الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان

في محضر اجتماعه مع عبد الحليم خدام وتنشره «الشرق الأوسط» ضمن رسائل الرئيسين السوري والعراقي

الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
TT

الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان

الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)

على خلفية التقدم في الرسائل السرية بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد في عام 1996، قرر الرئيس السوري إيفاد نائبه عبد الحليم خدام إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك لإطلاعه على قرار فتح الحدود السورية - العراقية المغلقة منذ عام 1982.
هدف الأسد من التنسيق مع شيراك كان تخفيف أي رد فعل أميركي عنيف على محاولة فك «عزلة» صدام. يضاف إلى ذلك، تعزيز «الثقة» مع الرئيس الفرنسي، بعدما نجح الرئيس السوري في الضغط على أميركا، لإدخال فرنسا إلى ترتيبات مراقبة «تفاهم نيسان» الذي أبرم في أبريل (نيسان) 1996 بعد حرب «عناقيد الغضب» الإسرائيلية في لبنان، والتي شنها شيمعون بيريس وأفقدته رئاسة الوزراء لصالح بنيامين نتنياهو، في منتصف 1996.
وبالفعل، التقى شيراك مع خدام في 31 يوليو (تموز) 1996، لشرح مبررات الخطوة السورية. وحسب محضر الاجتماع، الذي تنشره «الشرق الأوسط» اليوم في الحلقة الثالثة، من الرسائل السرية بين صدام والأسد، فإن الرئيس السوري أبلغ، عبر نائبه، نظيره الفرنسي بأن «الوضع في العراق الآن أصبح مقلقاً، وهو قنبلة على وشك الانفجار»، وأن فتح الحدود «من شأنه أن يضع كوابح لأي مغامرات جديدة للنظام العراقي».
شيراك رد، من جهته، بأن معاناة العراقيين يتحمل صدام «مسؤولياتها الجسيمة، لكن ليس من أحد يريد أن يدفع الشعب العراقي، نظراً لوضعه، إلى حركة يمكن أن تفجّر المنطقة بأسرها»، مستدركاً: «المشكلة أنه يصعب اليوم أن نؤثر على أبي عدي (صدام) لأن الناس لا يجرأون على التحدث معه، وهذا ما يفسر أننا نتحدث مع (نائب رئيس الوزراء) طارق عزيز، ويحصل اتفاق، وفجأة يحدث شيء آخر، لأن صدام مفطور على هذا النحو وليس هناك من يجرؤ على التحدث إليه».
شيراك، الذي أراد أن يبقى مضمون اللقاء سرياً، فاجأ خدام بفتح ملف آخر قريب إلى أولويات الأسد، ويخص الوجود العسكري السوري في لبنان، واحتمال بدء مفاوضات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نتنياهو. لكن المفاجأة الأكبر أنه قدم عرضاً لافتاً: «إذا تم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، فهذا يفترض أن جيش لبنان سيتولى ضمان كامل الحدود. إن فرنسا قالت إنها مستعدة لوضع مراقبين، لكن هذا يعني من جهة ثانية نزع سلاح «حزب الله»، وهذا بالطبع أمر يرتبط بسوريا ويهمها، وسوريا، كما هو طبيعي، لا يمكن أن تقبل بذلك دون مقابل. والتساؤل هو: ما هو المقابل؟ مثلاً الانسحاب من الجولان، وأن تضمن وجودها العسكري في لبنان لبعض الوقت بعد العملية»، حسب محضر اجتماع خدام وشيراك الذي كان نائب الرئيس السوري حمله مع أوراقه ووثائقه، إلى باريس في 2005.
