الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
TT

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)

يتناول حازم صاغية، في هذه الحلقة الثالثة من كتابه «رومنطيقيّو المشرق العربيّ»، ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة»، فيقول إن أتاتورك دمج مسألة الإسلام في القوميّة التركيّة، بينما اتّجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائيّة «العروبة والإسلام». لكنه يضيف أن الزمن السوفياتي وفّر للزعيم المصري ثنائيّة أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القوميّة والاشتراكيّة التي تستطيع أن توفّر للنظام قاعدة لا تقلّ عرضاً عمّا توفّره الثنائيّة الأولى.
ويرى صاغية أيضاً أن سيرة الناصريّة، أهمّ سِيَر الزعامات في المشرق العربيّ، تشفّ عن ملمح أساسي في الوطنيّات المعهودة، هو «تعرّيها من كلّ آمر عقلانيّ؛ وهو ما يدعم فعليّاً تحرّرها من كلّ مساءلة ديمقراطيّة تحدّ من نزوعها إلى الاستبداد».

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي سيصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت «صناعة الموت» ودورها التأسيسي.
ربما كانت سيرة المناضل الكاتب المصري فتحي رضوان الأدق تمثيلاً لثقافة النظام الناصري في تكامل أدوارها ووجوهها، وبالتالي لانطوائها على استمرارية وطنية تحاول أن تبرر تهافتها وانقطاعاتها، كما تبرر مصادرة الحقيقة والتمثيل الشعبي انطلاقاً من فشل سياسي جلي.
فرضوان، بحسب غيرشوني وجانكوفسكي اللذين درسا مصر الثلاثينات والأربعينات كان أحد أولئك المثقفين والدعويين الشبان الذين تفرعوا عن الأفندية الجدد، وكانوا يرسمون لمصر صورة تتعدى حدود الوطن المصري. وفي مباشرتهم بروزهم العام في الثلاثينيات، كانت لهم مساهمة أساسية في التشكل الفكري للمفاهيم الدمجية ضمن سياق مصري.
ولئن تقرب هو أيضاً من عزيز علي المصري، فقد شارك أحمد حسين في تأسيس «مصر الفتاة» عام 1933، وكانت له حينذاك آراء في التعليم والتربية لا تبتعد كثيراً عن آراء زميله العراقي سامي شوكة؛ ذاك أنه ينبغي استلهام التعليم في مصر من «روح قوية»، وجعل ذاك التعليم يدمج فيه «أخلاقاً قوية»، كأن تتحلى الشبيبة بـ«النظام والطاعة والسيطرة على النفس وتحمل الشدائد». وهو لم يكتم كرهه المبكر للنظام البرلماني الذي «يمنع العمل ويعيقه، ويحول الوطن إلى خشبة للخطابة والمسرحيات، فالناس يجوعون بينما النواب يتباهون بالبلاغة، والبلد مهدد بالخطر من الداخل والخارج، ومع هذا فإن محاضر جلسات المجلس لا تتضمن إلا الجدالات الفارغة». ولم تختلف كثيراً عن هذه الحجج حجج انقلاب 1952 في تعطيلها المؤسسات الدستورية وحلها الأحزاب.
على أن رضوان انشق عن «مصر الفتاة»، لينضم إلى «الحزب الوطني»، ثم انشق عنه أيضاً ليؤسس حزباً ضئيل الوزن والأهمية سماه «الحزب الوطني الجديد». ولئن اعتقلته القوات البريطانية غير مرة، كما اعتُقل بعد حريق القاهرة في 26 يناير (كانون الثاني) 1952، فقد أفرج عنه الانقلابيون، وحملوه معهم إلى الوزارة، علماً بأنه كان قد فشل مرتين في الحصول على مقعد نيابي. فهو بالتالي «لا يستطيع بجهوده أن يحصل على أصوات دائرة (انتخابية) واحدة. فكان سنده الوحيد هو ثقة الضباط في ولائه لهم، واشتراكه معهم في الكراهية العميقة للأحزاب البرلمانية القديمة»، وفقاً لشريف يونس. هكذا، شغل رضوان وزارة الإرشاد القومي التي يقول بلسانه هو نفسه إنه من أسسها. وفي الحالات جميعاً، كان المدني الوحيد الذي يتولاها لمدة طويلة، حتى بات أقرب ما يكون إلى جدانوف الناصرية، كما تولى وزارات ومسؤوليات أخرى في السلطة، منها العضوية في المجلس الأعلى لـ«هيئة التحرير».
