السيسي لـ «الشرق الأوسط»: أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج * الأزمة اليمنية لم تأخذ منا الاهتمام الكافي.. وسأبحث في الرياض حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب

الرئيس المصري: بلادنا لن تنسى مواقف الملك سلمان المشرفة منذ أن تطوع في الجيش المصري أثناء حرب العدوان الثلاثي.. و{مسافة السكة} لم تتغير

الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط})   (تصوير: فادي فارس)
الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط}) (تصوير: فادي فارس)
TT

السيسي لـ «الشرق الأوسط»: أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج * الأزمة اليمنية لم تأخذ منا الاهتمام الكافي.. وسأبحث في الرياض حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب

الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط})   (تصوير: فادي فارس)
الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط}) (تصوير: فادي فارس)

أمام مكتب تعلوه لوحة مزينة بآية «إن ينصركم الله فلا غالب لكم»، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صحيفة «الشرق الأوسط». جدول الرئيس كان مزدحما للغاية يوم إجراء الحوار (أول من أمس الخميس). استقبل قبل الحوار مجموعة من المستثمرين الأجانب. وبعد الحوار مباشرة استقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
كان مقررا أن يستغرق الحوار مع «الشرق الأوسط» ساعة واحدة، إلا أن الرئيس استمر في حواره لأكثر من ساعة ونصف الساعة. كان لافتا أن مكتب الرئيس المصري لم يطلب أي أسئلة أو محاور قبل اللقاء. استمع لكافة الأسئلة ولم يتحفظ أو يرفض الإجابة عن أي منها. أيضا كان لافتا عدم السماح بتسجيل الحوار، والاكتفاء بكتابته فورا ومباشرة، وهو أمر يعرف الصحافيون أنه مرهق كثيرا لحوار طويل ومهم، إلا أنه من جانب آخر يشير إلى الانفتاح الإعلامي الذي ينتهجه الرئيس المصري.
خمس دقائق فقط استغرق وصولي من بوابة القصر الجمهوري في مصر الجديدة إلى الصالة التي انتظرت فيها قليلا قبل دخولي على الرئيس. إجراءات أمنية عادية عند دخولي القصر. لم يُسمح لي بإدخال الهاتف الجوال والآيباد، والذي كان يحتوي على الأسئلة المعدة مسبقا، غير أن الزميل السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية، أنقذني بطباعة الأسئلة من إيميلي الشخصي. لا بد من الورق وإن حضرت التقنية.
بين حين وآخر وخلال الحوار، حرص الرئيس على توضيح بعض القضايا، مع تأكيده على أنها ليست للنشر ولكنها للتوضيح فقط. وأسهب في شرح تفاصيل يحلم بنشرها أي صحافي، إلا أن ثقة الرئيس بصحيفة «الشرق الأوسط»، وتكراره أنها تقف مع مصر بغض النظر عمن يحكمها، لن يسمح باستخدام أي من تلك المعلومات للنشر، على الرغم من كونها خلفيات مهمة لفهم العديد من القضايا المحورية.
وجاء لقاؤنا مع الرئيس السيسي قبل توجهه إلى السعودية غدا للقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وكبار المسؤولين السعوديين، في قمة سعودية - مصرية من شأنها بحث هذه القضايا الجوهرية.
ويحرص السيسي على التشاور مع القيادة السعودية قبل انطلاق شهر من المحطات السياسية المهمة في مصر الشهر المقبل؛ إذ يعقد مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ بين يومي 13 و15 مارس (آذار) المقبل، وبعده تعقد القمة العربية نهاية الشهر. كما أنه من المرتقب أن تختتم مصر «خريطة المستقبل» بإجراء انتخابات نيابية ترسخ العملية السياسية في البلاد. وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار مع الرئيس السيسي:

* بعد 8 أشهر من انتخابه رئيسا لمصر، ووعده بتحقيق الحرية والعدالة، أين وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وعده هذا؟
- رحلة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ممتدة حتى تتحقق، لأن مراحلها كبيرة في بلد تعداد سكانه 90 مليون نسمة. ولعل السؤال هنا: هل الإرادة الشعبية تصب في كل هذه المطالب لتحقيقها؟ وإجابتي: إنني أقدّر كثيرا الشعب المصري وأتمنى أن أفعل كل شيء للمصريين، وبما يتناسب وتطلعاتهم وطموحاتهم وبما يضمن حصول كل مواطن على كامل حقوقه.