في السابع من يوليو (تموز) 1996، اقترح خدام على الأسد أن يوفد ممثلاً لفرنسا، حاملاً رسالة للرئيس شيراك لشرح مواقف دمشق. وافق الأسد واستقبل شيراك خدام في 31 يوليو. وهنا نص المحضر: «أود أن أبلغ الرئيس شيراك أطيب تحيات الرئيس الأسد، مع تقديره العالي للأجواء الجيدة التي تسود علاقاتنا، وهو يؤكد أن سوريا مستمرة في العمل لتعزيز العلاقات وعلى تحقيق الشراكة والتعاون الاستراتيجي بين البلدين، وهو مرتاح جداً للرسالة التي حملها (هيرفيه) دوشاريت (وزير الخارجية)، ولا شك أن العلاقات في عهد شيراك تشكل مرحلة جديدة، ولا سيما سياسة فرنسا الدولية والشرق أوسطية.
الموضوع الذي كلفني السيد الرئيس بنقله يتعلق بالعراق. يعرف الرئيس شيراك أن بيننا وبين العراق خصومات قديمة، منذ الستينات، وتحمّلنا أذى كثيراً من العراق، وكنا في الحقيقة نعترض على السياسة غير الحكيمة، سواء في الحرب ضد إيران (1980 - 1988) ثم في اجتياح الكويت (1990). في الواقع، الوضع في العراق الآن أصبح مقلقاً، وهو قنبلة تهدد بالانفجار في المنطقة بسبب الحصار والحظر المفروض على العراق. لذلك اتخذت سوريا توجهاً بفتح الحدود مع العراق. طبعاً الحدود بيننا مقطوعة منذ عام 1982. وبالطبع مسألة فتح الحدود ستكون في إطار قرارات مجلس الأمن. تعلمون أن الحدود الدولية بين العراق والأردن مفتوحة، والحدود مع تركيا مفتوحة، ومع إيران مفتوحة.
أسباب هذا التوجّه الجديد، هي:
أولاً المعاناة الكبيرة التي يعيشها الشعب العراقي.
الأمر الثاني، هناك عمل مستمر من قبل جهات خارجة لإحداث قتال، حرب أهلية في العراق، وبين بعض شرائح الشعب العراقي. ومثل هذه الحرب، إذا حدثت، فسوف تفجّر المنطقة كلها.
ثالثاً، نعتقد أن مناخاً جديداً واقعاً للعلاقات بين البلدين يشكل كابحاً للحكومة العراقية للقيام بأي عمل يخل بالأمن والاستقرار في المنطقة. لا شك أنه في عام 1991. لو كان هناك علاقات طبيعية بين سوريا والعراق، لكان من الصعب وقوع هذه الحرب الثانية في الخليج. خطوتنا تكبح مغامرات صدام.
طبعاً، انطلاقاً من مصالح فرنسا في المنطقة، ودور فرنسا في المنطقة، نود أن نطلع الرئيس شيراك على هذا التوجه الجديد قبل إعلانه.
رد الرئيس شيراك: «لست بحاجة لأن أقول إن هذا بالنسبة لي نبأ سار. إنني أجري التحليل نفسه حول مخاطر هذا الحظر. إن فرنسا عملت كثيراً في الأمم المتحدة لتخطو خطوة إلى الأمام بالقرار 986. وقد عملنا بعد ذلك بالتنسيق مع طارق عزيز. لقد استقبلناه مرتين أو ثلاث مرات. وزير الخارجية بالطبع هو الذي استقبله. إن تحليلنا للوضع هو واحد تماماً. طبعاً، يمكن أن يحكم المرء كما يشاء على المسؤوليات الجسيمة التي هي مسؤوليات صدام فيما حصل، لكن ليس من أحد يريد أن يدفع الشعب العراقي، نظراً لوضعه، إلى حركة يمكن أن تفجّر المنطقة بأسرها. إن عودة العلاقات إلى وضع طبيعي بين سوريا والعراق هو نبأ سار للغاية. لدي عدة أفكار تردني بهذه المناسبة. نقطتي الأولى إذن هي أني أرحب بهذا القرار ترحيباً كبيراً، لأن ذلك بالنسبة للاستقرار في المنطقة أمر هام جداً. يمكن بالطبع ألا تقدر أميركا ولا إسرائيل هذا الأمر كثيراً، ولكن فرنسا توافق عليه تماماً. ثم إنني أطلب نقل الرسالة التالية إلى الرئيس الأسد، وهي أن هذا الجزء من محادثاتنا سيظل سرياً بيننا حتى الوقت الذي تقوم فيه سوريا بإعلان اتجاهها هذا، وأظن أن الوزير دوشاريت لديه ما يقوله بهذا الشأن».
