الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان

في محضر اجتماعه مع عبد الحليم خدام وتنشره «الشرق الأوسط» ضمن رسائل الرئيسين السوري والعراقي

الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
TT

الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان

الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)
الرئيسان السوري حافظ الأسد والفرنسي جاك شيراك بباريس في 16 يوليو 1998 (غيتي)

على خلفية التقدم في الرسائل السرية بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد في عام 1996، قرر الرئيس السوري إيفاد نائبه عبد الحليم خدام إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك لإطلاعه على قرار فتح الحدود السورية - العراقية المغلقة منذ عام 1982.
هدف الأسد من التنسيق مع شيراك كان تخفيف أي رد فعل أميركي عنيف على محاولة فك «عزلة» صدام. يضاف إلى ذلك، تعزيز «الثقة» مع الرئيس الفرنسي، بعدما نجح الرئيس السوري في الضغط على أميركا، لإدخال فرنسا إلى ترتيبات مراقبة «تفاهم نيسان» الذي أبرم في أبريل (نيسان) 1996 بعد حرب «عناقيد الغضب» الإسرائيلية في لبنان، والتي شنها شيمعون بيريس وأفقدته رئاسة الوزراء لصالح بنيامين نتنياهو، في منتصف 1996.
وبالفعل، التقى شيراك مع خدام في 31 يوليو (تموز) 1996، لشرح مبررات الخطوة السورية. وحسب محضر الاجتماع، الذي تنشره «الشرق الأوسط» اليوم في الحلقة الثالثة، من الرسائل السرية بين صدام والأسد، فإن الرئيس السوري أبلغ، عبر نائبه، نظيره الفرنسي بأن «الوضع في العراق الآن أصبح مقلقاً، وهو قنبلة على وشك الانفجار»، وأن فتح الحدود «من شأنه أن يضع كوابح لأي مغامرات جديدة للنظام العراقي».
شيراك رد، من جهته، بأن معاناة العراقيين يتحمل صدام «مسؤولياتها الجسيمة، لكن ليس من أحد يريد أن يدفع الشعب العراقي، نظراً لوضعه، إلى حركة يمكن أن تفجّر المنطقة بأسرها»، مستدركاً: «المشكلة أنه يصعب اليوم أن نؤثر على أبي عدي (صدام) لأن الناس لا يجرأون على التحدث معه، وهذا ما يفسر أننا نتحدث مع (نائب رئيس الوزراء) طارق عزيز، ويحصل اتفاق، وفجأة يحدث شيء آخر، لأن صدام مفطور على هذا النحو وليس هناك من يجرؤ على التحدث إليه».
شيراك، الذي أراد أن يبقى مضمون اللقاء سرياً، فاجأ خدام بفتح ملف آخر قريب إلى أولويات الأسد، ويخص الوجود العسكري السوري في لبنان، واحتمال بدء مفاوضات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نتنياهو. لكن المفاجأة الأكبر أنه قدم عرضاً لافتاً: «إذا تم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، فهذا يفترض أن جيش لبنان سيتولى ضمان كامل الحدود. إن فرنسا قالت إنها مستعدة لوضع مراقبين، لكن هذا يعني من جهة ثانية نزع سلاح «حزب الله»، وهذا بالطبع أمر يرتبط بسوريا ويهمها، وسوريا، كما هو طبيعي، لا يمكن أن تقبل بذلك دون مقابل. والتساؤل هو: ما هو المقابل؟ مثلاً الانسحاب من الجولان، وأن تضمن وجودها العسكري في لبنان لبعض الوقت بعد العملية»، حسب محضر اجتماع خدام وشيراك الذي كان نائب الرئيس السوري حمله مع أوراقه ووثائقه، إلى باريس في 2005.
