«تصحيح المسار»... بايدن يكمل ما بدأه أوباما في الشرق الأوسط

بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
TT

«تصحيح المسار»... بايدن يكمل ما بدأه أوباما في الشرق الأوسط

بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)

قبل عشرة أيام، اتصل مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، بنظيره الإسرائيلي، وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء. بحسب العرض الأميركي للحوار، دعا سوليفان إلى «التعبير عن مخاوف الولايات المتحدة الخطيرة» بشأن أمرين: الإخلاء المعلق -بأمر من المحكمة- لعدد من العائلات الفلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح في القدس، والاشتباكات العنيفة التي وقعت في نهاية الأسبوع في الحرم القدسي بين الشرطة الإسرائيلية ومتظاهرين فلسطينيين. بعبارات أخرى، أكدت إدارة الرئيس جو بايدن علناً إعلاء المصلحة الوطنية الأميركية في منع عمليات إخلاء الشيخ جراح، بغض النظر عن إملاءات القانون الإسرائيلي -تماماً في الوقت الذي كانت «حماس» ترسل فيه صواريخ وأجهزة حارقة إلى إسرائيل لتبعث بالرسالة نفسها. كان هذا الجهد الواعي لوضع «رؤية واضحة» بين الولايات المتحدة وإسرائيل بمثابة عودة واضحة لنهج الرئيس باراك أوباما.
إن دعوة سوليفان تدعونا لإعادة فتح الجدال الذي لم يُحسم بعد، والذي بدأ حتى قبل أن يؤدي الرئيس جو بايدن اليمين الدستورية: هل يشق الرئيس الجديد طريقه في الشرق الأوسط أم أنه يسير على خطى أوباما؟ وحتى الآن، فإن أولئك الذين كانوا يخشون أن تصبح رئاسته ولاية ثالثة لأوباما قد ركزوا عيونهم الحذرة على روبرت مالي الذي اختاره الرئيس مبعوثاً لإيران. ففي أثناء خدمته في البيت الأبيض لأوباما، ساعد مالي في التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني، وهو الذي سعى إلى التسويات مع طهران؛ هذه التسويات التي جاءت على حساب حلفاء أميركا في الشرق الأوسط. وفي مقالة لمجلة «فورين أفيرز»، كُتبت في 2019، أعرب مالي عن أسفه لأن أوباما فشل في التوصل إلى مزيد من هذه الإجراءات التيسيرية. وكتب مالي أن اتجاه سياسة أوباما جدير بالثناء، ولكن «اعتداله» كان عدواً لمشروعه. وكونه «أحد أنصار المنهج التدريجي»، فقد أشرف على «تجربة تم تعليقها في منتصف الطريق».
والآن، ينصح مالي -صاحب المقالة التي تقود المرء إلى تولي المسؤولية- بايدن بالمضي قدماً وبسرعة. ولكن من المؤكد أن الرئيس، وليس مبعوثه إلى إيران، هو الذي يحدد اتجاه السياسة ووتيرتها. وعلى مدار مسيرته المهنية في واشنطن التي امتدت لنصف قرن تقريباً، لم يوقف بايدن أبداً أياً من ملفات الراديكالية المتطرفة، وكذلك لم يفعل سوليفان، ولا وزير الخارجية أنطوني بلينكن. إن وجود هذا الزوج إلى جانب بايدن يشير لكثيرين إلى أن مالي لن يقوم بتوجيه دفة السياسة تجاه إيران. وبعد فترة وجيزة من الانتخابات، أشار أحد المخضرمين في واشنطن إلى أن «بلينكن وسوليفان هما بالتأكيد من الجناح الأكثر اعتدالًا في الحزب، وهذا أمر مطمئن».
وفي جلسة الاستماع بمجلس الشيوخ التي تمت في يناير (كانون الثاني) الماضي، واصل بلينكن طمأنته من خلال التعبير عن نيته إصلاح عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني. وفي الشهر التالي، ذكرت «فورين بوليسي» أن انقساماً حدث داخل الحكومة، حيث حقق سوليفان وبلينكن الآمال المعلقة عليهما. فعندما أيَّد مالي إعطاء «حوافز» لإيران لإقناعها بالعودة بسرعة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، سيطر سوليفان وبلينكن على النقاش، من خلال «اتباع نهج أكثر تشدداً».
وخلال الشهر الماضي، أصبح هذا المسار أكثر صعوبة -كما كان من الصعب رؤيته. ففي 2 أبريل (نيسان)، أجرى مالي مقابلة مع قناة «بي بي إس» أثارت الدهشة في القدس والرياض، وفي الكونغرس. وقبل المحادثات النووية في فيينا، حيث كان الأوروبيون على وشك استضافة مفاوضات غير مباشرة بين مسؤولي بايدن وممثلين إيرانيين حول إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، أعرب مالي عن حرصه على رفع العقوبات الأميركية عن إيران، وضمان «تمتع إيران بالمزايا التي كان من المفترض أن تحصل عليها وتتمتع بها بموجب الاتفاق». وحول المقابلة، قال مسؤول إسرائيلي كبير لم يذكر اسمه: «إذا كانت هذه هي السياسة الأميركية، فنحن قلقون».
هذا وقد تعجب عملاء المخابرات الإسرائيلية بسبب تلك العبارة عندما قاموا بتخريب مولد طاقة في منشأة التخصيب النووي الإيرانية في نطنز. وبينما أضرت العملية ببرنامج إيران النووي، أشارت أيضاً إلى معارضة إسرائيل للموقف الأميركي في محادثات فيينا.
إن الأصوات التحذيرية في القدس لها ما يبررها، حيث كان البيان الصادر في الأول من مايو (أيار) الحالي من عباس عراقجي، كبير المفاوضين الإيرانيين في فيينا، بمثابة نقطة بداية. فقد ادعى أن المفاوضين الأميركيين وافقوا بالفعل من حيث المبدأ على إزالة العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني، وصناعة السيارات، والخدمات المالية، والصناعة المصرفية، والموانئ -من أجل إزالة، بعبارة أخرى، جميع العقوبات الاقتصادية الأكثر أهمية على الإطلاق التي فُرضت على إيران. إن التصريحات الأخيرة لمسؤولي إدارة بايدن لا تقدم لنا أي سبب لعدم تصديق عراقجي، والآن أصبح الرهان الذكي متمثلاً في إحياء كامل لخطة العمل الشاملة المشتركة في وقت قصير نسبياً.
لكن حتى الإسرائيليين لم يستوعبوا النطاق الكامل والحجم الكامل لتكيف بايدن مع إيران. والمشكلة لا تكمن في أن سوليفان وبلينكن يفشلان في كبح جماح مالي، بل في أنهما يسيران بخطى ثابتة معه. ويسود إجماع داخل الإدارة، ليس فقط على خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن على كل مسألة كبيرة تتعلق باستراتيجية الشرق الأوسط: يتفق الجميع، بداية من الرئيس إلى المسؤولين الأقل درجة، على ضرورة استكمال ما بدأه أوباما، مما يعني أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
فإذا لم تكن السيطرة التي يمارسها مشروع أوباما على كل عقل في إدارة بايدن واضحة بالفعل، فذلك لأن الارتباك لا يزال يسود حول الطبيعة الحقيقية للمشروع. هل تشك في ذلك؟ إذن، أجرِ الاختبار القصير التالي المكون من سؤال واحد: إلى ماذا، على وجه التحديد، كان روبرت مالي يشير عندما تحدث عن «تجربة» أوباما نصف المكتملة؟
إذا أجبت بخطة العمل الشاملة المشتركة، فأنت على خطأ. وإذا قلت: تحسين العلاقات مع إيران، فإنك تحصل على درجات أعلى من ذلك بكثير، لكنك ما زلت لم تقدم الإجابة الصحيحة.
كتب مالي أن «الهدف النهائي» للرئيس كان «مساعدة الشرق الأوسط على إيجاد توازن أكثر استقراراً للقوى يجعله أقل اعتماداً على التدخل المباشر للولايات المتحدة أو طلب حمايتها»؛ هذه طريقة ملتوية للقول إن أوباما يحلم بنظام شرق أوسطي جديد، نظام يعتمد أكثر على الشراكة مع إيران.
وما زال الحلم مستمراً. ففي مايو 2020، بعد ستة أشهر من كتابة مالي مقاله في مجلة «فورين أفيرز»، كتب سوليفان، بصفته مستشاراً لحملة بايدن الرئاسية آنذاك، وشارك في كتابة مقاله الخاص الذي وضع استراتيجية للشرق الأوسط. ويتمثل الهدف الذي قام بشرحه في أن يكون «أقل طموحاً» من الناحية العسكرية «ولكن أكثر طموحاً في استخدام النفوذ والدبلوماسية الأميركية للضغط من أجل تخفيف التوترات. وفي نهاية المطاف، هي طريقة مؤقتة جديدة بين اللاعبين الإقليميين الرئيسيين». فإذا استبدلنا بكلمة «توازن» كلمة «تسوية مؤقتة»، وإذا أدركنا أن «خفض التصعيد» و«الدبلوماسية» يتطلبان تعاوناً مع إيران، فإن رؤية سوليفان مطابقة لـ«الهدف النهائي» لأوباما، كما وصفه مالي. وشدد سوليفان على هذا التكافؤ عندما عرف هدف خطته على أنه «تغيير دور الولايات المتحدة في نظام إقليمي ساعدت في إنشائه».
ويستحق هذا المشروع الخاص بإنشاء نظام شرق أوسطي جديد الذي يمتد الآن عبر إدارتين رئاسيتين أن نعطيه اسماً. إن «مبادرة أوباما - بايدن - مالي - بلينكن - سوليفان» خيالية مبهمة إلى حد كبير. وبدلاً من ذلك، نطلق عليها «تصحيح المسار». وهذا الأمر يجب أن يقع على عاتقنا، وفي هذا الوقت المتأخر؛ كما أن تسمية مشروع عمل يضم كثيراً من الموهوبين الذين يعملون بشكل أفضل على مدار عقد من الزمان يبدو أكثر من غريب بعض الشيء. فعادة ما يطلق الرؤساء مبادرات كبيرة، مثل هذه المبادرة مع منحها عنوان رئيسي، ويقومون بتجميل رؤيتهم بعشرات الخطب والمقابلات الأصغر. ويتم البحث عبثاً عن خطاب أوباما عن «نظام جديد في الشرق الأوسط».

