«تصحيح المسار»... بايدن يكمل ما بدأه أوباما في الشرق الأوسط

بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
TT

«تصحيح المسار»... بايدن يكمل ما بدأه أوباما في الشرق الأوسط

بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)

قبل عشرة أيام، اتصل مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، بنظيره الإسرائيلي، وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء. بحسب العرض الأميركي للحوار، دعا سوليفان إلى «التعبير عن مخاوف الولايات المتحدة الخطيرة» بشأن أمرين: الإخلاء المعلق -بأمر من المحكمة- لعدد من العائلات الفلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح في القدس، والاشتباكات العنيفة التي وقعت في نهاية الأسبوع في الحرم القدسي بين الشرطة الإسرائيلية ومتظاهرين فلسطينيين. بعبارات أخرى، أكدت إدارة الرئيس جو بايدن علناً إعلاء المصلحة الوطنية الأميركية في منع عمليات إخلاء الشيخ جراح، بغض النظر عن إملاءات القانون الإسرائيلي -تماماً في الوقت الذي كانت «حماس» ترسل فيه صواريخ وأجهزة حارقة إلى إسرائيل لتبعث بالرسالة نفسها. كان هذا الجهد الواعي لوضع «رؤية واضحة» بين الولايات المتحدة وإسرائيل بمثابة عودة واضحة لنهج الرئيس باراك أوباما.
إن دعوة سوليفان تدعونا لإعادة فتح الجدال الذي لم يُحسم بعد، والذي بدأ حتى قبل أن يؤدي الرئيس جو بايدن اليمين الدستورية: هل يشق الرئيس الجديد طريقه في الشرق الأوسط أم أنه يسير على خطى أوباما؟ وحتى الآن، فإن أولئك الذين كانوا يخشون أن تصبح رئاسته ولاية ثالثة لأوباما قد ركزوا عيونهم الحذرة على روبرت مالي الذي اختاره الرئيس مبعوثاً لإيران. ففي أثناء خدمته في البيت الأبيض لأوباما، ساعد مالي في التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني، وهو الذي سعى إلى التسويات مع طهران؛ هذه التسويات التي جاءت على حساب حلفاء أميركا في الشرق الأوسط. وفي مقالة لمجلة «فورين أفيرز»، كُتبت في 2019، أعرب مالي عن أسفه لأن أوباما فشل في التوصل إلى مزيد من هذه الإجراءات التيسيرية. وكتب مالي أن اتجاه سياسة أوباما جدير بالثناء، ولكن «اعتداله» كان عدواً لمشروعه. وكونه «أحد أنصار المنهج التدريجي»، فقد أشرف على «تجربة تم تعليقها في منتصف الطريق».
والآن، ينصح مالي -صاحب المقالة التي تقود المرء إلى تولي المسؤولية- بايدن بالمضي قدماً وبسرعة. ولكن من المؤكد أن الرئيس، وليس مبعوثه إلى إيران، هو الذي يحدد اتجاه السياسة ووتيرتها. وعلى مدار مسيرته المهنية في واشنطن التي امتدت لنصف قرن تقريباً، لم يوقف بايدن أبداً أياً من ملفات الراديكالية المتطرفة، وكذلك لم يفعل سوليفان، ولا وزير الخارجية أنطوني بلينكن. إن وجود هذا الزوج إلى جانب بايدن يشير لكثيرين إلى أن مالي لن يقوم بتوجيه دفة السياسة تجاه إيران. وبعد فترة وجيزة من الانتخابات، أشار أحد المخضرمين في واشنطن إلى أن «بلينكن وسوليفان هما بالتأكيد من الجناح الأكثر اعتدالًا في الحزب، وهذا أمر مطمئن».
وفي جلسة الاستماع بمجلس الشيوخ التي تمت في يناير (كانون الثاني) الماضي، واصل بلينكن طمأنته من خلال التعبير عن نيته إصلاح عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني. وفي الشهر التالي، ذكرت «فورين بوليسي» أن انقساماً حدث داخل الحكومة، حيث حقق سوليفان وبلينكن الآمال المعلقة عليهما. فعندما أيَّد مالي إعطاء «حوافز» لإيران لإقناعها بالعودة بسرعة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، سيطر سوليفان وبلينكن على النقاش، من خلال «اتباع نهج أكثر تشدداً».
وخلال الشهر الماضي، أصبح هذا المسار أكثر صعوبة -كما كان من الصعب رؤيته. ففي 2 أبريل (نيسان)، أجرى مالي مقابلة مع قناة «بي بي إس» أثارت الدهشة في القدس والرياض، وفي الكونغرس. وقبل المحادثات النووية في فيينا، حيث كان الأوروبيون على وشك استضافة مفاوضات غير مباشرة بين مسؤولي بايدن وممثلين إيرانيين حول إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، أعرب مالي عن حرصه على رفع العقوبات الأميركية عن إيران، وضمان «تمتع إيران بالمزايا التي كان من المفترض أن تحصل عليها وتتمتع بها بموجب الاتفاق». وحول المقابلة، قال مسؤول إسرائيلي كبير لم يذكر اسمه: «إذا كانت هذه هي السياسة الأميركية، فنحن قلقون».
هذا وقد تعجب عملاء المخابرات الإسرائيلية بسبب تلك العبارة عندما قاموا بتخريب مولد طاقة في منشأة التخصيب النووي الإيرانية في نطنز. وبينما أضرت العملية ببرنامج إيران النووي، أشارت أيضاً إلى معارضة إسرائيل للموقف الأميركي في محادثات فيينا.
إن الأصوات التحذيرية في القدس لها ما يبررها، حيث كان البيان الصادر في الأول من مايو (أيار) الحالي من عباس عراقجي، كبير المفاوضين الإيرانيين في فيينا، بمثابة نقطة بداية. فقد ادعى أن المفاوضين الأميركيين وافقوا بالفعل من حيث المبدأ على إزالة العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني، وصناعة السيارات، والخدمات المالية، والصناعة المصرفية، والموانئ -من أجل إزالة، بعبارة أخرى، جميع العقوبات الاقتصادية الأكثر أهمية على الإطلاق التي فُرضت على إيران. إن التصريحات الأخيرة لمسؤولي إدارة بايدن لا تقدم لنا أي سبب لعدم تصديق عراقجي، والآن أصبح الرهان الذكي متمثلاً في إحياء كامل لخطة العمل الشاملة المشتركة في وقت قصير نسبياً.
لكن حتى الإسرائيليين لم يستوعبوا النطاق الكامل والحجم الكامل لتكيف بايدن مع إيران. والمشكلة لا تكمن في أن سوليفان وبلينكن يفشلان في كبح جماح مالي، بل في أنهما يسيران بخطى ثابتة معه. ويسود إجماع داخل الإدارة، ليس فقط على خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن على كل مسألة كبيرة تتعلق باستراتيجية الشرق الأوسط: يتفق الجميع، بداية من الرئيس إلى المسؤولين الأقل درجة، على ضرورة استكمال ما بدأه أوباما، مما يعني أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
فإذا لم تكن السيطرة التي يمارسها مشروع أوباما على كل عقل في إدارة بايدن واضحة بالفعل، فذلك لأن الارتباك لا يزال يسود حول الطبيعة الحقيقية للمشروع. هل تشك في ذلك؟ إذن، أجرِ الاختبار القصير التالي المكون من سؤال واحد: إلى ماذا، على وجه التحديد، كان روبرت مالي يشير عندما تحدث عن «تجربة» أوباما نصف المكتملة؟
إذا أجبت بخطة العمل الشاملة المشتركة، فأنت على خطأ. وإذا قلت: تحسين العلاقات مع إيران، فإنك تحصل على درجات أعلى من ذلك بكثير، لكنك ما زلت لم تقدم الإجابة الصحيحة.
كتب مالي أن «الهدف النهائي» للرئيس كان «مساعدة الشرق الأوسط على إيجاد توازن أكثر استقراراً للقوى يجعله أقل اعتماداً على التدخل المباشر للولايات المتحدة أو طلب حمايتها»؛ هذه طريقة ملتوية للقول إن أوباما يحلم بنظام شرق أوسطي جديد، نظام يعتمد أكثر على الشراكة مع إيران.
وما زال الحلم مستمراً. ففي مايو 2020، بعد ستة أشهر من كتابة مالي مقاله في مجلة «فورين أفيرز»، كتب سوليفان، بصفته مستشاراً لحملة بايدن الرئاسية آنذاك، وشارك في كتابة مقاله الخاص الذي وضع استراتيجية للشرق الأوسط. ويتمثل الهدف الذي قام بشرحه في أن يكون «أقل طموحاً» من الناحية العسكرية «ولكن أكثر طموحاً في استخدام النفوذ والدبلوماسية الأميركية للضغط من أجل تخفيف التوترات. وفي نهاية المطاف، هي طريقة مؤقتة جديدة بين اللاعبين الإقليميين الرئيسيين». فإذا استبدلنا بكلمة «توازن» كلمة «تسوية مؤقتة»، وإذا أدركنا أن «خفض التصعيد» و«الدبلوماسية» يتطلبان تعاوناً مع إيران، فإن رؤية سوليفان مطابقة لـ«الهدف النهائي» لأوباما، كما وصفه مالي. وشدد سوليفان على هذا التكافؤ عندما عرف هدف خطته على أنه «تغيير دور الولايات المتحدة في نظام إقليمي ساعدت في إنشائه».