* إذن ما الذي تحقق في الفترة الماضية؟
- أستطيع القول إن مصر مرت بحالة ثورة خلال 4 سنوات ماضية، إلا أن الشعب المصري واع جدا ويقظ جدا ويتطلع إلى الأفضل دائما، وبالتالي لا بد أن نعترف أننا سنأخذ وقتا في ذلك، لكننا قمنا أولا بالحفاظ على دولة المؤسسات ودعمها، بعد أن تعرضت لهزة كبيرة على مدار ثورتي 25 يناير و30 يونيو. وبالتالي كان لا بد أن تستعيد مكانتها وأن نقوم بتحسين أداء الدولة. وإدارة دولة مثل مصر بحاجة لتوازنات وأولويات حتى تستقر كل الأوضاع. خذ مثلا قضية صحافيي قناة «الجزيرة»، لا يوجد مسؤول في الدولة يريد أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ولأننا نحترم القضاء أولا وسلطته كذلك، فكان لا بد أن ننتظر حتى يقول القضاء كلمته وبعد ذلك أستخدم صلاحياتي لإنهاء الموضوع، لأن صلاحياتي تبدأ بعد انتهاء المحاكمة وليس خلالها.
* هل يمكن أن نحدد ما هي أهم إنجازات الرئيس خلال الثمانية أشهر الماضية؟
- ما قمنا به خلال ثمانية أشهر ليس بالقليل، لدينا مثال في مشروع قناة السويس الجديدة مفترض أن يستغرق تقريبا 5 سنوات، ولكننا وعدنا بتنفيذه خلال عام وسوف يفتتح في شهر أغسطس (آب) المقبل. وهذا العمل يعزز قدرة مصر كشريك للتجارة العالمية من خلال قناة السويس. المثال الثاني: العمل على إنشاء شبكة قومية للطرق بطول 3600 كيلومتر والانتهاء منها أيضا خلال شهر أغسطس المقبل مع رفع أداء شبكة الطرق القديمة. ثالثا: وضعنا خريطة إدارية للمحافظات يمكن من خلالها إضافة أراض جديدة بواجهة صحراوية وواجهة أخرى على الشواطئ، وهو ما يسمح بزيادة القدرة الاستثمارية للمحافظات وتوسيع مساحتها. حتى أزمة الكهرباء استطعنا التخفيف من حدتها بإضافة 360 ميغاوات على الشبكة. ونقوم حاليا بعمل دراسات دقيقة لزراعة 4 ملايين فدان والبداية ستكون بمليون فدان، وفي الوقت نفسه نعمل على توفير البنية الأساسية والخدمات الخاصة بهذه المساحة، وكذلك تطوير الموانئ البحرية الرئيسية مثل موانئ دمياط والسويس والبحر الأحمر وبورسعيد. كل هذه الخطوات والإجراءات تمت خلال الأشهر الثمانية الماضية، ونحن حاليا في طريقنا لإنجاز كل ما تحتاجه التنمية في مصر، وسوف يكون المؤتمر الاقتصادي الذي سيقام الشهر المقبل في شرم الشيخ، فرصة لعرض عدة مشاريع حيوية واستراتيجية تنعكس بالإيجاب على الاقتصاد المصري. وسوف نعلن عن قانون الاستثمار الموحد واتباع نموذج «الشباك الواحد» للتيسير على المستثمرين، فضلا عن تسوية الأزمات التي كانت تحدث مع المستثمرين والتي نعترف أنها أفقدتهم جزءا من الثقة، كما نقوم بعمل ذلك مع المستثمرين على المستوى المحلي والعربي والدولي. ويجب ألا ننسى أن الأربعة سنوات الماضية كانت لها ظروفها الاستثنائية.
