الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
TT

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)

يتناول حازم صاغية، في هذه الحلقة الثالثة من كتابه «رومنطيقيّو المشرق العربيّ»، ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة»، فيقول إن أتاتورك دمج مسألة الإسلام في القوميّة التركيّة، بينما اتّجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائيّة «العروبة والإسلام». لكنه يضيف أن الزمن السوفياتي وفّر للزعيم المصري ثنائيّة أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القوميّة والاشتراكيّة التي تستطيع أن توفّر للنظام قاعدة لا تقلّ عرضاً عمّا توفّره الثنائيّة الأولى.
ويرى صاغية أيضاً أن سيرة الناصريّة، أهمّ سِيَر الزعامات في المشرق العربيّ، تشفّ عن ملمح أساسي في الوطنيّات المعهودة، هو «تعرّيها من كلّ آمر عقلانيّ؛ وهو ما يدعم فعليّاً تحرّرها من كلّ مساءلة ديمقراطيّة تحدّ من نزوعها إلى الاستبداد».

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي سيصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت «صناعة الموت» ودورها التأسيسي.
ربما كانت سيرة المناضل الكاتب المصري فتحي رضوان الأدق تمثيلاً لثقافة النظام الناصري في تكامل أدوارها ووجوهها، وبالتالي لانطوائها على استمرارية وطنية تحاول أن تبرر تهافتها وانقطاعاتها، كما تبرر مصادرة الحقيقة والتمثيل الشعبي انطلاقاً من فشل سياسي جلي.
فرضوان، بحسب غيرشوني وجانكوفسكي اللذين درسا مصر الثلاثينات والأربعينات كان أحد أولئك المثقفين والدعويين الشبان الذين تفرعوا عن الأفندية الجدد، وكانوا يرسمون لمصر صورة تتعدى حدود الوطن المصري. وفي مباشرتهم بروزهم العام في الثلاثينيات، كانت لهم مساهمة أساسية في التشكل الفكري للمفاهيم الدمجية ضمن سياق مصري.
ولئن تقرب هو أيضاً من عزيز علي المصري، فقد شارك أحمد حسين في تأسيس «مصر الفتاة» عام 1933، وكانت له حينذاك آراء في التعليم والتربية لا تبتعد كثيراً عن آراء زميله العراقي سامي شوكة؛ ذاك أنه ينبغي استلهام التعليم في مصر من «روح قوية»، وجعل ذاك التعليم يدمج فيه «أخلاقاً قوية»، كأن تتحلى الشبيبة بـ«النظام والطاعة والسيطرة على النفس وتحمل الشدائد». وهو لم يكتم كرهه المبكر للنظام البرلماني الذي «يمنع العمل ويعيقه، ويحول الوطن إلى خشبة للخطابة والمسرحيات، فالناس يجوعون بينما النواب يتباهون بالبلاغة، والبلد مهدد بالخطر من الداخل والخارج، ومع هذا فإن محاضر جلسات المجلس لا تتضمن إلا الجدالات الفارغة». ولم تختلف كثيراً عن هذه الحجج حجج انقلاب 1952 في تعطيلها المؤسسات الدستورية وحلها الأحزاب.
على أن رضوان انشق عن «مصر الفتاة»، لينضم إلى «الحزب الوطني»، ثم انشق عنه أيضاً ليؤسس حزباً ضئيل الوزن والأهمية سماه «الحزب الوطني الجديد». ولئن اعتقلته القوات البريطانية غير مرة، كما اعتُقل بعد حريق القاهرة في 26 يناير (كانون الثاني) 1952، فقد أفرج عنه الانقلابيون، وحملوه معهم إلى الوزارة، علماً بأنه كان قد فشل مرتين في الحصول على مقعد نيابي. فهو بالتالي «لا يستطيع بجهوده أن يحصل على أصوات دائرة (انتخابية) واحدة. فكان سنده الوحيد هو ثقة الضباط في ولائه لهم، واشتراكه معهم في الكراهية العميقة للأحزاب البرلمانية القديمة»، وفقاً لشريف يونس. هكذا، شغل رضوان وزارة الإرشاد القومي التي يقول بلسانه هو نفسه إنه من أسسها. وفي الحالات جميعاً، كان المدني الوحيد الذي يتولاها لمدة طويلة، حتى بات أقرب ما يكون إلى جدانوف الناصرية، كما تولى وزارات ومسؤوليات أخرى في السلطة، منها العضوية في المجلس الأعلى لـ«هيئة التحرير».