وهنا قال دوشاريت: «هناك مسألتان. النقطة المهمة الأولى هي التي افتتح بها خدام حديثه حول عودة العلاقات وفتح الحدود في إطار احترام قرارات مجلس الأمن الدولي، والنقطة الثانية أن سوريا تلعب دوراً خاصاً وهاماً لتقنع العراق بأن يكون ملتزماً بالقرارات الدولية. لقد استمعنا تماماً للعراق، آملين بأنه سيتم التوصل إلى اتفاق بشأن تلك القرارات، غير أنه خاب أملنا للتصرف الأخرق الذي صدر عن العراق».
عقب شيراك: «المشكلة أنه يصعب اليوم أن نؤثر على (أبي عدي)، لأن الناس لا يجرأون على التحدث معه، وهذا ما يفسر أننا نتحدث مع طارق عزيز، ويحصل اتفاق، وفجأة يحدث شيء آخر، لأن صدام مفطور على هذا النحو، وليس هنالك من يجرؤ على التحدث إليه».
أجبت: «طبعاً نحن سنتحدث بصراحة مع العراقيين، وذلك لمصلحة العراق أولاً... وصدام حسين سيفهم هذه الرسالة السورية، لأنه إن لم يفهم هذه الرسالة فلا يستطيع أحد أن يساعد العراق».
عقب شيراك: «نريد أن نشارك في عملية السلام، وليس من عملية سلام ممكنه دون سوريا. أرجو أن تكونوا على ثقة بأن فرنسا لن تتخذ أي موقف، ولا سيما فيما يتعلق بعملية السلام، يمكن أن يزعج سوريا. وقبل أن تفعل، قبل أن تقرر أي شيء، سنقوم بالاتصالات اللازمة معكم. والرئيس الأسد ينبغي أن يكون على اقتناع بأن سياساتنا متوافقة وستكون كذلك، وإن وقع أي اختلاف فسوف نتصل بكم قبل أن نقرر أي شيء. إنني أقول ذلك لأنه قد جرى اتصال طويل بيني وبين نتنياهو، بناءً على طلب منه، وقال إنه سيتصل أيضاً هذا الأسبوع. لقد وجدته نسبياً أكثر مرونة مما كان عليه منذ 10 أو 15 يوماً حينما كان في أميركا. و(الرئيس المصري الراحل حسني) مبارك الذي التقاه، اتصل بي أيضاً ليقول إنه وجده أكثر مرونة، ولكنه لم يغير موقفه حول مبدأ الأرض مقابل السلام، لكنه لم يقل شيئاً حول الجولان. ونحن نرى أنه لا بد في هذا المجال من التفاوض حول الجولان. لقد أكد رغبته في العودة إلى عملية السلام مع سوريا ولبنان، ولكن دون أن يقول شيئاً عن أي استعدادات يمكن أن يجيء بها. على أنه أتى بشيء جديد، بعكس بيريز، وهو أنه قال: «نحن نرغب أن تتدخل فرنسا في هذه العملية. وقال إن لديكم علاقات طيبة مع سوريا، ونريد أن نستغل ونفيد من هذا الموقف، في حين كان بيريز يقول إن أميركا تكفي وحدها في هذه العملية، ونحن خارج هذه المنطقة ولا بد من أن نعمل للسلام مع داخل المنطقة».