* لكن مصر بعد ثورتي 25 يناير (كانون الأول) 2011 و30 يونيو (حزيران) 2013 عانت من مشاكل اقتصادية صعبة أثرت على الحياة المعيشية للمواطن المصري، ما الذي فعله الرئيس السيسي لتحسين حياة المواطن المصري؟
- في الوقت الذي استطاع المصريون فيه تغيير وضع سياسي في بلادهم والانتقال لخطوات ديمقراطية عبر ثورتين، كان لا بد من ثمن اقتصادي وأمني دفعه الـ90 مليون مصري وما زالوا يدفعونه، وبصراحة لولا وقوف الأشقاء معنا وإلى جوارنا باستمرار، ولهم كل التقدير في المملكة العربية السعودية ودولتي الإمارات والكويت، ما كان لنا أن نصمد إلا بوقوفهم مع الشعب المصري. دعني أقل لك وبصراحة إن سقوط مصر لا قدر الله يعني سقوط المنطقة. هل تعلم أن 65 في المائة من المصريين من الشباب أقل من 40 عاما؟ وهذا يعني أنهم جميعا لديهم الأمل في الحياة والتعليم والصحة والسكن المناسب، وهذا بالتأكيد يحتاج جهدا كبيرا، والمصريون بالطبع لديهم وعي كبير وتحملوا وتحلوا بالصبر لمواجهة كل هذه التحديات، وبالتالي لا بد لهم أن يجدوا نتيجة صبرهم.
* ما الذي تنتظرونه من المؤتمر الاقتصادي؟
- أولا نبذل كل الجهد لتجهيز أنفسنا لاستقبال المستثمرين والأصدقاء والأشقاء. وكما تعلم أن فكرة المؤتمر كانت منذ البداية سعودية حينما أعلن المغفور له الملك عبد الله بن عبد العزيز عقد مؤتمر للدول المانحة لدعم مصر، إلى أن وصلنا لأن يكون المؤتمر للدفع باستثمارات لدعم الاقتصاد المصري، واليوم نعمل على ضبط البنية التشريعية لحل المشكلات العالقة التي تناسب مناخ الاستثمارات، وتختصر الإجراءات البيروقراطية لأننا نعمل على إنجاح المؤتمر وما بعده من تنفيذ للسير نحو ما نريد وننتظر.
* ماذا تنتظرون من أشقائكم في دول الخليج في هذا المؤتمر؟
- (صمت قليلا).. حجم التحديات في مصر كبير، وبالتالي من الصعب الإجابة عن هذا السؤال.. إننا نثق في أشقائنا في الخليج وفي أصالة مواقفهم المشرفة إزاء مصر وشعبها، ونتطلع إلى مساهماتهم الفاعلة في هذا المؤتمر والتي ستعود بالنفع وتحقق مصالح الجانبين.
* دعني أقل لك إن المستثمرين العرب عانوا من ثورتي 25 يناير و30 يونيو وتسببت الأوضاع الأمنية في خسائر جمة لهم، ما الذي ستفعلونه من أجل جذب استثماراتهم مجددا؟
- الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج بدأوا في العودة للاستثمار في مصر، لأن المناخ أصبح أفضل من ذي قبل وكذلك الاستقرار أفضل، وأقول من خلال جريدة «الشرق الأوسط» إن بلادكم في انتظاركم وهي في أمن وأمان، وأقول أيضا عندما يلقي الإعلام الضوء على مشكلة فإن هذا لا يعني أن البلاد كلها على هذا النمط وإنما مجرد حالات فردية. لا أقصد طبعا أن الإعلام مضلل، ولكن أقصد أن وسائل الإعلام تركز على حدث وحيد فيظن من هو خارج مصر أن الدولة كلها على نمط هذا الحدث.
* كيف ترون علاقات الرياض مع القاهرة؟
- نحن في مصر نؤمن أن العلاقة بين مصر والسعودية علاقة استراتيجية بامتياز، وهي ركيزة للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والمسؤولون في البلدين مدركون لهذا الأمر المستقر والمتفق عليه منذ عهد الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله، الذي أدرك بحسه الاستراتيجي أهمية وضرورة دعم هذا التوجه، وقد سار على الدرب كل أبناء الملك بنفس الحرص والرغبة والقدرة على التنفيذ المخلص والأمين وبما يحافظ على هذه العلاقة الممتدة عبر السنين.
* وماذا عن علاقتكم مع خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز؟
- ننظر دون شك للعلاقة مع العاهل السعودي نظرة تحمل كل تقدير واحترام، ولن تنسى له مصر مواقفه المشرفة منذ أن تطوع في الجيش المصري في حرب العدوان الثلاثي، وكذا مواقفه العروبية المساندة والداعمة لمصر في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وسنكون حريصين كل الحرص على استكمال مسيرة العلاقات المتميزة مع الملك سلمان. وأستطيع أن أؤكد أننا سنعمل ليس للحفاظ على العلاقات فقط، وإنما لتطويرها مع تنفيذ كل الالتزامات أمام شعوبنا، بما يتسق ويتناسب مع المسؤولية التي نتحملها، نظرا للمخاطر الحقيقية التي تهدد الوطن العربي. ونظرا لكل ما يحاك ضدنا وما يحدث من حولنا، يجعلني أقول دائما يجب أن نعمل معا حتى نحافظ على بلادنا وشعوبها.