ويستحق هذا المشروع الخاص بإنشاء نظام شرق أوسطي جديد الذي يمتد الآن عبر إدارتين رئاسيتين أن نعطيه اسماً. إن «مبادرة أوباما - بايدن - مالي - بلينكن - سوليفان» خيالية مبهمة إلى حد كبير. وبدلاً من ذلك، نطلق عليها «تصحيح المسار». وهذا الأمر يجب أن يقع على عاتقنا، وفي هذا الوقت المتأخر؛ كما أن تسمية مشروع عمل يضم كثيراً من الموهوبين الذين يعملون بشكل أفضل على مدار عقد من الزمان يبدو أكثر من غريب بعض الشيء. فعادة ما يطلق الرؤساء مبادرات كبيرة، مثل هذه المبادرة مع منحها عنوان رئيسي، ويقومون بتجميل رؤيتهم بعشرات الخطب والمقابلات الأصغر. ويتم البحث عبثاً عن خطاب أوباما عن «نظام جديد في الشرق الأوسط».

روبرت مالي في فيينا الأسبوع الماضي

ويبدو واضحاً أن أوباما شعر أن مشروعه سيتقدم بشكل أفضل من خلال التخفي والتضليل، وليس من خلال براعة البيع العدائية. ويستخدم بايدن قواعد اللعبة نفسها، مع الحفاظ على فريق السياسة الخارجية لأوباما للولاية الثانية على حاله تقريباً. ويدرك هو ومساعدوه أن التشويش حول «الهدف النهائي» يجعل تحقيقه أسهل. وفي الواقع، يبدو أن التشويش هو أفضل صديق لتصحيح المسار.
إن فكرة كون الهدف «محسوب على التشويش» من شأنها أن تجعل منه ذكرى حزينة مناسبة لخطة العمل الشاملة المشتركة، إذا كان من المفترض خلط هذا الملف المميت. في 159 صفحة، تحتوي على خمسة ملاحق، مليئة بصفقات جانبية سرية، كانت هذه الخطة معبأة في ملف واحد يحتوي على أمور مشوِّشة من شأنها أن تبقي الجمهور الأميركي مرتبكاً على مدار السنوات الست الماضية. وعلى الرغم من أن خطة العمل المشتركة الشاملة ليست سوى عنصر واحد من مشروع أوباما الكبير، فإن دورها لا غنى عنه.
لنبدأ بما لم تقُم به خطة العمل الشاملة المشتركة. فعلى عكس ما ادعى واضعوها منذ عام 2015، فإن الخطة لم تمنع كل مسارات الوصول إلى سلاح نووي إيراني. كيف يمكن ذلك؟ إن ما يسمى «بنود انقضاء المدة» المنصوص عليها في الاتفاق -البنود التي تلغي جميع القيود ذات المعنى على برنامج إيران النووي- ستدخل جميعها حيز التنفيذ في أقل من عقد من الزمان. وستختفي بعض أهم القيود بحلول عام 2025. وبحلول عام 2031، سيكون لدى الجمهورية الإسلامية، في ظل حماية ومساعدة دولية، برنامج أسلحة نووية غير مقيد، يعتمد على قدرة على التخصيب النووي للاستخدام في الأغراض الصناعية. وعلى أساس هذه الحقيقة وحدها، أفضل ما يمكن للمرء أن يقوله عن الاتفاق هو أنه يشتري عقداً من التحرر من الابتزاز النووي الإيراني.
ولكن حتى هذا الادعاء المتواضع لم يصمد أمام إمعان النظر، إذ يسمح الاتفاق ببرنامج بحث وتطوير قوي، وعدم تدمير المنشآت (مثل المخبأ المحصن في الجبال في فوردو) التي هي بلا منازع جزء من برنامج نووي عسكري، وليس مدني. بمعنى آخر، تسعى إيران إلى تحقيق طموحاتها في الحصول على أسلحة نووية حتى خلال هذه الفترة من القيود المفترضة، وبرنامجها مستمر، كما يرى أي قارئ صحيفة، ليكون ذلك بمثابة أداة من أدوات الابتزاز.
إن إخفاقات الاتفاق صارخة لدرجة أن مسؤولي بايدن لا ينفون وجود المشكلة. وبدلاً من ذلك، يتظاهرون بوجود حل. إذن، ما خطتهم؟ «متابعة تنفيذ الاتفاق»! إنهم يزعمون أن خطة العمل الشاملة المشتركة هي المرحلة الأولى في عملية متعددة المراحل، مثل منتج وادي السيليكون الذي ينتظر الترقية.
وفي مقاله المنشور في «فورين أفيرز»، كان سوليفان أول من طرح فكرة «المتابعة». حينها، وعد بلينكن، خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ في يناير (كانون الثاني)، وفي أثناء انعقاد المؤتمر الصحافي في أول يوم له في المنصب، بالعمل من أجل «اتفاقية أطول وأقوى».
«الإطالة والقوة مع سوليفان وبلينكن!» سيكون شعاراً جذاباً إذا كان لدى الإصدار الثاني من خطة العمل الشاملة المشتركة فرصة على أرض الواقع. لكن إدارة بايدن تصر على أنها لن تثير فكرة اتفاقية أطول وأقوى حتى بعد الاستعادة الكاملة لخطة العمل الشاملة المشتركة الأولى. ومع ذلك، كما أشرنا، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة الأولى تلغي بسرعة جميع القيود المهمة المفروضة على برنامج إيران النووي -بشكل دائم، وبموافقة دولية. فمن خلال منح طهران كل ما تريده مسبقاً، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة الأولى تلغي خطة العمل الشاملة المشتركة الثانية.
ويدعي سوليفان وبلينكن أنهما أدركا العيوب البشعة لخطة العمل الشاملة المشتركة، حتى وهما يتعرقان ويكدحان لإحيائها من القبر حيث دفنها دونالد ترمب. وزاد الشعور بالراحة التي منحوها للعقول القلقة عندما، وفقاً لتقرير «فورين بوليسي» الصادر في فبراير (شباط) الماضي، خالفوا مالي، رافضين مطالبة إيران بأن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات، في شرط مسبق للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. لقد كنا نعتقد أن الرجال من أصحاب الفهم هم أيضاً رجال حقيقيون.
ولكن هذا التقرير صرف الأنظار الساهرة عن القصة الحقيقية: المساومة بين واشنطن وطهران التي بدأت في اللحظة التي تولت فيها الإدارة السلطة. فحتى قبل بدء مفاوضات فيينا في أبريل (نيسان)، كانت الرسائل تشق طريقها من طهران إلى واشنطن، من خلال وسطاء توسطوا بأفكار حول كيفية تخفيف الولايات المتحدة للعقوبات من دون رفعها رسمياً.
ونتيجة لذلك، قام سوليفان وبلينكن بتسليم حزمة الحوافز إلى طهران -الكثير منها. ولإعطاء بعض الأمثلة فقط، نذكر ما يلي: أسقطت إدارة بايدن الاعتراضات الأميركية على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار تم منحها لإيران؛ ألغت سياسة الأمم المتحدة في عهد ترمب التي أطلقت ما يسمى الآلية الانتقامية -وهي خطوة لإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران بسبب انتهاكها للاتفاق؛ أفرجت عن أموال النفط الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية والعراق وسلطنة عمان. وتنذر هذه الخطوات بنهاية وشيكة لنظام العقوبات، مما شجع الصينيين على شراء النفط الإيراني بمعدل أعلى بكثير من أي وقت مضى منذ عام 2017. وفي ظل هذه الخلفية، جاءت مقابلة مالي في 2 أبريل (نيسان) على قناة «بي بي إس» التي عبر فيها عن حرصه على رفع جميع العقوبات في أسرع وقت ممكن.
جاء حماس الإدارة لاستيعاب إيران إلى أقصى حد بمثابة صدمة لكثير من المراقبين، ومن بينهم السيناتور جيمس إينهوف من أوكلاهوما، العضو الجمهوري البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الذي أصدر بياناً يتهم الإدارة بخرق كلمتها. لقد وصف إينهوف والإسرائيليون وعدد لا يحصى من الآخرين خطاب بلينكن بالخاطئ، بصفته خطة فعلية لاستخدام النفوذ الذي بناه ترمب لـ«إصلاح» الاتفاق النووي.
ولكي نكون منصفين، ذكر بلينكن دائماً أن الإدارة تعتزم العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي هذا الإطار، لم يكذب هو ولا سوليفان ولا أي مسؤول إداري آخر، لكنهم شجعوا الناس بشكل استراتيجي على الاعتقاد أن الأشياء التي يعرفونها لم تكن -ولن تكون- أبداً صحيحة.