وتابع شيراك: «لقد كان ثمة أمر فوجئت به وهو أنه تكلم عن مصلحة إسرائيل»، متسائلاً: «أي مصلحة لإسرائيل في وجود عسكري لها في جنوب لبنان؟ بالطبع، يمكن أن أكون أنا إلى جانب اتجاه كهذا، ولكن هذا الأمر قد يطرح مشكلة كبيرة على سوريا، وأنا لا أريد أن أتسبب بأي مشكلة لها، كما لا أود أن أقع في فخ. لا أريد أن تتخذ فرنسا أي موقف لا توافق عليه سوريا، وهذا بالطبع فخ. لذلك قلت له بوضوح، في هذه العملية: لا يمكن فصل الجولان عن جنوب لبنان، لأن الجولان وجنوب لبنان هما عنصر مترابط في هذه المفاوضات، ولا بد لذلك من فتح المفاوضات مع سوريا ولبنان. قال: سأفكر في هذا الأمر، ثم نعيد الحديث فيه. إن كنت أقول ذلك، فلأنني بشكل غريزي كنت أقول: لو كنت محل نتنياهو لسحبت قواتي دون شرط من جنوب لبنان، وأزعجت الجميع، وخلقت مشكلة للجميع. ولست بحاجة لأن أقول لكم إنني لا يمكن أن أنصحه بالإقدام على مثل هذا العمل، إنما أرى أن سوريا لا يمكن أن تستبعد مثل هذه الفرضية، ويجب بالنتيجة أن تعد نفسها لذلك. فإن تم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، فهذا يفترض أن جيش لبنان سيتولى ضمان كامل الحدود. إن فرنسا قالت إنها مستعدة لوضع مراقبين، ولكن هذا يعني من جهة ثانية نزع سلاح «حزب الله»، وهذا بالطبع أمر يرتبط بسوريا ويهمها. وسوريا، كما هو طبيعي، لا يمكن أن تقبل بذلك دون مقابل. والتساؤل هو: ما هو المقابل؟ مثلاً، الانسحاب من الجولان، وأن تضمن وجودها العسكري في لبنان لبعض الوقت بعد العملية؟ وإذا كنت أقول ذلك فلسببين:
1 - إن فرنسا لن تتحرك في هذا النطاق ضد سوريا، ولا تتحرك إلا بعد التشاور معها. نحن حريصون على لبنان واستقلاله، وكذلك على الروابط المميزة بين لبنان وسوريا، ولن نعمل شيئاً ضد سوريا وضد مصالح سوريا.
2 - ذاك كان السبب الأول، والثاني أن تلك فرضية لا يمكن استبعادها. إن الإسرائيليين يحاولون الاتصال دوماً بمن يمكن أن يساعدهم، ولكنهم في النهاية يتخذون قراراتهم وحدهم ولا يهمهم ما يفكر به الآخرون وما يرونه، بمن في ذلك الأميركيون، وكذلك الفرنسيون. هم يقولون إن الفرنسيين علاقاتهم جيدة مع البلدان العربية، ولذلك يمكنهم أن يؤدوا خدمة. طبعاً، نحن لن نملي عليهم طريقة تصرفهم، ولكن ما يجب أن نقوله إن الانسحاب غير مستبعد.
شكرت الرئيس شيراك على هذه المعلومات التي تحدث عنها، وعلى موقف فرنسا من سوريا، وقلت: «نتنياهو يريد تغيير قواعد اللعبة مع الاحتفاظ بالهدف الذي أعلنه أثناء حملته الانتخابية. لقد التقى مبارك، الذي أوفد وزير خارجيته إلى سوريا، فسأله الرئيس الأسد: ما الذي أخذتموه من نتنياهو؟ فأجاب: تغيير في اللهجة. وسأله الرئيس: هل أخذتم مواقف جديدة يصح البناء عليها؟ فقال لا.