وفي دراسة يونس عن الحياة الثقافية والفكرية في مصر الناصرية، يتوقف عند رضوان بصفته «شخصية فاعلة رئيسية» في الخمسينيات. فالسياسات التدخلية التي أرساها في أثناء توليه وزارة الإرشاد القومي استمرت بعده، وكان من تلك النظريات التي كافحت السياسة التدخلية لإحلالها ما قاله في أواخر 1955 عن ضرورة «حماية عقل الشعب وروحه»، أو في أواسط 1956 من أن «الثورة لها أهداف روحية تتطلب توجيه الثقافة القومية وتخليصها من الشوائب التي بثها الاستعمار (في الثقافة)». وبالطبع، كما يضيف الكاتب، كان فتحي رضوان «من الرواد في اتهام المثقفين السابقين على عهده»، فلم ينج طه حسين وأحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد من وصمة «خدمة الاحتلال لتحصيل القوت». وهو، إلى هذا، كان من رموز التيار المسمى «شخصيتنا» القومية والدينية في الحياة الثقافية، حتى أنه رفض تصوير فيلم سينمائي عن خالد بن الوليد لأنه «يتعرض لفترة ما قبل إسلامه وسلوكه في أثنائها». بلغة أخرى، وبالتوازي مع الحكم الانقلابي، بدأ «الإرشاد القومي» يستهدف التأسيس من الصفر، جرياً على إرادية رومنطيقية تجمع بين تطهير التاريخ وتطهير الواقع وقواه الحية.
وفي غضون ذلك، لم يتورع رضوان عن تشبيه العاملين في الحقل الفني والثقافي، ممن تشرف وزارته على عملهم، بـ«حشرات المنازل»، وعن نشر بعض التصورات اللاسامية في أكثر أشكالها بدائية وفظاظة، حيث إن «دُهاة السياسة العالمية الذين هم، في الأغلب الأعم، يهود ذوو أنياب زرقاء يحسنون الدس والوقيعة والتآمر الدولي». وقد توج رضوان حياته السياسية بالتطوع محامياً للدفاع عن أيمن الظواهري، نائب أسامة بن لادن وخليفته.
موضوع الشرعية وثقافتها
تشف سيرة الناصرية، أهم سِيَر الزعامات في المشرق العربي، عن ملمح أساسي في الوطنيات المعهودة، هو تعريها، على ما سبقت الإشارة إليه، من كل آمر عقلاني. وهو ما يدعم فعلياً تحررها من كل مساءلة ديمقراطية تحد من نزوعها إلى الاستبداد. وفي خضم عملية كهذه تحتل رومنطيقية التغلب على الأقدار، بقيادة زعيم مصطفى، موقعها ودورها في صوغ شرعية النظام الذي يُفترض أنه كامل الجدة.
ذاك أن إحدى أبرز وظائف الرومنطيقية في نموذج الزعماء القوميين والاستقلاليين لبلدان «العالم الثالث» في النصف الثاني من القرن العشرين تتصل بموضوع الشرعية وثقافتها. فالزعامات التقليدية، من بورجوازيين وملاكي أراضٍ، ورثوا خليطاً من الأدبيات والإملاءات السياسية للبلدان الاستعمارية والديمقراطية، وعملوا على تطبيقها بقدر من الالتواء والفساد. أما الحكام الجدد، فكان عليهم أن يطوروا نظرية مستمدة انتقائياً من نظريات عدة، تمتد من الفاشية إلى الديمقراطية، قبل أن تتدخل الحاجة الجديدة إلى العلاقة بالاتحاد السوفياتي في ضبط المقادير والنسب لصالح تعظيم حصة «الفلاح» و«العامل» في «الشعب»، وإعادة النظر بالقومية على نحو أشد تصالحاً مع التأويل الطبقي، وأكثر تصادماً مع الإمبرياليات الغربية.