وفي دراسة يونس عن الحياة الثقافية والفكرية في مصر الناصرية، يتوقف عند رضوان بصفته «شخصية فاعلة رئيسية» في الخمسينيات. فالسياسات التدخلية التي أرساها في أثناء توليه وزارة الإرشاد القومي استمرت بعده، وكان من تلك النظريات التي كافحت السياسة التدخلية لإحلالها ما قاله في أواخر 1955 عن ضرورة «حماية عقل الشعب وروحه»، أو في أواسط 1956 من أن «الثورة لها أهداف روحية تتطلب توجيه الثقافة القومية وتخليصها من الشوائب التي بثها الاستعمار (في الثقافة)». وبالطبع، كما يضيف الكاتب، كان فتحي رضوان «من الرواد في اتهام المثقفين السابقين على عهده»، فلم ينج طه حسين وأحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد من وصمة «خدمة الاحتلال لتحصيل القوت». وهو، إلى هذا، كان من رموز التيار المسمى «شخصيتنا» القومية والدينية في الحياة الثقافية، حتى أنه رفض تصوير فيلم سينمائي عن خالد بن الوليد لأنه «يتعرض لفترة ما قبل إسلامه وسلوكه في أثنائها». بلغة أخرى، وبالتوازي مع الحكم الانقلابي، بدأ «الإرشاد القومي» يستهدف التأسيس من الصفر، جرياً على إرادية رومنطيقية تجمع بين تطهير التاريخ وتطهير الواقع وقواه الحية.
وفي غضون ذلك، لم يتورع رضوان عن تشبيه العاملين في الحقل الفني والثقافي، ممن تشرف وزارته على عملهم، بـ«حشرات المنازل»، وعن نشر بعض التصورات اللاسامية في أكثر أشكالها بدائية وفظاظة، حيث إن «دُهاة السياسة العالمية الذين هم، في الأغلب الأعم، يهود ذوو أنياب زرقاء يحسنون الدس والوقيعة والتآمر الدولي». وقد توج رضوان حياته السياسية بالتطوع محامياً للدفاع عن أيمن الظواهري، نائب أسامة بن لادن وخليفته.
موضوع الشرعية وثقافتها
تشف سيرة الناصرية، أهم سِيَر الزعامات في المشرق العربي، عن ملمح أساسي في الوطنيات المعهودة، هو تعريها، على ما سبقت الإشارة إليه، من كل آمر عقلاني. وهو ما يدعم فعلياً تحررها من كل مساءلة ديمقراطية تحد من نزوعها إلى الاستبداد. وفي خضم عملية كهذه تحتل رومنطيقية التغلب على الأقدار، بقيادة زعيم مصطفى، موقعها ودورها في صوغ شرعية النظام الذي يُفترض أنه كامل الجدة.
ذاك أن إحدى أبرز وظائف الرومنطيقية في نموذج الزعماء القوميين والاستقلاليين لبلدان «العالم الثالث» في النصف الثاني من القرن العشرين تتصل بموضوع الشرعية وثقافتها. فالزعامات التقليدية، من بورجوازيين وملاكي أراضٍ، ورثوا خليطاً من الأدبيات والإملاءات السياسية للبلدان الاستعمارية والديمقراطية، وعملوا على تطبيقها بقدر من الالتواء والفساد. أما الحكام الجدد، فكان عليهم أن يطوروا نظرية مستمدة انتقائياً من نظريات عدة، تمتد من الفاشية إلى الديمقراطية، قبل أن تتدخل الحاجة الجديدة إلى العلاقة بالاتحاد السوفياتي في ضبط المقادير والنسب لصالح تعظيم حصة «الفلاح» و«العامل» في «الشعب»، وإعادة النظر بالقومية على نحو أشد تصالحاً مع التأويل الطبقي، وأكثر تصادماً مع الإمبرياليات الغربية.