لقد ذهبت خداعاتهم إلى ما هو أبعد من الأسئلة النووية الضيقة. وعلى عكس مزاعم الإدارة الأميركية، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة تنهي جميع العقوبات الأكثر ضرراً على إيران -النووية وغير النووية على حد سواء. فبفضل أحد بنودها المبكرة، أنهت خطة العمل المشتركة الشاملة بالفعل حظراً دولياً على مبيعات الأسلحة التقليدية لإيران، مما أتاح لطهران سبلاً لتوسيع تعاونها الدفاعي مع روسيا والصين. ونظراً لأن «الحرس الثوري» سيزداد ثراءً من مبيعات النفط، فإن شراكاته الدولية ستزداد قوة أيضاً. وستتوسع شبكة الميليشيات المحيطة بإسرائيل وحلفاء أميركا العرب، وستصبح لدغتهم التي يتم إطلاقها بأسلحة دقيقة التوجيه أكثر سُمِّية. كما تتفاقم صعوبة احتواء مشروع إيران الإقليمي بسبب دعم الأصدقاء الأقوياء مثل روسيا والصين. إن هذا التحليل لا يمثل نظرية، ولكنه رأي مبني على الحس السليم.
إن عمليات الخداع المحيطة بخطة العمل الشاملة المشتركة لها هدف واضح: جعل الإدارة تبدو داعمة للاحتواء، بينما أنها -في الواقع- تنهيه. لكن لماذا يشعر المسؤولون مثل بلينكن وسوليفان بالارتياح تجاه مثل هذه الازدواجية؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال الدخول في عقلية تصحيح المسار. تقدم مقالات «فورين أفيرز» بالتأكيد طريقة واحدة للدخول، ولكن الطريق المباشر للفهم يتمثل بالفعل في الدخول من خلال عقل باراك أوباما، مؤلف السياسة التي ينهجها بلينكن وسوليفان.
سوليفان وبلينكن في البيت الأبيض مارس الماضي
سوليفان وبلينكن في البيت الأبيض مارس الماضي
لقد تبلورت عقلية تصحيح المسار بالكامل في 31 أغسطس (آب) 2013، وهو اليوم الذي أزال فيه أوباما خطه الأحمر بشأن استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية. وكان أوباما قد رسم الخط الأحمر للمرة الأولى للعمل العسكري الأميركي في صيف 2012، بعد تلقيه تقارير تشير إلى أن الديكتاتور السوري بشار الأسد كان إما يستخدم أو يستعد لاستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. ورداً على ذلك، حث بعض مستشاري أوباما على زيادة الدعم للمتمردين الساعين للإطاحة بالأسد. وبدلاً من ذلك، رسم أوباما خطه الأحمر، آملاً في أن تتمكن موسكو وطهران من كبح جماح الأسد، وحينها لن يكون البيت الأبيض مضطراً إلى اتخاذ إجراء. لكن بعد عام واحد تقريباً، حطم الأسد آمال أوباما بهجوم بغاز السارين أسفر عن مقتل مئات المدنيين، ربما أكثر من ألف.
ومع ذلك، كان أوباما مصمماً -كما كان دائماً- على منع التدخل الأميركي في سوريا، والتمسك بمساعدة موسكو وطهران. وسأل نفسه: ماذا لو كانت الولايات المتحدة قادرة على العمل في شراكة أكبر مع روسيا وإيران لتحقيق الاستقرار ليس فقط في سوريا، ولكن أيضاً في بؤر التوتر الأخرى؟ وبعد كل شيء، كان هناك بالفعل ترتيب أميركي ضمني مع إيران في العراق، على أساس العداء المتبادل المفترض للمتطرفين السنة. ألا يمكن توسيع هذا النموذج ليشمل الشرق الأوسط بأكمله؟ يمكن للشراكة مع روسيا وإيران أن تعمل على استقرار هذه المنطقة المضطربة. ومع ذلك، فإن شن هجوم على سوريا سيعزل كلاً من موسكو وطهران، ويلحق الضرر بحلم أوباما في إقامة نظام إقليمي جديد.
وفي حين كان الجيش الأميركي يستعد لتنفيذ ضربة ضد نظام الأسد، بحث أوباما عن ذريعة لإلغائها. وقد وجد ذلك عندما تذكر فجأة واجبه الدستوري في السعي للحصول على إذن من الكونغرس للعمليات العسكرية. عرف أوباما أن الجمهوريين في الكونغرس سيرفضون الإذن بعمل عسكري، مما يجعلهم مسؤولين عن محو خطه الأحمر. برفض الجمهوريين لتنفيذ الضربة ضد نظام الأسد، أخبر بن رودس، أحد مساعديه عضو دائرته المقربة، بأنهم «سيضعون خنجراً في قلب المحافظين الجدد؛ سيرى الجميع أنه ليس لديهم أصوات».
لم يكن لدى أوباما أي مصلحة في إضعاف الوفاق الروسي - الإيراني. وبدلاً من ذلك، سعى إلى عرقلة «ارتباط القوى» (باستخدام المصطلحات السوفياتية) التي كان يعتقد أنها كانت تحاصره. وشملت هذه القوى، بالإضافة إلى مجموعات متنوعة في السياسة الداخلية الأميركية، حلفاء تقليديين في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية وتركيا -وجميعهم منزعجون، كل لأسبابه الخاصة، من القوة الصاعدة للوفاق الروسي - الإيراني.
ومن جانبه، فهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معضلة أوباما. وسرعان ما قدم ذريعة قبلها أوباما عن طيب خاطر. وتظاهر الاثنان معاً بتجريد الأسد من أسلحته الكيماوية. ونقول «تظاهر» لأن المبادرة الروسية - الأميركية المشتركة كانت واجهة بوتين التي تهدف إلى وضع وجه مشرف على انسحاب أوباما. وفي مقابل جائزة الامتناع الأميركي عن توجيه ضربة ضد سوريا، كان بوتين أكثر سعادة بتدمير بعض أسلحة الأسد الكيماوية.
لكن بعض من هذه الأسلحة فقط. لقد قامت منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، والمجموعة التي نفذت السياسة الأميركية - الروسية المشتركة، بتدمير الأسلحة الكيماوية التي أعلنها الأسد رسمياً فقط. وبالطبع لم يصرح الأسد رسمياً بكل شيء، وهي حقيقة أصبحت غير قابلة للدحض في أبريل (نيسان) 2017، عندما شن الأسد هجوماً آخر بغاز السارين، قتل هذه المرة ما يقرب من 100 شخص.
لكن بالنسبة لأوباما، كان ردع الأسد دائماً مصدر قلق ثانوي. لقد حقق الآن ما رآه أكبر جائزة على الإطلاق؛ أي أنه فتح طريق لتسوية استراتيجية مع إيران، حليف روسيا في سوريا. وقد ذكر رودس لأحد المراسلين في نهاية رئاسة أوباما: «لو كانت الولايات المتحدة قد تدخلت بقوة أكبر في سوريا، لكانت هذه الظروف ألقت بظلالها، وسيطرت على مجريات الأمور في ولاية أوباما الثانية، وكان من المستحيل تحقيق خطة العمل الشاملة المشتركة».
ومع بقاء مثال سوريا ثابتاً في أذهاننا، أصبحنا أخيراً في وضع يسمح لنا بتحديد ماهية خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل حقيقي واقعي، وليس على نحو مشوش. كما يفهم من قبل واضعيه، فإن الاتفاق يشمل جانبين في وقت واحد: أولاً، هو وسيلة لسحب البرنامج النووي الإيراني من المسارات الرئيسية للعلاقات الأميركية - الإيرانية ووضعه جانباً، وبالتالي خلق مساحة سياسية ودبلوماسية لتفاعل أكبر بين واشنطن وطهران -وهو شرط أساسي لبناء النظام الإقليمي الجديد الذي يطمح إليه تصحيح المسار.
ثانياً، هو أداة لمحو خيار الاحتواء في السياسة الخارجية الأميركية. وقد فسر كثير من المحللين إلغاء العقوبات غير النووية من قبل خطة العمل الشاملة المشتركة على أنه نتاج مساومة غير ذات كفاءة. وقيل لنا مراراً إن المفاوضين الإيرانيين الماكرين خدعوا أوباما الساذج المسكين الذي لا يبدو أنه يدور برأسه حول مفهوم النفوذ في المفاوضات.
على العكس من ذلك، خدع أوباما الذكي المحللين بإخفاء خطة العمل الشاملة المشتركة على أنها اتفاقية لحظر انتشار الأسلحة النووية. وفي الواقع، كان الاتفاق هجوماً مباشراً على السياسة الخارجية الأميركية التقليدية. لقد كان -ولا يزال- حصان طروادة مصمماً لإعادة تشكيل مكانة أميركا ودورها في الشرق الأوسط. وتتمثل مهمة سوليفان وبلينكن في دفع حصان طروادة إلى الميدان المركزي للسياسة الخارجية الأميركية، من خلال التلويح بمؤهلاتهم السياسية «الوسطية» والتسويق لها على أنها وسيلة احتواء غير كاملة، ولكنها قيّمة.
يعتمد مبدأ تصحيح المسار على الافتراض الخاطئ بأن إيران هي قوة الوضع الراهن، قوة تشترك في عدد من المصالح الرئيسية مع الولايات المتحدة. ووفقاً لهذه العقيدة، يركز الأميركيون المحافظون وأنصار إسرائيل على آيديولوجية إيران -الغارقة في التعصب الأعمى تجاه غير المسلمين بشكل عام، التي تعلن عن تطلعاتها في الإبادة تجاه الدولة اليهودية بشكل خاص- ولكنها ليست مفيدة بصفتها دليلاً عملياً لسلوك طهران. هذا ما علمنا إياه السيد أوباما في مقابلة عام 2014، عندما ادعى أن قادة إيران «استراتيجيون»، وهم أناس عقلانيون «يستجيبون لمبادئ التكاليف والفوائد... والحوافز».