* تزورون السعودية غدا الأحد، في أول زيارة رسمية منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم، ما الذي ستناقشونه في زيارتكم للرياض؟
- ستكون لدينا مباحثات هامة وبناءة، سوف نتحدث في كل ما يتعلق بالمنطقة العربية والتحديات التي تحيط بها، سنناقش أيضا التطورات في اليمن وكيفية حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب.
* في ظل العلاقة المتوترة بين دول الخليج العربي وإيران، كيف تنظرون لعلاقتكم مع طهران؟
- لدينا 4 عناصر مهمة في علاقتنا مع دول الخليج. الأول: أمن مصر القومي يمر عبر دول الخليج، والثاني: أمن الخليج خط أحمر، والمحور الثالث: «مسافة السكة» التي تحدثت عنها سابقا. أما العنصر الرابع فهو إنشاء قوة عربية مشتركة. تخيل لو قمنا بمناورة مشتركة بين مصر والسعودية والإمارات والكويت، وعمل مناورات مشتركة بحرية وجوية وبرية، فمثل هذه الخطوة بالتأكيد تهدف إلى حماية دولنا وأمننا القومي وليست موجهة ضد أحد.
* هل «مسافة السكة» لا زالت نفس المسافة السابقة؟
- أكيد ولماذا تتغير؟ (وخلي بالك) عندما قلنا إن الأشقاء وقفوا معنا في الأزمة التي مرت بمصر، فإننا نعتبر رد هذا الجميل من ضمن ثوابتنا وليست مجال تشكيك، ولن يتغير شيء في الأمر لا اليوم ولا غدا.
* لننتقل لملف الإرهاب.. هل احتاجت مصر لذبح 21 من أبنائها في ليبيا حتى تعلم أن خطر الإرهاب ينهش في حدودها الغربية؟
- الإجابة على هذا السؤال يجب أن تسمعها من الآخرين وليس منا، لأنني شخصيا حذرت ومنذ عامين في خطابات كثيرة، عربيا ودوليا، من أن هناك خطورة من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق وكذلك ليبيا. وحذرت وأبديت مخاوفي من تحول المنطقة إلى ساحة جاذبة للإرهاب، وما زلت أحذر من المخاطر الحقيقية مع استمرار الوضع على ما هو عليه، ولذا طالبت بأن يكون العمل جماعيا حتى نستعيد الأمن، لأن استعدادنا معا يطرد الإرهاب من بلادنا، أما تركنا له فهو يعزز من اشتعال البيئة الحاضنة للإرهاب في كل مكان، في مصر والعالم العربي وحتى في دول الخليج.
* لكنكم تحفظتم على المشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب في العراق وسوريا واكتفيتم بمشاركة رمزية؟
- اسمح لي أن أقول إن وصف التحفظ كلمة غير دقيقة، وسبق أن أعلنت مصر منذ اليوم الأول أنها مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وأكدت على ضرورة أن تكون المواجهة ضد الإرهاب والإرهابيين استراتيجية وشاملة، لأن العمل العسكري والأمني فقط غير كاف. والأكثر من ذلك أننا في مصر قمنا، وقبل إنشاء التحالف الدولي، بمكافحة الإرهاب في سيناء وداخل مصر، وقد ساعدنا ودعمنا الإخوة والأشقاء في السعودية والكويت والإمارات والبحرين، وهنا الدعم ليس ماديا فقط وإنما هو تضامن شامل.
* في رأيكم كيف يتم القضاء على تنظيم «داعش»؟
- الإجابة عن هذا السؤال تكون من خلال وحدتنا، والتي أعتبرها أول خطوة على طريق القضاء على الإرهاب، والوحدة هنا بمعنى التنسيق والتعاون الشامل في كل المجالات، لأنني أرى أن الخطة الأمنية والسياسية لا يمكن اختزالها في عمل عسكري وأمني فقط، وإنما الدفع بإجراءات موحدة وقوية تمثل أيضا عملا رادعا في المنطقة. ولدينا القدرة على تشكيل قوة ذات شأن ورسالة قوية تؤكد للمتربصين بأنه لا يمكن النيل منا ونحن مجتمعون ولن يتمكن الإرهابيون من الإضرار إلا إذا بقينا متفرقين ولسنا مجتمعين.