روبرت مالي في فيينا الأسبوع الماضي

ويبدو واضحاً أن أوباما شعر أن مشروعه سيتقدم بشكل أفضل من خلال التخفي والتضليل، وليس من خلال براعة البيع العدائية. ويستخدم بايدن قواعد اللعبة نفسها، مع الحفاظ على فريق السياسة الخارجية لأوباما للولاية الثانية على حاله تقريباً. ويدرك هو ومساعدوه أن التشويش حول «الهدف النهائي» يجعل تحقيقه أسهل. وفي الواقع، يبدو أن التشويش هو أفضل صديق لتصحيح المسار.
إن فكرة كون الهدف «محسوب على التشويش» من شأنها أن تجعل منه ذكرى حزينة مناسبة لخطة العمل الشاملة المشتركة، إذا كان من المفترض خلط هذا الملف المميت. في 159 صفحة، تحتوي على خمسة ملاحق، مليئة بصفقات جانبية سرية، كانت هذه الخطة معبأة في ملف واحد يحتوي على أمور مشوِّشة من شأنها أن تبقي الجمهور الأميركي مرتبكاً على مدار السنوات الست الماضية. وعلى الرغم من أن خطة العمل المشتركة الشاملة ليست سوى عنصر واحد من مشروع أوباما الكبير، فإن دورها لا غنى عنه.
لنبدأ بما لم تقُم به خطة العمل الشاملة المشتركة. فعلى عكس ما ادعى واضعوها منذ عام 2015، فإن الخطة لم تمنع كل مسارات الوصول إلى سلاح نووي إيراني. كيف يمكن ذلك؟ إن ما يسمى «بنود انقضاء المدة» المنصوص عليها في الاتفاق -البنود التي تلغي جميع القيود ذات المعنى على برنامج إيران النووي- ستدخل جميعها حيز التنفيذ في أقل من عقد من الزمان. وستختفي بعض أهم القيود بحلول عام 2025. وبحلول عام 2031، سيكون لدى الجمهورية الإسلامية، في ظل حماية ومساعدة دولية، برنامج أسلحة نووية غير مقيد، يعتمد على قدرة على التخصيب النووي للاستخدام في الأغراض الصناعية. وعلى أساس هذه الحقيقة وحدها، أفضل ما يمكن للمرء أن يقوله عن الاتفاق هو أنه يشتري عقداً من التحرر من الابتزاز النووي الإيراني.
ولكن حتى هذا الادعاء المتواضع لم يصمد أمام إمعان النظر، إذ يسمح الاتفاق ببرنامج بحث وتطوير قوي، وعدم تدمير المنشآت (مثل المخبأ المحصن في الجبال في فوردو) التي هي بلا منازع جزء من برنامج نووي عسكري، وليس مدني. بمعنى آخر، تسعى إيران إلى تحقيق طموحاتها في الحصول على أسلحة نووية حتى خلال هذه الفترة من القيود المفترضة، وبرنامجها مستمر، كما يرى أي قارئ صحيفة، ليكون ذلك بمثابة أداة من أدوات الابتزاز.
إن إخفاقات الاتفاق صارخة لدرجة أن مسؤولي بايدن لا ينفون وجود المشكلة. وبدلاً من ذلك، يتظاهرون بوجود حل. إذن، ما خطتهم؟ «متابعة تنفيذ الاتفاق»! إنهم يزعمون أن خطة العمل الشاملة المشتركة هي المرحلة الأولى في عملية متعددة المراحل، مثل منتج وادي السيليكون الذي ينتظر الترقية.
وفي مقاله المنشور في «فورين أفيرز»، كان سوليفان أول من طرح فكرة «المتابعة». حينها، وعد بلينكن، خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ في يناير (كانون الثاني)، وفي أثناء انعقاد المؤتمر الصحافي في أول يوم له في المنصب، بالعمل من أجل «اتفاقية أطول وأقوى».
«الإطالة والقوة مع سوليفان وبلينكن!» سيكون شعاراً جذاباً إذا كان لدى الإصدار الثاني من خطة العمل الشاملة المشتركة فرصة على أرض الواقع. لكن إدارة بايدن تصر على أنها لن تثير فكرة اتفاقية أطول وأقوى حتى بعد الاستعادة الكاملة لخطة العمل الشاملة المشتركة الأولى. ومع ذلك، كما أشرنا، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة الأولى تلغي بسرعة جميع القيود المهمة المفروضة على برنامج إيران النووي -بشكل دائم، وبموافقة دولية. فمن خلال منح طهران كل ما تريده مسبقاً، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة الأولى تلغي خطة العمل الشاملة المشتركة الثانية.
ويدعي سوليفان وبلينكن أنهما أدركا العيوب البشعة لخطة العمل الشاملة المشتركة، حتى وهما يتعرقان ويكدحان لإحيائها من القبر حيث دفنها دونالد ترمب. وزاد الشعور بالراحة التي منحوها للعقول القلقة عندما، وفقاً لتقرير «فورين بوليسي» الصادر في فبراير (شباط) الماضي، خالفوا مالي، رافضين مطالبة إيران بأن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات، في شرط مسبق للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. لقد كنا نعتقد أن الرجال من أصحاب الفهم هم أيضاً رجال حقيقيون.
ولكن هذا التقرير صرف الأنظار الساهرة عن القصة الحقيقية: المساومة بين واشنطن وطهران التي بدأت في اللحظة التي تولت فيها الإدارة السلطة. فحتى قبل بدء مفاوضات فيينا في أبريل (نيسان)، كانت الرسائل تشق طريقها من طهران إلى واشنطن، من خلال وسطاء توسطوا بأفكار حول كيفية تخفيف الولايات المتحدة للعقوبات من دون رفعها رسمياً.
ونتيجة لذلك، قام سوليفان وبلينكن بتسليم حزمة الحوافز إلى طهران -الكثير منها. ولإعطاء بعض الأمثلة فقط، نذكر ما يلي: أسقطت إدارة بايدن الاعتراضات الأميركية على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار تم منحها لإيران؛ ألغت سياسة الأمم المتحدة في عهد ترمب التي أطلقت ما يسمى الآلية الانتقامية -وهي خطوة لإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران بسبب انتهاكها للاتفاق؛ أفرجت عن أموال النفط الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية والعراق وسلطنة عمان. وتنذر هذه الخطوات بنهاية وشيكة لنظام العقوبات، مما شجع الصينيين على شراء النفط الإيراني بمعدل أعلى بكثير من أي وقت مضى منذ عام 2017. وفي ظل هذه الخلفية، جاءت مقابلة مالي في 2 أبريل (نيسان) على قناة «بي بي إس» التي عبر فيها عن حرصه على رفع جميع العقوبات في أسرع وقت ممكن.
جاء حماس الإدارة لاستيعاب إيران إلى أقصى حد بمثابة صدمة لكثير من المراقبين، ومن بينهم السيناتور جيمس إينهوف من أوكلاهوما، العضو الجمهوري البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الذي أصدر بياناً يتهم الإدارة بخرق كلمتها. لقد وصف إينهوف والإسرائيليون وعدد لا يحصى من الآخرين خطاب بلينكن بالخاطئ، بصفته خطة فعلية لاستخدام النفوذ الذي بناه ترمب لـ«إصلاح» الاتفاق النووي.
ولكي نكون منصفين، ذكر بلينكن دائماً أن الإدارة تعتزم العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي هذا الإطار، لم يكذب هو ولا سوليفان ولا أي مسؤول إداري آخر، لكنهم شجعوا الناس بشكل استراتيجي على الاعتقاد أن الأشياء التي يعرفونها لم تكن -ولن تكون- أبداً صحيحة.
لقد ذهبت خداعاتهم إلى ما هو أبعد من الأسئلة النووية الضيقة. وعلى عكس مزاعم الإدارة الأميركية، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة تنهي جميع العقوبات الأكثر ضرراً على إيران -النووية وغير النووية على حد سواء. فبفضل أحد بنودها المبكرة، أنهت خطة العمل المشتركة الشاملة بالفعل حظراً دولياً على مبيعات الأسلحة التقليدية لإيران، مما أتاح لطهران سبلاً لتوسيع تعاونها الدفاعي مع روسيا والصين. ونظراً لأن «الحرس الثوري» سيزداد ثراءً من مبيعات النفط، فإن شراكاته الدولية ستزداد قوة أيضاً. وستتوسع شبكة الميليشيات المحيطة بإسرائيل وحلفاء أميركا العرب، وستصبح لدغتهم التي يتم إطلاقها بأسلحة دقيقة التوجيه أكثر سُمِّية. كما تتفاقم صعوبة احتواء مشروع إيران الإقليمي بسبب دعم الأصدقاء الأقوياء مثل روسيا والصين. إن هذا التحليل لا يمثل نظرية، ولكنه رأي مبني على الحس السليم.
إن عمليات الخداع المحيطة بخطة العمل الشاملة المشتركة لها هدف واضح: جعل الإدارة تبدو داعمة للاحتواء، بينما أنها -في الواقع- تنهيه. لكن لماذا يشعر المسؤولون مثل بلينكن وسوليفان بالارتياح تجاه مثل هذه الازدواجية؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال الدخول في عقلية تصحيح المسار. تقدم مقالات «فورين أفيرز» بالتأكيد طريقة واحدة للدخول، ولكن الطريق المباشر للفهم يتمثل بالفعل في الدخول من خلال عقل باراك أوباما، مؤلف السياسة التي ينهجها بلينكن وسوليفان.
سوليفان وبلينكن في البيت الأبيض مارس الماضي
سوليفان وبلينكن في البيت الأبيض مارس الماضي
لقد تبلورت عقلية تصحيح المسار بالكامل في 31 أغسطس (آب) 2013، وهو اليوم الذي أزال فيه أوباما خطه الأحمر بشأن استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية. وكان أوباما قد رسم الخط الأحمر للمرة الأولى للعمل العسكري الأميركي في صيف 2012، بعد تلقيه تقارير تشير إلى أن الديكتاتور السوري بشار الأسد كان إما يستخدم أو يستعد لاستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. ورداً على ذلك، حث بعض مستشاري أوباما على زيادة الدعم للمتمردين الساعين للإطاحة بالأسد. وبدلاً من ذلك، رسم أوباما خطه الأحمر، آملاً في أن تتمكن موسكو وطهران من كبح جماح الأسد، وحينها لن يكون البيت الأبيض مضطراً إلى اتخاذ إجراء. لكن بعد عام واحد تقريباً، حطم الأسد آمال أوباما بهجوم بغاز السارين أسفر عن مقتل مئات المدنيين، ربما أكثر من ألف.
ومع ذلك، كان أوباما مصمماً -كما كان دائماً- على منع التدخل الأميركي في سوريا، والتمسك بمساعدة موسكو وطهران. وسأل نفسه: ماذا لو كانت الولايات المتحدة قادرة على العمل في شراكة أكبر مع روسيا وإيران لتحقيق الاستقرار ليس فقط في سوريا، ولكن أيضاً في بؤر التوتر الأخرى؟ وبعد كل شيء، كان هناك بالفعل ترتيب أميركي ضمني مع إيران في العراق، على أساس العداء المتبادل المفترض للمتطرفين السنة. ألا يمكن توسيع هذا النموذج ليشمل الشرق الأوسط بأكمله؟ يمكن للشراكة مع روسيا وإيران أن تعمل على استقرار هذه المنطقة المضطربة. ومع ذلك، فإن شن هجوم على سوريا سيعزل كلاً من موسكو وطهران، ويلحق الضرر بحلم أوباما في إقامة نظام إقليمي جديد.
وفي حين كان الجيش الأميركي يستعد لتنفيذ ضربة ضد نظام الأسد، بحث أوباما عن ذريعة لإلغائها. وقد وجد ذلك عندما تذكر فجأة واجبه الدستوري في السعي للحصول على إذن من الكونغرس للعمليات العسكرية. عرف أوباما أن الجمهوريين في الكونغرس سيرفضون الإذن بعمل عسكري، مما يجعلهم مسؤولين عن محو خطه الأحمر. برفض الجمهوريين لتنفيذ الضربة ضد نظام الأسد، أخبر بن رودس، أحد مساعديه عضو دائرته المقربة، بأنهم «سيضعون خنجراً في قلب المحافظين الجدد؛ سيرى الجميع أنه ليس لديهم أصوات».
لم يكن لدى أوباما أي مصلحة في إضعاف الوفاق الروسي - الإيراني. وبدلاً من ذلك، سعى إلى عرقلة «ارتباط القوى» (باستخدام المصطلحات السوفياتية) التي كان يعتقد أنها كانت تحاصره. وشملت هذه القوى، بالإضافة إلى مجموعات متنوعة في السياسة الداخلية الأميركية، حلفاء تقليديين في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية وتركيا -وجميعهم منزعجون، كل لأسبابه الخاصة، من القوة الصاعدة للوفاق الروسي - الإيراني.
ومن جانبه، فهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معضلة أوباما. وسرعان ما قدم ذريعة قبلها أوباما عن طيب خاطر. وتظاهر الاثنان معاً بتجريد الأسد من أسلحته الكيماوية. ونقول «تظاهر» لأن المبادرة الروسية - الأميركية المشتركة كانت واجهة بوتين التي تهدف إلى وضع وجه مشرف على انسحاب أوباما. وفي مقابل جائزة الامتناع الأميركي عن توجيه ضربة ضد سوريا، كان بوتين أكثر سعادة بتدمير بعض أسلحة الأسد الكيماوية.
لكن بعض من هذه الأسلحة فقط. لقد قامت منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، والمجموعة التي نفذت السياسة الأميركية - الروسية المشتركة، بتدمير الأسلحة الكيماوية التي أعلنها الأسد رسمياً فقط. وبالطبع لم يصرح الأسد رسمياً بكل شيء، وهي حقيقة أصبحت غير قابلة للدحض في أبريل (نيسان) 2017، عندما شن الأسد هجوماً آخر بغاز السارين، قتل هذه المرة ما يقرب من 100 شخص.
لكن بالنسبة لأوباما، كان ردع الأسد دائماً مصدر قلق ثانوي. لقد حقق الآن ما رآه أكبر جائزة على الإطلاق؛ أي أنه فتح طريق لتسوية استراتيجية مع إيران، حليف روسيا في سوريا. وقد ذكر رودس لأحد المراسلين في نهاية رئاسة أوباما: «لو كانت الولايات المتحدة قد تدخلت بقوة أكبر في سوريا، لكانت هذه الظروف ألقت بظلالها، وسيطرت على مجريات الأمور في ولاية أوباما الثانية، وكان من المستحيل تحقيق خطة العمل الشاملة المشتركة».
ومع بقاء مثال سوريا ثابتاً في أذهاننا، أصبحنا أخيراً في وضع يسمح لنا بتحديد ماهية خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل حقيقي واقعي، وليس على نحو مشوش. كما يفهم من قبل واضعيه، فإن الاتفاق يشمل جانبين في وقت واحد: أولاً، هو وسيلة لسحب البرنامج النووي الإيراني من المسارات الرئيسية للعلاقات الأميركية - الإيرانية ووضعه جانباً، وبالتالي خلق مساحة سياسية ودبلوماسية لتفاعل أكبر بين واشنطن وطهران -وهو شرط أساسي لبناء النظام الإقليمي الجديد الذي يطمح إليه تصحيح المسار.
ثانياً، هو أداة لمحو خيار الاحتواء في السياسة الخارجية الأميركية. وقد فسر كثير من المحللين إلغاء العقوبات غير النووية من قبل خطة العمل الشاملة المشتركة على أنه نتاج مساومة غير ذات كفاءة. وقيل لنا مراراً إن المفاوضين الإيرانيين الماكرين خدعوا أوباما الساذج المسكين الذي لا يبدو أنه يدور برأسه حول مفهوم النفوذ في المفاوضات.
على العكس من ذلك، خدع أوباما الذكي المحللين بإخفاء خطة العمل الشاملة المشتركة على أنها اتفاقية لحظر انتشار الأسلحة النووية. وفي الواقع، كان الاتفاق هجوماً مباشراً على السياسة الخارجية الأميركية التقليدية. لقد كان -ولا يزال- حصان طروادة مصمماً لإعادة تشكيل مكانة أميركا ودورها في الشرق الأوسط. وتتمثل مهمة سوليفان وبلينكن في دفع حصان طروادة إلى الميدان المركزي للسياسة الخارجية الأميركية، من خلال التلويح بمؤهلاتهم السياسية «الوسطية» والتسويق لها على أنها وسيلة احتواء غير كاملة، ولكنها قيّمة.
يعتمد مبدأ تصحيح المسار على الافتراض الخاطئ بأن إيران هي قوة الوضع الراهن، قوة تشترك في عدد من المصالح الرئيسية مع الولايات المتحدة. ووفقاً لهذه العقيدة، يركز الأميركيون المحافظون وأنصار إسرائيل على آيديولوجية إيران -الغارقة في التعصب الأعمى تجاه غير المسلمين بشكل عام، التي تعلن عن تطلعاتها في الإبادة تجاه الدولة اليهودية بشكل خاص- ولكنها ليست مفيدة بصفتها دليلاً عملياً لسلوك طهران. هذا ما علمنا إياه السيد أوباما في مقابلة عام 2014، عندما ادعى أن قادة إيران «استراتيجيون»، وهم أناس عقلانيون «يستجيبون لمبادئ التكاليف والفوائد... والحوافز».
وفي مقابلة أخرى، ذكر أوباما أنه كان على حلفاء الولايات المتحدة أن يتعلموا «مشاركة الجوار» مع إيران. لقد كان عداؤهم يمنع واشنطن من الوصول إلى الأبعاد الأكثر براغماتية لطابع الحكومة الإيرانية. تتغذي إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية على مخاوف وطموحات ضخمة تجذبهم إلى حروب الظل مع إيران. وبسبب الولاء المفرط لحلفائها، سمحت أميركا لنفسها بالانجرار إلى دعم حروبهم، مما أدى إلى توتر العلاقات الأميركية - الإيرانية من دون داعٍ، بينما أدى ذلك في الوقت نفسه إلى تفاقم الصراعات المحلية.
وفقاً لنظرية تصحيح المسار، ستساعد أميركا حلفاءها في حماية أراضيهم السيادية من الهجمات الإيرانية أو المدعومة من إيران، ولكن لن تتنافس مع إيران خارج حدودها. وفي المناطق المتنازع عليها في سوريا واليمن والعراق، ستجبر الولايات المتحدة الآخرين على احترام «الحصص» الإيرانية، وهو مصطلح كان أوباما ذات مرة يستخدمه لوصف مواقع القوة الإيرانية. وبالتالي، ومن الناحية العملية، ستستخدم أميركا نفوذها لإعلاء مصالح إيران على مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المناطق الرئيسية من الشرق الأوسط.
وفي الداخل، بدت هذه السياسة مثيرة للجدل، على أقل تقدير، كما تتطلب تطوير تكتيكات لتمويه الميل نحو طهران. ويعد تقديم خطة العمل المشتركة الشاملة على أنها اتفاقية ضيقة للحد من الأسلحة من أهم هذه التكتيكات، لكن هناك تكتيكين آخرين جديرين بالملاحظة بشكل خاص.
الأول هو عناق الدب: وهو عبارة عن ضغط يمكن تقديمه للعالم الخارجي بصفته بادرة حب، لكنه يشل حركة متلقيه. أتقنت إدارة أوباما التحرك تجاه إسرائيل خلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة. وتباهى المسؤولون الأميركيون بشكل روتيني بأنهم رفعوا العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى آفاق جديدة باهرة. وكي نكون منصفين، فإن هذا الادعاء ليس عارياً تماماً عن الصحة، وذلك بفضل المشاريع المشتركة، مثل نظام الدفاع الصاروخي المسمى (القبة الحديدية) الذي يسمح لإسرائيل بحماية أراضيها من الهجمات الصاروخية التي ترعاها إيران. ولكن إذا كانت القبة الحديدية هي المظهر المحب على ما يبدو لعناق الدب، فإن الجزء الذي يعيق الحركة كان تثبيطاً قوياً للعمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية ضد برنامج إيران النووي وشبكتها العسكرية الإقليمية. لقد جعل أوباما كليهما يبدوان أقل أهمية من خلال الإشارة باستمرار إلى القبة الحديدية التي أصبحت أداة أميركية لإجبار إسرائيل على اتخاذ موقف أكثر سلبية في مواجهة قوة إيران المتزايدة وعدوانها المستمر.
عناق الدب هو أيضاً أداة لإلقاء الضوء على النقاد الذين يزعمون بدقة أن تصحيح المسار يمثل شجاعة سياسة الاحتواء. فالتوفير المستمر للمساعدات الأمنية الأميركية للحلفاء يسمح للإدارة بأن تدعي بشكل معقول أن الاحتواء ما زال قائماً وبصحة جيدة، وأن الولايات المتحدة بالفعل «تقاوم» أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، وأنها بعيدة عن التخلص من حلفائها القدامى، وأنها ملتزمة بسلامتهم.
ويتمثل التكتيك الثاني في خدعة القيم. فعندما تميل واشنطن نحو إيران، فإنها تخفي دوافعها الحقيقية بتصريحاتها حول النزعة الإنسانية السامية -فتتوقف عن أن تكون قوة عظمى. وبدلاً من ذلك، أصبحت ممرضة بين الدول، مستنكرة المعاناة الإنسانية، مرددة عبارات مثل: «لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع». تحث خدعة القيم الحلفاء، وبشكل علني، على عدم التراجع أمام إيران، ولكن الانخراط في «النقاط الثلاث»: الدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد. هذا الثلاثي الذي نشره أوباما للمرة الأولى في سوريا يتراجع الآن بشكل روتيني عن التعبير عنه على ألسنة مسؤولي بايدن الذين سايروا الخطة المقدمة في مقال سوليفان في «فورين أفيرز»، إذ إنهم منشغلون في تشجيع حلفاء أميركا على الجلوس والتفاوض مع الإيرانيين.
جانب من مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا
جانب من مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا
وقد قال حسن نصر الله مطلع الشهر الحالي: «نحن ندعم أي حوار إيراني مع قوى دولية أو إقليمية أو عربية، ونعده مفيداً في تهدئة التوتر في المنطقة». إن زعيم «حزب الله» اللبناني، أكثر الميليشيات المدعومة من إيران فتكاً في العالم العربي، يوافق بشدة على خطة سوليفان. ولمَ لا يقوم بذلك؟ فالدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد تحول إيران ووكلاءها إلى شركاء أميركا في شكل «دبلوماسية السلام»، ويحولون أولئك الذين يسعون لاحتوائهم إلى أعداء للسلام متعطشين للدماء.
الآن، وبعد أن أصبح بإمكاننا رؤية ما وراء الحيل اللطيفة التي تخفي الأهداف الحقيقية لتصحيح المسار، يمكننا تحديد ضروراتها الاستراتيجية الأربع بلغة بسيطة سهلة: أولاً، السماح لطهران ببرنامج أسلحة نووية غير مقيد بحلول عام 2031. ثانياً، إنهاء العقوبات المفروضة على النظام الاقتصادي والمالي الإيراني. ثالثاً، تنفيذ سياسة استيعاب إيران ومخالبها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. رابعاً، فرض تلك السياسة على أقرب حلفاء أميركا. وإذا اتبعت الولايات المتحدة هذه الوصايا، فسيحدث نوع من التوازن الإقليمي الطبيعي. إن الولايات المتحدة، كما يذهب التفكير، ستخرج نفسها أخيراً من قاعدة الحرب التي فرضها عليها الحلفاء التقليديون، بأجندتهم المعادية لإيران. وبعد ذلك، سيكون التواصل الدبلوماسي مع إيران هو الأداة الأساسية اللازمة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي (إذا كنت تشك في هذا الأمر، فامنح مقالات مالي وسوليفان في «فورين أفيرز» قراءة أكثر تعمقاً).
يستند تصحيح المسار، بعبارة ملطفة، إلى نظرية جوفاء. إنه يخطئ في ذكر طبيعة الجمهورية الإسلامية ونطاق طموحاتها. فالنظام الذي قاد هتافات «الموت لأميركا» على مدى الأربعين سنة الماضية هو نظام رجعي عنيد، إذ ترى الجمهورية الإسلامية نفسها قوة عالمية زعيمة للعالم الإسلامي، وتطمع في الهيمنة على الخليج الفارسي -والشرق الأوسط بأكمله في الواقع. لكن الأداة الوحيدة التي امتلكتها لتحقيق أهدافها هي التخريب الإقليمي.
إن آية الله خامنئي، رئيس هذا المشروع الضخم، هو سيد الفوضى. وبعد النفط، يُعد عنصر التصدير الرئيسي للجمهورية الإسلامية هو الميليشيا الإرهابية التي يقودها «الحرس الثوري» الإيراني -وهي الصادرات الوحيدة التي تنتجها إيران باستمرار على مستوى منقطع النظير. لقد أخطأ مالي وسوليفان تماماً عندما جادلوا، في الواقع، بقولهم إن الحلفاء يغرقون الولايات المتحدة في صراع مع إيران. ليس الحلفاء، بل الجمهورية الإسلامية هي التي تملأ العالم العربي بالميليشيات الإرهابية، وتسلحها بأسلحة دقيقة التوجيه، وتصف التحالف الذي تقوده بـ«محور المقاومة». إنها تفعل ذلك لسبب واحد بسيط: إنها تسعى في الخارج إلى تدمير النظام الأميركي في الشرق الأوسط.
فشبكة الميليشيات الإيرانية والبرنامج النووي جعلاها قوية بما يكفي لتكون عاملاً رئيسياً في كل ركن مضطرب في الشرق الأوسط، ولكن ليس بالقوة الكافية لبناء نظام بديل. وهنا يكمن تناقض غريب في مشروع خامنئي. ولا يمكن لإيران في الواقع الاحتفاظ بالمناطق المتنازع عليها أو استقرارها من دون موقف أميركي مفيد.
هذا التناقض نفسه يربك تصحيح المسار الذي يعتقد واضعوه أن الشراكة مع إيران هي تذكرة عبور لإنهاء التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. لكن تجارب كل من العراق وسوريا أثبتت مغالطة هذه الرؤية. ففي عهد أوباما، عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق، زاد نفوذ إيران بشكل كبير. وما الذي حدث؟ انتشرت الميليشيات المدعومة من إيران مثل الأعشاب عبر الأرض، وخلقت الفوضى التي أعقبت ذلك الفراغ الذي ملأه تنظيم داعش، مما أجبر أوباما على إعادة التدخل عسكرياً -ولكن الآن مع الخدمة العسكرية الأميركية، في الواقع، بصفتها قوة جوية لميليشيات إيران. لم ينهِ أوباما التدخلات العسكرية، لقد بدّل جوانبها وجهاتها.
لقد حدثت عملية مماثلة في سوريا. فمن أجل إنقاذ نظام الأسد، لم تكن إيران بحاجة فقط إلى تدخل الجيش الروسي لتعزيز موقفها ضد قوات المعارضة السورية، ولكن إلى مساعدة الولايات المتحدة. لقد أبقى أوباما كلاً من تركيا وإسرائيل في مأزق، بينما قتل الروس والإيرانيون والميليشيات الإيرانية أكثر من 500 ألف شخص، وهجَّروا 10 ملايين آخرين من منازلهم.
لقد اختبر أوباما وموظفوه -الذين هم الآن موظفو بايدن- بالفعل إمكانات تصحيح المسار. لقد جلبت المعاناة والموت فقط، ناهيك من الضعف العام للموقف الأميركي.
وتفسر السياسة الداخلية جزئياً الاعتقاد الذي تمارسه هذه النظرية الفارغة على العقول اللامعة. كان تصحيح المسار هو المبادرة المميزة لباراك أوباما الذي بقي إما الرجل الأقوى في السياسات الديمقراطية أو في المرتبة الثانية. وبفوزه بالرئاسة، يصبح بايدن زعيم الحزب اليوم، لكنه مدين بكثير من شعبيته الشخصية، بالإضافة إلى الفوز نفسه، لرئيسه السابق.
ينص المخطط التنظيمي لوزارة الخارجية على أن مالي مسؤول عن رفع التقارير إلى وزير الخارجية. ما لا يكشفه المخطط التنظيمي هو أن مالي، بصفته حارس شعلة أوباما في إيران، يقدم تقاريره إلى بلينكن عبر أوباما في الحقيقة. أما سوليفان، فيرفع تقاريره إلى بايدن مباشرة، لكن قدرته على الخروج عن أجندة أوباما محدودة بحقيقة بسيطة من حقائق الحياة. فكما لاحظ سوليفان نفسه في مقابلة أجراها في ديسمبر (كانون الأول): «لقد وصلنا إلى نقطة تكون فيها السياسة الخارجية هي السياسة الداخلية، والسياسة الداخلية هي السياسة الخارجية».
فاز بايدن في المجمع الانتخابي بـ45 ألف صوت فقط، موزعة على ثلاث ولايات بهامش ضئيل للغاية. ولا يزال بحاجة ماسة إلى دعم أوباما الذي يستطيع وحده أن يربط الحزب الديمقراطي بجناحه التقدمي وجناح كلينتون. وعلاوة على ذلك، إذا كانت القوة هي القدرة على إقناع الشخص بأن نجاحه في المستقبل يتطلب إبقاءه سعيداً في الوقت الحاضر، فإن لدى أوباما كثيراً من السلطة المباشرة على سوليفان. إذا كان سوليفان يطمح إلى العمل وزيراً للخارجية أو وزيراً للدفاع يوماً ما، فهو يعلم أن أوباما سيظل وسيطاً قوياً في السياسة الديمقراطية لفترة طويلة بعد مغادرة بايدن المشهد السياسي.
إن الثقل السياسي لتصحيح المسار لا ينبع فقط من الدعم الشخصي لأوباما، ولكن أيضاً من دعم التقدميين. فهو يوازن بين سياسة احتواء إيران وطريق يقود إلى حرب لا نهاية لها، ويحول سياسة تكييف إيران إلى طريق السلام. إنه يختزل تعقيدات الشرق الأوسط إلى حكاية أخلاقية مانوية تضع التقدميين في مواجهة أعدائهم الأسطوريين من المسيحيين الإنجيليين و«المحافظين الجدد» والصهاينة. ويصور تصحيح المسار هؤلاء الأعداء على أنهم متآمرون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويخططون لإبقاء أميركا غارقة في الشرق الأوسط.