على أنه في هذا الخلط عديم التجانس، راح الحكام الجدد يطبقون النسبية الثقافية قبل عقود على صعودها في الجامعات ومراكز البحث الغربية، تحت عنوان «ما بعد الحداثة». ولئن قاد زعماء المرحلة الأسبق، كأتاتورك ومقلديه العرب، إلى ممانعة مبكرة للعقل والعقلاني أريد تمويهها بإثارة التعبئة الدائمة، فهذا ما تعاظم مع الزعماء الجدد، باستدخالهم هذا القدر أو ذاك من الاشتراكية السوفياتية، فضلاً عن الذهاب -هم أيضاً- خطوات بعيدة في المشهديات البصرية الحادة، وما يرافقها من تعويل على الخطابة بصفتها أداة لممارسة الزعيم سحره على الجماهير.
وفي مصر تحديداً، وبعدما حمل انقلاب 1952 بذور نزعة رومنطيقية صريحة (الزعيم، الذاتية، عفوية المبادرة...)، شهدت حقبة أواسط الخمسينيات نقلة أخرى بدأها «الانتصار» القومي على «العدوان الثلاثي» في 1956 الذي بالغت الرواية الناصرية في تضخيمه وتعميمه، علماً بأنه يملك بذاته مواصفات نموذجية للرواية المضخمة ملحمياً: التغلب على ثلاث دول، اثنتان منها إمبراطوريتان عظميان، فيما الثالثة، وهي «دولة عصابات»، سبق أن تمكنت في أزمنة الانحطاط والغفلة من إلحاق الهزيمة بسبعة أنظمة عربية «فاسدة».
وقبل شهر واحد على تأميم قناة السويس، في يوليو (تموز) من ذاك العام، أجرى النظام الجمهوري استفتاءه الأول حول رئاسة عبد الناصر ودستوره، فنال 99.99 في المائة لرئاسته، و99.98 في المائة لدستوره، مؤكداً صلاحه لقيادة الأمة نحو مغادرة ما قبل التاريخ.
لكن، لئن وجد أتاتورك نفسه مواجَهاً بمسألة الإسلام الذي دمجه في القومية التركية، ثم اتجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائية «العروبة والإسلام»، فإن الزمن السوفياتي وفر للزعيم المصري ثنائية أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القومية والاشتراكية التي تستطيع أن توفر للنظام قاعدة لا تقل عرضاً عما توفره الثنائية الأولى. وبدوره، كان الظرف السياسي ملائماً لرفع الثنائية الثانية إلى موقع متصدر، وإشراكها مع الثنائية الأولى في صياغة الشرعية الجديدة وتمتينها. ذاك أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قد تلقت الضربة القاضية بعد الأخرى، وبدا أن التأميم القومي الناصري للإسلام قد أنجز غرضه، فيما كانت المصالحة الناصرية - السوفياتيّة، بعد خلاف 1959 - 1963، قد استتبعت حل التنظيمات الشيوعية المصرية واستيعابها داخل «الاتحاد الاشتراكي العربي».
وإلى ذلك، فإن هزيمة 1948 أمام إسرائيل أفقدت الجيل الوطني الأسبق وزنه وجاذبيته، لا سيما أنه لم يكن قد طور أي موقف إصلاحي واجتماعي يُعتد به في مواجهة الأنظمة والأوضاع القائمة. فتركيزه شبه الأحادي على العناصر الخارجية (الاستعمار، الأجانب، اليهود...)، وفق وعي قومي أولي مبسط، وصِلته العضوية بالملوك والحكام «الرجعيين» (رؤساء حكومات العراق، وعزيز علي المصري، وساطع الحصري)، فضلاً عن عدم فهمه العلاقات الدولية الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار عالمه الضمني بانهيار النازية الألمانية؛ كل هذا جعله يبدو شريكاً في التسبب بهزيمة 1948، والانتساب -بهذه النسبة أو تلك- إلى ما قبل التاريخ.