في السابع من يوليو (تموز) 1996، اقترح خدام على الأسد أن يوفد ممثلاً لفرنسا، حاملاً رسالة للرئيس شيراك لشرح مواقف دمشق. وافق الأسد واستقبل شيراك خدام في 31 يوليو. وهنا نص المحضر: «أود أن أبلغ الرئيس شيراك أطيب تحيات الرئيس الأسد، مع تقديره العالي للأجواء الجيدة التي تسود علاقاتنا، وهو يؤكد أن سوريا مستمرة في العمل لتعزيز العلاقات وعلى تحقيق الشراكة والتعاون الاستراتيجي بين البلدين، وهو مرتاح جداً للرسالة التي حملها (هيرفيه) دوشاريت (وزير الخارجية)، ولا شك أن العلاقات في عهد شيراك تشكل مرحلة جديدة، ولا سيما سياسة فرنسا الدولية والشرق أوسطية.
الموضوع الذي كلفني السيد الرئيس بنقله يتعلق بالعراق. يعرف الرئيس شيراك أن بيننا وبين العراق خصومات قديمة، منذ الستينات، وتحمّلنا أذى كثيراً من العراق، وكنا في الحقيقة نعترض على السياسة غير الحكيمة، سواء في الحرب ضد إيران (1980 - 1988) ثم في اجتياح الكويت (1990). في الواقع، الوضع في العراق الآن أصبح مقلقاً، وهو قنبلة تهدد بالانفجار في المنطقة بسبب الحصار والحظر المفروض على العراق. لذلك اتخذت سوريا توجهاً بفتح الحدود مع العراق. طبعاً الحدود بيننا مقطوعة منذ عام 1982. وبالطبع مسألة فتح الحدود ستكون في إطار قرارات مجلس الأمن. تعلمون أن الحدود الدولية بين العراق والأردن مفتوحة، والحدود مع تركيا مفتوحة، ومع إيران مفتوحة.
أسباب هذا التوجّه الجديد، هي:
أولاً المعاناة الكبيرة التي يعيشها الشعب العراقي.
الأمر الثاني، هناك عمل مستمر من قبل جهات خارجة لإحداث قتال، حرب أهلية في العراق، وبين بعض شرائح الشعب العراقي. ومثل هذه الحرب، إذا حدثت، فسوف تفجّر المنطقة كلها.
ثالثاً، نعتقد أن مناخاً جديداً واقعاً للعلاقات بين البلدين يشكل كابحاً للحكومة العراقية للقيام بأي عمل يخل بالأمن والاستقرار في المنطقة. لا شك أنه في عام 1991. لو كان هناك علاقات طبيعية بين سوريا والعراق، لكان من الصعب وقوع هذه الحرب الثانية في الخليج. خطوتنا تكبح مغامرات صدام.
طبعاً، انطلاقاً من مصالح فرنسا في المنطقة، ودور فرنسا في المنطقة، نود أن نطلع الرئيس شيراك على هذا التوجه الجديد قبل إعلانه.
رد الرئيس شيراك: «لست بحاجة لأن أقول إن هذا بالنسبة لي نبأ سار. إنني أجري التحليل نفسه حول مخاطر هذا الحظر. إن فرنسا عملت كثيراً في الأمم المتحدة لتخطو خطوة إلى الأمام بالقرار 986. وقد عملنا بعد ذلك بالتنسيق مع طارق عزيز. لقد استقبلناه مرتين أو ثلاث مرات. وزير الخارجية بالطبع هو الذي استقبله. إن تحليلنا للوضع هو واحد تماماً. طبعاً، يمكن أن يحكم المرء كما يشاء على المسؤوليات الجسيمة التي هي مسؤوليات صدام فيما حصل، لكن ليس من أحد يريد أن يدفع الشعب العراقي، نظراً لوضعه، إلى حركة يمكن أن تفجّر المنطقة بأسرها. إن عودة العلاقات إلى وضع طبيعي بين سوريا والعراق هو نبأ سار للغاية. لدي عدة أفكار تردني بهذه المناسبة. نقطتي الأولى إذن هي أني أرحب بهذا القرار ترحيباً كبيراً، لأن ذلك بالنسبة للاستقرار في المنطقة أمر هام جداً. يمكن بالطبع ألا تقدر أميركا ولا إسرائيل هذا الأمر كثيراً، ولكن فرنسا توافق عليه تماماً. ثم إنني أطلب نقل الرسالة التالية إلى الرئيس الأسد، وهي أن هذا الجزء من محادثاتنا سيظل سرياً بيننا حتى الوقت الذي تقوم فيه سوريا بإعلان اتجاهها هذا، وأظن أن الوزير دوشاريت لديه ما يقوله بهذا الشأن».