إن الدور الذي يلقيه «تصحيح المسار» لإسرائيل يخضع لتدقيق شديد. فقد دعا سوليفان، في مقاله المنشور في «فورين أفيرز»، إلى منع حلفاء الولايات المتحدة من جعل السياسة الأميركية «رهينة المطالب الإقليمية المتطرفة» فيما يتعلق بخطة العمل الشاملة المشتركة. ومع ذلك، امتنع سوليفان عن ذكر إسرائيل، الدولة الأكثر صخباً وفاعلية في تقديم مثل هذه المطالب. هذا الإغفال، بالطبع، ليس من قبيل الصدفة.
ويجب أن نقول إن التقدمية المعاصرة أقل حماسة للصهيونية. ويتمثل أحد أهدافها العزيزة في تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل، ويساعدها تصحيح المسار على تحقيق هذا الطموح -لكنها تفعل ذلك بشكل خبيث. فهي تمتنع عن جعل معادتها للصهيونية صريحة خوفاً من إثارة معارضة المشروع بين الأميركيين المؤيدين لإسرائيل إلى حد كبير. ولكن من خلال تطوير العلاقات مع إيران، فإن تصحيح المسار بحكم الضرورة يقلل من مكانة الدولة اليهودية.
وستعتمد كيفية رد إسرائيل على هذا التقليص من مكانتها على كيفية حل أزمتها الداخلية الطويلة التي ميزتها أربعة انتخابات في غضون عامين. ومن المؤكد أن كارهي نتنياهو في إدارة بايدن سيسعدون إذا أطيح به من السلطة، وخلفه شخص لديه خبرة أقل في السياسة الخارجية مثل يائير لبيد. يعتقد البيت الأبيض أن إسرائيل ما بعد نتنياهو ستعمل على تلبية مطالبها الرئيسية. ومع ذلك، إذا ظل نتنياهو في السلطة (أو إذا خلفه شخص لديه التصرف نفسه تجاه إيران)، فلن يقبل الإسرائيليون بسهولة الدور المتناقص الذي كلفهم به تصحيح المسار.
وفي حين يتحرك بايدن بسرعة لوضع نتنياهو (أو خليفة له التفكير نفسه) في عناق الدب، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي ينحني ويلوي ويهز، وأحياناً يلقي مرفقاً حاداً ويركل بساقه. وسينفي كل من بايدن ونتنياهو، كل بحسب أسبابه المحلية، عمق الصراع. فالابتسامات العريضة، وأمارات الصداقة، وكثير من حركات الأقدام المذهلة (كلها تم إنتاجها لصالح الكاميرات) ستحول مباراة المصارعة هذه إلى رقصة تانغو ملتوية.
وستنتقل رقصتهما عبر خمس نقاط ساخنة -وهي التوترات الخمس التي لا يمكن حلها بين القدس وواشنطن التي يخلقها «تصحيح المسار». النقطة الأولى تتمثل بالطبع في خطة العمل الشاملة المشتركة، فالإسرائيليون من جانبهم سيحاولون منع الخلاف من تعكير جو التعاون بشكل عام، لكنهم لن يمتنعوا عن كشف عيوب الاتفاق للعالم، خاصة للكونغرس. ومن ثم، تنفث خطة العمل المشتركة الشاملة جواً من عدم الثقة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية سيزداد قوة مع استمرار إسرائيل في القيام بأعمال سرية داخل إيران، وسيكون رد فريق بايدن -كما رأينا بالفعل- هو الحث على ضبط النفس، وبالتالي توليد نقطة الاشتعال الثانية.
وقد كان الهدف الأساسي للعمليات الإسرائيلية السرية تاريخياً تخريب برنامج إيران النووي، ولكن في الآونة الأخيرة عملت أيضاً بصفتها وسيلة للإعلان عن عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، وفضح الغش الإيراني. وتعمل الحملة الإسرائيلية السرية الآن أيضاً بصفتها دعاية، إذ تُظهر معارضة تصحيح المسار الخاص ببايدن. وقد تزامن التخريب الأخير لمحطة الطاقة النووية في نطنز، وهو مثال على ذلك، ليس فقط مع المفاوضات في فيينا حول خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن أيضاً مع زيارة وزير الدفاع لويد أوستن إلى القدس. لقد أحرجت العملية واشنطن، لا سيما من خلال دحض ادعائها أن الطريقة الوحيدة لمنع الحرب هي إضفاء الشرعية على برنامج إيران النووي. وإذا كان بإمكان إسرائيل الضئيلة تخريب أكثر منشآت إيران أماناً من تلقاء نفسها من دون إشعال فتيل حرب، فما الذي يمكن أن تنجزه أكثر بمساعدة نشطة من الولايات المتحدة؟
من جانبها، ردت إدارة بايدن على الإحراج بإصدار توبيخ خاص لإسرائيل، فيما دعت إلى مزيد من التنسيق وسياسة «اللا مفاجآت» المتفق عليها. وهناك ديناميكية مماثلة تظهر على نقطة الاشتعال الثالثة -أي الاشتباك بين واشنطن والقدس بشأن الهجمات الإسرائيلية على أهداف عسكرية إيرانية في سوريا وأماكن أخرى في المنطقة. وقد أسس اجتماع عُقد في أبريل (نيسان) بين سوليفان ونظيره الإسرائيلي مئير بن شبات «مجموعة عمل مشتركة بين الوكالات» للتركيز على تهديد الصواريخ الإيرانية دقيقة التوجيه التي توفرها طهران لحلفائها الإقليميين. وسيصور البيت الأبيض مجموعة العمل على أنها جهد موحد لـ«صد» إيران، لكنها في الواقع أداة لمراقبة إسرائيل وتقييدها.
ومع تصاعد الضغط من واشنطن لدعم الدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد، ستبحث إسرائيل عن شركاء يمكنهم مساعدتها، سواء في احتواء إيران أو في إقناع الولايات المتحدة بالتخلي عن تصحيح المسار. وهناك عوائق كثيرة للتنسيق الفعال بين الرياض والقدس، ولكن السعوديين يظلون المرشح الأكثر ترجيحاً، حيث لا تزال هناك فرصة في فرض الظروف المشتركة تنسيقاً أوثق بين الطرفين. لكن فريق بايدن سيرصد العلاقات بين الرياض والقدس، ويقوم بالحظر عند الضرورة -وبالتالي خلق نقطة الاشتعال الرابعة.
ومرة أخرى، كانت إدارة أوباما هي التي صاغت النموذج لمثل هذا الحظر. ففي عام 2012، عندما تزايدت مخاوف واشنطن من احتمال قيام إسرائيل بشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، قام أربعة دبلوماسيين أميركيين ومسؤولون في المخابرات العسكرية بإطلاع مجلة «فورين بوليسي» بشأن التعاون المزعوم بين أذربيجان وإسرائيل استعداداً للهجوم. وقال مسؤول مجهول الهوية: «لقد اشترى الإسرائيليون مطاراً، والمطار يسمى أذربيجان». ونفى المسؤولون في باكو بشكل قاطع هذا التقرير الذي كان من المحتمل أن يكون مزيفاً. لكن الهدف كان ترهيب إسرائيل وأي من شركائها المحتملين المناهضين لإيران، وليس نشر معلومات صادقة.
أما النقطة الساخنة الأخيرة، فستكون القضية الفلسطينية. فمع تصاعد التوترات مع إسرائيل بشأن إيران، ستنفذ الإدارة خدعها القيمية، منتقدة إسرائيل لاختيارها طريق «الحرب». ولكن الأمر سيتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث سيلقي فريق بايدن أقسى توبيخ علني. إن هذه القضية تساعد في تمويه الغضب الأميركي بشأن سياسة إسرائيل المستقلة تجاه إيران، وتقديمها بدلاً من ذلك على أنها صراع صالح على «القيم».
ولم تضيع الإدارة وقتاً في إحياء صراع القيم هذا. ففي 7 أبريل (نيسان)، استأنف بلينكن التمويل الأميركي للقيادة الفلسطينية الذي قطعته إدارة ترمب، بما في ذلك تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين المثير للجدل، قائلاً إنه «يتوافق مع قيم ومصالح حلفائنا» (على النحو المحدد فقط من قبل إدارة بايدن، وأهمل أن يضيف المزيد). وسرعان ما أوضح غلعاد إردان، سفير إسرائيل في الولايات المتحدة والأمم المتحدة، أن «إسرائيل تعارض بشدة النشاط المعادي لإسرائيل والمعادي للسامية الذي يحدث في منشآت الأونروا».
إن رفع القضية الفلسطينية إلى قمة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية سيقلل بشكل أكبر من فرصة حدوث انفراج ثنائي سعودي - إسرائيلي. وأي جهود لدفع الاتفاقات الإبراهيمية، أو لإحباط سياسة البيت الأبيض تجاه إيران، ستُقابَل بتوبيخ بأن إسرائيل تحاول الانتقاص من العدالة للفلسطينيين. وقد يكون إطلاق جولة أخرى من المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية أحد الطرق لفريق بايدن لإضفاء المعقولية على هذا الادعاء. ومع ذلك، ونظراً لفشل الجولات السابقة، قد يختار بايدن بدلاً من ذلك بدء محادثات مع الإسرائيليين والفلسطينيين حول كيفية الحفاظ على حل الدولتين في غياب عملية سلام. وحيال إجراء أي محادثات من هذا القبيل، فإن مطالبة إسرائيل باتخاذ إجراءات مستحيلة ستتدفق بقوة، مما يسمح لواشنطن بأن تتظاهر بأنها نصيرة الحقوق الفلسطينية ضد الإسرائيليين المتمردين.
عناصر ميليشيا تابعة لإيران في العراق
عناصر ميليشيا تابعة لإيران في العراق
ومع تمهيد المسرح على هذا النحو، فإن غرفة صدى الأصوات «المستقلة» في وسائل الإعلام ستوجه لوماً شديداً لإسرائيل، سيكون فريق بايدن قد كتبه، لكنه سيفضل عدم تقديمه بشكل مباشر. ففي جريدة «نيويورك تايمز»، في 27 أبريل (نيسان)، كتب مدير وكالة المخابرات المركزية لأوباما، جون برينان، أنه «يجب على الولايات المتحدة أن تطلب من القادة الإسرائيليين التوقف عن بناء المستوطنات الاستفزازية و... الممارسات الأمنية القمعية». وكان هذا تحذيراً مبكراً. ومع تصاعد حدة التوترات بين القدس وواشنطن، ستصف أصوات أعلى من صوت برينان الإسرائيليين بأنهم دعاة حرب فاسدون قساة، لا يخربون فقط دبلوماسية السلام، ولكن أيضاً التراث الأميركي.
وبالنسبة للمجتمع المؤيد لإسرائيل، يمثل تصحيح المسار تحدياً فكرياً وسياسياً. فمن الناحية الفكرية، يفرض إعادة التفكير فيما يشكل سياسة مؤيدة لإسرائيل. ومن الناحية التقليدية، يجتاز الموقف هذا الاختبار الحقيقي إذا كان يدعم العلاقات الثنائية القوية، بما في ذلك توفير المساعدة العسكرية الأميركية. ولكن مؤيدي تصحيح المسار، من خلال ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وحقها في الدفاع عن نفسها، والتأكيد لفظياً على القوة الدائمة للروابط الأميركية - الإسرائيلية، يجتازون بسهولة هذا الاختبار، حتى مع تمكينهم لإيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتزويدها بطريق الوصول إلى سلاح نووي. ولإعطاء مصطلح «مؤيد لإسرائيل» تعريفاً يلبي التحدي الحالي، ويتطلب الدعوة إلى احتواء إيران، وليس فقط الدفاع عن إسرائيل، ومن أجل استراتيجية سلام تركز على المملكة العربية السعودية.
وبالنسبة للديمقراطيين اليهود على وجه الخصوص، يفرض هذا التعريف تحدياً سياسياً شديداً. سيهاجم التقدميون ووكلاء بايدن هذا التعريف لمصطلح «مؤيد لإسرائيل» على أنه النسخة «الترمبية» التي تعني بالنسبة لهم التنصل من القيم الأميركية، واختيار الحرب على الدبلوماسية، وتبييض «الجرائم» السعودية، ومساعدة المستوطنين الإسرائيليين على «استعمار» الأراضي الفلسطينية.
ولن يتردد بعض مؤيدي الإدارة في اتهام اليهود بإرسال رجال ونساء أميركيين بالزي العسكري للموت من أجل إسرائيل. وفي عام 2018، عندما قام الموساد بتحريك الأرشيف النووي من طهران، غرد كولين كال، الأستاذ في جامعة ستانفورد مستشار الأمن القومي السابق لبايدن، بأن العملية الإسرائيلية «بالتأكيد لها أجواء مخيفة في العراق قبل عام 2003». وبعبارة أخرى، كانت عملية المخابرات الإسرائيلية، وهي إنجاز هوليوودي، مؤامرة يهودية لجر أميركا إلى حرب لصالح إسرائيل. كال الآن هو وكيل جو بايدن للدفاع عن السياسة، وثالث أقوى شخص في البنتاغون. وخلال عملية التصديق في مجلس الشيوخ، دافع أنصار كال عنه ضد الاتهام بأنه يحمل تحيزاً ضد إسرائيل، من خلال الإشارة إلى أنه، في عهد أوباما، ساعد في دفع التعاون الأميركي - الإسرائيلي حول القبة الحديدية!
وبينما يناقش المجتمع المؤيد لإسرائيل ما يشكل سياسة معقولة، يستعد الجناحان الأيمن والأيسر للقتال، دخول لسوليفان وبلينكن، ويتنقلان بين الفصائل المتشاحنة رافعين أذرعهما في مناشدة للتهدئة. ويمتلك الثنائي بالضبط ما يلزم لتشكيل طريق ثالث بين «الحد الأقصى للضغط» الذي يمارسه ترمب وإعادة تنظيم أوباما -طريقة كلينتونية من شأنها أن تربع الدائرة، وتشبك الإبرة، وتمكِّن من ركوب حصانين في وقت واحد. يقولون لهم: لا تتشاجروا بعضكم مع بعض، ولا تقسموا مجتمعكم. كن مطمئناً، نحن نساندك، وليست لدينا أوهام بشأن إيران، وإن التزامنا بأمن إسرائيل يظل ثابتاً.
ألن يكون من الجيد تصديق ذلك كله؟ لسوء الحظ، هذه الطريقة الثالثة هي عبارة عن أسطورة -وأسطورة خطيرة في هذا الإطار. إنه شراء للوقت وحسن النية لإدارة لا تستحق أياً منهما، وهي تسابق لإنهاء ما بدأه أوباما.
تصحيح المسار أمر ذكي بما يكفي ليكون غبياً على نطاق واسع. عندما يشير مالي إلى رئاسة أوباما على أنها تجربة نصف مكتملة، فإنه يعني، بشكل أكثر تحديداً، أن الولايات المتحدة فشلت في إجبار حلفائها في الشرق الأوسط على التكيف مع إيران. وفي مقاله بـ«فورين أفيرز»، أوضح أن واشنطن يجب أن تتوقف عن «منح شركائها تفويضاً مطلقاً»، و«تمكين أعمالهم الأكثر عدوانية» الموجهة ضد إيران ووكلائها. ويشرح مالي أن الحليف الذي يحتاج إلى إلغاء الشيك المفتوح هو المملكة العربية السعودية، والساحة التي يجب البدء بها هي اليمن. لقد كتب صراحة أنه يجب على واشنطن الضغط على الرياض من أجل «إنهاء الصراع».
وفي مقاله بـ«فورين أفيرز»، أخذ سوليفان هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك، ووضع خطة للضغط على الرياض لإنهاء الحرب في اليمن، وأوضح أنه يجب على الولايات المتحدة أن تخبر السعوديين بعبارات لا لبس فيها أن الفشل في إنهاء التدخل سيعرض الضمان الأمني الأميركي للمملكة العربية السعودية للخطر. وفقاً لسوليفان، يجب على واشنطن «الإصرار على بذل جهود دبلوماسية سعودية جادة حسنة النية لإنهاء حرب اليمن، وخفض التصعيد مع إيران، في جزء من الشروط التي تحتفظ بموجبها بمجموعة مكملة للقوات الأميركية المنتشرة في المملكة العربية السعودية». وللحفاظ على هذه «التهدئة»، يجب على الولايات المتحدة الضغط على الرياض للدخول في «حوار» مع طهران.
من الواضح أن خطة إعطاء السعودية عناق الدب لتكسير الأضلاع كانت قائمة قبل انتخاب بايدن بفترة طويلة. فبمجرد أن تولى الفريق الجديد منصبه، لم يضِع الوقت في الضغط. وفي 27 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة تجميد مبيعات الأسلحة. وفي 4 فبراير (شباط)، أعلنت إنهاء دعم العمليات «الهجومية» في اليمن. وفي 5 فبراير (شباط)، أعربت عن نيتها إزالة الحوثيين، وكيل إيران في اليمن، من قائمة الإرهاب؛ وفي 16 فبراير (شباط)، أوفت بوعدها.
إذا أخذنا ورقة من كتاب لعب أوباما في سوريا، فقد اعترفت إدارة بايدن باليمن على أنه مجال مصلحة إيراني بحكم الأمر الواقع. ومع ذلك، فإن شعار حركة الحوثيين «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» لم يتم التصويت عليه بشكل جيد بين غالبية الناخبين الأميركيين. ولإخفاء حقيقة أن سياساتها تمكن الحوثيين والإيرانيين، استخدمت إدارة بايدن خدعة القيم.
وعن الهدف من قرار رفع التصنيف الإرهابي عن الحوثيين، شرح بلينكن أنه للتخفيف من «الوضع الإنساني المزري في اليمن»، وقال إن الإدارة توصلت إلى القرار لأنها استمعت إلى الأمم المتحدة والجماعات الإنسانية وأعضاء الكونغرس من الحزبين، وجميعهم حذروا من أن تصنيف الحوثيين إرهابيين «يمكن أن يكون له تأثير مدمر على وصول اليمنيين إلى السلع الأساسية، مثل الطعام والوقود».
إن خدعة القيم في اليمن تمت على نطاق واسع، إذ لا تحتفل أميركا بنفسها فقط باعتبارها ممرضة، بل تصور السعودية بصفتها وحشاً شريراً. ففي 26 فبراير (شباط)، أصدرت إدارة بايدن تقريراً استخباراتياً رفعت عنه السرية عن مقتل جمال خاشقجي. وجاء التقرير الذي زعم «موافقة» ولي العهد على الاغتيال رداً على أي تطورات جديدة؛ لقد جلبت الإدارة الملف الذي يبلغ من العمر عامين فقط من أجل استخدامه فزَّاعة في سلسلة القيم.
ومن جانبه، فإن ولي العهد لم يكن لديه أدنى شك بشأن السبب الحقيقي لهذه القذيفة. وقد قال في مقابلة تلفزيونية كبيرة في نهاية أبريل (نيسان): «نسعى إلى إقامة علاقات جيدة مع إيران... نحن نهدف إلى رؤية إيران مزدهرة. نحن نعمل مع شركائنا في المنطقة للتغلب على خلافاتنا مع إيران».
ولكن في 7 مارس (آذار)، بعد أسبوعين من صدور تقرير خاشقجي، صمتت قيم الإدارة الأميركية بشكل واضح. ففي ذلك اليوم، احتج عشرات المهاجرين الإثيوبيين في مركز احتجاز في صنعاء باليمن على ظروفهم المعيشية التي لا تطاق، وحاصر حراسهم الحوثيون المتظاهرين في عنبر، وطلبوا منهم أداء «صلواتهم الأخيرة»، وألقوا قنابل يدوية على المبنى. وذكر أحد الناجين أنه «تم تحميص الناس أحياء... كان عليّ أن أخطو على جثثهم للهروب». لم يُسمع في واشنطن أي صوت عن هذا الهجوم، ناهيك من الحملة العسكرية للحوثيين في اليمن التي تضاعفت بفضل الضوء الأخضر لأميركا.
ومن خلال مكافأة العدوان الإيراني، لا تجلب الإنسانية المزيفة لتصحيح المسار إلا قدراً أكبر من المعاناة للأشخاص الذين تتظاهر بأنها تخفف من معاناتهم. وتضمن السياسة المقدسة ببساطة أن تتمتع إيران بقاعدة عربية دائمة لشن ضربات ضد أهم حليف عربي لأميركا، المملكة العربية السعودية.
إن الميل نحو إيران في اليمن له أيضاً تداعيات شريرة على التنافس بين أميركا وأكبر منافس لها في العالم اليوم. لقد وقعت الصين وإيران مؤخراً «شراكة استراتيجية» لمدة 25 عاماً تنقل مئات الملايين من الدولارات إلى إيران، وتساعد طهران على توسيع برنامجها للطاقة النووية، وتحديث موانئها، وتطوير قطاع الطاقة لديها. كما يتضمن الاتفاق تعاوناً أكبر في مجال الدفاع ونقل التكنولوجيا العسكرية الصينية. وفي الوقت نفسه، تعمل بكين على تحديث قاعدتها البحرية في جيبوتي، وبناء رصيف يمكنه استيعاب حاملات الطائرات على بعد 20 ميلاً من اليمن عبر مضيق باب المندب الذي يتحكم في المداخل المؤدية إلى قناة السويس من المحيط الهندي. ويوماً بعد يوم، تزداد احتمالية قيام تحالف صيني - إيراني قادر على السيطرة على المضيق.
ويعكس توسيع تعاون طهران الاستراتيجي مع بكين فور انتخاب بايدن التعاون مع موسكو الذي أعقب استكمال خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015. إن الشراكات الدولية المتنامية لإيران، التي هي في حد ذاتها نتاج تصحيح المسار، تعزز فقط تصميم طهران على تدمير نظام الأمن الإقليمي الأميركي. الجمهورية الإسلامية قوة لا تهدأ؛ سيحصل خامنئي على كل تنازل تقدمه أميركا، ثم يطالب بالمزيد -بالدم.
بايدن بين سوليفان وبلينكن
بايدن بين سوليفان وبلينكن
ومع ذلك، فإن مؤيدي تصحيح المسار يعرضون سياستهم بثقة تامة، كما لو أن تفوق أسلوبهم قد تم إثباته- وكأننا نستطيع جميعاً أن نرى أن صيغتهم ستخرج أميركا من قاعدة حربها، وتؤدي إلى استقرار الشرق الأوسط، وتحمي مصالح أميركا، وتحمي أقرب حلفائها. الادعاء ليس فقط عارياً من الصحة، ولكن ببساطة لا يوجد أي أساس إثباتي له -صفر. إذا كان هناك أي دليل، فإن مؤيدي تصحيح المسار سيقدمون حجتهم بأمانة وصراحة، ويتوقفون عن الاختباء خلف جدارٍ عالٍ من الخداع اللطيف.
الثقة المطلقة نفسها تميز أيضاً موقف فريق بايدن تجاه حملة «الحد الأقصى من الضغط» لترمب التي يسخر منها بصفتها متهورة غير متماسكة غير فعالة. ففي عهد ترمب، تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة. ولم تندلع المظاهرات المناهضة للنظام في كل مدينة إيرانية كبرى في عام 2019 فحسب، بل اندلعت احتجاجات مماثلة في العراق، واستهدفت بشكل مباشر أو غير مباشر وكلاء إيران هناك. لكن سياسة «الحد الأقصى من الضغط» التي انتهجها ترمب كانت أكثر بكثير من مجرد فرض عقوبات اقتصادية. لقد تضمنت أيضاً العمل العسكري الأميركي المباشر، ودعم العمل العسكري من قبل الحلفاء، والعمليات السرية الأميركية أحادية الجانب، ودعم العمليات السرية للحلفاء -ويعمل تصحيح المسار على إنهائها جميعاً بشكل مفاجئ.
أما الأمر الأكثر إثارة للإعجاب على الإطلاق، فكانت الضربة التي وجهها ترمب إلى «الحرس الثوري» الإيراني، وهو العنصر الأكثر رعباً في نظام يحكم بشكل متزايد من خلال الخوف وحده. أنهى ترمب الوهم الذي أفاد إيران بشكل كبير، بأن وكلاءها كانوا جهات فاعلة مستقلة، وليسوا أذرعاً مباشرة لـ«الحرس الثوري». توجت سياسة تحميل إيران المسؤولية المباشرة بمقتل قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس» ثاني أقوى رجل في إيران.
وفي غضون ذلك، صعّد الإسرائيليون (على الأرجح) حملتهم السرية للتخريب وجمع المعلومات الاستخبارية ضد برنامج إيران النووي. وفي وقت سابق من رئاسة ترمب، ألحقوا أضراراً بعشرات المنشآت الإيرانية الحساسة، واستولوا على أرشيفها النووي. وفي عملية دراماتيكية، قتلوا رئيس البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زادة. وعلى حد علمنا، لم تعتقل إيران أي عملاء إسرائيليين.
ومن خلال اختراق دفاعات إيران، مزقت إسرائيل -بدعم من إدارة ترمب- تبرير أوباما الرئيسي لخطة العمل الشاملة المشتركة، من خلال إظهار أن الولايات المتحدة قادرة على إدارة التحدي الإيراني، بما في ذلك البعد النووي، بالتزام عسكري أميركي خفيف نسبياً. إن الشبكات التي تخرب البرنامج النووي داخل إيران ليست أميركية، بل إسرائيلية. ومن خلال دعم حليف أميركا، لم ينجرف ترمب في صراعات غير مرغوب فيها، وقام بتمكين الآخرين من تنفيذ أعمال أميركا بالنيابة عنها.
حذا ترمب حذو جميع رؤساء الولايات المتحدة قبل أوباما الذين تصوروا الشرق الأوسط طاولة مستطيلة، حيث تجلس أميركا وحلفاؤها التقليديون في جانب، وخصوم أميركا، بما في ذلك إيران وروسيا، في الجانب الآخر. وفي إطار هذا المفهوم العريق، بدت مهمة الولايات المتحدة ذات شقين: التوسط بين الحلفاء الذين يمثلون كثيراً من الانقسامات، ودعمهم ضد الجانب الآخر.
وكان «الحد الأقصى للضغط» شكلاً من أشكال الأمن الجماعي، وشجع على توثيق التعاون بين الحلفاء الأميركيين، وبالتالي لعب دوراً رئيسياً في الاتفاقات الإبراهيمية واتفاقيات السلام التي أدت إلى توسيع العلاقات الثقافية والاقتصادية والعسكرية بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمغرب والسودان -وكلها قريبة من المملكة العربية السعودية؛ لا أحد كان ليطبع العلاقات مع إسرائيل لو عارضت الرياض هذه الخطوة. كانت الخطوة المنطقية التالية في العملية، والجائزة الاستراتيجية للجهد، هي أن يقوم الرئيس الأميركي المقبل بدفع التقارب الإسرائيلي - السعودي.
ومن المستحيل المبالغة في قيمة اتفاق سلام سعودي - إسرائيلي كامل للولايات المتحدة أو حتى خطوات مهمة في هذا الاتجاه. فقد أعلنت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) أن عقيدة التعصب الراديكالي قد ترسخت داخل العالم الإسلامي أكثر مما كنا نعتقد، وهي عقيدة تسعى إلى عزل المجتمعات الإسلامية عن التأثيرات غير الإسلامية. ويرى الإماراتيون، اللاعبون الرئيسيون في الاتفاقات الإبراهيمية، السلام مع إسرائيل جزءاً من جهد متعدد الجوانب لدحض هذه النظرة غير المتسامحة للإسلام والتاريخ الإسلامي. إن المملكة العربية السعودية هي أقوى دولة عربية، وبفضل وصايتها على مكة المكرمة والمدينة المنورة، تعد واحدة من أكثر الدول نفوذاً في العالم الإسلامي بأسره. كما أنها كانت لفترة طويلة حصناً للفقه الإسلامي المحافظ والتمسك الحرفي بالقرآن. إذا كانت الدولة التي يصلي المسلمون نحوها خمس مرات في اليوم، والتي يقوم نحو مليوني شخص بالحج إليها سنوياً، قد طورت علاقات ودية مع الدولة اليهودية، فإن الآثار المترتبة على العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في كل مكان ستكون عميقة.
ومع ذلك، فقد منعت إدارة بايدن مسؤوليها حتى من استخدام مصطلح «الاتفاقات الإبراهيمية» التي تمقتها تحت تأثير تصحيح المسار. ولأن الاتفاقيات تحظى بشعبية سياسية، حتى في الأوساط الديمقراطية، ستمتنع الإدارة عن التعبير عن اشمئزازها بصراحة، وستبحث عن كل فرصة للادعاء بأنها تبدو إيجابية فيما يخص تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
لكن في الواقع، ليس لدى فريق بايدن أي نية لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية التي يعد وجودها وصمة عار في سجل الديمقراطيين. إنه يدحض العقيدة التي تدعو إليها إدارة أوباما بأن السلام بين إسرائيل والعالم العربي يجب أن يبدأ باتفاق فلسطيني - إسرائيلي.
والأهم من ذلك أن الاتفاقات تشكل أيضاً تهديداً لعملية تصحيح المسار نفسها. فقد نتج فك الجمود السعودي - الإسرائيلي جزئياً عن الشعور بالتهديد المشترك بينهما بشأن صعود إيران، وعدم موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية المتزايدة. وستصبح الشراكة القوية بين الرياض والقدس لا محالة العقدة الأساسية لمعارضة تصحيح المسار من داخل نظام التحالف الأميركي. وربما تكون الرغبة في إنهاء أي نقاش غير خاضع للرقابة حول توسيع الاتفاقات الإبراهيمية سبباً إضافياً لقيام إدارة بايدن بتكريس أيامها الأولى في السلطة لانتقاص محمد بن سلمان علناً، والضغط عليه بشكل خاص لمصلحة طهران. «لا تجرؤوا على مساعدة إسرائيل»، كان أمراً ضمنياً آخر حمله إلى الرياض «هجوم القيم» الأميركي على خلفية قضية خاشقجي.
عندما تولى بايدن منصبه، واجه مفترق طرق: على أحد المسارين وقف تحالف متعدد الأطراف مصمم على احتواء إيران، وكان له سجل حافل بالنجاحات، وخطط لأشياء أفضل آتية، كما أظهر العمل التخريبي الأخير في نطنز. وكان الأعضاء البارزون في التحالف يطلبون من بايدن العمل ضد عدو مشترك، ولكن أيضاً لتعزيز تعاون أكبر، وربما حتى اتفاقية سلام رسمية بين السعودية وإسرائيل. وعلى المسار الآخر، وقفت الجمهورية الإسلامية مكروهة من قبل شعبها، وفي الواقع من قبل معظم الناس في الشرق الأوسط. ولم تقدم سوى الرسالة الحقيرة نفسها التي لطالما تبنتها. وكانت جميع القوى الخبيثة في الشرق الأوسط تقف إلى جانبها، إما تتطلع مباشرة إلى طهران من أجل القيادة أو تزدهر على الفوضى التي تزرعها.
اختار بايدن إيران، مما أدى إلى كسر نظام التحالف الأميركي، وتراجع قضية السلام. كما حقق اختياره انتصاراً للصين وروسيا اللتين تعملان مع إيران، كلٌ على طريقته الخاصة، من أجل تراجع أميركا. في محاولة شاذة لتحرير نفسها من حلفائها، تلوث الولايات المتحدة عشها.

