجنوب، وأنغولا إلى الغرب. عاصمة زامبيا وكبرى مدنها مدينة لوساكا، التي تقع في الجزء الجنوبي الأوسط من البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.