وهنا قال دوشاريت: «هناك مسألتان. النقطة المهمة الأولى هي التي افتتح بها خدام حديثه حول عودة العلاقات وفتح الحدود في إطار احترام قرارات مجلس الأمن الدولي، والنقطة الثانية أن سوريا تلعب دوراً خاصاً وهاماً لتقنع العراق بأن يكون ملتزماً بالقرارات الدولية. لقد استمعنا تماماً للعراق، آملين بأنه سيتم التوصل إلى اتفاق بشأن تلك القرارات، غير أنه خاب أملنا للتصرف الأخرق الذي صدر عن العراق».
عقب شيراك: «المشكلة أنه يصعب اليوم أن نؤثر على (أبي عدي)، لأن الناس لا يجرأون على التحدث معه، وهذا ما يفسر أننا نتحدث مع طارق عزيز، ويحصل اتفاق، وفجأة يحدث شيء آخر، لأن صدام مفطور على هذا النحو، وليس هنالك من يجرؤ على التحدث إليه».
أجبت: «طبعاً نحن سنتحدث بصراحة مع العراقيين، وذلك لمصلحة العراق أولاً... وصدام حسين سيفهم هذه الرسالة السورية، لأنه إن لم يفهم هذه الرسالة فلا يستطيع أحد أن يساعد العراق».
عقب شيراك: «نريد أن نشارك في عملية السلام، وليس من عملية سلام ممكنه دون سوريا. أرجو أن تكونوا على ثقة بأن فرنسا لن تتخذ أي موقف، ولا سيما فيما يتعلق بعملية السلام، يمكن أن يزعج سوريا. وقبل أن تفعل، قبل أن تقرر أي شيء، سنقوم بالاتصالات اللازمة معكم. والرئيس الأسد ينبغي أن يكون على اقتناع بأن سياساتنا متوافقة وستكون كذلك، وإن وقع أي اختلاف فسوف نتصل بكم قبل أن نقرر أي شيء. إنني أقول ذلك لأنه قد جرى اتصال طويل بيني وبين نتنياهو، بناءً على طلب منه، وقال إنه سيتصل أيضاً هذا الأسبوع. لقد وجدته نسبياً أكثر مرونة مما كان عليه منذ 10 أو 15 يوماً حينما كان في أميركا. و(الرئيس المصري الراحل حسني) مبارك الذي التقاه، اتصل بي أيضاً ليقول إنه وجده أكثر مرونة، ولكنه لم يغير موقفه حول مبدأ الأرض مقابل السلام، لكنه لم يقل شيئاً حول الجولان. ونحن نرى أنه لا بد في هذا المجال من التفاوض حول الجولان. لقد أكد رغبته في العودة إلى عملية السلام مع سوريا ولبنان، ولكن دون أن يقول شيئاً عن أي استعدادات يمكن أن يجيء بها. على أنه أتى بشيء جديد، بعكس بيريز، وهو أنه قال: «نحن نرغب أن تتدخل فرنسا في هذه العملية. وقال إن لديكم علاقات طيبة مع سوريا، ونريد أن نستغل ونفيد من هذا الموقف، في حين كان بيريز يقول إن أميركا تكفي وحدها في هذه العملية، ونحن خارج هذه المنطقة ولا بد من أن نعمل للسلام مع داخل المنطقة».