* مايكل دوران زميل رفيع في معهد هدسون بواشنطن، وتوني بدران زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات



آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
TT

آثار السعودية... اكتشافات نوعية أعادت كتابة تاريخ الجزيرة العربية

تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)
تمثال من العلا‬ معروض مؤقتاً في متحف اللوفر يعود للفترة اللحيانية ويعكس ثراء العلا ودورها في الحضارة الإنسانية (واس)

على أبعاد جغرافية متقاربة في قلب التاريخ، تقف مدينتان سعوديتان لتختصرا لوحةً إنسانية ممتدة عبر آلاف السنين؛ خيبر، الواحة الرابضة فوق الحرات البركانية السوداء، والتي نجحت في حراسة أسرار ما قبل التاريخ؛ حيث تروي منشآتها الحجرية الغامضة و«مستطيلاتها» الأثرية قصة استيطان بشري موغل في القدم، يعود لأيامٍ سبقت ابتكار الكتابة نفسها.

وعلى بعد خطواتٍ بالتاريخ والمكان، تتلالأ «مهد الذهب»، مهد «التبر» والمعادن الثمينة في الحضارة الإسلامية المبكرة، التي ضجت جبالها بحركة التعدين، وخلّد «درب زبيدة» العابر بها خطى الحجيج والمسافرين في العصور الإسلامية الأولى، مخلّفاً وراءه نقوشاً ومحطاتٍ تنبض بالروحانية والنشاط الاقتصادي.

وبين أسرار خيبر العتيقة وكنوز مهد الذهب الإسلامية، حيث تجولت «الشرق الأوسط» لساعات بين تفاصيلها وكنوزها الأثرية التي تعكس حجم وعمق الإرث التاريخي الاستثنائي الذي تحتفظ به السعودية فوق أراضيها، تقدم الاكتشافات الأثرية الجديدة التي أعلنت عنها السعودية تباعاً، عن تكثف عمر البشرية وعمق التاريخ الإنساني والحضاري في أراضيها، وعن إعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية، وتحول الجغرافيا السعودية إلى متحفٍ مفتوح يختصر فصول الوجود الإنساني، ويقدم قراءة جديدة لعمق إرثٍ تاريخي يعيد صياغة خطوط الحضارة العالمية من قلب الصحراء.

مواسم التنقيب كشفت عن المزيد من أسرار عاصمة مملكة كندة بمنطقة الفاو الأثرية (هيئة التراث‬)‬‬‬‬

أقدم وجود على أراضي السعودية

تتابُع الإعلان عن الآثار المكتشفة في السعودية، وقد حمل كل إعلان عمقاً جديداً من تاريخ الوجود البشري المبكر في الجزيرة العربية، يفصح عن مكانتها بوصفها موطناً أصيلاً للبشر الأوائل، ومستقراً للإنسان في تطوره وتطلعه ودوره في الحضارة البشرية عبر العصور.