* هل تقصدون قوة عسكرية عربية ضد الإرهاب؟
- لا بد من التحرك الجماعي وأعني دورا عربيا مشتركا ولا يقتصر على الدور السعودي والمصري والإماراتي كل على حدة. لا أنا شخصيا، ولا مصر، لا نبحث عن «دور» وإنما عن «حالة» عربية قوية لمواجهة المخاطر والتحديات.
* هل هناك مشروع محدد في هذا الشأن؟
- نحن نتشاور مع أشقائنا بشأنها وهي قوة عربية مشتركة.
* بعد ثورة 30 يونيو وما تبعها من حظر لجماعة الإخوان المسلمين، كيف ترى وضع «الجماعة» بعد كل التحولات التي مرت بمصر والمنطقة، بمعنى هل يمكن عودتها للمشهد السياسي مرة أخرى؟
- هذا السؤال يوجه للمصريين وللشارع المصري وللرأي العام وما يرتضيه ويوافق عليه سوف أقوم بتنفيذه فورا.
* وهل تضغط عليكم جهات غربية لعودة «الإخوان المسلمين» مرة أخرى؟
- لا بد أن يعلم الجميع أنه وبعد ثورتين عظيمتين قام بهما المصريون، من الصعب أن يحدث مثل هذا الضغط على دولة مستقلة مثل مصر، مع التأكيد بأن مصر تدفع ثمنا غاليا نتيجة رفضها للتدخلات الخارجية.
* قلتم إن الإخوان المسلمين تلاعبوا بالرأي العام.. أين الدولة إذن؟
- تقصد الآن (تلاعبوا بالرأي العام) أم سابقا؟ الآن.. لا.. ولك أن تسأل المواطن العادي البسيط الغاضب من كل ما فعله الإخوان بالبلاد، هناك بالفعل حالة غضب وألم مصرية منهم (الإخوان). وعلى أية حال منذ 30 يونيو وحتى اليوم الوضع العام المصري يتحسن يوما بعد يوم، ولا يمكن لأحد أن يتلاعب بالرأي العام الذي استوعب الدرس وفهم ما يحاك ضد بلاده.
* هل بقي شيء من المصالحة مع قطر؟
- أنا أسألك: قدم لي تصريحا رسميا واحدا صدر منا فيه إساءة ضد أي من الدولتين، قطر وتركيا. بكل تأكيد لن تجد تصريحا سلبيا واحدا.
* الدوحة تلوم مصر بأن إعلامها يهاجمها بضراوة؟
- الإعلام في مصر لديه هامش من الحرية، وبعد الثورة ارتفع هامش الحرية كثيرا، إلى حد أن البعض يظن أن الإعلام موجه لتأييد النظام، مما يتسبب في حرج للدولة المصرية لأن هناك من يحسب الآراء علينا كجهات رسمية، ولكنه في الحقيقة هذه الآراء تعكس غضب وتوجهات الشعب المصري والرأي العام.
* مرة أخرى.. ما الذي بقي من المصالحة مع قطر؟
- كنا، ولا زلنا، ملتزمين باتفاق الرياض، وذلك تقديرا للسعودية ودورها العربي الكبير.
* بصراحة.. ماذا تريدون من قطر؟
- نحن نريد أم هم؟ نحن لا نريد شيئا. هناك إرادة شعب ونريد أن يفهم الجميع هذا الأمر، ولا يجب التقليل من شأنه أو تجاهل ما يريد، والسؤال هو من المستفيد من دعم سقوط مصر؟ ليعلم الجميع أنه إذا سقطت مصر لا قدر الله سوف تدخل المنطقة في صراع لن يقل عن 50 عاما.