على أنه في هذا الخلط عديم التجانس، راح الحكام الجدد يطبقون النسبية الثقافية قبل عقود على صعودها في الجامعات ومراكز البحث الغربية، تحت عنوان «ما بعد الحداثة». ولئن قاد زعماء المرحلة الأسبق، كأتاتورك ومقلديه العرب، إلى ممانعة مبكرة للعقل والعقلاني أريد تمويهها بإثارة التعبئة الدائمة، فهذا ما تعاظم مع الزعماء الجدد، باستدخالهم هذا القدر أو ذاك من الاشتراكية السوفياتية، فضلاً عن الذهاب -هم أيضاً- خطوات بعيدة في المشهديات البصرية الحادة، وما يرافقها من تعويل على الخطابة بصفتها أداة لممارسة الزعيم سحره على الجماهير.
وفي مصر تحديداً، وبعدما حمل انقلاب 1952 بذور نزعة رومنطيقية صريحة (الزعيم، الذاتية، عفوية المبادرة...)، شهدت حقبة أواسط الخمسينيات نقلة أخرى بدأها «الانتصار» القومي على «العدوان الثلاثي» في 1956 الذي بالغت الرواية الناصرية في تضخيمه وتعميمه، علماً بأنه يملك بذاته مواصفات نموذجية للرواية المضخمة ملحمياً: التغلب على ثلاث دول، اثنتان منها إمبراطوريتان عظميان، فيما الثالثة، وهي «دولة عصابات»، سبق أن تمكنت في أزمنة الانحطاط والغفلة من إلحاق الهزيمة بسبعة أنظمة عربية «فاسدة».
وقبل شهر واحد على تأميم قناة السويس، في يوليو (تموز) من ذاك العام، أجرى النظام الجمهوري استفتاءه الأول حول رئاسة عبد الناصر ودستوره، فنال 99.99 في المائة لرئاسته، و99.98 في المائة لدستوره، مؤكداً صلاحه لقيادة الأمة نحو مغادرة ما قبل التاريخ.
لكن، لئن وجد أتاتورك نفسه مواجَهاً بمسألة الإسلام الذي دمجه في القومية التركية، ثم اتجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائية «العروبة والإسلام»، فإن الزمن السوفياتي وفر للزعيم المصري ثنائية أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القومية والاشتراكية التي تستطيع أن توفر للنظام قاعدة لا تقل عرضاً عما توفره الثنائية الأولى. وبدوره، كان الظرف السياسي ملائماً لرفع الثنائية الثانية إلى موقع متصدر، وإشراكها مع الثنائية الأولى في صياغة الشرعية الجديدة وتمتينها. ذاك أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قد تلقت الضربة القاضية بعد الأخرى، وبدا أن التأميم القومي الناصري للإسلام قد أنجز غرضه، فيما كانت المصالحة الناصرية - السوفياتيّة، بعد خلاف 1959 - 1963، قد استتبعت حل التنظيمات الشيوعية المصرية واستيعابها داخل «الاتحاد الاشتراكي العربي».
وإلى ذلك، فإن هزيمة 1948 أمام إسرائيل أفقدت الجيل الوطني الأسبق وزنه وجاذبيته، لا سيما أنه لم يكن قد طور أي موقف إصلاحي واجتماعي يُعتد به في مواجهة الأنظمة والأوضاع القائمة. فتركيزه شبه الأحادي على العناصر الخارجية (الاستعمار، الأجانب، اليهود...)، وفق وعي قومي أولي مبسط، وصِلته العضوية بالملوك والحكام «الرجعيين» (رؤساء حكومات العراق، وعزيز علي المصري، وساطع الحصري)، فضلاً عن عدم فهمه العلاقات الدولية الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار عالمه الضمني بانهيار النازية الألمانية؛ كل هذا جعله يبدو شريكاً في التسبب بهزيمة 1948، والانتساب -بهذه النسبة أو تلك- إلى ما قبل التاريخ.