ووفقاً لإعلانات هيئة التراث السعودية والبعثات الدولية، فإن أعمق ما دلّت عليه المكتشفات الأثرية حتى الآن عن بداية الاستيطان البشري في أراضي السعودية، يعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل، ومن الدلائل على ذلك «موقع الشويحطية» الذي يقع على بعد 30 كيلومتراً شمال مدينة سكاكا بمنطقة الجوف شمال السعودية، حيث تم اكتشاف أدوات حجرية بدائية مصنوعة من حجر الكوارتز، تدل على ارتباط الموقع بمواقع في شرق أفريقيا تعود إلى ما قبل الحضارة الآشولية.

واكتشفت في «شعيب دحضة» في نجران جنوب السعودية، مجموعة من الأدوات الحجرية والدلائل الأثرية الأخرى، التي أثبتت استيطاناً بشرياً قديماً في منطقة نجران.

وترجح اكتشافات الموقع من أدوات بدائية وقواطع ومطارق حجرية كبيرة ومكاشط وشفرات صغيرة، انتماء هذه الآثار إلى الحضارة الألدوانية؛ وهي مرحلة مبكرة من العصر الحجري القديم.

وعن أقدم مستوطنة معمارية، تعبر عن أول استقرار بشري مبني، فقد دلت الاكتشافات إلى موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار.

وأعلنت هيئة التراث أن هذا الموقع يمثل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية بأكملها، وعُثر فيها على مطاحن حجرية، وأدوات زينة مصنوعة من الرخام، وعظام آدمية وحيوانية، وهياكل معمارية تثبت تحول الإنسان في المنطقة من حياة التنقل إلى الاستقرار والبناء.

جانب من أعمال الموسم السابع عشر للتنقيب الأثري في موقع جُرش بمحافظة أحد رفيدة في منطقة عسير (هيئة التراث‬)

أطياف الحضارات

تزخر السعودية بتاريخ حافل وحضارات متعاقبة، وتُعدّ الاكتشافات الأثرية في العقود الأخيرة شهادة علمية قاطعة على مكانة شبه الجزيرة العربية بوصفها مركزاً تجارياً وثقافياً رئيسياً في العالم القديم، كانت خلاله أرض السعودية مهداً لحوار الشعوب، وشرياناً ناطقاً بالفنون والعلوم والهندسة المعمارية؛ حيث تحتضن السعودية اليوم ثمانية مواقع مُدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي لمنظمة (اليونيسكو)، تتنوع بين مدن أثرية، وفنون صخرية، وواحات ثقافية.

وعبر هذه الجولة القائمة على التتبع الجغرافي والطبوغرافي، تأخذنا الرحلة داخل خريطة المجد المدفون، ونتنقل فيها بين جزء من الشواهد الأثرية، التي استطاعت أن تحول قلب الصحراء من مجرد مجالات عبور جغرافية، إلى مراكز ثقل حضاري وسياسي.

وعلى بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرقي مركز مدينة وادي الدواسر، تتربع عاصمة كِندة الأولى، «قرية الفاو» المسجلة على قائمة التراث العالمي (UNESCO) بتاريخها الزاخر وكونها نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية، مؤهلاً لتطور الفاو من محطة مرور قوافل صغيرة إلى مركز تجاري وديني وحضري مهم في وسط الجزيرة العربية، وقد اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم لـ8 قرون، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع للميلاد.

وتتجسد القيمة العلمية للموقع في الهندسة المتقدمة؛ حيث طور سكانها شبكات أنفاق حجرية عميقة للوصول إلى المياه الجوفية واستصلاح الواحات وسط بيئة قاحلة. وعلى الصعيد الفني والتاريخي، أظهرت التنقيبات نضجاً ثقافياً ونشاطاً استيرادياً هائلاً عبر جداريات ملونة ساحرة، وتماثيل برونزية ذات طابع دقيق.

قصر الحمراء مشيّداً من الحجارة المشذبة على مرتفع صخري في تيماء (هيئة التراث‬)

نقوش فرعونية

باتجاه شمال السعودية، تبرز «تيماء» الواحة التي تضم كنزاً من الآثار المهمة في قيمتها التاريخية، حتى أصبحت من أهم المناطق في السعودية، من حيث مكانتها التاريخية ومواقعها الأثرية المتعددة.

وعثر باحثو الآثار على أحفورة «ناب الفيل» ضمن مجموعة كبيرة من الأحافير لحيوانات كثيرة كانت تعيش قرب بحيرة قديمة يزيد عمرها على خمسمائة ألف سنة.

وفيها أعلنت بعثات سعودية ودولية مشتركة عن اكتشاف آثار مهمة، منها نقوش فرعونية في مواقع أخرى ارتبطت بوجود الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ، إضافة إلى ما تزخر بها من قصور أثرية باقية حتى الآن.

وشهدت هذه الواحة اندماجاً حضارياً نادراً بين الثقافات البابلية، الآشورية، الآرامية، والممالك العربية القديمة مثل لحيان.

ومن أبرز المعالم والاكتشافات فيها، مسلة تيماء (المحفوظة أصلها في متحف اللوفر)، وهي حجر بازلتي مكتوب باللغة الآرامية يوثّق دخول عبادات بابلية للمنطقة، إضافة إلى (مسلة نابونيد) وهي نقوش صخرية تظهر الملك البابلي بالرموز الدينية للقمر والشمس، و(بئر هداج) أقدم وأضخم نظام مائي للري والاستخدام البشري في الجزيرة العربية، وقصور الحمراء والرضم والأبلق، وهي مجمعات معمارية تعكس النضج الهندسي والعسكري.

وليس ببعيد عن تيماء، تبرز الفنون الصخرية في جبة والشويمس في حائل، التي توصف بسجل الإنسان الأول قبل نحو عشرة آلاف عام، وعلى صخور جبل أم سنمان في جبة (100 كيلومتر شمال مدينة حائل) وجبال الشويمس (270 كيلومتراً جنوب غربي مدينة حائل)، يقف الباحث أمام واحد من أهم متاحف الفنون الصخرية في الشرق الأوسط، والمدرج على قائمة «اليونيسكو».

وتعود القيمة التاريخية لهذه النقوش إلى العصر الحجري الحديث، وتوثق التحولات المناخية والبيئية في شبه الجزيرة العربية، وتطرح النقوش الدقيقة أدلة علمية حول استيطان الحيوانات المنقرضة للمنطقة، وتفاصيل أدوات الصيد، والطقوس الاجتماعية والدينية لإنسان شبه الجزيرة القديم.

وبالانتقال إلى درة التراث العالمي، «العلا» بكنوزها الأثرية، والنقوش على واجهات جبال العلا المحيطة بدادان، والمكتوبة بعددٍ من اللغات والخطوط، إلى «المكتبة اللحيانية» المفتوحة في موقع جبل عِكْمة الذي احتفظ بسجلات أثرية لأقوام وحضارات ازدهرت ومن ثَمّ اندثرت على أرض العلا.

وتتجلى قيمة العلا التاريخية في موقعين رئيسيين، هما مملكة دادان ولحيان (الألفية الأولى قبل الميلاد)، حيث كُشف عن «مقابر الأسود» والنقوش الدادانية واللحيانية التي تُعد الحاضنة الأولى لتطور الخطوط الكتابية العربية، والحِجر (مدائن صالح) وهي العاصمة الجنوبية للمملكة النبطية بعد البتراء، وأول موقع سعودي يُدرج على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي (2008).

وتضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في الصخور الرملية بواجهات معمارية مزخرفة بالكامل تعود للقرن الأول قبل الميلاد. وتبرز في الحِجر الهندسة المعمارية والدقيقة النبطية، والقدرة على التحكم في إدارة الموارد المائية وتحصين المقابر والمراكز السياسية.

تضم الحِجر أكثر من 100 مدفن ضخم منحوت في صخور رملية بواجهات مزخرفة تعود للقرن الأول قبل الميلاد (هيئة التراث)

شريان القوافل

على مسافة بعيدة عن العلا، حيث جنوب السعودية، يبرز موقع «جُرَش» الأثري الذي يبعد نحو 15 كيلومتراً عن مركز مدينة أحد رفيدة (ونحو 35 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة أبها).

وتعود الحضارات المكتشفة في موقع جرش الأثري لفترة ما قبل الميلاد، وازدهر الاستيطان فيه خلال القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي، حيث استمر الاستيطان خلال الفترات اللاحقة في وسط الموقع.

وتنوعت المعثورات الأثرية بين الأواني الزجاجية والمصنوعات الحجرية، وأوانٍ فخارية من فترة ما قبل الإسلام، إضافة إلى نقش على صخرة لأسد وثور مكتوب أسفل منهما بخط المسند، حيث نُفّذ هذا الرسم بالحفر البارز، ويرمز إلى النماء والقوة التي كانت تتمتع بهما مدينة جرش آنذاك.

وقريباً منها، تظهر منطقة حِمَى الثقافية (نجران)، أو مكتبة النصوص الصخرية العظمى، التي تبعد نحو (130 كيلومتراً شمال مدينة نجران)، ويعد من أحدث المواقع السعودية المسجلة في قائمة التراث العالمي عام (2021)، بما يمثله كإحدى أكبر المجموعات للفنون الصخرية والنقوش والمكتبات في العالم.

وتكمن القيمة الاستثنائية لـ«حِمَى» في كونها الشريان الأساسي لمرور القوافل التجارية والعسكرية عبر العصور؛ حيث كشف الموقع عن آلاف النقوش المكتوبة بأقلام متعددة (المسند، الثمودي، النبطي، والكوفي والعربي المبكر).

وتُعد «حِمَى» بمثابة «أرشيف مفتوح» يوثق أساليب الحياة، والحروب، والديانات، والأنشطة الاقتصادية، وتطور الكتابة في شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين.

شاهد أثري من «مهد الذهب» التي ضجت جبالها بحركة التعدين وخلَّد درب زبيدة ذكرها في العصور الإسلامية الأولى (هيئة التراث)

إعادة كتابة التاريخ

تواصلت «الشرق الأوسط» مع هيئة التراث السعودية للاستفسار عن تفاصيل ما شهدته السعودية خلال الفترة الماضية من اكتشافات أثرية نوعية عززت مكانة الجزيرة العربية في التاريخ الإنساني، وأسهمت في إعادة النظر في بعض التصورات السائدة حول عمق الاستيطان البشري وتطور المجتمعات القديمة.

ومن أبرز هذه الاكتشافات، أطول سجل مناخي في دحول الصمان شرق الرياض والذي يعود لأكثر من 8 ملايين سنة بناء على تحليل الترسبات القديمة.

كما أعلنت الهيئة عن اكتشاف وتوثيق مجموعة من الفنون الصخرية المبكرة للجمل بالحجم الطبيعي يتراوح عمرها بين 11 - 12 ألف سنة في موقع جبال عرنان بمنطقة حائل، تبرز ثقافة ونشاط المجتمعات البشرية القديمة التي استوطنت المكان، إضافة إلى ما كشفت عنه أعمال المسح والتنقيب، بالتعاون مع جامعة كانازاوا اليابانية، عن دلائل أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية.

وأشارت الهيئة أن هذه النتائج تعكس مراحل مبكرة من الاستقرار البشري وبدايات العمارة في المنطقة، بما يقدم أدلة مادية جديدة تسهم في إعادة قراءة تاريخ الجزيرة العربية ودورها في حركة الإنسان واستقراره.

وتؤكد نتائج مشروعات المسح والتنقيب المستمرة، التي تنفذها هيئة التراث بالشراكة مع جهات علمية محلية ودولية، أن الجزيرة العربية كانت موطناً للاستيطان والتفاعل البشري منذ فترات مبكرة، وليست مجرد ممر للهجرات البشرية.

السعودية في خريطة التراث العالمي

يقود التركيز الكبير الذي يشهده قطاع الآثار في السعودية حالياً على آثار «العصر الحجري الحديث» والمستوطنات المبكرة، إلى سؤال عن موقع السعودية بأراضيها الواسعة والزاخرة بالتاريخ، على خريطة التراث العالمي مقارنة بالحضارات الكبرى الأخرى كالحضارة الفرعونية أو بابل.

وتقول هيئة التراث إن السعودية أصبحت اليوم من أبرز المناطق عالمياً في دراسة عصور ما قبل التاريخ عموماً، والعصر الحجري الحديث على وجه التحديد، حيث أسهمت الاكتشافات والبرامج البحثية الحديثة في إبراز الجزيرة العربية بوصفها منطقة رئيسة في دراسة الهجرات البشرية القديمة، وهو ما انعكس في نشر نتائج عدد من المشروعات الأثرية في مجلات ودوريات علمية دولية مرموقة.

وتتميز السعودية بسجل أثري واسع ومتعدد الفترات يقدم أدلة مهمة لفهم مراحل مبكرة من التاريخ البشري وتطور الاستيطان، يسبق الحضارات القديمة المعروفة، مع وجود شواهد أثرية وثَّقتها هيئة التراث، أعطت دلائل على التواصل الحضاري مع الحضارات المجاورة في بلاد الرافدين ومصر القديمة في تيماء منطقة تبوك مع ما تم توثيقه من تأثيرات حضارية أخرى في جانب المصنوعات واللقى الفخارية المكتشفة، والذي يمكن اعتباره دليلاً مادياً على أنها لم تكن بمنأى عن التطور الحضاري في كافة بلدان العالم.

شاهد حجري كوفي يعود لعام 311هـ ولقىً متنوعة تروي تفاصيل الحياة قديماً في موقع جُرش (هيئة التراث‬)

خلايا نحل التنقيب

وتشهد السعودية توسعاً مستمراً في أعمال الاستكشاف والتنقيب الأثري، ونفذت هيئة التراث أعمالاً ميدانية في 68 موقعاً أثرياً بمناطق متعددة من السعودية، في عام 2025، بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية من مختلف الجامعات والمعاهد، ومن مختلف المدارس الأثرية في العالم، مع مشاريع دولية نوعية في المنشآت الحجرية وأنظمة المياه القديمة مع مراكز وجامعات دولية أخرى، كما تعمل الهيئة من خلال 75 بعثة محلية أخرى في مختلف مناطق السعودية، ضمن خطط علمية ومنهجية تسهم في توسيع قاعدة المعرفة الأثرية.

وفي عمل البعثات، يتم التنسيق باستمرار مع الجامعات والمراكز البحثية الدولية من خلال مشاريع بحثية مشتركة واتفاقيات تعاون تحدد نطاق العمل وأهدافه العلمية، بما يعزز تبادل الخبرات ونقل المعرفة واستخدام التقنيات الحديثة في البحث الأثري. كما أسهمت هذه الأعمال في إشراك أكثر من 60 طالباً وطالبة في التدريب الميداني، بما يدعم بناء القدرات الوطنية الشابة وتأهيل جيل متخصص في مجال الآثار.

التنقيب تحت الماء

وعن مشاريع التنقيب تحت الماء (الآثار الغارقة) في البحر الأحمر والخليج العربي، تواصل هيئة التراث تنفيذ مشاريع المسح الأثري البحري في البحر الأحمر والخليج العربي، وقد كشفت هذه الأعمال عن مواقع ومؤشرات واعدة تسهم في توثيق تاريخ الملاحة والتجارة البحرية، وما زالت الدراسات مستمرة للكشف عن المزيد.

وقدمت هذه المشاريع أدلة تاريخية على أهمية الطرق التجارية البحرية ودورها في التبادل التجاري والاقتصادي على مر التاريخ، وتعمل الهيئة مع العديد من البعثات الدولية والمحلية في هذا الجانب، حيث كشفت عن سفن جانحة في البحر وثقت لمحتوياتها الأثرية، وقد وصل عدد المواقع الأثرية المسجلة كتراث مغمور إلى 1293 موقعاً أثرياً تم تصنيفها على أنها مواقع للتراث المغمور مع تصنيف بعضها الآخر مواقعَ للأنشطة البشرية والموانئ القديمة؛ إذ يمكن إجمالاً الإشارة إلى أن مواقع التراث المغمورة لا تقل أهمية عن المواقع الأثرية في اليابسة، وهي دليل على وجود طرق للملاحة البحرية تضاهي الطرق التجارية البرية الداخلية والدولية.

‏نقش جبل الحقون في منطقة حمى الثقافية ضمن متحف النقوش الأثرية الصخرية في منطقة نجران (هيئة التراث)

«مسلة تيماء»

تستقرّ «مسلة تيماء»، وهي اللوح الحجري الشهير المنحوت من الحجر الرملي والمحاط بنقوش آرامية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، اليوم خلف زجاج متحف اللوفر بباريس، محتفظةً بتفاصيل دقيقة تجسد تقديم الملك البابلي «نَبونيد» القرابين لإله الشمس، لتكون واحدة من أبلغ الشواهد على العمق الحضاري والمكانة التاريخية للجزيرة العربية بصفتها ملتقىً للإمبراطوريات العظمى، ومحوراً للتواصل الإنساني عبر العصور.

غير أن وجود هذا الأثر الفريد على بعد آلاف الكيلومترات من وطنه الأم لا يروي حكاية الريادة التاريخية لمدينة تيماء فحسب، بل يفتح ملفاً شائكاً حول الكيفية التي خرجت بها آلاف القطع والنفائس السعودية خلال القرن الماضي؛ حيث انتُزعت من بيئتها الأصيلة في ظل ظروف تاريخية معقدة ورحلات استكشافية غربية، لتستقر في كبرى المتاحف والمجموعات الخاصة حول العالم.

ومع التحول الكبير الذي تشهده السعودية في حماية تراثها الوطني واستعادة هويتها التاريخية، يقف ملف «استرداد الآثار» في صدارة الاستراتيجية الثقافية السعودية، وفي مواجهة تعقيدات القوانين الدولية ومواقف المتاحف العالمية.

وحتى عام 2025، نجح قطاع الآثار في استعادة أكثر من 8500 قطعة أثرية، وفي إطار الجهود المستمرة لحماية التراث الثقافي الوطني واستعادة الممتلكات الأثرية، وبتعاون سفارات المملكة في الخارج، عادت مجموعة قطع أثرية للمملكة خرجت بصورة غير مشروعة قبل صدور نظام الآثار.

وتحاول هيئة التراث توسيع شبكة جهود استرداد الآثار الوطنية من داخل السعودية وخارجها، من خلال التنسيق مع الجهات المحلية والدولية ووفق الأنظمة والاتفاقيات ذات الصلة.