وفي مقابلة أخرى، ذكر أوباما أنه كان على حلفاء الولايات المتحدة أن يتعلموا «مشاركة الجوار» مع إيران. لقد كان عداؤهم يمنع واشنطن من الوصول إلى الأبعاد الأكثر براغماتية لطابع الحكومة الإيرانية. تتغذي إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية على مخاوف وطموحات ضخمة تجذبهم إلى حروب الظل مع إيران. وبسبب الولاء المفرط لحلفائها، سمحت أميركا لنفسها بالانجرار إلى دعم حروبهم، مما أدى إلى توتر العلاقات الأميركية - الإيرانية من دون داعٍ، بينما أدى ذلك في الوقت نفسه إلى تفاقم الصراعات المحلية.
وفقاً لنظرية تصحيح المسار، ستساعد أميركا حلفاءها في حماية أراضيهم السيادية من الهجمات الإيرانية أو المدعومة من إيران، ولكن لن تتنافس مع إيران خارج حدودها. وفي المناطق المتنازع عليها في سوريا واليمن والعراق، ستجبر الولايات المتحدة الآخرين على احترام «الحصص» الإيرانية، وهو مصطلح كان أوباما ذات مرة يستخدمه لوصف مواقع القوة الإيرانية. وبالتالي، ومن الناحية العملية، ستستخدم أميركا نفوذها لإعلاء مصالح إيران على مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المناطق الرئيسية من الشرق الأوسط.
وفي الداخل، بدت هذه السياسة مثيرة للجدل، على أقل تقدير، كما تتطلب تطوير تكتيكات لتمويه الميل نحو طهران. ويعد تقديم خطة العمل المشتركة الشاملة على أنها اتفاقية ضيقة للحد من الأسلحة من أهم هذه التكتيكات، لكن هناك تكتيكين آخرين جديرين بالملاحظة بشكل خاص.
الأول هو عناق الدب: وهو عبارة عن ضغط يمكن تقديمه للعالم الخارجي بصفته بادرة حب، لكنه يشل حركة متلقيه. أتقنت إدارة أوباما التحرك تجاه إسرائيل خلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة. وتباهى المسؤولون الأميركيون بشكل روتيني بأنهم رفعوا العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى آفاق جديدة باهرة. وكي نكون منصفين، فإن هذا الادعاء ليس عارياً تماماً عن الصحة، وذلك بفضل المشاريع المشتركة، مثل نظام الدفاع الصاروخي المسمى (القبة الحديدية) الذي يسمح لإسرائيل بحماية أراضيها من الهجمات الصاروخية التي ترعاها إيران. ولكن إذا كانت القبة الحديدية هي المظهر المحب على ما يبدو لعناق الدب، فإن الجزء الذي يعيق الحركة كان تثبيطاً قوياً للعمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية ضد برنامج إيران النووي وشبكتها العسكرية الإقليمية. لقد جعل أوباما كليهما يبدوان أقل أهمية من خلال الإشارة باستمرار إلى القبة الحديدية التي أصبحت أداة أميركية لإجبار إسرائيل على اتخاذ موقف أكثر سلبية في مواجهة قوة إيران المتزايدة وعدوانها المستمر.
عناق الدب هو أيضاً أداة لإلقاء الضوء على النقاد الذين يزعمون بدقة أن تصحيح المسار يمثل شجاعة سياسة الاحتواء. فالتوفير المستمر للمساعدات الأمنية الأميركية للحلفاء يسمح للإدارة بأن تدعي بشكل معقول أن الاحتواء ما زال قائماً وبصحة جيدة، وأن الولايات المتحدة بالفعل «تقاوم» أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، وأنها بعيدة عن التخلص من حلفائها القدامى، وأنها ملتزمة بسلامتهم.
ويتمثل التكتيك الثاني في خدعة القيم. فعندما تميل واشنطن نحو إيران، فإنها تخفي دوافعها الحقيقية بتصريحاتها حول النزعة الإنسانية السامية -فتتوقف عن أن تكون قوة عظمى. وبدلاً من ذلك، أصبحت ممرضة بين الدول، مستنكرة المعاناة الإنسانية، مرددة عبارات مثل: «لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع». تحث خدعة القيم الحلفاء، وبشكل علني، على عدم التراجع أمام إيران، ولكن الانخراط في «النقاط الثلاث»: الدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد. هذا الثلاثي الذي نشره أوباما للمرة الأولى في سوريا يتراجع الآن بشكل روتيني عن التعبير عنه على ألسنة مسؤولي بايدن الذين سايروا الخطة المقدمة في مقال سوليفان في «فورين أفيرز»، إذ إنهم منشغلون في تشجيع حلفاء أميركا على الجلوس والتفاوض مع الإيرانيين.
جانب من مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا
جانب من مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا
وقد قال حسن نصر الله مطلع الشهر الحالي: «نحن ندعم أي حوار إيراني مع قوى دولية أو إقليمية أو عربية، ونعده مفيداً في تهدئة التوتر في المنطقة». إن زعيم «حزب الله» اللبناني، أكثر الميليشيات المدعومة من إيران فتكاً في العالم العربي، يوافق بشدة على خطة سوليفان. ولمَ لا يقوم بذلك؟ فالدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد تحول إيران ووكلاءها إلى شركاء أميركا في شكل «دبلوماسية السلام»، ويحولون أولئك الذين يسعون لاحتوائهم إلى أعداء للسلام متعطشين للدماء.
الآن، وبعد أن أصبح بإمكاننا رؤية ما وراء الحيل اللطيفة التي تخفي الأهداف الحقيقية لتصحيح المسار، يمكننا تحديد ضروراتها الاستراتيجية الأربع بلغة بسيطة سهلة: أولاً، السماح لطهران ببرنامج أسلحة نووية غير مقيد بحلول عام 2031. ثانياً، إنهاء العقوبات المفروضة على النظام الاقتصادي والمالي الإيراني. ثالثاً، تنفيذ سياسة استيعاب إيران ومخالبها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. رابعاً، فرض تلك السياسة على أقرب حلفاء أميركا. وإذا اتبعت الولايات المتحدة هذه الوصايا، فسيحدث نوع من التوازن الإقليمي الطبيعي. إن الولايات المتحدة، كما يذهب التفكير، ستخرج نفسها أخيراً من قاعدة الحرب التي فرضها عليها الحلفاء التقليديون، بأجندتهم المعادية لإيران. وبعد ذلك، سيكون التواصل الدبلوماسي مع إيران هو الأداة الأساسية اللازمة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي (إذا كنت تشك في هذا الأمر، فامنح مقالات مالي وسوليفان في «فورين أفيرز» قراءة أكثر تعمقاً).
يستند تصحيح المسار، بعبارة ملطفة، إلى نظرية جوفاء. إنه يخطئ في ذكر طبيعة الجمهورية الإسلامية ونطاق طموحاتها. فالنظام الذي قاد هتافات «الموت لأميركا» على مدى الأربعين سنة الماضية هو نظام رجعي عنيد، إذ ترى الجمهورية الإسلامية نفسها قوة عالمية زعيمة للعالم الإسلامي، وتطمع في الهيمنة على الخليج الفارسي -والشرق الأوسط بأكمله في الواقع. لكن الأداة الوحيدة التي امتلكتها لتحقيق أهدافها هي التخريب الإقليمي.
إن آية الله خامنئي، رئيس هذا المشروع الضخم، هو سيد الفوضى. وبعد النفط، يُعد عنصر التصدير الرئيسي للجمهورية الإسلامية هو الميليشيا الإرهابية التي يقودها «الحرس الثوري» الإيراني -وهي الصادرات الوحيدة التي تنتجها إيران باستمرار على مستوى منقطع النظير. لقد أخطأ مالي وسوليفان تماماً عندما جادلوا، في الواقع، بقولهم إن الحلفاء يغرقون الولايات المتحدة في صراع مع إيران. ليس الحلفاء، بل الجمهورية الإسلامية هي التي تملأ العالم العربي بالميليشيات الإرهابية، وتسلحها بأسلحة دقيقة التوجيه، وتصف التحالف الذي تقوده بـ«محور المقاومة». إنها تفعل ذلك لسبب واحد بسيط: إنها تسعى في الخارج إلى تدمير النظام الأميركي في الشرق الأوسط.
فشبكة الميليشيات الإيرانية والبرنامج النووي جعلاها قوية بما يكفي لتكون عاملاً رئيسياً في كل ركن مضطرب في الشرق الأوسط، ولكن ليس بالقوة الكافية لبناء نظام بديل. وهنا يكمن تناقض غريب في مشروع خامنئي. ولا يمكن لإيران في الواقع الاحتفاظ بالمناطق المتنازع عليها أو استقرارها من دون موقف أميركي مفيد.