وتابع شيراك: «لقد كان ثمة أمر فوجئت به وهو أنه تكلم عن مصلحة إسرائيل»، متسائلاً: «أي مصلحة لإسرائيل في وجود عسكري لها في جنوب لبنان؟ بالطبع، يمكن أن أكون أنا إلى جانب اتجاه كهذا، ولكن هذا الأمر قد يطرح مشكلة كبيرة على سوريا، وأنا لا أريد أن أتسبب بأي مشكلة لها، كما لا أود أن أقع في فخ. لا أريد أن تتخذ فرنسا أي موقف لا توافق عليه سوريا، وهذا بالطبع فخ. لذلك قلت له بوضوح، في هذه العملية: لا يمكن فصل الجولان عن جنوب لبنان، لأن الجولان وجنوب لبنان هما عنصر مترابط في هذه المفاوضات، ولا بد لذلك من فتح المفاوضات مع سوريا ولبنان. قال: سأفكر في هذا الأمر، ثم نعيد الحديث فيه. إن كنت أقول ذلك، فلأنني بشكل غريزي كنت أقول: لو كنت محل نتنياهو لسحبت قواتي دون شرط من جنوب لبنان، وأزعجت الجميع، وخلقت مشكلة للجميع. ولست بحاجة لأن أقول لكم إنني لا يمكن أن أنصحه بالإقدام على مثل هذا العمل، إنما أرى أن سوريا لا يمكن أن تستبعد مثل هذه الفرضية، ويجب بالنتيجة أن تعد نفسها لذلك. فإن تم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، فهذا يفترض أن جيش لبنان سيتولى ضمان كامل الحدود. إن فرنسا قالت إنها مستعدة لوضع مراقبين، ولكن هذا يعني من جهة ثانية نزع سلاح «حزب الله»، وهذا بالطبع أمر يرتبط بسوريا ويهمها. وسوريا، كما هو طبيعي، لا يمكن أن تقبل بذلك دون مقابل. والتساؤل هو: ما هو المقابل؟ مثلاً، الانسحاب من الجولان، وأن تضمن وجودها العسكري في لبنان لبعض الوقت بعد العملية؟ وإذا كنت أقول ذلك فلسببين:
1 - إن فرنسا لن تتحرك في هذا النطاق ضد سوريا، ولا تتحرك إلا بعد التشاور معها. نحن حريصون على لبنان واستقلاله، وكذلك على الروابط المميزة بين لبنان وسوريا، ولن نعمل شيئاً ضد سوريا وضد مصالح سوريا.
2 - ذاك كان السبب الأول، والثاني أن تلك فرضية لا يمكن استبعادها. إن الإسرائيليين يحاولون الاتصال دوماً بمن يمكن أن يساعدهم، ولكنهم في النهاية يتخذون قراراتهم وحدهم ولا يهمهم ما يفكر به الآخرون وما يرونه، بمن في ذلك الأميركيون، وكذلك الفرنسيون. هم يقولون إن الفرنسيين علاقاتهم جيدة مع البلدان العربية، ولذلك يمكنهم أن يؤدوا خدمة. طبعاً، نحن لن نملي عليهم طريقة تصرفهم، ولكن ما يجب أن نقوله إن الانسحاب غير مستبعد.
شكرت الرئيس شيراك على هذه المعلومات التي تحدث عنها، وعلى موقف فرنسا من سوريا، وقلت: «نتنياهو يريد تغيير قواعد اللعبة مع الاحتفاظ بالهدف الذي أعلنه أثناء حملته الانتخابية. لقد التقى مبارك، الذي أوفد وزير خارجيته إلى سوريا، فسأله الرئيس الأسد: ما الذي أخذتموه من نتنياهو؟ فأجاب: تغيير في اللهجة. وسأله الرئيس: هل أخذتم مواقف جديدة يصح البناء عليها؟ فقال لا.