وهذا ما أوكل إلى حاملي الثنائية الجديدة (قومية واشتراكية) مهمة إنقاذ أسوأ المراتبيات والسلطويات التي عرفها النظام القديم، بعد إحداث بعض التغيير في تركيبها الطبقي لمصلحة الطبقة الوسطى بسائر شرائحها، على حساب الأعيان التقليديين على اختلافهم. أما البدايات البرلمانية التي دشنها النظام القديم، بعدما أسستها ديمقراطية الانتدابات الأوروبية، فهي أكثر ما عرضه حاملو الثنائية الجديدة للسحق والاستئصال.
هكذا، دُمجت الثنائيتان معاً على نحو زاد الآيديولوجيا الناصرية تشوشاً، كما أمعن في تآكل انسجامها الضئيل، بعد أن ضُرب الممثلون الأصليون لمكوناتها أو دُجنوا. فهناك إسلام محرر من الإخوان المسلمين القابعين في السجون، واشتراكية محررة من الشيوعيين الذين ذاقوا السجون قبل أن يتوبوا بتشجيع سوفياتي، وقومية عربية لم يعد يمثلها القوميون العرب الأوائل المشوبون برواسب العهد القديم. وعلى العموم، فمثلما وُصف إسلام الثنائية الأولى بـ«العربي» (وهو ما جُعل نعتاً إيجابياً، بعدما كان في القاموس الكمالي نقيصة استبعادية)، وُصفت الاشتراكية بـ«العربية» في الثنائية الثانية، بحيث بدت القومية (=العروبة) المصب الذي ينتهي عنده رافدا الإسلام والاشتراكية، من دون أن يُغني ذلك عن زيجات فرعية أخرى، كاعتبار الإسلام اشتراكياً، واعتبار الاشتراكية من تعاليم الإسلام.
وفي خلط ما قد يبدو عصياً على الخلط، أنشئ في مصر «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية» عام 1960؛ أي إبان الوحدة مع سوريا، للتعريف بالإسلام وإحياء تراثه، وصدر المرسوم رقم 57 الذي ضم المساجد الأهلية إلى وزارة الأوقاف. وفي 1961، سنة صدور القوانين الاشتراكية، صدر القانون الذي أسفر عن إلحاق الأزهر برئاسة الجمهورية، وتعيين وزير لإدارة شؤونه، بعدما كان قد جُرد في 1957 من استقلاله المالي بتأميم الأوقاف الخيرية. ثم كان دستور 1964، في ذروة العروبية والاشتراكية، فأُعلن للمرة الأولى أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وتعاظم بالتالي التركيز على بناء المساجد، وإنشاء المحطات الإذاعية الدينية، والتوسع في نشر التراث الديني، وصدر القانون رقم 89 عاهداً إلى الحكومة تعيين الأئمة والعاملين في المساجد الأهلية، فضلاً عن كتابة وزارة الأوقاف خطبَ الجمعة وتوزيعها على خطباء المساجد. وغدت برامج التعليم الديني أكثر تسييساً وتبعية للرؤية العامة التي تحملها الناصرية للمسائل المطروحة.