وهذا ما أوكل إلى حاملي الثنائية الجديدة (قومية واشتراكية) مهمة إنقاذ أسوأ المراتبيات والسلطويات التي عرفها النظام القديم، بعد إحداث بعض التغيير في تركيبها الطبقي لمصلحة الطبقة الوسطى بسائر شرائحها، على حساب الأعيان التقليديين على اختلافهم. أما البدايات البرلمانية التي دشنها النظام القديم، بعدما أسستها ديمقراطية الانتدابات الأوروبية، فهي أكثر ما عرضه حاملو الثنائية الجديدة للسحق والاستئصال.
هكذا، دُمجت الثنائيتان معاً على نحو زاد الآيديولوجيا الناصرية تشوشاً، كما أمعن في تآكل انسجامها الضئيل، بعد أن ضُرب الممثلون الأصليون لمكوناتها أو دُجنوا. فهناك إسلام محرر من الإخوان المسلمين القابعين في السجون، واشتراكية محررة من الشيوعيين الذين ذاقوا السجون قبل أن يتوبوا بتشجيع سوفياتي، وقومية عربية لم يعد يمثلها القوميون العرب الأوائل المشوبون برواسب العهد القديم. وعلى العموم، فمثلما وُصف إسلام الثنائية الأولى بـ«العربي» (وهو ما جُعل نعتاً إيجابياً، بعدما كان في القاموس الكمالي نقيصة استبعادية)، وُصفت الاشتراكية بـ«العربية» في الثنائية الثانية، بحيث بدت القومية (=العروبة) المصب الذي ينتهي عنده رافدا الإسلام والاشتراكية، من دون أن يُغني ذلك عن زيجات فرعية أخرى، كاعتبار الإسلام اشتراكياً، واعتبار الاشتراكية من تعاليم الإسلام.
وفي خلط ما قد يبدو عصياً على الخلط، أنشئ في مصر «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية» عام 1960؛ أي إبان الوحدة مع سوريا، للتعريف بالإسلام وإحياء تراثه، وصدر المرسوم رقم 57 الذي ضم المساجد الأهلية إلى وزارة الأوقاف. وفي 1961، سنة صدور القوانين الاشتراكية، صدر القانون الذي أسفر عن إلحاق الأزهر برئاسة الجمهورية، وتعيين وزير لإدارة شؤونه، بعدما كان قد جُرد في 1957 من استقلاله المالي بتأميم الأوقاف الخيرية. ثم كان دستور 1964، في ذروة العروبية والاشتراكية، فأُعلن للمرة الأولى أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وتعاظم بالتالي التركيز على بناء المساجد، وإنشاء المحطات الإذاعية الدينية، والتوسع في نشر التراث الديني، وصدر القانون رقم 89 عاهداً إلى الحكومة تعيين الأئمة والعاملين في المساجد الأهلية، فضلاً عن كتابة وزارة الأوقاف خطبَ الجمعة وتوزيعها على خطباء المساجد. وغدت برامج التعليم الديني أكثر تسييساً وتبعية للرؤية العامة التي تحملها الناصرية للمسائل المطروحة.