جاء (المبعوث الأميركي الأسبق دينس) روس وطرح معاودة المفاوضات، فقال له الرئيس الأسد: على أي أساس نعاود هذه المفاوضات؟ فقال روس: دون شروط مسبقة، فقال الرئيس: ولكن هنالك مبادئ ومرجعيات للعملية السلمية. نحن مستعدون للمعاودة، ولكن انطلاقاً من النقطة التي وصلنا إليها. لدينا التزام اتخذه الجانب الإسرائيلي، وقد بلغ إلينا عن طريق (وزير الخارجية الأميركي الأسبق وارن) كريستوفر، وهو الانسحاب حتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967. وهنالك أيضاً ترتيبات أمنية حصل اتفاق حولها. من هنا، من هذه النقطة ننطلق. فأجاب روس: لا، مستحيل. قال الرئيس الأسد: إذن، على أي أسس نعمل؟ إن أي أسس ثانية إنما تعني القبول ببرنامج نتنياهو. ثم، كيف نعود إلى المفاوضات وهم لا يعترفون بالقرارات الدولية؟ فقال روس: بل هم يقبلون، ولكنْ لديهم تفسير خاص لهذه القرارات. هم لا يرفضون الانسحاب، وفي الوقت نفسه لا يقبلون بالانسحاب. استنتاجنا أنه إذا لم يعطِ نتنياهو شيئاً لكلينتون فكيف يعطي لمبارك؟ وجاء (الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر) عرفات بدوره وهو حزين جداً يصرخ ويولول لأنهم لا يعطونه شيئاً. في رأينا أن نتنياهو يناور. ففي لبنان لا يريد الانسحاب وفقاً للقرار 425. الانسحاب حسب القرار 425 ليس مشكلة بالنسبة لنا. فالدولة هناك ستنهض بمهامها وتتحمل مسؤولياتها. ولكن هو يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد. إنه يريد تخريب العلاقات داخل لبنان وبين الفئات اللبنانية، كما يريد خلق شقاق بين سوريا ولبنان. ولكن الجميع في لبنان يدركون هذه اللعبة. ثم إذا كان نتنياهو يؤمن بمبدأ الانسحاب، فلماذا يرفض ذلك بالنسبة لسوريا والأراضي الفلسطينية؟ هو قد نُصِح من جانب الأميركيين بتغيير لهجته. بدأ يغيّر الألفاظ والكلمات ليمتص القلق الذي تحدثه مواقفه، ولكنه يبقى في تلك المواقف. لقد بدأوا الآن بشق طرق جديدة في الضفة الغربية، كما عاودوا النشاط الاستيطاني. فكيف يريد السلام وهو يتابع مثل هذه السياسة؟».
وهنا قال الرئيس شيراك: «هنالك عنصر لا بد من أخذه في الحسبان. لقد قابلت نتنياهو قبل أن يجيء إلى الحكم. لقد جاء من قبل مرتين إلى دار العمدة في باريس، والفكرة التي أخذتها عنه آنذاك أنه ذكي وشاب وطموح، ولكنه ليس رجل قناعات. المشكلة أنه محاط بشكل سيء. فهناك عسكريون يريدون الانتقام ويسعون إليه، ومتدينون من الجانب الآخر، ولكنه شاب وطموح ويود البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة. إنه يريد البقاء فترة طويلة. وبما أنه ذكي، فهو يعلم أنه لا يمكن أن يظل في المستقبل إلا إذا سعى إلى السلام، لأن رجل الحرب هو رجل الماضي، أما رجل السلام فهو رجل المستقبل. كانت هناك حملة انتخابية، وهي تؤكد التزامات، كما أن ثمة قوى تُلزمه ببعض الأمور، ولكن من الممكن أن يتطور. ما هو مؤكد أنه بحاجة للتحرك. وبالنسبة لمواقفه، يمكن أن يتحرك في الجولان، ولكن ليس في الحال، بل بعد وقت. هذا هو انطباعي الخاص. المكان الوحيد الذي يمكنه أن يتحرك فيه هو لبنان. فلبنان يكلفه الكثير دون أن يعطيه شيئاً. وأنا أخشى أن يتخذ ذات يوم مبادرة تزعج سوريا وتزعج لبنان وتزعج الجميع. ولذلك أقول إنه لا بد أن يظل هذا الاحتمال وارداً لكي لا نُفاجأ به».