السلطة حين تقضم الواقع
هنا، لا بد من استبعاد أي تقسيم خطي بسيط يرسم العلاقة بين القومية والدين، خصوصاً في التاريخ العربي الحديث، بصفتها علاقة نفي وتناحر. فهذا ما أنكره، قبل الناصرية، أبرز رموز الدين المسيس الذين عدوا القومية جزءاً من مهمتهم، كما أنكره أبرز الرموز القوميين ممن وسعوا مساحات التقاطع بين العروبة والإسلام. ذاك أن القومية والدين، إذا نظرنا إليهما نظرة جذرية في تأويلها مجردة عن السياق العربي المحدد، يشتركان في تسبيق الفكرة على الواقع، كما يُسبقان الماضي على الحاضر، و«الكرامة» على المصلحة. إنهما، بعبارة أخرى، خطابان ثقافيان قبل أن يكونا أي شيء آخر. وهما، منظوراً إليهما على ضوء تلك المعاني، ينطويان على استعداد رومنطيقي حاد ثقيل سبق تناوله في الفصل الأول. وهذا، بطبيعة الحال، لا يلغي الصراعات الحادة بينهما التي عرف عرب المشرق كثيراً منها، لا سيما منها النزاع الناصري والبعثي مع الإخوان المسلمين، إلا أنه يُدرج تلك الصراعات في خانة لا تبعد كثيراً عن خانة النزاع على السلطة فيما بين القوميين أنفسهم (الناصرية والبعث، والاثنان وحركة «فتح» الفلسطينية)، أو خانة النزاع فيما بين الإسلاميين (الإخوان والسلفيين مثلاً، كي لا نذكر الإسلاميتين السنية والشيعية).
ومع هذا، فإن المطابقة بين الدين والقومية تسيء، فضلاً عما تنطوي عليه من خطأ معرفي، إلى الاثنين، إذ تمعن في تسييس الأول، بما يستبعد مئات الملايين من المسلمين غير العرب، إمعانها في تديين الثانية، بما يستبعد بضعة ملايين من العرب غير المسلمين، جاعلاً طردهم إلى خارج السياسة ممكناً. وكنا قد لاحظنا في وقت لاحق، في التسعينيات، وبذريعة إنشاء جبهات مناهضة للإمبريالية، كيف ازدادت هذه الثنائية انحطاطاً من خلال المقولة البائسة عن «الأمة العربية الإسلامية» التي تُعمي عن كل معرفة وكل واقع.
أما الثنائية الأخرى، وإن لم يقتصر الأخذ بها على التجربة الناصرية وشقيقاتها العربية، على ما سوف نعود لاحقاً إليه، فتنطوي على تناقض أفدح مصدره توهم التغلب الإرادي على خلاف فلسفي بالغ العمق بين القومية بصفتها نظرية للجمع والتوحيد قفزاً فوق تباينات الواقع، والاشتراكية بصفتها نظرية للتفريق و«الصراع» استناداً إلى مقدمات طبقية. وهذا فضلاً عن صعوبة ربط القومية بمقدمات تنويرية مقابل السهولة النسبية لربط الاشتراكية بها.
على أن هاتين الثنائيتين المدمجتين للقومية والإسلام، والقومية والاشتراكية، وإن وفرتا لصاحبهما نوعاً من الاطمئنان السعيد، وتوهم السيطرة على الدنيا، ضاعفتا تمكين الوعي الرومنطيقي، ليس فقط بتوسيعهما المسافة الفاصلة عن الواقع، بل أيضاً بتأسيسهما استحالة فعلية في رؤية الواقع. أما فهم الاستحالة هذه فينبع من وضع الواقع في موضع النقيض للأولوية المطلقة الجديدة الحاجبة له: اكتساب شروط الحد الأقصى لبلوغ السلطة، والبقاء فيها أطول مدة ممكنة، والتخلص تالياً من الخصوم والخصوم المحتملين؛ أي إزالة مَن لا تكتمل من دونهم حقيقة الواقع الذي يغدو، والحال هذه، مطابقاً مساوياً لزعامة الزعيم.
على أي حال، بقي العنصر الرومنطيقي حاداً في الخطاب الناصري على تقلباته، وإن ازداد حدة منذ 1956، خصوصاً منذ الوحدة مع سوريا في 1958، أتعلقَ ذلك بثنائية «العروبة والإسلام» أو بثنائية «القومية والاشتراكية».