السلطة حين تقضم الواقع
هنا، لا بد من استبعاد أي تقسيم خطي بسيط يرسم العلاقة بين القومية والدين، خصوصاً في التاريخ العربي الحديث، بصفتها علاقة نفي وتناحر. فهذا ما أنكره، قبل الناصرية، أبرز رموز الدين المسيس الذين عدوا القومية جزءاً من مهمتهم، كما أنكره أبرز الرموز القوميين ممن وسعوا مساحات التقاطع بين العروبة والإسلام. ذاك أن القومية والدين، إذا نظرنا إليهما نظرة جذرية في تأويلها مجردة عن السياق العربي المحدد، يشتركان في تسبيق الفكرة على الواقع، كما يُسبقان الماضي على الحاضر، و«الكرامة» على المصلحة. إنهما، بعبارة أخرى، خطابان ثقافيان قبل أن يكونا أي شيء آخر. وهما، منظوراً إليهما على ضوء تلك المعاني، ينطويان على استعداد رومنطيقي حاد ثقيل سبق تناوله في الفصل الأول. وهذا، بطبيعة الحال، لا يلغي الصراعات الحادة بينهما التي عرف عرب المشرق كثيراً منها، لا سيما منها النزاع الناصري والبعثي مع الإخوان المسلمين، إلا أنه يُدرج تلك الصراعات في خانة لا تبعد كثيراً عن خانة النزاع على السلطة فيما بين القوميين أنفسهم (الناصرية والبعث، والاثنان وحركة «فتح» الفلسطينية)، أو خانة النزاع فيما بين الإسلاميين (الإخوان والسلفيين مثلاً، كي لا نذكر الإسلاميتين السنية والشيعية).
ومع هذا، فإن المطابقة بين الدين والقومية تسيء، فضلاً عما تنطوي عليه من خطأ معرفي، إلى الاثنين، إذ تمعن في تسييس الأول، بما يستبعد مئات الملايين من المسلمين غير العرب، إمعانها في تديين الثانية، بما يستبعد بضعة ملايين من العرب غير المسلمين، جاعلاً طردهم إلى خارج السياسة ممكناً. وكنا قد لاحظنا في وقت لاحق، في التسعينيات، وبذريعة إنشاء جبهات مناهضة للإمبريالية، كيف ازدادت هذه الثنائية انحطاطاً من خلال المقولة البائسة عن «الأمة العربية الإسلامية» التي تُعمي عن كل معرفة وكل واقع.
أما الثنائية الأخرى، وإن لم يقتصر الأخذ بها على التجربة الناصرية وشقيقاتها العربية، على ما سوف نعود لاحقاً إليه، فتنطوي على تناقض أفدح مصدره توهم التغلب الإرادي على خلاف فلسفي بالغ العمق بين القومية بصفتها نظرية للجمع والتوحيد قفزاً فوق تباينات الواقع، والاشتراكية بصفتها نظرية للتفريق و«الصراع» استناداً إلى مقدمات طبقية. وهذا فضلاً عن صعوبة ربط القومية بمقدمات تنويرية مقابل السهولة النسبية لربط الاشتراكية بها.
على أن هاتين الثنائيتين المدمجتين للقومية والإسلام، والقومية والاشتراكية، وإن وفرتا لصاحبهما نوعاً من الاطمئنان السعيد، وتوهم السيطرة على الدنيا، ضاعفتا تمكين الوعي الرومنطيقي، ليس فقط بتوسيعهما المسافة الفاصلة عن الواقع، بل أيضاً بتأسيسهما استحالة فعلية في رؤية الواقع. أما فهم الاستحالة هذه فينبع من وضع الواقع في موضع النقيض للأولوية المطلقة الجديدة الحاجبة له: اكتساب شروط الحد الأقصى لبلوغ السلطة، والبقاء فيها أطول مدة ممكنة، والتخلص تالياً من الخصوم والخصوم المحتملين؛ أي إزالة مَن لا تكتمل من دونهم حقيقة الواقع الذي يغدو، والحال هذه، مطابقاً مساوياً لزعامة الزعيم.
على أي حال، بقي العنصر الرومنطيقي حاداً في الخطاب الناصري على تقلباته، وإن ازداد حدة منذ 1956، خصوصاً منذ الوحدة مع سوريا في 1958، أتعلقَ ذلك بثنائية «العروبة والإسلام» أو بثنائية «القومية والاشتراكية».