هذا التناقض نفسه يربك تصحيح المسار الذي يعتقد واضعوه أن الشراكة مع إيران هي تذكرة عبور لإنهاء التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. لكن تجارب كل من العراق وسوريا أثبتت مغالطة هذه الرؤية. ففي عهد أوباما، عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق، زاد نفوذ إيران بشكل كبير. وما الذي حدث؟ انتشرت الميليشيات المدعومة من إيران مثل الأعشاب عبر الأرض، وخلقت الفوضى التي أعقبت ذلك الفراغ الذي ملأه تنظيم داعش، مما أجبر أوباما على إعادة التدخل عسكرياً -ولكن الآن مع الخدمة العسكرية الأميركية، في الواقع، بصفتها قوة جوية لميليشيات إيران. لم ينهِ أوباما التدخلات العسكرية، لقد بدّل جوانبها وجهاتها.
لقد حدثت عملية مماثلة في سوريا. فمن أجل إنقاذ نظام الأسد، لم تكن إيران بحاجة فقط إلى تدخل الجيش الروسي لتعزيز موقفها ضد قوات المعارضة السورية، ولكن إلى مساعدة الولايات المتحدة. لقد أبقى أوباما كلاً من تركيا وإسرائيل في مأزق، بينما قتل الروس والإيرانيون والميليشيات الإيرانية أكثر من 500 ألف شخص، وهجَّروا 10 ملايين آخرين من منازلهم.
لقد اختبر أوباما وموظفوه -الذين هم الآن موظفو بايدن- بالفعل إمكانات تصحيح المسار. لقد جلبت المعاناة والموت فقط، ناهيك من الضعف العام للموقف الأميركي.
وتفسر السياسة الداخلية جزئياً الاعتقاد الذي تمارسه هذه النظرية الفارغة على العقول اللامعة. كان تصحيح المسار هو المبادرة المميزة لباراك أوباما الذي بقي إما الرجل الأقوى في السياسات الديمقراطية أو في المرتبة الثانية. وبفوزه بالرئاسة، يصبح بايدن زعيم الحزب اليوم، لكنه مدين بكثير من شعبيته الشخصية، بالإضافة إلى الفوز نفسه، لرئيسه السابق.
ينص المخطط التنظيمي لوزارة الخارجية على أن مالي مسؤول عن رفع التقارير إلى وزير الخارجية. ما لا يكشفه المخطط التنظيمي هو أن مالي، بصفته حارس شعلة أوباما في إيران، يقدم تقاريره إلى بلينكن عبر أوباما في الحقيقة. أما سوليفان، فيرفع تقاريره إلى بايدن مباشرة، لكن قدرته على الخروج عن أجندة أوباما محدودة بحقيقة بسيطة من حقائق الحياة. فكما لاحظ سوليفان نفسه في مقابلة أجراها في ديسمبر (كانون الأول): «لقد وصلنا إلى نقطة تكون فيها السياسة الخارجية هي السياسة الداخلية، والسياسة الداخلية هي السياسة الخارجية».
فاز بايدن في المجمع الانتخابي بـ45 ألف صوت فقط، موزعة على ثلاث ولايات بهامش ضئيل للغاية. ولا يزال بحاجة ماسة إلى دعم أوباما الذي يستطيع وحده أن يربط الحزب الديمقراطي بجناحه التقدمي وجناح كلينتون. وعلاوة على ذلك، إذا كانت القوة هي القدرة على إقناع الشخص بأن نجاحه في المستقبل يتطلب إبقاءه سعيداً في الوقت الحاضر، فإن لدى أوباما كثيراً من السلطة المباشرة على سوليفان. إذا كان سوليفان يطمح إلى العمل وزيراً للخارجية أو وزيراً للدفاع يوماً ما، فهو يعلم أن أوباما سيظل وسيطاً قوياً في السياسة الديمقراطية لفترة طويلة بعد مغادرة بايدن المشهد السياسي.
إن الثقل السياسي لتصحيح المسار لا ينبع فقط من الدعم الشخصي لأوباما، ولكن أيضاً من دعم التقدميين. فهو يوازن بين سياسة احتواء إيران وطريق يقود إلى حرب لا نهاية لها، ويحول سياسة تكييف إيران إلى طريق السلام. إنه يختزل تعقيدات الشرق الأوسط إلى حكاية أخلاقية مانوية تضع التقدميين في مواجهة أعدائهم الأسطوريين من المسيحيين الإنجيليين و«المحافظين الجدد» والصهاينة. ويصور تصحيح المسار هؤلاء الأعداء على أنهم متآمرون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويخططون لإبقاء أميركا غارقة في الشرق الأوسط.
إن الدور الذي يلقيه «تصحيح المسار» لإسرائيل يخضع لتدقيق شديد. فقد دعا سوليفان، في مقاله المنشور في «فورين أفيرز»، إلى منع حلفاء الولايات المتحدة من جعل السياسة الأميركية «رهينة المطالب الإقليمية المتطرفة» فيما يتعلق بخطة العمل الشاملة المشتركة. ومع ذلك، امتنع سوليفان عن ذكر إسرائيل، الدولة الأكثر صخباً وفاعلية في تقديم مثل هذه المطالب. هذا الإغفال، بالطبع، ليس من قبيل الصدفة.
ويجب أن نقول إن التقدمية المعاصرة أقل حماسة للصهيونية. ويتمثل أحد أهدافها العزيزة في تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل، ويساعدها تصحيح المسار على تحقيق هذا الطموح -لكنها تفعل ذلك بشكل خبيث. فهي تمتنع عن جعل معادتها للصهيونية صريحة خوفاً من إثارة معارضة المشروع بين الأميركيين المؤيدين لإسرائيل إلى حد كبير. ولكن من خلال تطوير العلاقات مع إيران، فإن تصحيح المسار بحكم الضرورة يقلل من مكانة الدولة اليهودية.
وستعتمد كيفية رد إسرائيل على هذا التقليص من مكانتها على كيفية حل أزمتها الداخلية الطويلة التي ميزتها أربعة انتخابات في غضون عامين. ومن المؤكد أن كارهي نتنياهو في إدارة بايدن سيسعدون إذا أطيح به من السلطة، وخلفه شخص لديه خبرة أقل في السياسة الخارجية مثل يائير لبيد. يعتقد البيت الأبيض أن إسرائيل ما بعد نتنياهو ستعمل على تلبية مطالبها الرئيسية. ومع ذلك، إذا ظل نتنياهو في السلطة (أو إذا خلفه شخص لديه التصرف نفسه تجاه إيران)، فلن يقبل الإسرائيليون بسهولة الدور المتناقص الذي كلفهم به تصحيح المسار.
وفي حين يتحرك بايدن بسرعة لوضع نتنياهو (أو خليفة له التفكير نفسه) في عناق الدب، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي ينحني ويلوي ويهز، وأحياناً يلقي مرفقاً حاداً ويركل بساقه. وسينفي كل من بايدن ونتنياهو، كل بحسب أسبابه المحلية، عمق الصراع. فالابتسامات العريضة، وأمارات الصداقة، وكثير من حركات الأقدام المذهلة (كلها تم إنتاجها لصالح الكاميرات) ستحول مباراة المصارعة هذه إلى رقصة تانغو ملتوية.
وستنتقل رقصتهما عبر خمس نقاط ساخنة -وهي التوترات الخمس التي لا يمكن حلها بين القدس وواشنطن التي يخلقها «تصحيح المسار». النقطة الأولى تتمثل بالطبع في خطة العمل الشاملة المشتركة، فالإسرائيليون من جانبهم سيحاولون منع الخلاف من تعكير جو التعاون بشكل عام، لكنهم لن يمتنعوا عن كشف عيوب الاتفاق للعالم، خاصة للكونغرس. ومن ثم، تنفث خطة العمل المشتركة الشاملة جواً من عدم الثقة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية سيزداد قوة مع استمرار إسرائيل في القيام بأعمال سرية داخل إيران، وسيكون رد فريق بايدن -كما رأينا بالفعل- هو الحث على ضبط النفس، وبالتالي توليد نقطة الاشتعال الثانية.
وقد كان الهدف الأساسي للعمليات الإسرائيلية السرية تاريخياً تخريب برنامج إيران النووي، ولكن في الآونة الأخيرة عملت أيضاً بصفتها وسيلة للإعلان عن عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، وفضح الغش الإيراني. وتعمل الحملة الإسرائيلية السرية الآن أيضاً بصفتها دعاية، إذ تُظهر معارضة تصحيح المسار الخاص ببايدن. وقد تزامن التخريب الأخير لمحطة الطاقة النووية في نطنز، وهو مثال على ذلك، ليس فقط مع المفاوضات في فيينا حول خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن أيضاً مع زيارة وزير الدفاع لويد أوستن إلى القدس. لقد أحرجت العملية واشنطن، لا سيما من خلال دحض ادعائها أن الطريقة الوحيدة لمنع الحرب هي إضفاء الشرعية على برنامج إيران النووي. وإذا كان بإمكان إسرائيل الضئيلة تخريب أكثر منشآت إيران أماناً من تلقاء نفسها من دون إشعال فتيل حرب، فما الذي يمكن أن تنجزه أكثر بمساعدة نشطة من الولايات المتحدة؟
من جانبها، ردت إدارة بايدن على الإحراج بإصدار توبيخ خاص لإسرائيل، فيما دعت إلى مزيد من التنسيق وسياسة «اللا مفاجآت» المتفق عليها. وهناك ديناميكية مماثلة تظهر على نقطة الاشتعال الثالثة -أي الاشتباك بين واشنطن والقدس بشأن الهجمات الإسرائيلية على أهداف عسكرية إيرانية في سوريا وأماكن أخرى في المنطقة. وقد أسس اجتماع عُقد في أبريل (نيسان) بين سوليفان ونظيره الإسرائيلي مئير بن شبات «مجموعة عمل مشتركة بين الوكالات» للتركيز على تهديد الصواريخ الإيرانية دقيقة التوجيه التي توفرها طهران لحلفائها الإقليميين. وسيصور البيت الأبيض مجموعة العمل على أنها جهد موحد لـ«صد» إيران، لكنها في الواقع أداة لمراقبة إسرائيل وتقييدها.