* التصريحات التركية الرسمية ضد الدولة المصرية مستمرة ولم تتوقف منذ ثورة 30 يونيو، بالمقابل لا يوجد موقف مصري مقابل؟ ألا تخشون من ضياع هيبة الدولة؟
- هيبة الدول بقدرتها وقوتها، أما التلاسن والإساءة للآخرين والشعوب فليسا من قيم وشيم الدول القوية. نحن نتحدث عن علاقة مع شعبين سواء قطر أو تركيا، ونحن نؤمن بأن البقاء للعلاقات بين الشعوب. أما الإساءات والتلاسن فنحن في مصر قد تجاوزناها في علاقاتنا مع الآخرين، ومن يسيء للآخرين فهو يعبر عن نفسه ولن يقلل هذا من قدرنا وقيمتنا.
* هل تعتقد أن هناك وسائل إعلام تستهدف الدولة المصرية؟
- ترى هل المنطقة العربية أصلا مستهدفة أم لا؟ إن الركائز التي تستند إليها المنطقة العربية مستهدفة والقارئ والمواطن العربي يعرف ذلك.
* لا زالت أزمة سد النهضة تراوح مكانها.. كيف ترون انفراج الأزمة في ظل الإصرار الإثيوبي على ذات الموقف؟
- لقد أوضحنا للإخوة في إثيوبيا موقفنا، وأكدنا الحفاظ على حقوق الدولة المصرية، وكذلك احترامنا لحقهم في التنمية. وهناك تفهم مشترك ونقوم من خلال التشاور الدائم وصولا إلى تحويل التفاهم إلى صيغة ملزمة للطرفين. ونحن نسير على الطريق الصحيح وقد شجع الجميع بما في ذلك الأشقاء العرب والأصدقاء هذا الحوار الإيجابي مع إثيوبيا.
* موقفكم من الأزمة السورية يراه المراقبون غامضا ولا يتناسب مع ثورة مثل الثورة المصرية، فهل الحياد في مثل هذه الأزمات منطقي؟
- الأزمة السورية معقدة جدا، وهناك آراء ومواقف مختلفة على أساليب المعالجة لقضية مستمرة منذ 4 سنوات ومرشحة للزيادة، ونحن قلنا وجهة نظرنا منذ البداية وهي البحث عن حل سلمي سياسي والحفاظ على وحدة الأراضي السورية. هذا عنوان الحل والذي يشتمل على المعالجة المتزنة وحل الميليشيات والعناصر المسلحة. فهل هذا حياد؟!
* العالم بأسره يرفض بقاء بشار الأسد رئيسا لسوريا، وأنتم لا تمانعون من استمراره؟
- هناك فرق بين البحث عن حلول أو البحث عن استمرار الأزمة لسنوات. ومعنى حل سياسي سلمي لن يكون الحل لصالح طرف واحد وإنما لصالح الجميع، وأعني المعارضة والنظام في ظل البحث عن مخرج حقيقي، ثم نبدأ في معالجة الملفات الأخطر التي تؤثر على الأمن القومي العربي.
* هل هناك اتفاق مع المعارضة السورية على هذه الرؤية المصرية؟
- نتشاور مع الجميع حول الحل السياسي السلمي، مع دول الخليج والمعارضة ولا نفعل شيئا بمفردنا.
* اليمن يقسم والحوثيون ينقلبون على الشرعية، بينما الموقف المصري لا يزال مراقبا من بعيد؟
- أستطيع القول بكل صراحة إن الأزمة اليمنية لم تأخذ منا جميعا الاهتمام الكامل، وكلنا تأخرنا في التعامل مع الأزمة اليمنية.
* علاقتكم المتنامية مع موسكو وهذه الحفاوة في استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القاهرة، هل هي رسالة ذات مغزى لواشنطن؟
- علاقات مصر الخارجية بعد ثورة 30 يونيو علاقات متوازنة ومتنوعة ومنفتحة على الجميع، ولا تميل لطرف على حساب آخر. دعني أقل بوضوح إن علاقتنا مع الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية بالنسبة لنا، ونحن في مصر نستقبل الجميع بهذه الطريقة، وهذا يعكس قيمة مصر التي تستقبل الجميع بهذه الحفاوة كما تصفها. ومن جهة أخرى، فأنا أرى أن العلاقات بين الدول لم تعد تشكل سياسة المحاور كما كان سابقا وإنما التوافق في تقديرنا يجب أن يكون مع الجميع.