والمشكلة، وفقاً ليونس، أن النظام الذي أقامه انقلاب يوليو (تموز) «يملك النوايا، ولكن لا يملك الوجهة أو الخطة». ويستخدم يونس في وصف العملية هذه ما يعين بالضبط العفوية الرومنطيقية للانقلاب والانقلابيين. ذاك أن الضباط أتوا بصفتهم «أنبياء أرسلهم (اسم الشعب) ليقيموا في ساحة المعبد التي أخلوها على شرفه (مجتمع المؤمنين)... لكنهم لم يتلقوا كتاباً، بل سمعوا نداء فحسب تحركوا بموجبه».
لكن عبد الناصر والمقربين منه أنفسهم لم يتفوهوا بما هو أقل رومنطيقية. فمع قيام «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958، رأى الصحافي أحمد بهاء الدين، المقرب من الزعيم المصري، أنها دعوة، وليست مجرد دولة، فيما عبد الناصر، في خطاب له في مجلس الأمة عامذاك، تجاوز كل حد في انتهاك المعاني والحقائق، معتبراً أن الوحدة مع سوريا تدخل «ضمن محاولات الوحدة في المنطقة (التي) لم تتوقف منذ أربعة آلاف سنة طلباً للقوة»، وبالمعنى نفسه: «دُبرت المؤامرات ضد القومية العربية من أجل تفتيتها منذ مئات السنين». وحينما استقبل الزعيم المصري استقبالاً جماهيرياً كبيراً في سوريا، تأكد للصحافي محمد حسنين هيكل «أن هذه الأمة كانت تبحث عن (بطل). فلما عثرت عليه... تفجرت المشاعر المكبوتة في أعماقها منذ قرون طويلة... لقد أحسستُ في دمشق أن كل سجل جمال عبد الناصر من الأعمال لم يكن... انتصارات وطنية فحسب، وإنما كانت هذه كلها في مشاعر الأمة العربية (إشارات). إشارات معناها أن اليوم قد جاء، وأن (البطل) قد ظهر».
لكن بعد عامين، ومن اللاذقية، خاطب عبد الناصر السوريين المنفعلين بأن «قوتكم أيها الإخوة المواطنون إنما تظهر من انفعالكم الدائم».
وفي 1959 و1960، ساد الكلام الرسمي عن «اشتراكية القرية» و«ديمقراطية المصطبة»، فيما «الشعب»، وفقاً لأحد قادة انقلاب يوليو (تموز)، كمال الدين حسين، هم «رفقاء المصطبة والدوار ورواد المندرة»، و«الديمقراطية الحقيقية هي التقاء أبناء الشعب نفسه على المصاطب أو مضايف القرية أو أندية المدينة، كما يلتقي كل ذي أهل بأهله».
ولئن تشكلت أعمدة الآيديولوجيا الناصرية من مفاهيم «الدعوة» و«الزحف» و«المجد»، فهذا لم يحل دون اجتهادات في الاشتراكية، كأن يستعيد أنور السادات عام 1964 «النظرية القروية في الاشتراكية» التي لازمت انقلاب يوليو (تموز) منذ أيامه الأولى، مؤكداً أن «اشتراكيتنا... يجب ألا يتبادر إلى الذهن أبداً أنها اشتراكية مادية... نشأت الاشتراكية أول ما نشأت في القرية على أصول راسخة من الدين والإيمان (...) أما (العلمية) في هذه الاشتراكية... فليست إلا تنظيم وتخطيط هذه المشاركة البدائية، بحيث نستطيع أن نحقق لمجتمعنا أعظم فائدة ممكنة حسبما أنتج العلم... فمثلاً نستطيع أن نستبدل المحراث البدائي بماكينة حرث».
وعلى هذا النحو، وعلى مدى زمني يمتد منذ 1952، وتتخلله هزيمة 1967 المطنطنة، أجاز الموقف الوطني والقومي، بصفته ما يساوي العداء للغرب، ويحض على طلب القوة، قدراً من امتهان العقل والحرية والواقع في وقت واحد.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

 


مقالات ذات صلة

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.