ومع تصاعد الضغط من واشنطن لدعم الدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد، ستبحث إسرائيل عن شركاء يمكنهم مساعدتها، سواء في احتواء إيران أو في إقناع الولايات المتحدة بالتخلي عن تصحيح المسار. وهناك عوائق كثيرة للتنسيق الفعال بين الرياض والقدس، ولكن السعوديين يظلون المرشح الأكثر ترجيحاً، حيث لا تزال هناك فرصة في فرض الظروف المشتركة تنسيقاً أوثق بين الطرفين. لكن فريق بايدن سيرصد العلاقات بين الرياض والقدس، ويقوم بالحظر عند الضرورة -وبالتالي خلق نقطة الاشتعال الرابعة.
ومرة أخرى، كانت إدارة أوباما هي التي صاغت النموذج لمثل هذا الحظر. ففي عام 2012، عندما تزايدت مخاوف واشنطن من احتمال قيام إسرائيل بشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، قام أربعة دبلوماسيين أميركيين ومسؤولون في المخابرات العسكرية بإطلاع مجلة «فورين بوليسي» بشأن التعاون المزعوم بين أذربيجان وإسرائيل استعداداً للهجوم. وقال مسؤول مجهول الهوية: «لقد اشترى الإسرائيليون مطاراً، والمطار يسمى أذربيجان». ونفى المسؤولون في باكو بشكل قاطع هذا التقرير الذي كان من المحتمل أن يكون مزيفاً. لكن الهدف كان ترهيب إسرائيل وأي من شركائها المحتملين المناهضين لإيران، وليس نشر معلومات صادقة.
أما النقطة الساخنة الأخيرة، فستكون القضية الفلسطينية. فمع تصاعد التوترات مع إسرائيل بشأن إيران، ستنفذ الإدارة خدعها القيمية، منتقدة إسرائيل لاختيارها طريق «الحرب». ولكن الأمر سيتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث سيلقي فريق بايدن أقسى توبيخ علني. إن هذه القضية تساعد في تمويه الغضب الأميركي بشأن سياسة إسرائيل المستقلة تجاه إيران، وتقديمها بدلاً من ذلك على أنها صراع صالح على «القيم».
ولم تضيع الإدارة وقتاً في إحياء صراع القيم هذا. ففي 7 أبريل (نيسان)، استأنف بلينكن التمويل الأميركي للقيادة الفلسطينية الذي قطعته إدارة ترمب، بما في ذلك تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين المثير للجدل، قائلاً إنه «يتوافق مع قيم ومصالح حلفائنا» (على النحو المحدد فقط من قبل إدارة بايدن، وأهمل أن يضيف المزيد). وسرعان ما أوضح غلعاد إردان، سفير إسرائيل في الولايات المتحدة والأمم المتحدة، أن «إسرائيل تعارض بشدة النشاط المعادي لإسرائيل والمعادي للسامية الذي يحدث في منشآت الأونروا».
إن رفع القضية الفلسطينية إلى قمة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية سيقلل بشكل أكبر من فرصة حدوث انفراج ثنائي سعودي - إسرائيلي. وأي جهود لدفع الاتفاقات الإبراهيمية، أو لإحباط سياسة البيت الأبيض تجاه إيران، ستُقابَل بتوبيخ بأن إسرائيل تحاول الانتقاص من العدالة للفلسطينيين. وقد يكون إطلاق جولة أخرى من المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية أحد الطرق لفريق بايدن لإضفاء المعقولية على هذا الادعاء. ومع ذلك، ونظراً لفشل الجولات السابقة، قد يختار بايدن بدلاً من ذلك بدء محادثات مع الإسرائيليين والفلسطينيين حول كيفية الحفاظ على حل الدولتين في غياب عملية سلام. وحيال إجراء أي محادثات من هذا القبيل، فإن مطالبة إسرائيل باتخاذ إجراءات مستحيلة ستتدفق بقوة، مما يسمح لواشنطن بأن تتظاهر بأنها نصيرة الحقوق الفلسطينية ضد الإسرائيليين المتمردين.
عناصر ميليشيا تابعة لإيران في العراق
عناصر ميليشيا تابعة لإيران في العراق
ومع تمهيد المسرح على هذا النحو، فإن غرفة صدى الأصوات «المستقلة» في وسائل الإعلام ستوجه لوماً شديداً لإسرائيل، سيكون فريق بايدن قد كتبه، لكنه سيفضل عدم تقديمه بشكل مباشر. ففي جريدة «نيويورك تايمز»، في 27 أبريل (نيسان)، كتب مدير وكالة المخابرات المركزية لأوباما، جون برينان، أنه «يجب على الولايات المتحدة أن تطلب من القادة الإسرائيليين التوقف عن بناء المستوطنات الاستفزازية و... الممارسات الأمنية القمعية». وكان هذا تحذيراً مبكراً. ومع تصاعد حدة التوترات بين القدس وواشنطن، ستصف أصوات أعلى من صوت برينان الإسرائيليين بأنهم دعاة حرب فاسدون قساة، لا يخربون فقط دبلوماسية السلام، ولكن أيضاً التراث الأميركي.
وبالنسبة للمجتمع المؤيد لإسرائيل، يمثل تصحيح المسار تحدياً فكرياً وسياسياً. فمن الناحية الفكرية، يفرض إعادة التفكير فيما يشكل سياسة مؤيدة لإسرائيل. ومن الناحية التقليدية، يجتاز الموقف هذا الاختبار الحقيقي إذا كان يدعم العلاقات الثنائية القوية، بما في ذلك توفير المساعدة العسكرية الأميركية. ولكن مؤيدي تصحيح المسار، من خلال ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وحقها في الدفاع عن نفسها، والتأكيد لفظياً على القوة الدائمة للروابط الأميركية - الإسرائيلية، يجتازون بسهولة هذا الاختبار، حتى مع تمكينهم لإيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتزويدها بطريق الوصول إلى سلاح نووي. ولإعطاء مصطلح «مؤيد لإسرائيل» تعريفاً يلبي التحدي الحالي، ويتطلب الدعوة إلى احتواء إيران، وليس فقط الدفاع عن إسرائيل، ومن أجل استراتيجية سلام تركز على المملكة العربية السعودية.
وبالنسبة للديمقراطيين اليهود على وجه الخصوص، يفرض هذا التعريف تحدياً سياسياً شديداً. سيهاجم التقدميون ووكلاء بايدن هذا التعريف لمصطلح «مؤيد لإسرائيل» على أنه النسخة «الترمبية» التي تعني بالنسبة لهم التنصل من القيم الأميركية، واختيار الحرب على الدبلوماسية، وتبييض «الجرائم» السعودية، ومساعدة المستوطنين الإسرائيليين على «استعمار» الأراضي الفلسطينية.
ولن يتردد بعض مؤيدي الإدارة في اتهام اليهود بإرسال رجال ونساء أميركيين بالزي العسكري للموت من أجل إسرائيل. وفي عام 2018، عندما قام الموساد بتحريك الأرشيف النووي من طهران، غرد كولين كال، الأستاذ في جامعة ستانفورد مستشار الأمن القومي السابق لبايدن، بأن العملية الإسرائيلية «بالتأكيد لها أجواء مخيفة في العراق قبل عام 2003». وبعبارة أخرى، كانت عملية المخابرات الإسرائيلية، وهي إنجاز هوليوودي، مؤامرة يهودية لجر أميركا إلى حرب لصالح إسرائيل. كال الآن هو وكيل جو بايدن للدفاع عن السياسة، وثالث أقوى شخص في البنتاغون. وخلال عملية التصديق في مجلس الشيوخ، دافع أنصار كال عنه ضد الاتهام بأنه يحمل تحيزاً ضد إسرائيل، من خلال الإشارة إلى أنه، في عهد أوباما، ساعد في دفع التعاون الأميركي - الإسرائيلي حول القبة الحديدية!
وبينما يناقش المجتمع المؤيد لإسرائيل ما يشكل سياسة معقولة، يستعد الجناحان الأيمن والأيسر للقتال، دخول لسوليفان وبلينكن، ويتنقلان بين الفصائل المتشاحنة رافعين أذرعهما في مناشدة للتهدئة. ويمتلك الثنائي بالضبط ما يلزم لتشكيل طريق ثالث بين «الحد الأقصى للضغط» الذي يمارسه ترمب وإعادة تنظيم أوباما -طريقة كلينتونية من شأنها أن تربع الدائرة، وتشبك الإبرة، وتمكِّن من ركوب حصانين في وقت واحد. يقولون لهم: لا تتشاجروا بعضكم مع بعض، ولا تقسموا مجتمعكم. كن مطمئناً، نحن نساندك، وليست لدينا أوهام بشأن إيران، وإن التزامنا بأمن إسرائيل يظل ثابتاً.