ولتجنب تكرار حوادث خروج الآثار بطريقة غير شرعية خارج حدود البلاد، تكثف وزارة الثقافة جهودها لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على الآثار، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن القطع الأثرية وتسليم ما بحوزتهم، بما يسهم في توثيقها ودراستها وحفظها وإبرازها ضمن سياقها الحضاري الصحيح، وصونها للأجيال المقبلة، وأطلقت هيئة التراث في السياق نفسه، برامج وطنية ومجتمعية مثل حملة «عادت» التي ركزت على تسليم القطع الأثرية، وأماكن وجودها، وأصبحت المجتمعات المحلية والأفراد، إلى جانب الجهات الحكومية، شركاء رئيسيين في هذا الجانب.

مدفن فوق الأرض في منطقة وعرة من العلا‬ يؤرخ إلى فترة العصر الحجري الحديث - النحاسي (الهيئة الملكية للعلا)

وفي السياق نفسه، يبرز تحدي «النبش العشوائي»، والتعدي على المواقع الأثرية في المناطق النائية، وعما إذا كانت العقوبات الحالية كافية للردع، أم أن الرهان الأكبر هو على وعي المجتمع.

وأفادت هيئة التراث أنها تعتمد على منظومة متكاملة تشمل تطبيق الأنظمة، والتعاون مع الجهات الأمنية والرقابية، إلى جانب تكثيف برامج التوعية المجتمعية.

وكشفت هيئة التراث عن أنها تلحظ تطوراً وتفاعلاً ملحوظَين للحد من هذه الظاهرة التي تعاني منها كافة المجتمعات والجهات المعنية بالآثار في كل دول العالم؛ إذ يبقى المواطن شريكاً رئيسياً في الإبلاغ عن التعديات مع حفظ كافة حقوقهم من خلال برامج التكريم والمكآفات وفق ضوابط محددة، إلى جانب ما يتم رصده من فرق الهيئة الميدانية أو المشاريع التي تنفذها الهيئة في التعريف والتسوير وتنفيذ اللوحات التحذيرية والتعريفية.

ليس مجرد ممر للقوافل

تحدثت «الشرق الأوسط»، مع أستاذ التاريخ بجامعة طيبة، الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الذي يرى أن الاكتشافات الأثرية الحديثة في السعودية، بدءاً من النقوش الصخرية والقطع الفخارية، وصولاً إلى الأحافير الحيوانية وشواهد القبور، أحدثت تحولاً جذرياً في تصحيح التصورات التقليدية حول تاريخ المنطقة، مؤكداً أنها تكشف عن استيطان بشري متواصل، ودور فاعل للجزيرة في صناعة التاريخ الإنساني قبل الإسلام وبعده.

وأشار الوقيصي إلى أن هذه الاكتشافات «أسهمت في تصحيح كثير من التصورات التقليدية عن الجزيرة العربية؛ إذ أثبتت أن هذه الأرض المباركة لم تكن مجرد ممر للقوافل، بل كانت مركزاً للحراك الإنساني والتبادل الثقافي والاقتصادي عبر آلاف السنين».

وحول المحطات التي شكلت نقطة تحول في التعامل مع التراث الوطني، يوضح الوقيصي أن الاهتمام بالآثار شهد تطوراً تدريجياً؛ حيث كانت الانطلاقة العلمية الأولى مع استكشاف قرية «الفاو» على حافة الربع الخالي، على يد فريق أثري سعودي بقيادة الراحل البروفسور عبد الرحمن الطيب الأنصاري.

جانب من أعمال ميدانية بمناطق متعددة من السعودية بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية عام 2025 (هيئة التراث‬)

غير أن التحول الأكبر والأنضج، بحسب الوقيصي، جاء مع تبني السعودية «رؤية 2030»، التي تعاملت مع التراث بوصفه ركيزة أساسية للهوية الوطنية ومحركاً للتنمية المستدامة. وأثمرت هذه الرؤية عن تأسيس هيئات متخصصة، وتطوير الأنظمة التشريعية لحماية الآثار، وتسجيل العديد من المواقع السعودية على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، مما أتاح تقديم تاريخ المملكة للعالم بصورة تليق بعمقها الحضاري.

وفي جوابه عن أهمية هذه المكتشفات للأجيال الشابة، ينفي الوقيصي الفكرة السائدة لدى البعض بأن الآثار مجرد «بقايا مادية لا قيمة لها»، مشدداً على أنها «شواهد حية على مسيرة الإنسان فوق هذه الأرض».

ويضيف: «عندما تُوثق هذه الآثار وتُعرض بأسلوب علمي حديث، فإنها تمنح الأجيال الناشئة فهماً أعمق لجذورهم التاريخية، وتزرع في نفوسهم الاعتزاز بالهوية الوطنية. فالوعي بالتراث هو الوقود الحقيقي لتعزيز الانتماء».

معرفة الآثار

يرى الوقيصي أن دور الأكاديمي والمؤرخ لم يعد محصوراً داخل قاعات المحاضرات أو بين رفوف المكتبات، بل أصبحت هناك مسؤولية مجتمعية تفرض عليه تقديم المعرفة المتخصصة بأسلوب يسير يجمع بين الدقة العلمية والتشويق الصحافي، عبر ربط المكتشفات بالقصص الإنسانية واستغلال المنصات الرقمية للوصول إلى مختلف فئات المجتمع.

وعن التطلعات المستقبلية، أشار أستاذ التاريخ بجامعة طيبة إلى وجود حاجة ماسة لسد بعض الفجوات الأكاديمية والبحثية، من خلال التركيز على الربط بين المكتشفات الأثرية والسياقات الاجتماعية والتاريخية، وإلقاء الضوء على مواقع أثرية لم تحظَ بالقسط الكافي من الدراسة والبحث حتى الآن.

واختتم الدكتور عبد الرحمن الوقيصي حديثه بالإشارة إلى الدور المحوري للإعلام في هذه الملحمة الثقافية، مؤكداً أن الصحافة العلمية والتحقيقات الميدانية هما الوسيلة المثلى لتحويل المعرفة الأثرية من نطاق النخبة والمتخصصين إلى ثقافة مجتمعية عامة.


«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
TT

«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى

قبل بضعة أسابيع، فجرت الطبيبة المصرية الشابة أمنية سويدان جدلاً واسعاً، بتدوينة نشرتها على «فيسبوك»، حول العنف الذي تتعرض له نساء خلال الولادة، وفق ما يعرف اصطلاحياً بـ«العنف التوليدي»، وهو حديث أُثير لأول مرة في مصر على نطاق واسع، رغم أن الأحداث التالية أظهرت أن مثل هذه التجاوزات فعل قديم ومتكرر، وتتعرض له آلاف النساء، وسط تساؤلات عالقة عن مصير مقترفيه.

عدّدت سويدان، التي هجرت الطب من أجل الإخراج السينمائي، أشكالاً للعنف بين لفظي وجسدي وجنسي، تعرّضت له نساء داخل مستشفى الشاطبي خلال قضائها «فترة الامتياز»، أو التدريب المؤهل لممارسة المهنة، قبل عدة سنوات. المنشور الذي بدأ بعبارة تحذيرية على أنه «تريغر» قادر على إيقاظ ذكريات مؤلمة لدى من يشاهدنه، شجّع مئات النساء على كتابة تجاربهن المؤلمة، التي تنوعت بين مستشفيات حكومية وخاصة، ومع أطباء ذكور وإناث على السواء، بالإضافة إلى الجسم التمريضي.

من ضمن ما حكته سويدان، في 15 يونيو (حزيران) 2026، شتائم وإهانات واستهزاء بالألم تتعرض له نساء من أطباء وممرضين خلال الوضع (الولادة)، تجتمع كلها تحت اسم «العنف اللفظي»، فيما تتعرض أخريات لعنف جسدي موصوف من ضرب وضغط على البطن والفم لمنعهن من الصراخ، بالإضافة إلى الحديث عن الأعضاء الحميمة للسيدات والتندر عليها والتحرش الجنسي بذريعة تحفيز بعض السيدات لتسريع الطلق، وتكرار الكشف على نحو غير ضروري، وصولاً إلى الامتناع عن تقديم الرعاية الصحية لبعض الحالات.

مدخل مستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية. (مواقع التواصل الاجتماعي)

ذاكرة الألم

«كل ليلة لمدة 3 شهور، كنت أتذكر ما حدث معي وأبكي»، كان ذلك جزءاً من مضمون رسالة أرسلتها صديقة شخصية للناشطة النسوية صاحبة منصة «أحكي»، ناميس عرنوس، ونشرتها الأخيرة مصحوبة بتعليق منها على العنف التوليدي على صفحتها بـ«فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو الماضي.

حكت صاحبة الشهادة أنها عند ولادتها في مستشفى خاص، سخر الطبيب في الطوارئ ضاحكاً من ألم الطلق. ولما بدا عليها الامتعاض، أخضعها لفحص نسائي «عنيف لدرجة النزف»؛ تقول صاحبة الشهادة. وتضيف: «كنت قرأت عن فحص النساء قبل ولادتي، وما تعرضت له لا يمت له بصلة»، مشيرة إلى أن طبيباً قبل دخولها العمليات للولادة القيصرية جاء لها واعتذر ثم انصرف، ولا تعلم إن اتخذ أي إجراء بحق الطبيب المخالف.

وصفت دعاء أبو صالح، ممن كتبن شهادتهن عن العنف التوليدي على «فيسبوك»، تجربة ولادتها الثانية بأنها «أسوأ ساعات مرت علي في حياتي»، مشيرة إلى تأفف الطبيبة المشرفة على ولادتها وتلكؤها بمعاينتها. وكانت دعاء تتمسك بالولادة الطبيعية، لكنها واجهت تعنت الطبيبة، ورفضها الكشف عليها لفترة طويلة، وقالت: «جهاز قياس نبض الجنين بدأ يعطي إنذارات، وأنا أرجو الممرضة أن تستدعي الطبيبة لتكشف علي ولكنها رفضت»، مشيرة إلى أنها قدمت شكوى فيها، لكن ذلك لم ينه الألم النفسي لذلك اليوم في ذاكرتها.

أما نادية أبو زيد، فقالت: «أنا ولدت بالحيا»، في إشارة إلى شدة الألم خلال تعرضها لولادة قيصرية بتخدير لم يأخذ مفعوله تماماً. وكان الطبيب أعطاها البنج، وسألها عما إذا كانت تشعر بشيء، وقبل أن تُجيب أو تُمنح وقتاً «كانت بطني بتتشق وأنا بصرخ». وبقيت تصرخ لفترة، حتى جاء طبيب من الخارج وأعطاها بنجاً مرة أخرى، لكن المشرط كان قد فعل فعله في جسدها ونفسها. وتضيف بعد الولادة مباشرة: «كانت تأتي ممرضة وتضغط على جرحي بحجة إخراج الدم الفاسد».

نائبة وزير الصحة خلال جولة في بني سويف داخل مستشفى توليدي في يونيو 2026. (وزارة الصحة المصرية)

شاهدة أضحت متهمة

رغم الشهادات المتعددة التي ضجت بها وسائل التواصل المصرية وتحولت لقضية رأي عام، ألقت قوات الأمن القبض على سويدان، غداة كتابة المنشور، باتهامات «التعدي على قيم الأسرة المصرية ونشر أخبار كاذبة».

صدم القبض عليها كثيرين، خصوصاً مع اختلاف نهج ما اعتادت عليه النيابة العامة المصرية ووزارة الداخلية خلال السنوات الماضية، من فتح قضايا لمجرد نشر شهادات أو فيديوهات عنها عبر السوشيال ميديا، أما في حالة سويدان فتحولت «الشاهدة إلى متهمة»، حسب وصف المحامية الحقوقية عزيزة الطويل لـ«الشرق الأوسط».

في اليوم التالي، أفرجت النيابة العامة على سويدان على ذمة القضية، ونشرت بياناً تصفها فيه بأنها تعاني من مرض نفسي مزمن، وبعد نحو أسبوعين صدر الحكم عليها من المحكمة الاقتصادية، ببراءتها من تهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية، والإدانة في نشر أخبار كاذبة، وسجنها 6 شهور مع إيقاف التنفيذ على ذلك، وغرامة 20 ألف جنيه (الدولار نحو 50 جنيهاً) بتاريخ 4 يوليو (تموز) 2026.

لم تعترف الجهات القضائية والرسمية بشهادات السيدات، وحتى الأطباء الذي تجرأوا وأكدوا أيضاً عبر شهاداتهم الشخصية ما قالته سويدان.

الطبيب أيمن العطار، كتب في منشور على «فيسبوك»، عن واقعة حدثت عام 2000 أمامه في مستشفى القصر العيني، قائلاً: «أثناء توليد إحدى السيدات وكانت تشعر بألم شديد، كان النائب (الطبيب المشرف) يصيح فيها بطريقة مهينة لكي تحزق (الضغط على عضلات البطن)، ويبدو أنها لا تفعل ذلك، المهم في لحظة ما شتمها وضربها بقوة على فخذيها ضربة يميناً ويساراً».

وقالت الطبيبة سارة ناصر إنها خلال حضورها ولادة في مستشفى الشاطبي، خلال فترة امتيازها، كانت السيدة مرعوبة وتصرخ من الألم، فجاء الطبيب وعنفها وسبها حتى تصمت.

مع تجاهل كل هذه الشهادات النسائية والطبية، فتحت الجهات الرسمية، مثل جامعة الإسكندرية باب التحقيق فيما نُشر، وفق بيان نشرته في اليوم التالي لتفجير القضية، وناشدت من لديهن شهادات تقديمها للجامعة، ولما سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار عن نتيجة التحقيقات رفض التعليق قائلاً: «الأمر أصبح أمام القضاء».

الواجهة الأمامية لمبنى جامعة الإسكندرية. (الشرق الأوسط)

قل: «ولادة آمنة» ولا تقل: «عنف توليدي»

اختلف تعامل الجهات المعنية في مصر تجاه الأزمة، لكنها اتفقت على تجنب مصطلح «العنف التوليدي»، فحتى الجهة التي تفاعلت مع الأزمة إيجابياً وهي نقابة الأطباء، استخدمت بدلاً منه «الولادة الآمنة» بهدف تجنب أي تجاوزات قد تحدث.

التحفظ المصري، يقابله انفتاح عالمي على المصطلح الذي ذكرته منظمة الصحة العالمية لأول مرة في عام 2014، عادّةً في بيان أن «سوء المعاملة أثناء الولادة انتهاك لحقوقهن»، ودعت إلى مزيد من الحوار والبحث والتوعية في هذا الملف. وفي عام 2019 أظهرت دراسة للمنظمة داخل أربع دول: «غانا، وغينيا، وميانمار، ونيجيريا»، أن أكثر من ثلث النساء تعرضن لسوء معاملة أثناء الولادة داخل المستشفيات.

وإذا كانت السيدات اليوم أكثر جرأة في الإفصاح عما مررن به، فإن تلك الحوادث نفسها قديمة ومتجذرة. فقبل 35 عاماً، وضعت هيام محمد (53 سنة) مولودها الأول في مستشفى الحسين الجامعي، بعد 5 ساعات قضتها في مستشفى الزهراء بمنطقة العباسية وسط القاهرة، حيث نهرها الطبيب المباشر لحالتها بسبب صراخها: «إنتِ مش هتولدي، إنتِ هتموتي». وقتها أصرت على مغادرة المستشفى: «قلبي انقبض وحسيت إني هموت فعلاً».

ومثلها ماجدة محمود (اسم مستعار)، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنها لجأت في عام 1987 إلى مستشفى ناصر الحكومي في شبرا، وهي تشكو من ألم في الرحم. وتقول: «طيلة 10 أيام، كنت أنا والمريضات الأخريات مكشوفات قدام بعض وقدام الدكاترة، مفيش واحدة تقدر تعترض، ودكاترة كتير بيجوا يشوفونا، ومحدش بيقولي عندي إيه».

الموافقة المستنيرة

صنفت الطبيبة المصرية فريدة محجوب، والباحثة في ملف العنف التوليدي، أشكاله إلى 14 صنفاً، من ضمنها «غياب الخصوصية، والموافقة المستنيرة»، أي إعلام المريضة بكيفية إجراء الفحص وهدفه قبل أن تتعرض السيدة له، وضرورة أخذ موافقتها عليه.

وأضافت محجوب، في فيديو على «فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو، أنها تفاجأت بغياب الوعي لدى بعض الأطباء وأطقم التمريض، قبل السيدات المقبلات على الولادة. وتقول: «في أمهات متعرفش إن من حقها إن الدكتور ميزعلقهاش»، وذلك في دراسة أعدتها داخل مستشفى القصر العيني عام 2018 عن «العنف التوليدي».

ورصدت الدراسة، التي لم تُنشر بعد، أن 90 في المائة من العينة العشوائية، تعرضت لشكل واحد على الأقل من 11 شكلاً من أشكال العنف التوليدي.

جدل واسع تعرض نساء لتجاوزات خلال الولادة في مصر. (جامعة الإسكندرية)

الفقيرات الأكثر عرضة للعنف

تستقبل المستشفيات الحكومية والجامعية، التي تقدم خدماتها بالمجان أو بأسعار رمزية، مئات الآلاف من النساء للوضع سنوياً، وأكثرهن من غير المقتدرات، واشتكت 5 حالات تحدثت مع «الشرق الأوسط» من التعنيف، فيها أشادت واحدة بتجربتها.

ويقع أكثر من 30 في المائة من المصريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات رسمية.

في مارس (آذار) عام 2023، خضعت ميادة إبراهيم (32 عاماً) لولادتها الأولى في مستشفى الشاطبي؛ تتذكر اليوم الذي أمرتها فيه طبيبتها بالتوجه إلى المستشفى على وجه السرعة لأن «التاسع بيخلص وابني مقلوب، ولازم أولد قيصري». عند الباب مُنع زوجها من مرافقتها، وتعرضت للإهانة والسخرية من ممرضة ثم خلال أول كشف للطبيب، وفي رد فعل على وجعها وقف قربها وراح يضحك ويسخر منها.

«اتحجزت في عنبر النساء وكل شوية يدخل دكتور من الامتياز ويكشف عليّ»، تقول ميادة لـ«الشرق الأوسط»، وحين سألناها: «عشرة أطباء مثلاً»، ردت: «أكثر»، ولم يخبرها أحد عن سبب الكشف، ولم يطلب أحد إذناً به وهي أصلاً ستلد قيصري. بعد الولادة: «خدوا ابني وخرجوه لزوجي، مشوفتوش غير لما روحت البيت بعد ساعات من الولادة، حتى ما سمحوش أرضعه أول رضعة».

حملة «الساعة الذهبية»

ذلك كله يخالف ما تتبناه وزارة الصحة حالياً من حملة للتوعية بأهمية «الساعة الذهبية» في إطار التشجيع على الولادة الطبيعية، وهي الساعة الأولى بعد الوضع، يمنح خلالها المولود للأم لملامسة جلدها والشعور بنبضات قلبها ما يساعد على انتظام نبضه وتثبيت حرارة جسمه.