جاء (المبعوث الأميركي الأسبق دينس) روس وطرح معاودة المفاوضات، فقال له الرئيس الأسد: على أي أساس نعاود هذه المفاوضات؟ فقال روس: دون شروط مسبقة، فقال الرئيس: ولكن هنالك مبادئ ومرجعيات للعملية السلمية. نحن مستعدون للمعاودة، ولكن انطلاقاً من النقطة التي وصلنا إليها. لدينا التزام اتخذه الجانب الإسرائيلي، وقد بلغ إلينا عن طريق (وزير الخارجية الأميركي الأسبق وارن) كريستوفر، وهو الانسحاب حتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967. وهنالك أيضاً ترتيبات أمنية حصل اتفاق حولها. من هنا، من هذه النقطة ننطلق. فأجاب روس: لا، مستحيل. قال الرئيس الأسد: إذن، على أي أسس نعمل؟ إن أي أسس ثانية إنما تعني القبول ببرنامج نتنياهو. ثم، كيف نعود إلى المفاوضات وهم لا يعترفون بالقرارات الدولية؟ فقال روس: بل هم يقبلون، ولكنْ لديهم تفسير خاص لهذه القرارات. هم لا يرفضون الانسحاب، وفي الوقت نفسه لا يقبلون بالانسحاب. استنتاجنا أنه إذا لم يعطِ نتنياهو شيئاً لكلينتون فكيف يعطي لمبارك؟ وجاء (الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر) عرفات بدوره وهو حزين جداً يصرخ ويولول لأنهم لا يعطونه شيئاً. في رأينا أن نتنياهو يناور. ففي لبنان لا يريد الانسحاب وفقاً للقرار 425. الانسحاب حسب القرار 425 ليس مشكلة بالنسبة لنا. فالدولة هناك ستنهض بمهامها وتتحمل مسؤولياتها. ولكن هو يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد. إنه يريد تخريب العلاقات داخل لبنان وبين الفئات اللبنانية، كما يريد خلق شقاق بين سوريا ولبنان. ولكن الجميع في لبنان يدركون هذه اللعبة. ثم إذا كان نتنياهو يؤمن بمبدأ الانسحاب، فلماذا يرفض ذلك بالنسبة لسوريا والأراضي الفلسطينية؟ هو قد نُصِح من جانب الأميركيين بتغيير لهجته. بدأ يغيّر الألفاظ والكلمات ليمتص القلق الذي تحدثه مواقفه، ولكنه يبقى في تلك المواقف. لقد بدأوا الآن بشق طرق جديدة في الضفة الغربية، كما عاودوا النشاط الاستيطاني. فكيف يريد السلام وهو يتابع مثل هذه السياسة؟».
وهنا قال الرئيس شيراك: «هنالك عنصر لا بد من أخذه في الحسبان. لقد قابلت نتنياهو قبل أن يجيء إلى الحكم. لقد جاء من قبل مرتين إلى دار العمدة في باريس، والفكرة التي أخذتها عنه آنذاك أنه ذكي وشاب وطموح، ولكنه ليس رجل قناعات. المشكلة أنه محاط بشكل سيء. فهناك عسكريون يريدون الانتقام ويسعون إليه، ومتدينون من الجانب الآخر، ولكنه شاب وطموح ويود البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة. إنه يريد البقاء فترة طويلة. وبما أنه ذكي، فهو يعلم أنه لا يمكن أن يظل في المستقبل إلا إذا سعى إلى السلام، لأن رجل الحرب هو رجل الماضي، أما رجل السلام فهو رجل المستقبل. كانت هناك حملة انتخابية، وهي تؤكد التزامات، كما أن ثمة قوى تُلزمه ببعض الأمور، ولكن من الممكن أن يتطور. ما هو مؤكد أنه بحاجة للتحرك. وبالنسبة لمواقفه، يمكن أن يتحرك في الجولان، ولكن ليس في الحال، بل بعد وقت. هذا هو انطباعي الخاص. المكان الوحيد الذي يمكنه أن يتحرك فيه هو لبنان. فلبنان يكلفه الكثير دون أن يعطيه شيئاً. وأنا أخشى أن يتخذ ذات يوم مبادرة تزعج سوريا وتزعج لبنان وتزعج الجميع. ولذلك أقول إنه لا بد أن يظل هذا الاحتمال وارداً لكي لا نُفاجأ به».