ألن يكون من الجيد تصديق ذلك كله؟ لسوء الحظ، هذه الطريقة الثالثة هي عبارة عن أسطورة -وأسطورة خطيرة في هذا الإطار. إنه شراء للوقت وحسن النية لإدارة لا تستحق أياً منهما، وهي تسابق لإنهاء ما بدأه أوباما.
تصحيح المسار أمر ذكي بما يكفي ليكون غبياً على نطاق واسع. عندما يشير مالي إلى رئاسة أوباما على أنها تجربة نصف مكتملة، فإنه يعني، بشكل أكثر تحديداً، أن الولايات المتحدة فشلت في إجبار حلفائها في الشرق الأوسط على التكيف مع إيران. وفي مقاله بـ«فورين أفيرز»، أوضح أن واشنطن يجب أن تتوقف عن «منح شركائها تفويضاً مطلقاً»، و«تمكين أعمالهم الأكثر عدوانية» الموجهة ضد إيران ووكلائها. ويشرح مالي أن الحليف الذي يحتاج إلى إلغاء الشيك المفتوح هو المملكة العربية السعودية، والساحة التي يجب البدء بها هي اليمن. لقد كتب صراحة أنه يجب على واشنطن الضغط على الرياض من أجل «إنهاء الصراع».
وفي مقاله بـ«فورين أفيرز»، أخذ سوليفان هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك، ووضع خطة للضغط على الرياض لإنهاء الحرب في اليمن، وأوضح أنه يجب على الولايات المتحدة أن تخبر السعوديين بعبارات لا لبس فيها أن الفشل في إنهاء التدخل سيعرض الضمان الأمني الأميركي للمملكة العربية السعودية للخطر. وفقاً لسوليفان، يجب على واشنطن «الإصرار على بذل جهود دبلوماسية سعودية جادة حسنة النية لإنهاء حرب اليمن، وخفض التصعيد مع إيران، في جزء من الشروط التي تحتفظ بموجبها بمجموعة مكملة للقوات الأميركية المنتشرة في المملكة العربية السعودية». وللحفاظ على هذه «التهدئة»، يجب على الولايات المتحدة الضغط على الرياض للدخول في «حوار» مع طهران.
من الواضح أن خطة إعطاء السعودية عناق الدب لتكسير الأضلاع كانت قائمة قبل انتخاب بايدن بفترة طويلة. فبمجرد أن تولى الفريق الجديد منصبه، لم يضِع الوقت في الضغط. وفي 27 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة تجميد مبيعات الأسلحة. وفي 4 فبراير (شباط)، أعلنت إنهاء دعم العمليات «الهجومية» في اليمن. وفي 5 فبراير (شباط)، أعربت عن نيتها إزالة الحوثيين، وكيل إيران في اليمن، من قائمة الإرهاب؛ وفي 16 فبراير (شباط)، أوفت بوعدها.
إذا أخذنا ورقة من كتاب لعب أوباما في سوريا، فقد اعترفت إدارة بايدن باليمن على أنه مجال مصلحة إيراني بحكم الأمر الواقع. ومع ذلك، فإن شعار حركة الحوثيين «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» لم يتم التصويت عليه بشكل جيد بين غالبية الناخبين الأميركيين. ولإخفاء حقيقة أن سياساتها تمكن الحوثيين والإيرانيين، استخدمت إدارة بايدن خدعة القيم.
وعن الهدف من قرار رفع التصنيف الإرهابي عن الحوثيين، شرح بلينكن أنه للتخفيف من «الوضع الإنساني المزري في اليمن»، وقال إن الإدارة توصلت إلى القرار لأنها استمعت إلى الأمم المتحدة والجماعات الإنسانية وأعضاء الكونغرس من الحزبين، وجميعهم حذروا من أن تصنيف الحوثيين إرهابيين «يمكن أن يكون له تأثير مدمر على وصول اليمنيين إلى السلع الأساسية، مثل الطعام والوقود».
إن خدعة القيم في اليمن تمت على نطاق واسع، إذ لا تحتفل أميركا بنفسها فقط باعتبارها ممرضة، بل تصور السعودية بصفتها وحشاً شريراً. ففي 26 فبراير (شباط)، أصدرت إدارة بايدن تقريراً استخباراتياً رفعت عنه السرية عن مقتل جمال خاشقجي. وجاء التقرير الذي زعم «موافقة» ولي العهد على الاغتيال رداً على أي تطورات جديدة؛ لقد جلبت الإدارة الملف الذي يبلغ من العمر عامين فقط من أجل استخدامه فزَّاعة في سلسلة القيم.
ومن جانبه، فإن ولي العهد لم يكن لديه أدنى شك بشأن السبب الحقيقي لهذه القذيفة. وقد قال في مقابلة تلفزيونية كبيرة في نهاية أبريل (نيسان): «نسعى إلى إقامة علاقات جيدة مع إيران... نحن نهدف إلى رؤية إيران مزدهرة. نحن نعمل مع شركائنا في المنطقة للتغلب على خلافاتنا مع إيران».
ولكن في 7 مارس (آذار)، بعد أسبوعين من صدور تقرير خاشقجي، صمتت قيم الإدارة الأميركية بشكل واضح. ففي ذلك اليوم، احتج عشرات المهاجرين الإثيوبيين في مركز احتجاز في صنعاء باليمن على ظروفهم المعيشية التي لا تطاق، وحاصر حراسهم الحوثيون المتظاهرين في عنبر، وطلبوا منهم أداء «صلواتهم الأخيرة»، وألقوا قنابل يدوية على المبنى. وذكر أحد الناجين أنه «تم تحميص الناس أحياء... كان عليّ أن أخطو على جثثهم للهروب». لم يُسمع في واشنطن أي صوت عن هذا الهجوم، ناهيك من الحملة العسكرية للحوثيين في اليمن التي تضاعفت بفضل الضوء الأخضر لأميركا.
ومن خلال مكافأة العدوان الإيراني، لا تجلب الإنسانية المزيفة لتصحيح المسار إلا قدراً أكبر من المعاناة للأشخاص الذين تتظاهر بأنها تخفف من معاناتهم. وتضمن السياسة المقدسة ببساطة أن تتمتع إيران بقاعدة عربية دائمة لشن ضربات ضد أهم حليف عربي لأميركا، المملكة العربية السعودية.
إن الميل نحو إيران في اليمن له أيضاً تداعيات شريرة على التنافس بين أميركا وأكبر منافس لها في العالم اليوم. لقد وقعت الصين وإيران مؤخراً «شراكة استراتيجية» لمدة 25 عاماً تنقل مئات الملايين من الدولارات إلى إيران، وتساعد طهران على توسيع برنامجها للطاقة النووية، وتحديث موانئها، وتطوير قطاع الطاقة لديها. كما يتضمن الاتفاق تعاوناً أكبر في مجال الدفاع ونقل التكنولوجيا العسكرية الصينية. وفي الوقت نفسه، تعمل بكين على تحديث قاعدتها البحرية في جيبوتي، وبناء رصيف يمكنه استيعاب حاملات الطائرات على بعد 20 ميلاً من اليمن عبر مضيق باب المندب الذي يتحكم في المداخل المؤدية إلى قناة السويس من المحيط الهندي. ويوماً بعد يوم، تزداد احتمالية قيام تحالف صيني - إيراني قادر على السيطرة على المضيق.
ويعكس توسيع تعاون طهران الاستراتيجي مع بكين فور انتخاب بايدن التعاون مع موسكو الذي أعقب استكمال خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015. إن الشراكات الدولية المتنامية لإيران، التي هي في حد ذاتها نتاج تصحيح المسار، تعزز فقط تصميم طهران على تدمير نظام الأمن الإقليمي الأميركي. الجمهورية الإسلامية قوة لا تهدأ؛ سيحصل خامنئي على كل تنازل تقدمه أميركا، ثم يطالب بالمزيد -بالدم.
بايدن بين سوليفان وبلينكن
بايدن بين سوليفان وبلينكن
ومع ذلك، فإن مؤيدي تصحيح المسار يعرضون سياستهم بثقة تامة، كما لو أن تفوق أسلوبهم قد تم إثباته- وكأننا نستطيع جميعاً أن نرى أن صيغتهم ستخرج أميركا من قاعدة حربها، وتؤدي إلى استقرار الشرق الأوسط، وتحمي مصالح أميركا، وتحمي أقرب حلفائها. الادعاء ليس فقط عارياً من الصحة، ولكن ببساطة لا يوجد أي أساس إثباتي له -صفر. إذا كان هناك أي دليل، فإن مؤيدي تصحيح المسار سيقدمون حجتهم بأمانة وصراحة، ويتوقفون عن الاختباء خلف جدارٍ عالٍ من الخداع اللطيف.
الثقة المطلقة نفسها تميز أيضاً موقف فريق بايدن تجاه حملة «الحد الأقصى من الضغط» لترمب التي يسخر منها بصفتها متهورة غير متماسكة غير فعالة. ففي عهد ترمب، تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة. ولم تندلع المظاهرات المناهضة للنظام في كل مدينة إيرانية كبرى في عام 2019 فحسب، بل اندلعت احتجاجات مماثلة في العراق، واستهدفت بشكل مباشر أو غير مباشر وكلاء إيران هناك. لكن سياسة «الحد الأقصى من الضغط» التي انتهجها ترمب كانت أكثر بكثير من مجرد فرض عقوبات اقتصادية. لقد تضمنت أيضاً العمل العسكري الأميركي المباشر، ودعم العمل العسكري من قبل الحلفاء، والعمليات السرية الأميركية أحادية الجانب، ودعم العمليات السرية للحلفاء -ويعمل تصحيح المسار على إنهائها جميعاً بشكل مفاجئ.