علقتُ على حديث الرئيس: «ما يلفت النظر أنه لم يطرح هذا الأمر مع الأميركيين، و(دينس) روس لم يتحدث عن ذلك مطلقاً. إن وصف الرئيس شيراك لنتنياهو وصف دقيق، لكن هذا الأخير لا يستطيع اتخاذ قرار. فالقرار تتخذه المؤسسة العسكرية. وحتى إذا أراد اتخاذ قرار فأمامه عقبتان: الليكود والمتديّنون. لقد روى عرفات عن حادثتين تعرّض فيهما بيريز للضرب تقريباً من جانب أحد الجنرالات. إسرائيل مؤسسة عسكرية ودينية. هو يريد أن يناور وأن يقول إنه يسعى إلى السلم، ويبحث، ولكنه يعلم أنه إن أراد السلم فلا سلم من دون سوريا، وباب هذا السلم هو الجولان. هو يعرف ذلك، ولكنه يريد تغيير قواعد اللعبة. يريد أن يقول للعالم: «انظروا كم أنا مظلوم، مع أنني أسعى للسلم».
أجاب الرئيس شيراك: «لكن كثيرين من جنرالات إسرائيل يقولون إنهم يخسرون الكثير في لبنان، وإنه لا حاجة لبقائهم فيه. لدينا هنا جنرال صديق لجنرال إسرائيلي لأنهما درسا سويّاً، وقد قال له: لماذا نبقى؟ إننا نخسر براً ونخسر الكثير، وكل ذلك من أجل لا شيء. إن أول شيء قلته لنتنياهو: الجولان، هذا هو المهم في كل هذه العملية، ولا شيء من دونه. ولكني أقول مع ذلك إن الافتراض ممكن دائماً ولا بد من اليقظة».
عقّبتُ: «لنفترض أننا أفقنا ذات صباح ورأينا أن إسرائيل انسحبت من الجنوب. صدّقني لن يبكي أحد من جراء ذلك. ولكن يجب ألا يتم ذلك في إطار مفاوضات أو في سلام منفصل».
رد الرئيس شيراك: «هذا يعرفونه تماماً، لكن المشكلة أن تستفيقوا صباحاً وتروا أن الإسرائيليين قد ذهبوا».
قلت: «حينذاك نشرب نخبهم».
فتساءل الرئيس شيراك: «ولكن ما الذي يجري بعد هذا النخب؟».
أجبته: «لا شيء. فهنالك دولة قائمة، ولكن السؤال الآن: هل تتوقف المقاومة في لبنان؟ لا أحد يضمن ذلك».
فتساءل الرئيس شيراك ثانية: «لكن، هل يُنزع سلاح (حزب الله)؟ الجيش يمكنه أن يفعل ذلك من الناحية التكتيكية، أما سياسياً فهو لا يستطيع. من يستطيع ذلك هي سوريا. وماذا تطلب سوريا مقابل نزع السلاح هذا؟».
أجبته: «إسرائيل تنسحب ذاتياً، إذن سوف تترك فراغاً. وهناك في الجنوب، إلى جانب «حزب الله» والفصائل الفلسطينية، فئات أخرى. إن وسائل الإعلام تضخّم كثيراً أمر «حزب الله». وعلى كلٍّ فهذا الأمر يناقش داخلياً وضمن إطار مصالح لبنان وليس مصلحة إسرائيل. إسرائيل تريد خلق مشكلة في لبنان، ولكن جميع اللبنانيين مدركون لهذه اللعبة. إن مناقشة مسألة السلاح ونزع السلاح بشكل مسبق هو شرط مسبق إسرائيلي، ونتنياهو لا يريد شروطاً مسبقة».