علقتُ على حديث الرئيس: «ما يلفت النظر أنه لم يطرح هذا الأمر مع الأميركيين، و(دينس) روس لم يتحدث عن ذلك مطلقاً. إن وصف الرئيس شيراك لنتنياهو وصف دقيق، لكن هذا الأخير لا يستطيع اتخاذ قرار. فالقرار تتخذه المؤسسة العسكرية. وحتى إذا أراد اتخاذ قرار فأمامه عقبتان: الليكود والمتديّنون. لقد روى عرفات عن حادثتين تعرّض فيهما بيريز للضرب تقريباً من جانب أحد الجنرالات. إسرائيل مؤسسة عسكرية ودينية. هو يريد أن يناور وأن يقول إنه يسعى إلى السلم، ويبحث، ولكنه يعلم أنه إن أراد السلم فلا سلم من دون سوريا، وباب هذا السلم هو الجولان. هو يعرف ذلك، ولكنه يريد تغيير قواعد اللعبة. يريد أن يقول للعالم: «انظروا كم أنا مظلوم، مع أنني أسعى للسلم».
أجاب الرئيس شيراك: «لكن كثيرين من جنرالات إسرائيل يقولون إنهم يخسرون الكثير في لبنان، وإنه لا حاجة لبقائهم فيه. لدينا هنا جنرال صديق لجنرال إسرائيلي لأنهما درسا سويّاً، وقد قال له: لماذا نبقى؟ إننا نخسر براً ونخسر الكثير، وكل ذلك من أجل لا شيء. إن أول شيء قلته لنتنياهو: الجولان، هذا هو المهم في كل هذه العملية، ولا شيء من دونه. ولكني أقول مع ذلك إن الافتراض ممكن دائماً ولا بد من اليقظة».
عقّبتُ: «لنفترض أننا أفقنا ذات صباح ورأينا أن إسرائيل انسحبت من الجنوب. صدّقني لن يبكي أحد من جراء ذلك. ولكن يجب ألا يتم ذلك في إطار مفاوضات أو في سلام منفصل».
رد الرئيس شيراك: «هذا يعرفونه تماماً، لكن المشكلة أن تستفيقوا صباحاً وتروا أن الإسرائيليين قد ذهبوا».
قلت: «حينذاك نشرب نخبهم».
فتساءل الرئيس شيراك: «ولكن ما الذي يجري بعد هذا النخب؟».
أجبته: «لا شيء. فهنالك دولة قائمة، ولكن السؤال الآن: هل تتوقف المقاومة في لبنان؟ لا أحد يضمن ذلك».
فتساءل الرئيس شيراك ثانية: «لكن، هل يُنزع سلاح (حزب الله)؟ الجيش يمكنه أن يفعل ذلك من الناحية التكتيكية، أما سياسياً فهو لا يستطيع. من يستطيع ذلك هي سوريا. وماذا تطلب سوريا مقابل نزع السلاح هذا؟».
أجبته: «إسرائيل تنسحب ذاتياً، إذن سوف تترك فراغاً. وهناك في الجنوب، إلى جانب «حزب الله» والفصائل الفلسطينية، فئات أخرى. إن وسائل الإعلام تضخّم كثيراً أمر «حزب الله». وعلى كلٍّ فهذا الأمر يناقش داخلياً وضمن إطار مصالح لبنان وليس مصلحة إسرائيل. إسرائيل تريد خلق مشكلة في لبنان، ولكن جميع اللبنانيين مدركون لهذه اللعبة. إن مناقشة مسألة السلاح ونزع السلاح بشكل مسبق هو شرط مسبق إسرائيلي، ونتنياهو لا يريد شروطاً مسبقة».
