في كل مرة يخبرنا بها أهلنا وأجدادنا عن بيروت أيام العز، لا بدّ أن يستذكروا أسواق وسط العاصمة قديماً، فيحدثونا عن أسواق أياس والنورية والطويلة وغيرها، التي كانت وجهة لجميع اللبنانيين من مختلف الشرائح الاجتماعية. وكانت النزلة إلى البلد بمثابة نزهة محببة إلى قلوب الصغار والكبار معاً، لما تحمل من سلوى ومتعة خلال التسوق، فكانت محلات الخضار والبهارات واللحوم والأزياء والأدوات المنزلية تقع في شوارع متوازية، يتنقل بينها المواطن ليشتري حاجياته منها وبأسعار تناسب الجميع.
وابتداء من 22 مايو (أيار) الحالي، وبمبادرة من جمعية «أرضنا»، يعود طيف تلك الأسواق إلى العاصمة من خلال «سوق البلد»، وتُنظم بالتعاون مع شركة «سوليدير». هذه السوق ستكون محطة أسبوعية وستفتح أبوابها من الثامنة صباحاً لغاية الثانية من بعد ظهر كل سبت. وتمتد على مساحة 8000 متر مربع في أسواق بيروت. وهدف المبادرة إعادة إحياء الأسواق البيروتية التي اشتهرت عبر التاريخ.
تجمع «سوق البلد» تحت سقفها منتجات وحرفاً وخضراوات ولحوماً وغيرها تعود إلى صغار التجار؛ كلٍّ في مجاله. ويقول علي درة مدير جمعية «أرضنا» صاحبة المبادرة: «سمعنا الكثير عن أسواق بيروت وشهرتها في الماضي، وتمنينا لو عايشناها أو تعرفنا إليها؛ فتلك الأسواق تشكل عنواناً لذكريات أهالينا الحلوة، التي لا تفارقهم ولا يحبون أن ينسوها». ويتابع في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «من هذا المنطلق قررنا إعادة إحياء تلك الأسواق، ولو بصورة مصغرة، على أمل توسيعها في المستقبل القريب، فنعيد من خلالها نبض الحياة لوسط بيروت، كما نستحدث من خلالها متنفساً للبنانيين يحتاجون إليه. فتتيح لهم التغيير وخوض تجربة تسوق جديدة، لا تشبه تلك في محلات السوبرماركت المغلقة».
وفي هذه السوق سيتسنى للزائر أن يشتري الخضراوات الطازجة والمزروعة وفقاً للشروط الزراعية المطابقة. وكذلك الحليب والألبان ومشتقاتها والمونة اللبنانية العريقة وغيرها.
ويشرح علي درة قائلاً: «تتضمن السوق أقساماً مختلفة بينها الخاص باللحوم والخضار والدواجن والبهارات، إضافة إلى أخرى يحضر فيها الطعام مباشرة أمام الزبون. وقد اخترنا أطباقاً سريعة وأخرى ساخنة من مختلف المناطق اللبنانية كالكعكة الطرابلسية والفلافل البيروتية والفول والفتة الصيداوية، والليموناضة البترونية وغيرها. مأكولات جاهزة يستطيع الزائر أن يحملها معه إلى المنزل كالمعمول بالجوز والفستق والمرصبان وأنواع حلويات ومأكولات أخرى».
في «سوق البلد» أيضاً مساحات مخصصة لبيع الأزهار، وأخرى لتناول الطعام. تُضاف إليها المقاهي الموزعة في محيط السوق، التي ستفتح أبوابها لاستقبال الزبائن.
وسيتعرف اللبنانيون على إنتاجاتهم الوطنية الخاصة من مواد التجميل من صابون وزيوت وعطور وأخرى ذات طابع فني. ويوضح درة: «هناك جمعيات خيرية تقوم بمبادرات ومشاريع في هذا السياق، بحيث تعرض قطعاً فنية حرفية مشغولة باليد. وبينها تماثيل مصنوعة من عبوات المشروبات الغازية، وحقائب محضرة من أكياس النايلون بأسلوب جميل».
ومن الجمعيات الخيرية المشاركة في السوق «رشة خير» و«أجيالنا» و«زوادتنا» وغيرها. ويعلق درة: «لقد فتحنا الباب أمام هذه الجمعيات لتسوق لمبادراتها. ومن ناحية ثانية سيلمس اللبناني خلال تسوقه الأسعار المدروسة والتنافسية. ويعود ذلك كوننا اختصرنا الطريق أمام المزارع ومربي النحل والدواجن وغيرهم من التجار الصغار المشاركين معنا، ويصل عددهم إلى نحو 60 شخصاً. فهؤلاء ستتاح لهم الفرصة لعرض منتجاتهم مباشرة للمستهلك، بدل المرور بوسطاء للقيام بهذه المهمة. كما أننا نقدم له المساحة التي يشغلها مجاناً، وهو ما يؤثر على الكلفة عامة، ويجعل الأسعار مقبولة».
ويشير درة إلى أنّ هذه المحطة ستكون دائمة وليس فقط خلال فصل الصيف. ويتابع: «نرغب في أن نولد بين اللبناني ومدينته علاقة وطيدة يفتقدها، في ظل أزمات كثيرة يمر بها لبنان، من بيئية واقتصادية واجتماعية وغيرها. ومن شأن هذه المبادرة أن تتوسع يوماً بعد يوم ليصبح عدد المشاركين نحو 200 شخص. كما أنّ شركة (سوليدير) أخذت على عاتقها تقديم كل التسهيلات اللازمة لإقامة هذه السوق. فهي أمّنت لنا المساحة المطلوبة والتيار الكهربائي وتسهيلات أخرى تسهم في إراحة زائر السوق».
وتهتم جمعية «أرضنا» ببرامج تطوير المهارات والقدرات البشرية لتفعلها في الأسواق وورشات عمل وبرامج خدمات اجتماعية. ويختم درة: «نرغب من خلال برامجنا تسليط الضوء على المسؤولية التي يجب أن يتمتع بها اللبناني لتطوير بلده، والحفاظ على مكوناته من بيئية واجتماعية وغيرها. وبذلك لا تعود المبادرات التي تطال تنظيف شاطئ البحر مثلاً تقتصر على المتطوعين؛ فالرسالة التي نريد إيصالها هو أننا جميعنا يجب أن نتطوع من أجل خدمة وطننا، فنمارس مسؤولياتنا لنسهم في بنائه وتنميته».
وتتيح «سوق البلد» للأولاد المشاركة في تحضير الطعام وفي مسابقات مباشرة تجري في مكان مفتوح مخصص للمشاة، إضافة إلى نشاطات مسلية أخرى. مما يضفي على يومهم الفرح والتسلية والمعرفة.
«سوق البلد»... عودة إلى بيروت أيام العزّ
https://aawsat.com/home/article/2983606/%C2%AB%D8%B3%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%AF%C2%BB-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%91
«سوق البلد»... عودة إلى بيروت أيام العزّ
سوق النورية من أسواق بيروت القديمة
«سوق البلد»... عودة إلى بيروت أيام العزّ
سوق النورية من أسواق بيروت القديمة
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