قال شيراك: «أكرر، ربما كانت هذه فرضية لا أساس لها، أن تنسحب إسرائيل دون شروط. وكما تقول، يأخذ الجيش اللبناني مراكزه على طول الحدود، وهذا يطرح مشكلة هي وجود القوات السورية في لبنان. الأمير عبد الله والملك فهد يقولان: ماذا يحصل للجيش السوري لدى الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب؟ فأجيب: كل شيء يتم بالمناقشة بين المعنيين. ولكن، إن لم يُنزع سلاح (حزب الله) فستستمر المناوشات، وإسرائيل تستهدف حينذاك كل لبنان، وهذا ما يبحث عنه الجنرالات. لا أعتقد أن هناك جنرالات إسرائيليين كثيرين يريدون البقاء. ولكن ثمة من يريد دخول كل لبنان ومواجهة الجيش السوري، وهذا سيء للجميع. إذن، إذا حصل الانسحاب ولم يُنزع سلاح (حزب الله)، فهذا سيؤدي إلى استفزازات وأمور أخرى. أما إذا نُزع سلاحه فإن سوريا تفقد (شيئاً) حينئذٍ، ولا بد من شيء مقابل ذلك، وهو ضمان وجود سوري في لبنان. ربما كانت هذه أحلاماً. ما أريده هو أن يكون لدينا اتصال قوي وحميم».
قلت: «كما قال الرئيس شيراك، وكما قلت، وكما كلفني الرئيس الأسد أن أقول، نريد رفع سوية الاتصالات بيننا. نريد وجوداً لفرنسا في المنطقة، لأن هذه نافذة تعطينا بعض الأمل في الظرف الدولي الراهن. هذا التوجُّه يتطلب الاتصال والتنسيق والمناقشة. طبعاً، إذا حصل ما تقوله، فإننا بالتأكيد سنناقش الأمور فيما بيننا. إننا نريد السلام العادل والشامل، ونريد أن تكون فرنسا في قلب هذا السلم. إذا وقع أي أمر كذلك فمن الطبيعي أن نتصل فيما بيننا ونتناقش موضوعياً في الأمر. والمهم أن نبقى حذرين من مناورات نتنياهو. إنه ذكي وطموح، ولكنه عقائدي أيضاً. قد يحاول تطوير نفسه ولكن دون أن يترك معتقداته. إذا اتخذ طريقاً جديداً فسيجد إيجابية من جانبنا. فمن قال إن هناك غراماً بيننا وبين بيريس؟ لكنه أمكن التناقش معه ومع رابين من قبل، وقد وصلنا إلى نقاط اتفاق، ولو لم يقتل رابين لكنا قطعنا الكثير، لأنه كان أقدر من بيريس على اتخاذ القرار. الضغط على نتنياهو هو العنصر الذي يدفعه إلى التغيير».
قال شيراك: «نقطة أخيرة، تدخّلت مرة أو مرتين مع الرئيس الأسد من أجل تحرير الطيّار (الإسرائيلي) رون آراد. لقد بذل بيريس كل المساعي ولم ينجح. أنا شخصياً أؤيد هذه المسألة. ولكن، على أن لا يتم ذلك فوراً. لذلك يجب أن تكون هذه التفاتة تكرس المسيرة السلمية. تحريره قبل نهاية سبتمبر (أيلول) ستخدم السلام كثيراً».
أجبته: «لا أعلم إن كان لا يزال حياً. (الرئيس الأميركي الأسبق بيل) كلينتون طرح هذا الموضوع مع الأسد، وتابعت شخصياً الموضوع مع (حزب الله) ومع أجهزتنا الأمنية. كان في البداية سجيناً لدى حركة أمل، وحصل انشقاق في الحركة، والذي جرى أن قائد الانشقاق أخذه إلى منطقة، ثم وقعت غارة إسرائيلية على تلك المنطقة واختفى آراد. يمكن متابعة الأمر، وإن توصلنا إلى أمر فسنعمل على أن يتم الإطلاق عبر فرنسا».
رد شيراك قائلاً: «إنني أشير إلى مصلحة سوريا ومصلحة السلام لا أن نتدخل نحن في الموضوع. لقد قلت لبيريس أنني سأهتم بالموضوع، ولم أقل لنتنياهو. إن وجدتموه فإن هذه الورقة هامة لنتنياهو، ويمكن أن تكون جزءاً من عملية كاملة. إذا وُجد فإطلاقه قبل نهاية سبتمبر يولّد أثراً عكسياً على العملية. إنني أتحدث هنا بملء الحرية، لكن إن قيل لي هل قلت أنت ذلك؟ فسوف أنكر».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل

 



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.