قال شيراك: «أكرر، ربما كانت هذه فرضية لا أساس لها، أن تنسحب إسرائيل دون شروط. وكما تقول، يأخذ الجيش اللبناني مراكزه على طول الحدود، وهذا يطرح مشكلة هي وجود القوات السورية في لبنان. الأمير عبد الله والملك فهد يقولان: ماذا يحصل للجيش السوري لدى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب؟ فأجيب: كل شيء يتم بالمناقشة بين المعنيين. ولكن، إن لم يُنزع سلاح (حزب الله) فستستمر المناوشات، وإسرائيل تستهدف حينذاك كل لبنان، وهذا ما يبحث عنه الجنرالات. لا أعتقد أن هناك جنرالات إسرائيليين كثيرين يريدون البقاء. ولكن ثمة من يريد دخول كل لبنان ومواجهة الجيش السوري، وهذا سيء للجميع. إذن، إذا حصل الانسحاب ولم يُنزع سلاح (حزب الله)، فهذا سيؤدي إلى استفزازات وأمور أخرى. أما إذا نُزع سلاحه فإن سوريا تفقد (شيئاً) حينئذٍ، ولا بد من شيء مقابل ذلك، وهو ضمان وجود سوري في لبنان. ربما كانت هذه أحلاماً. ما أريده هو أن يكون لدينا اتصال قوي وحميم».
قلت: «كما قال الرئيس شيراك، وكما قلت، وكما كلفني الرئيس الأسد أن أقول، نريد رفع سوية الاتصالات بيننا. نريد وجوداً لفرنسا في المنطقة، لأن هذه نافذة تعطينا بعض الأمل في الظرف الدولي الراهن. هذا التوجُّه يتطلب الاتصال والتنسيق والمناقشة. طبعاً، إذا حصل ما تقوله، فإننا بالتأكيد سنناقش الأمور فيما بيننا. إننا نريد السلام العادل والشامل، ونريد أن تكون فرنسا في قلب هذا السلم. إذا وقع أي أمر كذلك فمن الطبيعي أن نتصل فيما بيننا ونتناقش موضوعياً في الأمر. والمهم أن نبقى حذرين من مناورات نتنياهو. إنه ذكي وطموح، ولكنه عقائدي أيضاً. قد يحاول تطوير نفسه ولكن دون أن يترك معتقداته. إذا اتخذ طريقاً جديداً فسيجد إيجابية من جانبنا. فمن قال إن هناك غراماً بيننا وبين بيريس؟ لكنه أمكن التناقش معه ومع رابين من قبل، وقد وصلنا إلى نقاط اتفاق، ولو لم يقتل رابين لكنا قطعنا الكثير، لأنه كان أقدر من بيريس على اتخاذ القرار. الضغط على نتنياهو هو العنصر الذي يدفعه إلى التغيير».
قال شيراك: «نقطة أخيرة، تدخّلت مرة أو مرتين مع الرئيس الأسد من أجل تحرير الطيّار (الإسرائيلي) رون آراد. لقد بذل بيريس كل المساعي ولم ينجح. أنا شخصياً أؤيد هذه المسألة. ولكن، على أن لا يتم ذلك فوراً. لذلك يجب أن تكون هذه التفاتة تكرس المسيرة السلمية. تحريره قبل نهاية سبتمبر (أيلول) ستخدم السلام كثيراً».
أجبته: «لا أعلم إن كان لا يزال حياً. (الرئيس الأميركي الأسبق بيل) كلينتون طرح هذا الموضوع مع الأسد، وتابعت شخصياً الموضوع مع (حزب الله) ومع أجهزتنا الأمنية. كان في البداية سجيناً لدى حركة أمل، وحصل انشقاق في الحركة، والذي جرى أن قائد الانشقاق أخذه إلى منطقة، ثم وقعت غارة إسرائيلية على تلك المنطقة واختفى آراد. يمكن متابعة الأمر، وإن توصلنا إلى أمر فسنعمل على أن يتم الإطلاق عبر فرنسا».
رد شيراك قائلاً: «إنني أشير إلى مصلحة سوريا ومصلحة السلام لا أن نتدخل نحن في الموضوع. لقد قلت لبيريس أنني سأهتم بالموضوع، ولم أقل لنتنياهو. إن وجدتموه فإن هذه الورقة هامة لنتنياهو، ويمكن أن تكون جزءاً من عملية كاملة. إذا وُجد فإطلاقه قبل نهاية سبتمبر يولّد أثراً عكسياً على العملية. إنني أتحدث هنا بملء الحرية، لكن إن قيل لي هل قلت أنت ذلك؟ فسوف أنكر».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

 



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.