* علاقتكم مع واشنطن مرت بتطورات وتوترات منذ 30 يونيو، إلى أين وصلت اليوم؟
- نحن حريصون على إقامة علاقات طيبة وطبيعية مع كل دول العالم، ونحرص على شرح الظروف الصعبة التي تمر بها مصر. ومن غير المعقول أن تظل الرؤية الأميركية لمصر على ما كانت عليه، ولكن يمكن القول إن هناك تحسنا ورؤية جديدة إيجابية لما يحدث في مصر تطورت للأفضل.
* هل تعتقد أن الغرب لا يفهم الحالة المصرية؟
- الغرب بصراحة لديه اهتمامات كثيرة، ويمكن القول إن ما حدث في 30 يونيو أمر فاجأهم بثورة شعب اختار طريقا يرتضيه، ولكن مصر منحت أصدقاءها وشركاءها الوقت والفرصة ليتفهم حقيقة الأوضاع. ولا شك أن الشركاء الأوروبيين كانوا أسرع في فهم حقيقة الأوضاع في مصر نظرا لعوامل القرب الجغرافي والثقافة المتوسطية المشتركة.
* كنت رئيسا للمخابرات العسكرية إبان نظام الرئيس السابق حسني مبارك. هل رصدتم، حينها، إشارات حول ثورة شعبية قادمة؟
- بالفعل حدث هذا عندما رصدنا حركة في هذا التوجه، وتوقعت أن تحدث ثورة مصرية. حدث هذا منذ شهر أبريل (نيسان) عام 2010 وقبل 8 أشهر من ثورة يناير 2011. وذكرت بأن هناك ثورة قادمة لا محالة، وقدمنا كمخابرات عسكرية تقديرات واضحة، باختصار: الجيش المصري مع إرادة شعب بلاده.
* إبان توليكم حقيبة الدفاع فترة حكم الرئيس المخلوع الدكتور محمد مرسي، هل نصحتموه لتجاوز الاحتقان الذي كان يشهده الشارع المصري؟
- أكيد وهذا حقه علينا، وقد سبق إخطاره 3 مرات، وقدمنا توصيات لتجاوز الأزمة وكان آخرها في مارس (آذار) 2013.
* هناك انطباع بأن نظامكم يخاصم الشباب الذين امتدحتموهم أيام ثورة يناير، فما هي سياستكم لتغيير هذا الانطباع، ولماذا لم يشاركوا في الحكم؟
- نحن نرى الشباب المصري هم القوة الحقيقية التي نعتمد عليها في الحاضر والمستقبل، ومن بينهم من شغل مواقع مسؤولة بالمحافظات كنواب محافظين ومسؤولين في المجالس المحلية وبنسبة لا تقل عن 65 في المائة، سواء كانوا من الشباب أو حتى السيدات. وحرصت في كل لقاءاتي مع القوى السياسية على ضرورة مشاركتهم في الحياة السياسية وصياغة المستقبل، كما تبنت رئاسة الجمهورية مشروعا قوميا لتدريب الشباب في مجموعات تضم كل مجموعة نحو 500 إلى 1000 شاب للتدريب في دورة لا تقل عن 4 أو 6 أسابيع، بهدف تأهيلهم للعمل والمشاركة في الوزارات كنواب ومساعدين للوزراء وفي البرلمان والمحافظات. ومع هذا أرى أن كل ذلك ليس كافيا، وإنما سوف نستمر في دعم الشباب واستيعابهم في كل مواقع الدولة المصرية.
* كيف ترى مستقبل المنطقة العربية؟
- المنطقة العربية في خطر وفي أضعف حالاتها. والجسد العربي مثقل بالجراح، والرصد للواقع غير دقيق للأسف، وأتمنى أن تعود كل الدول العربية لما كانت عليه من قوة تُزيد رصيدَ الصلابة للجسد العربي. أتمنى أن يعود اليمن والعراق وليبيا وسوريا وكل الدول كي نشكل حلقة جديدة من العمل والتعاون العربي المشترك.
* هناك مخاوف من عودة رجال نظام مبارك من الأبواب الخلفية لإدارة الدولة المصرية؟
- الشعب المصري يتمتع بوعي غير مسبوق وبأكثر مما تتصور، ولن يسمح بالعودة للخلف وأنا معهم، ولا تنسى أن الشعب دفع فواتير التغيير.
* الرئيس عبد الفتاح السيسي محسوب على من؟
- أنا لست محسوبا على أحد، وكل ما أتمناه أن يوفقني الله سبحانه وتعالى لتحقيق آمال وطموحات المصريين.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».