والمشكلة، وفقاً ليونس، أن النظام الذي أقامه انقلاب يوليو (تموز) «يملك النوايا، ولكن لا يملك الوجهة أو الخطة». ويستخدم يونس في وصف العملية هذه ما يعين بالضبط العفوية الرومنطيقية للانقلاب والانقلابيين. ذاك أن الضباط أتوا بصفتهم «أنبياء أرسلهم (اسم الشعب) ليقيموا في ساحة المعبد التي أخلوها على شرفه (مجتمع المؤمنين)... لكنهم لم يتلقوا كتاباً، بل سمعوا نداء فحسب تحركوا بموجبه».
لكن عبد الناصر والمقربين منه أنفسهم لم يتفوهوا بما هو أقل رومنطيقية. فمع قيام «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958، رأى الصحافي أحمد بهاء الدين، المقرب من الزعيم المصري، أنها دعوة، وليست مجرد دولة، فيما عبد الناصر، في خطاب له في مجلس الأمة عامذاك، تجاوز كل حد في انتهاك المعاني والحقائق، معتبراً أن الوحدة مع سوريا تدخل «ضمن محاولات الوحدة في المنطقة (التي) لم تتوقف منذ أربعة آلاف سنة طلباً للقوة»، وبالمعنى نفسه: «دُبرت المؤامرات ضد القومية العربية من أجل تفتيتها منذ مئات السنين». وحينما استقبل الزعيم المصري استقبالاً جماهيرياً كبيراً في سوريا، تأكد للصحافي محمد حسنين هيكل «أن هذه الأمة كانت تبحث عن (بطل). فلما عثرت عليه... تفجرت المشاعر المكبوتة في أعماقها منذ قرون طويلة... لقد أحسستُ في دمشق أن كل سجل جمال عبد الناصر من الأعمال لم يكن... انتصارات وطنية فحسب، وإنما كانت هذه كلها في مشاعر الأمة العربية (إشارات). إشارات معناها أن اليوم قد جاء، وأن (البطل) قد ظهر».
لكن بعد عامين، ومن اللاذقية، خاطب عبد الناصر السوريين المنفعلين بأن «قوتكم أيها الإخوة المواطنون إنما تظهر من انفعالكم الدائم».
وفي 1959 و1960، ساد الكلام الرسمي عن «اشتراكية القرية» و«ديمقراطية المصطبة»، فيما «الشعب»، وفقاً لأحد قادة انقلاب يوليو (تموز)، كمال الدين حسين، هم «رفقاء المصطبة والدوار ورواد المندرة»، و«الديمقراطية الحقيقية هي التقاء أبناء الشعب نفسه على المصاطب أو مضايف القرية أو أندية المدينة، كما يلتقي كل ذي أهل بأهله».
ولئن تشكلت أعمدة الآيديولوجيا الناصرية من مفاهيم «الدعوة» و«الزحف» و«المجد»، فهذا لم يحل دون اجتهادات في الاشتراكية، كأن يستعيد أنور السادات عام 1964 «النظرية القروية في الاشتراكية» التي لازمت انقلاب يوليو (تموز) منذ أيامه الأولى، مؤكداً أن «اشتراكيتنا... يجب ألا يتبادر إلى الذهن أبداً أنها اشتراكية مادية... نشأت الاشتراكية أول ما نشأت في القرية على أصول راسخة من الدين والإيمان (...) أما (العلمية) في هذه الاشتراكية... فليست إلا تنظيم وتخطيط هذه المشاركة البدائية، بحيث نستطيع أن نحقق لمجتمعنا أعظم فائدة ممكنة حسبما أنتج العلم... فمثلاً نستطيع أن نستبدل المحراث البدائي بماكينة حرث».
وعلى هذا النحو، وعلى مدى زمني يمتد منذ 1952، وتتخلله هزيمة 1967 المطنطنة، أجاز الموقف الوطني والقومي، بصفته ما يساوي العداء للغرب، ويحض على طلب القوة، قدراً من امتهان العقل والحرية والواقع في وقت واحد.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

 


مقالات ذات صلة

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.


المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل
TT

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً - ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.


الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.