وتأتي تلك الحملة بعدما سجّلت مصر أرقاماً قياسية في أعداد الولادة القيصرية، على الرغم من مخاطرها وتبعاتها الصحية، التي قفزت من 52 في المائة عام 2014 إلى 72 في المائة عام 2024؛ وفقاً للمسح الصحي للأسرة المصرية، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بنسبة لا تتراوح أكثر من 10 إلى 15في المائة من مجموع الولادات. هذا علماً بأن غالبية هذه الولادات القيصرية تجري لأسباب غير طبية، ومن دون «موافقة مستنيرة» من السيدة نفسها.

لم تستطع منار سعيد (اسم مستعار)، وهي ربة منزل وزوجها سائق تاكسي، من محافظة الإسكندرية، أن تتحمل تكلفة الولادة في مركز أو مستشفى خاص قبل 3 أعوام. وتقول: «تابعت مع طبيب يعمل في مستشفى (يتبع وزارة الصحة)، على أمل أن ألد معه في المستشفى، بأسعار رمزية».

يوم الولادة، فاجأها الطبيب بطلب أضعاف المبلغ حتى تلد في القسم الاقتصادي، وحين سألته عن الفارق «كشف الستار عن سيدة تلد وهي غرقانة في دمها وحولها 7 أو 8 طلبة امتياز طب بيتعلموا فيها»، تقول منار: «من خوفي فقدت الوعي ولم أشعر إلا وأنا على السرير بعد الوضع».

تقول سناء سمير (اسم مستعار) لـ«الشرق الأوسط»، وهي مدرسة للغة الفرنسية خضعت للولادة في مستشفى الدمرداش عام 2019، إنها «شعرت بالمسؤولية بعد حديث سويدان، لحماية النساء غير القادرات بمشاركة قصتها»، موضحة أنها تستطيع مادياً الولادة في مستشفى خاص، لكن «الدكتور طلب مني أن أذهب للدمرداش لأني هولد في السابع والطفل سيحتاج إلى حضّانة»، وذلك بعد أزمة تعرضت لها في الحمل، ووعدها بأن يقوم هو بنفسه بتوليدها هناك.

«في الطريق إلى غرفة العمليات رأيت سيدة تلد في الممر وأخرى في الأسانسير، الوضع فوضوي ومرعب» تقول لـ«الشرق الأوسط». وفي غرفة العمليات «لم تتوفر الخصوصية الكافية»، صرخت سناء من الألم، فنهرها الطبيب وتدخلت طبيبة شابة في الامتياز، هدأتها وأخبرتها أنه عند مجيء الطلق عليها «الحزق لا الصراخ» لمساعدة الهواء المحتبس على دفع الجنين إلى مجرى الولادة عوضاً عن إخراجه من الفم فتزيد الانقباضات. وتعلق سناء: «لم أكن أعلم هذه المعلومة ولم يحضّرني لها أحد».

ملصق إرشادي نشرته وزارة الصحة المصرية ضمن حملة للحد من معدلات الولادة القيصرية

لماذا لا تشتكي النساء؟

سألت «الشرق الأوسط» السيدات عن أسباب عزوفهن عن تقديم شكوى رسمية، وهو ما تعد المؤسسات غيابه دليلاً على أن ما يثار مفتعل ومبالغ فيه، وكان جهل أكثر من حالة بأسماء المتورطين في العنف ضدهم سواء من أطقم التمريض أو الأطباء سبباً، مع عدم قدرتهن بعد الوضع على التفكير في الشكوى، خصوصاً وأن بعضهن ولدن أطفالاً خضعوا لعلاج لفترة حتى تحسنت أوضاعهم.

أخريات كن غير قادرات على التمييز أن ما حدث لهن هو «عنف توليدي» مثل منار، التي روت لـ«الشرق الأوسط» أكثر من موقف وقالت في بداية حديثها، ما حدث معي «سوء معاملة مش عنف توليدي»، رغم أن «سوء المعاملة» خلال الوضع جزء من العنف التوليدي.

أما ميادة إبراهيم، فقالت لـ«الشرق الأوسط»، «إحنا سكتنا، وقت ما عملوا فينا كده، وعلشان إحنا غلابة سكتنا، شكوى إيه اللي هنقدمها؟»، في نمط متكرر لشعور الضحية بالذنب.

ورأت سناء أن «شهادتها سواء عبر (فيسبوك) أو من خلال الإعلام تكفي لتوعية أخريات حتى لا يتعرضن لما تعرضت له خصوصاً الفقيرات»، فاقدة الأمل في المقابل أن تؤدي شكواها في المسارات الرسمية لنتيجة.

لقطة مأخوذة من فيديو لمبنى مستشفى الدمرداش الجامعي. (وزارة الصحة)

الولاية الطبية

تقدم المحامية الحقوقية عزيزة الطويل، تفسيرات إضافية لأسباب صمت النساء وعدم التقدم بشكوى تقتص لهن عند التعرض لتجاوز لا سيما من الناحية الطبية، أولها يتعلق بالسياق العام لمعاملة النساء بعدّهن «ناقصات الأهلية الطبية». وتقول الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، يرفض الأطباء إجراء عمليات للنساء حتى لو كانت منقذة للحياة مثل استئصال الرحم في حالة الورم، إلا بعد الحصول على موافقة الزوج»، عادّةً أن ذلك، يُشعر النساء بأن حقوقهن مهدرة، وأنهن لا يملكن القرار القانوني والطبي في أجسادهن، وبالتالي فإن الشكوى لن تأتي بنتيجة.

ووفق التقرير السنوي للمركز المصري لحقوق النساء، عن عام 2025، فقد «سجل العنف ضد المرأة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة وشدة الجرائم الموجهة ضدهن، امتدت من الفضاء الخاص إلى العام. ولم يقتصر الأمر على جرائم قتل الزوجات والمشاجرات العائلية (...) بل تجاوزها إلى محاولات منهجية لفرض الوصاية الذكورية، وترهيب النساء في الأماكن العامة».

وتشير الطويل إلى أسباب اقتصادية في عزوف النساء عن التقدم بشكوى: «لا يوجد وسائل سهلة للشكوى، فالشكوى الجنائية تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً في ظل طول مدد التقاضي في المحاكم المصرية، حتى الشكاوى التأديبية تحتاج إلى رسوم، ومحامٍ لمتابعتها في الأغلب مع تعقيد إجراءاتها». ولفتت إلى أن الشكوى في نقابة الأطباء تتكلف 750 جنيهاً رسوماً، وغير مضمونة النتائج، ومعتمدة في حكمها على تجربة خاضتها بنفسها مع موكلة عندها لتقديم شكوى في طبيب نهاية عام 2024.

وأرجع عضو مجلس نقابة الأطباء شادي صفوت، رسوم الشكاوى إلى «جدية الشكوى»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم فرض رسوم يجعل من السهل التقدم بشكوى كيدية».

أما السبب الثالث وفق الطويل فهو «اليأس من الوصول لنتيجة»، مستشهدة بواقعة هي كانت طرفاً فيها لشابة عشرينية تعرضت لـ«تحرش جنسي من طبيبها وتقدمت بشكوى للنقابة، لنكتشف أن الطبيب نفسه مقدم ضده أكثر من شكوى سابقة، ولم يتم اتخاذ أي قرار بحقه حتى الآن».

خطاب رسمي صامت

كل ذلك الضجيج ووزارة الصحة المصرية لم تصدر بياناً واحداً يُعلق على الأزمة. لم تنشر حتى أرقاماً للشكاوى أو إيضاحات، بل سلكت نهجاً «دعائياً»، للرد على ما عدّته «دعاية مضادة» تستهدف مستشفياتها.

وتنقسم المستشفيات العامة في مصر إلى مستشفيات حكومية تتبع وزارة الصحة، ومستشفيات جامعية تتبع وزارة التعليم العالي، التي يتلقى فيها طلاب الطب تدريبهم ويعرف ذلك بفترة الامتياز، مثل القصر العيني في القاهرة، والشاطبي في الإسكندرية، وتظل وزارة الصحة هي المظلة الأوسع المعنية بالقطاع الصحي ككل.

تتبعت «الشرق الأوسط» خطاب الوزارة عقب الأزمة لمدة أسبوعين، بتحليل محتوى صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فكانت نسبة المحتوى المتعلق بصحة النساء 10.3 في المائة فقط من مجمل المنشورات خلال فترة البحث، بعدد 20 بوستاً من بين 194 بوستاً، واشتبكت الوزارة مع «العنف التوليدي» في 5 منشورات منها، وهي عبارة عن مقاطع فيديو دعائية، مصورة بجودة عالية، تُظهر الجودة والانضباط والنظافة في المستشفيات الجامعية والحكومية مثل «الشاطبي، والدمرداش، والجلاء، وأحمد ماهر».

أظهرت المقاطع سيدات بعد وضعهن يحملن أطفالهن ويحكين تجربتهن «الممتازة والمميزة»، في الولادة بهذه المستشفيات، وقالت سيدة في فيديو عن مستشفى أحمد ماهر، المنشور بتاريخ 23 يونيو الماضي «والله مفيش نظرة اتنظرت لي من دكتور مش كويسة، جيت هنا أكني جيت مستشفى خاص». وكأن الأزمة أصبحت بين المستشفيات الحكومية والخاصة، وليست بين تجاوزات قد تحدث في أي منها كما قد تحدث في أي بلد آخر، علماً بأن شهادات كثيرة عبر السوشيال ميديا حكت عن تجاوزات في مستشفيات خاصة، وبعضها حتى من طبيبات نساء.

بين صحة النساء ونظام الطيبات

لم تضع الوزارة هدف توعية النساء بحقوقهن خلال الولادة في خطتها للتعامل مع الأزمة، أو حتى التوعية بالصحة الإنجابية عموماً رغم الطفرة التي يشهدها الخطاب الإعلامي للوزارة من حملات ضخمة لمواجهة الإدمان والتدخين، أو للاشتباك مع أزمة «الطيبات» التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية.

و«الطيبات» هو نظام غذائي ادعى واضعه الطبيب السابق الراحل، ضياء العوضي، قدرته على شفاء الأمراض كافة والوصول بمتبعه إلى أفضل النتائج. يحظر النظام تناول الخضراوات والبيض واللحوم البيضاء، ويسمح بتناول السكر بكميات كبيرة، ويدعو للتوقف عن تناول الأدوية. اكتسب النظام شهرة واسعة بعد وفاة العوضي في 21 أبريل (نيسان) الماضي، وكان قد مُنع من مزاولة مهنة الطب قبل وفاته بشهور. وأطلقت وزارة الصحة حملة توعوية كبيرة تقدم خطاباً صحياً بديلاً، وتشدد على أهمية تناول الأطعمة التي منعها العوضي، وتصحيح المفاهيم حولها، علماً بأن الوزارة استمرت في نشر الحملة خلال فترة البحث، بواقع 5 منشورات.

ويحتل المضمون التوعوي المرتبة الأولى بين محتوى الوزارة، متجاوزاً حتى المضمون الإعلامي الخاص ببيانات الوزارة، بنسبة 61.9 في المائة من مجمل المحتوى. ويتنوع هذا المضمون بين حملات بعضها موسمية مما يرتبط بيوم عالمي لمرض معين، وأخرى دائمة مثل كبسولة الصحة، وهي فيديوهات قصيرة يظهر فيها طبيب أو طبيبة للتوعية أو الرد عن تساؤل يُثار حول مرض معين.

سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبد الغفار، في رسالة عبر «واتساب»، عما إذا كانت الوزارة تنوي استغلال الأزمة الأخيرة في حملات توعوية للمريضات بحقوقهن، ولم نتلق رداً حتى نشر التحقيق. السؤال نفسه توجهنا به إلى نائبة وزير الصحة الدكتورة عبلة الألفي، خصوصاً وأنها المعنية بالتوعية ضد مخاطر الولادة القيصرية، في ظل زيادة معدلاتها إلى نحو 72 في المائة، لكن لم نتلق رداً منها أيضاَ.

وعلى أهمية الحملات السوشيالية، يظل قطاع كبير من المتضررات أو المتضررات المحتملات من العنف التوليدي، خصوصاً من الطبقات الفقيرة أو اللواتي يفتقرن للقراءة والكتابة، بعيداً عن هذا النوع من المضمون، لذا لا بد من استهدافهن بحملات تلفزيونية أو حملات طرق للأبواب.

تقول وزارة الصحة المصرية إنها تركز على تقليل الولادات القيصرية بعد ارتفاع نسبتها. (موقع الوزارة)

ميثاق «الولادة الآمنة»

في 6 يوليو 2026، صدر أول رد فعل إيجابي مع الحراك الأخير حول «العنف التوليدي» من نقابة الأطباء المصرية، «الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة»، في نتاج لورشة عمل أقامتها النقابة في 23 يونيو الماضي، الذي رغم شموليته، يظل تطبيقه صعباً تحت عقبات خاصة بنقص الكادر الطبي والإمكانات الطبية مقارنة بعدد السكان، ومع غياب الجهة المنوط بها تنفيذ معظم مراحله، سواء في ورشة العمل أو بالأسماء والجهات الواضعة الميثاق في ختامه.

يبدأ الميثاق خطته بعنصر «التوعية»، والمنوطة بتقديمه وفق الميثاق، وزارة الصحة، وإدارات المستشفيات، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، ويقترح فيه تقديم جلسة تثقيفية موثقة ضمن متابعة الحمل، ونشر ميثاق عن حقوق الأم في جميع المنشآت الصحية.

ينتقل الميثاق إلى ضمان الخصوصية داخل الغرف بالستائر في حد أدنى، وتوفير وسائل تخفيف الألم، والسماح بوجود مرافق أو داعم للولادة. كما ينص على ضرورة توثيق موافقة الأم على التدخلات الطبية غير الطارئة (الموافقة المستنيرة)، ثم إلى الإمكانات الطبية، بتنمية الموارد البشرية وبناء القدرات والكوادر المساعدة، من خلال تدريب الفرق الطبية ومقدمي الخدمة على التواصل والموافقة المستنيرة، وتفعيل برنامج القابلات، والاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين ومقدمي المشورة لتقديم الدعم للأمهات أثناء الولادة، وتحسين بيئة العمل ودعم مقدمي الخدمة، بداية من توفير القوى البشرية بأقسام النساء والتوليد والطوارئ بما يتناسب مع عدد من يتردد على الخدمة، وتنظيم ساعات العمل والمناوبات بأجر عادل، وزيادة بدل (المقابل المادي) المناوبات، وتوفير الدعم النفسي للعاملين.

ورشة عمل في نقابة الأطباء المصرية انبثقت عنها وثيقة «الولادة الآمنة». (موقع النقابة)

نظرياً، تحل هذه الوثيقة أزمة العنف التوليدي، بل وأزمة الأطباء في مصر، لكنها تصطدم بالواقع الذي يتسم بنقص الأطباء مقارنة بعدد السكان، وكذلك الإمكانات الطبية، بل ومنظومة الأجور التي يطالب الأطباء منذ سنوات بتحسينها.

وقبل أيام من صدور هذا الميثاق، أشار الوكيل العام لنقابة الأطباء جمال عميرة، إلى الضغط الواقع على الأطباء، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تحدث بها 5 آلاف ولادة يومياً، فلو اشتكى 10 مش رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه سعيهم إلى أن تكون الخدمة الطبية على أعلى مستوى ومرضية، لكنه أشار إلى أنه «حتى يحدث ذلك نحتاج إلى ضعف عدد الأطباء الموجود حالياً في مصر».

يوجد 11.8 طبيب في مصر لكل 10 آلاف نسمة عام 2024، وفق عدد الأطباء خلال العام نفسه الذي نشره الجهاز المركزي للإحصاء. وتبتعد هذه النسبة عن النسب العالمية 17.2 طبيب لكل 10 آلاف نسمة. زيادة عدد الأطباء في مصر ليست أمراً سهلاً، فبخلاف هجرة الأطباء «تحتاج زيادة الأعداد التوسع في كليات الطب، وهو ما ترفضه النقابة وتحذر منه في ظل غياب المستشفيات الجامعية، ما يضعنا أمام طبيب غير مؤهل... الأزمة متشعبة ومتشابكة» يقول عميرة.

وعلقت الطبيبة والباحثة فريدة محجوب على الميثاق، وهي ضمن من شارك في وضعه: «الحركة على مستوى السياسات الصحية والتغيير يحتاج إلى تشبيك معتبر ومجهود سنين. واللحظة الحالية تحتاج إلى عمل مع كل الأطراف وعلى كل المستويات»، مشيرة إلى أن الأهم بالنسبة لها «معرفة النساء بحقوقهن، وأن من يخطئ يُحاسب بآلية شكوى ومساءلة واضحة».

ونصت الوثيقة فيما يتعلق بالشكوى على «إنشاء خط ساخن لتلقي الشكاوى في وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والنقابات المهنية، وتوفير الحماية للشاكي، مع تحديد إطار زمني للتحقق من الشكوى».

وحتى تاريخ النشر، لم تتفاعل وزارة الصحة المصرية مع الوثيقة أو تصدر أي بيانات أخرى عن آليات تطبيقها، أو تجيب عن استفسارات الصحافة والسيدات.


واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

لم تعد العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تُقاس بحجم السلاح الذي تمنحه واشنطن لتل أبيب فحسب، ولا بعدد المرات التي تحميها فيها داخل المؤسسات الدولية، بل أصبح الاختبار الحقيقي اليوم في مكان آخر: من يملك فعلاً حق رسم نهاية الحروب وترتيب الخرائط بعدها؟

فالذي يطفو على سطح العلاقة ليس انشقاقاً استراتيجياً ولا تراجعاً أميركياً عن الالتزام بأمن إسرائيل، بل صراع متزايد على حدود القوة، وعلى الجهة التي ستقرر شكل النظام الإقليمي بعد سلسلة الحروب التي أعادت فتح ملفات الشرق الأوسط كلها دفعة واحدة.

فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تزال تسلّح إسرائيل وتحميها سياسياً، وتنسق معها عسكرياً في الحرب على إيران، لكنها لم تعد مستعدة لمنح حكومة بنيامين نتنياهو حق تقرير توقيت الحروب ونهاياتها، أو تعطيل علاقات واشنطن مع تركيا والسعودية ودول الخليج ومصر والعراق وسوريا ولبنان. بهذا المعنى، لا تواجه إسرائيل خصماً أميركياً، بل حليفاً قرر أن يستعيد موقع القيادة.

من يقود سياسة الشرق الأوسط؟

هذا التحول يدحض المقولة الرائجة بأن تل أبيب هي التي تقود السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. تستطيع إسرائيل التأثير في القرارات الأميركية، وقد تدفع واشنطن نحو خيارات لم تكن في مقدمة أولوياتها، لكن الوقائع الأخيرة تظهر أن الإدارة الأميركية تحتفظ بسلطة ضبط الإيقاع وفرض التسويات عندما تتعارض الأجندة الإسرائيلية مع المصالح الأميركية الأوسع، من أمن القوات والأسواق والطاقة إلى تماسك حلف شمال الأطلسي ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة.

وتتجسد هذه الحقيقة في سلسلة وقائع متزامنة تبدأ باحتضان ترمب للرئيس التركي رجب طيب إردوغان رغم اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم مطالبة إسرائيل بإعادة نشر قواتها خارج سوريا ولبنان، ودفاع نائبه جي دي فانس عن التفاوض مع إيران في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، وصولاً إلى رهان ترمب على الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في كل من لبنان والعراق بدلاً من تحويلهما إلى ساحتي حرب مفتوحتين. وليس البديل الأميركي إقصاء إسرائيل، بل إنهاء احتكارها تعريف مصالح المنطقة وترتيب أولوياتها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تركيا المدخل الأوضح لفهم حدود النفوذ الإسرائيلي داخل القرار الأميركي.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو الحالي (رويترز)

تركيا تكسر الاحتكار

يشكل الملف التركي أوضح اختبار لهذا التحول في العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فقد طلب نتنياهو من ترمب، قبيل قمة «الناتو» في أنقرة، كبح خطاب إردوغان ومنع تزويد تركيا بتقنيات تعزز سلاحها الجوي. وربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بين بيع مقاتلات «إف-35» أو محركات متطورة لأنقرة وبين المحافظة على التفوق الجوي الإسرائيلي، معتبراً في مقابلة مع «فوكس آند فريندز» أن النظام التركي «مصاب» بفكر «الإخوان المسلمين» وأن تسليحه سيخلّ بتوازن القوى.

جاء ذلك بعد وصف إردوغان الصهيونية بأنها «آيديولوجيا إبادة»، وقول وزير خارجيته هاكان فيدان إن الحكومة الإسرائيلية أصبحت «مشكلة للعالم بأسره»، وفق تفاصيل أوردها موقع «أكسيوس».

لكن واشنطن تنظر إلى تركيا من زاوية مختلفة. فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في «الناتو»، وقوة مؤثرة في سوريا والبحر الأسود، ووسيط استخدمته الإدارة في غزة وإيران وملفات أخرى. لذلك مضت واشنطن في حزمة تزيد قيمتها على 700 مليون دولار لتزويد مشروع المقاتلة التركية «قآن» بمحركات أميركية، رغم أن العودة الكاملة إلى برنامج «إف-35» لا تزال مرهونة بتخلي أنقرة عن منظومة «إس-400» الروسية (الحالي العمل على مخارج لها) وبقيود قانونية أميركية.

وفي قمة أنقرة، أعلن ترمب أنه سيلغي العقوبات المفروضة على تركيا وأنه منفتح على بيعها «إف-35»، وإن لم يتخذ القرار النهائي. كما أشاد بإردوغان ودافع عنه في مواجهة الاعتراض الإسرائيلي، في مشهد وصفته «رويترز» بأنه مكسب سياسي كبير للرئيس التركي. وبذلك تعاملت الإدارة مع خطاب أنقرة المناهض لإسرائيل باعتباره خلافاً يمكن احتواؤه، لا سبباً لإخراج تركيا من الحسابات الإقليمية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل تركيا قوة منافسة تجمع بين القدرة العسكرية والخطاب العقائدي والامتداد داخل سوريا والعلاقة بحماس. أما واشنطن فتراها شريكاً صعباً، لكنه لا غنى عنه. والخلاف هنا ليس على تقييم إردوغان أخلاقياً، بل على ما إذا كان أمن إسرائيل يمنحها حق الاعتراض على تسليح حليف أطلسي تحتاج إليه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي.

وإذا كان الملف التركي يكشف حدود الاعتراض الإسرائيلي على شراكات واشنطن، فإن الملف الإيراني يكشف حدود قدرة إسرائيل على تحديد سقف الحرب ونهايتها.

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

إيران: من يبدأ ومن يختم؟

تكشف الحرب مع إيران حدود التباعد وحدود التحالف في آن واحد. فالولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا عملياتهما في 28 فبراير (شباط) الماضي بتنسيق عسكري عميق، ولا تزال واشنطن توفر لإسرائيل قدرات لا تستطيع تأمينها منفردة. وقبل التصعيد الأخير، أبلغت الإدارة تل أبيب أنها سترسل عشرات طائرات التزود بالوقود الإضافية إلى المطارات الإسرائيلية، فيما كانت خطط ضرب منشآت نووية وبنى تحتية إيرانية تُناقش في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وفق «أكسيوس». وهذا وحده ينفي الحديث عن انتقال واشنطن إلى معسكر مناوئ لإسرائيل. غير أن الشراكة في الحرب لم تنتج عملياً اتفاقاً على نهايتها.

حكومة نتنياهو تريد إزالة القدرات النووية والصاروخية الإيرانية جذرياً، والإبقاء على حرية استئناف القتال وضرب حلفاء طهران. أما ترمب، فعليه أن يوازن بين هذه الأهداف وبين سلامة القوات الأميركية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأسعار الطاقة، والتكلفة السياسية لحرب مفتوحة. وبعد أيام متتالية من الغارات الأميركية في موجة التصعيد الأخيرة، كانت قطر ومصر وباكستان وعُمان تدفع نحو هدنة لعشرة أيام تتيح التفاوض على الملاحة في المضيق؛ وهي مبادرة لم يقبلها الطرفان بعد.

وبلغ التوتر ذروته عندما قال جي دي فانس إن أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية حاولوا التأثير في الرأي العام الأميركي لإبقاء الحملة العسكرية مستمرة «إلى أجل غير مسمى». وأضاف أنه لا يعترض على محاولات الدول التأثير في واشنطن، بل على تحولها إلى «عامل يشوّه الحكم السياسي الأميركي». لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن ترمب كان سيعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً حتى من دون ضغط إسرائيلي.

كما نقل «أكسيوس» عن مسؤول كبير في الإدارة قوله إن نتنياهو قدم «وعوداً كثيرة» بشأن حرب إيران لم تتحقق، في إشارة إلى تقديرات إسرائيلية متفائلة حول سرعة انهيار قدرات طهران. وتفسر هذه التجربة تشدد البيت الأبيض في فحص المطالب الإسرائيلية وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلّماً بها.

الخلاصة أن إسرائيل استطاعت التأثير في توقيت الحرب وبيئتها، لكنها لم تحصل على تفويض بتحديد مدتها أو تسويتها. وقد دعا ترمب إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) إلى التوقف الفوري عن إطلاق النار عندما أوشك اتفاق سابق على الانهيار. القيادة الأميركية، إذن، لا تعني دائماً ضبط النفس؛ فقد تقود واشنطن التصعيد بنفسها، لكنها تصر على أن يكون قرار الحرب والسلام أميركياً.

لبنان: الدولة قبل «المنطقة الأمنية»

الإشكالية نفسها تظهر في لبنان وإن بأدوات مختلفة؛ فهنا لا يدور الخلاف حول خطر «حزب الله» بقدر ما يدور حول الطريقة الأجدى لمعالجته.

الاختلاف يتبلور في مشروعين: مشروع أميركي يريد إعادة بناء سلطة الدولة تدريجياً، ومشروع إسرائيلي يعطي الأولوية لحرية العمل العسكري المباشر. وقد وفَّر الاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيو (حزيران) الماضي مختبراً عملياً لهذا التباين، إذ نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفتح الطريق نحو علاقات سلمية.

وخلال استقباله الرئيس جوزيف عون في البيت الأبيض، وصف ترمب لبنان بأنه بلد «عومل بصورة سيئة جداً»، وتعهد بمساعدته، مع إقراره بوجود «مشكلة اسمها حزب الله». وقدم عون خطة مكتوبة لحصر السلاح بيد الدولة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، قائلاً لترمب إن نجاح المسار يمكن أن يصبح جزءاً من إرثه.

وبالتزامن، بدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ضمن برنامج «المناطق النموذجية» الذي يشمل أيضاً صريفا وفرون.

وتتلخص الفكرة في انتقال المنطقة إلى الجيش اللبناني، وتنظيفها من الذخائر غير المنفجرة والبنى المسلحة، ثم تكرار التجربة في مناطق أخرى. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الاختبار يهدف إلى إثبات أن الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة المخولة حمل السلاح.

لكن الخلاف يبرز عند تحديد الجدول الزمني والجهة التي تصادق على نجاح التجربة. تريد بيروت وواشنطن منح الجيش مهلة ودعماً مالياً ولوجستياً لبسط سيادته، بينما تطالب إسرائيل بالتحقق بنفسها من إزالة أسلحة «حزب الله» وبإبقاء مناطق أمنية وحرية تدخل إذا فشل التنفيذ. ونقل «أكسيوس» أن ترمب قال لنتنياهو عن الوجود الإسرائيلي في سوريا ولبنان: «لا يريدونكم هناك، عليكم إعادة الانتشار»، بينما رد مكتب نتنياهو بالتشديد على الحاجة إلى مناطق أمنية على الحدود.

واشنطن لا تطالب إسرائيل بانسحاب غير مشروط ولا تتجاهل سلاح «حزب الله»؛ لكنها تريد أن يصبح الانسحاب أداة لتقوية الدولة، لا أن يتحول الاحتلال إلى بديل دائم عنها. وتراهن على عون والجيش لعزل الحزب وسحب لبنان من النفوذ الإيراني، في حين تشكك إسرائيل في قدرة الدولة وتفضل الاحتفاظ بضمانة القوة المباشرة.

وقد يفتح الاتفاق، إذا نجح، طريقاً نحو إنهاء حالة العداء، وربما نحو اندماج إقليمي أوسع. لكن عون لم يوافق حتى الآن على لقاء نتنياهو، وربط أي حديث عن السلام بالمبادرة العربية؛ ولذلك فإن الحديث عن انضمام لبناني سريع إلى «اتفاقيات إبراهيم» لا يزال طموحاً أميركياً - إسرائيلياً أكثر منه قراراً لبنانياً.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب واللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

سوريا والعراق: سيادة دول أم ساحات مفتوحة؟

من لبنان يتسع النقاش إلى سوريا والعراق، حيث تتكرر المعضلة: هل تُدار بقايا النفوذ الإيراني عبر بناء الدولة، أم عبر إبقاء الجبهات مفتوحة؟ ففي هذين البلدين تسعى واشنطن إلى تحويل ضعف النفوذ الإيراني إلى فرصة لبناء دولتين أقل ارتهاناً للميليشيات، بينما تنظر إسرائيل إلى البلدين أساساً بوصفهما ممرات للسلاح ومنصات لتهديد حدودها.

في سوريا، التقى ترمب الرئيس أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، ثم طلب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأقرّ مسؤول أميركي إن وجودها يخلق توتراً قد يقود إلى تصعيد. وكانت الإدارة قد أمضت أشهراً في محاولة التوصل إلى اتفاق أمني يضمن حدود إسرائيل ويعيد الأراضي تدريجياً إلى دمشق، قبل أن تخلص إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد تقديم التنازلات المطلوبة، وفق تقارير صحافية.

المقاربة الأميركية تقوم على دعم سلطة مركزية سورية تستطيع منع عودة التنظيمات المتطرفة، ودمج القوى الكردية في مؤسسات الدولة، والعمل مع تركيا والأردن. وقد رحبت واشنطن باتفاق وقف النار والاندماج المرحلي بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في يناير (كانون الثاني) باعتباره «محطة تاريخية». أما إسرائيل فتطالب بحزام أمني طويل الأمد، وتقول إن الانسحاب قد يسمح بتكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر على حدودها الشمالية.

وفي العراق، لا تستطيع واشنطن التعامل مع الدولة كساحة قصف فقط؛ فلديها قوات وعلاقات اقتصادية وأمنية ومصلحة في منع انهيار النظام السياسي. وقد أبرز استقبال ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذه الأولوية. فالزيدي، الذي شارك قبل أيام في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق، تحدث في البيت الأبيض عن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وإنجاز انسحاب القوات الأميركية المقرر في سبتمبر (أيلول)، ووضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة. وكان نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران محوراً رئيسياً في محادثاته مع الإدارة الأميركية.

إسرائيل، في المقابل، تقيس العراق بمعيار الصواريخ والمسيَّرات وممرات الإمداد. وقد أدت غارات على مواقع «الحشد الشعبي» في مارس (آذار)، نسبتها بغداد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مقتل 15 عنصراً وأثارت احتجاج الحكومة العراقية. ولهذا تفضل واشنطن، كلما أمكن، نزع السلاح عبر الحكومة العراقية، لأن الضربات غير المنضبطة قد تقوي خصومها وتحوّل العراق مجدداً إلى ساحة مواجهة أميركية - إيرانية.

غير أن أي هندسة إقليمية لا يمكن أن تكتمل من دون العودة إلى الملف الفلسطيني، بوصفه العقدة التي تحدد حدود التطبيع العربي مع إسرائيل.

فلسطين... القفل والمفتاح

لا تستطيع واشنطن بناء منظومة إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا ودول الخليج إذا بقي الاندماج الإسرائيلي منفصلاً تماماً عن القضية الفلسطينية. وقد طلب ترمب في مايو (أيار) من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام جماعياً إلى «اتفاقيات إبراهيم» بعد تسوية حرب إيران. غير أن الدعوة لم تلقَ استجابة، لأن المزاج الشعبي في تلك الدول ومواقف حكوماتها لا يسمحان بتطبيع مجاني في ظل واقع غزة والضفة الغربية.

السعودية، وهي الجائزة الكبرى للمشروع الأميركي، أبلغت واشنطن مراراً أنها تحتاج إلى خريطة طريق موثوقة نحو دولة فلسطينية. وفي المقابل، يرفض نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون قيام تلك الدولة، ويتمسكون بمقاربة «السلام مقابل السلام»، أي التطبيع الإقليمي من دون أي تنازل سياسي للفلسطينيين. وهو ما دعا الرياض إلى القول إنها لا ترى إمكاناً قريباً للتطبيع ما دام هذا الرفض قائماً.

أما خطة ترمب لغزة، فتتضمن إعادة إعمار بمليارات الدولارات وقوة استقرار دولية وحكماً فلسطينياً تكنوقراطياً وانسحاباً إسرائيلياً مرحلياً، لكنها تعثرت عند الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتواصل إسرائيل السيطرة على مساحات واسعة وبناء حاجز ترابي يمتد أكثر من 23 كيلومتراً داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تكريس تقسيم دائم وفق العديد من المراقبين. ومن دون معالجة ذلك، يصعب إقناع الدول العربية بتمويل إعادة الإعمار أو تحمل أي مسؤوليات أمنية وسياسية في غزة.

هنا يصبح الملف الفلسطيني جزءاً من الخلاف الأميركي - الإسرائيلي على هندسة المنطقة ومستقبلها السياسي لا بصفتها مجرد قضية إنسانية مؤجلة. واشنطن تريد توظيف ضعف إيران لبناء شبكة شراكات عربية - إسرائيلية تحت قيادتها؛ واليمين الإسرائيلي يريد توظيف الضعف نفسه لتوسيع السيطرة الإقليمية من دون كلفة فلسطينية. وبين المنهجين تقف السعودية ومصر وتركيا والخليج بوصفها قوى لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتجاهل شروطها.

وتنعكس هذه التوازنات الإقليمية، في النهاية، على الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يصبح صندوق الاقتراع اختباراً لقدرة نتنياهو على الاستمرار في إدارة التحالف بالشروط القديمة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو 2026 (رويترز)

صندوق الاقتراع المقرر الأخير

هذه التوازنات كلها ستوضع في ميزان الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر والحروب في غزة ولبنان وإيران. وقد أعلن نتنياهو ترشحه مجدداً، لكنه يواجه تحدياً متصاعداً من رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه قادر على منافسته من موقع أمني متشدد، لا من موقع يساري تقليدي.

وتراجع موقع نتنياهو في واشنطن بصورة واضحة. فبعد ست زيارات سريعة إلى البيت الأبيض منذ عودة ترمب، حاول لأكثر من أسبوعين الحصول على موعد جديد، قبل أن يحدد أخيراً الثلاثاء، في وقت وصف فيه موقع «أكسيوس» مكانته بأنها باتت هشة لدى الديمقراطيين وداخل الدائرة الترمبية وقاعدة «ماغا».

ويتزامن ذلك مع تغير أوسع في الرأي العام. فقد أظهر استطلاع مركز «بيو» للأبحاث أن 60 في المائة من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، بينهم 80 في المائة من الديمقراطيين و41 في المائة من الجمهوريين، مع ارتفاع الرفض خصوصاً بين الجمهوريين دون الخمسين.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة ترمب قررت إسقاط نتنياهو أو التدخل المنظم لاستبداله. فترمب دافع عنه في مواجهة مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وضغط سابقاً لمنحه عفواً في قضايا الفساد، وأعلن أنه لن يُعتقل في أميركا، رداً على تهديدات عمدة نيويورك زهران ممداني، ولا تزال إدارته توفر لإسرائيل حماية وتسليحاً استثنائيين. الأصح أن واشنطن لم تعد مستعدة لتكييف مشروعها الإقليمي مع احتياجات نتنياهو الانتخابية، وأن سياساتها قد تساعد خصومه بصورة غير مباشرة إذا أقنعوا الناخب الإسرائيلي بأن استمرار حكومته يهدد العلاقة مع الحليف الأميركي.

في المحصلة، لا تقف إسرائيل أمام خيار بين التحالف مع الولايات المتحدة أو القطيعة معها، بل أمام امتحان أكثر تعقيداً: هل تقبل أن تكون شريكاً مركزياً داخل مشروع تقوده واشنطن، أم تصر على تحويل التحالف إلى تفويض مفتوح يتيح لها فرض الوقائع العسكرية ثم مطالبة أميركا بتغطيتها؟

التحالف الأمني سيبقى، وربما يزداد عمقاً، لكن شروطه السياسية تتغير. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، ولا تتخلى عن إسرائيل، لكنها تقول بوضوح إن أمن إسرائيل لا يمنح حكومتها حق الفيتو على علاقات أميركا الإقليمية، ولا على مستقبل الدول التي تريد واشنطن إعادة إدخالها في معادلة الاستقرار.

هذه هي الرسالة الأهم في لحظة ما بعد الحروب: إسرائيل باقية حليفاً أول، لكنها لم تعد القائد الوحيد للخرائط الجديدة.