أما الأمر الأكثر إثارة للإعجاب على الإطلاق، فكانت الضربة التي وجهها ترمب إلى «الحرس الثوري» الإيراني، وهو العنصر الأكثر رعباً في نظام يحكم بشكل متزايد من خلال الخوف وحده. أنهى ترمب الوهم الذي أفاد إيران بشكل كبير، بأن وكلاءها كانوا جهات فاعلة مستقلة، وليسوا أذرعاً مباشرة لـ«الحرس الثوري». توجت سياسة تحميل إيران المسؤولية المباشرة بمقتل قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس» ثاني أقوى رجل في إيران.
وفي غضون ذلك، صعّد الإسرائيليون (على الأرجح) حملتهم السرية للتخريب وجمع المعلومات الاستخبارية ضد برنامج إيران النووي. وفي وقت سابق من رئاسة ترمب، ألحقوا أضراراً بعشرات المنشآت الإيرانية الحساسة، واستولوا على أرشيفها النووي. وفي عملية دراماتيكية، قتلوا رئيس البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زادة. وعلى حد علمنا، لم تعتقل إيران أي عملاء إسرائيليين.
ومن خلال اختراق دفاعات إيران، مزقت إسرائيل -بدعم من إدارة ترمب- تبرير أوباما الرئيسي لخطة العمل الشاملة المشتركة، من خلال إظهار أن الولايات المتحدة قادرة على إدارة التحدي الإيراني، بما في ذلك البعد النووي، بالتزام عسكري أميركي خفيف نسبياً. إن الشبكات التي تخرب البرنامج النووي داخل إيران ليست أميركية، بل إسرائيلية. ومن خلال دعم حليف أميركا، لم ينجرف ترمب في صراعات غير مرغوب فيها، وقام بتمكين الآخرين من تنفيذ أعمال أميركا بالنيابة عنها.
حذا ترمب حذو جميع رؤساء الولايات المتحدة قبل أوباما الذين تصوروا الشرق الأوسط طاولة مستطيلة، حيث تجلس أميركا وحلفاؤها التقليديون في جانب، وخصوم أميركا، بما في ذلك إيران وروسيا، في الجانب الآخر. وفي إطار هذا المفهوم العريق، بدت مهمة الولايات المتحدة ذات شقين: التوسط بين الحلفاء الذين يمثلون كثيراً من الانقسامات، ودعمهم ضد الجانب الآخر.
وكان «الحد الأقصى للضغط» شكلاً من أشكال الأمن الجماعي، وشجع على توثيق التعاون بين الحلفاء الأميركيين، وبالتالي لعب دوراً رئيسياً في الاتفاقات الإبراهيمية واتفاقيات السلام التي أدت إلى توسيع العلاقات الثقافية والاقتصادية والعسكرية بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمغرب والسودان -وكلها قريبة من المملكة العربية السعودية؛ لا أحد كان ليطبع العلاقات مع إسرائيل لو عارضت الرياض هذه الخطوة. كانت الخطوة المنطقية التالية في العملية، والجائزة الاستراتيجية للجهد، هي أن يقوم الرئيس الأميركي المقبل بدفع التقارب الإسرائيلي - السعودي.
ومن المستحيل المبالغة في قيمة اتفاق سلام سعودي - إسرائيلي كامل للولايات المتحدة أو حتى خطوات مهمة في هذا الاتجاه. فقد أعلنت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) أن عقيدة التعصب الراديكالي قد ترسخت داخل العالم الإسلامي أكثر مما كنا نعتقد، وهي عقيدة تسعى إلى عزل المجتمعات الإسلامية عن التأثيرات غير الإسلامية. ويرى الإماراتيون، اللاعبون الرئيسيون في الاتفاقات الإبراهيمية، السلام مع إسرائيل جزءاً من جهد متعدد الجوانب لدحض هذه النظرة غير المتسامحة للإسلام والتاريخ الإسلامي. إن المملكة العربية السعودية هي أقوى دولة عربية، وبفضل وصايتها على مكة المكرمة والمدينة المنورة، تعد واحدة من أكثر الدول نفوذاً في العالم الإسلامي بأسره. كما أنها كانت لفترة طويلة حصناً للفقه الإسلامي المحافظ والتمسك الحرفي بالقرآن. إذا كانت الدولة التي يصلي المسلمون نحوها خمس مرات في اليوم، والتي يقوم نحو مليوني شخص بالحج إليها سنوياً، قد طورت علاقات ودية مع الدولة اليهودية، فإن الآثار المترتبة على العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في كل مكان ستكون عميقة.
ومع ذلك، فقد منعت إدارة بايدن مسؤوليها حتى من استخدام مصطلح «الاتفاقات الإبراهيمية» التي تمقتها تحت تأثير تصحيح المسار. ولأن الاتفاقيات تحظى بشعبية سياسية، حتى في الأوساط الديمقراطية، ستمتنع الإدارة عن التعبير عن اشمئزازها بصراحة، وستبحث عن كل فرصة للادعاء بأنها تبدو إيجابية فيما يخص تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
لكن في الواقع، ليس لدى فريق بايدن أي نية لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية التي يعد وجودها وصمة عار في سجل الديمقراطيين. إنه يدحض العقيدة التي تدعو إليها إدارة أوباما بأن السلام بين إسرائيل والعالم العربي يجب أن يبدأ باتفاق فلسطيني - إسرائيلي.
والأهم من ذلك أن الاتفاقات تشكل أيضاً تهديداً لعملية تصحيح المسار نفسها. فقد نتج فك الجمود السعودي - الإسرائيلي جزئياً عن الشعور بالتهديد المشترك بينهما بشأن صعود إيران، وعدم موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية المتزايدة. وستصبح الشراكة القوية بين الرياض والقدس لا محالة العقدة الأساسية لمعارضة تصحيح المسار من داخل نظام التحالف الأميركي. وربما تكون الرغبة في إنهاء أي نقاش غير خاضع للرقابة حول توسيع الاتفاقات الإبراهيمية سبباً إضافياً لقيام إدارة بايدن بتكريس أيامها الأولى في السلطة لانتقاص محمد بن سلمان علناً، والضغط عليه بشكل خاص لمصلحة طهران. «لا تجرؤوا على مساعدة إسرائيل»، كان أمراً ضمنياً آخر حمله إلى الرياض «هجوم القيم» الأميركي على خلفية قضية خاشقجي.
عندما تولى بايدن منصبه، واجه مفترق طرق: على أحد المسارين وقف تحالف متعدد الأطراف مصمم على احتواء إيران، وكان له سجل حافل بالنجاحات، وخطط لأشياء أفضل آتية، كما أظهر العمل التخريبي الأخير في نطنز. وكان الأعضاء البارزون في التحالف يطلبون من بايدن العمل ضد عدو مشترك، ولكن أيضاً لتعزيز تعاون أكبر، وربما حتى اتفاقية سلام رسمية بين السعودية وإسرائيل. وعلى المسار الآخر، وقفت الجمهورية الإسلامية مكروهة من قبل شعبها، وفي الواقع من قبل معظم الناس في الشرق الأوسط. ولم تقدم سوى الرسالة الحقيرة نفسها التي لطالما تبنتها. وكانت جميع القوى الخبيثة في الشرق الأوسط تقف إلى جانبها، إما تتطلع مباشرة إلى طهران من أجل القيادة أو تزدهر على الفوضى التي تزرعها.
اختار بايدن إيران، مما أدى إلى كسر نظام التحالف الأميركي، وتراجع قضية السلام. كما حقق اختياره انتصاراً للصين وروسيا اللتين تعملان مع إيران، كلٌ على طريقته الخاصة، من أجل تراجع أميركا. في محاولة شاذة لتحرير نفسها من حلفائها، تلوث الولايات المتحدة عشها.

* مايكل دوران زميل رفيع في معهد هدسون بواشنطن، وتوني بدران زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات



مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.


تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
TT

تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)

عاش المجتمع التركي تجربة قاسية وهو يشهد هجومين بالأسلحة على مدرستين في يومين متتاليين أحدثا صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل؛ لغرابتهما، وهو ما لم يعرفه الأتراك من قبل إلا في أفلام هوليوود.

تعد حوادث إطلاق النار في المدارس التي تعد جرحاً غائراً في العالم، وبخاصة في أميركا، التي باتت فيها هذه الحوادث أمراً مألوفاً، من قبيل الغرائب المفزعة في تركيا التي لم تشهد مثل هذه الحوادث على مدى تاريخها.

اهتزت تركيا بهجومين متتاليين وقع أولهما في 14 أبريل (نيسان)، حيث دخل طالب سابق في مدرسة «أحمد كويونجو» الثانوية الفنية في منطقة «سيفريك» في ولاية شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا)، المدرسة بمسدس وأطلق النار عشوائياً، مما تسبب في إصابة 16 طالباً، قبل أن ينتحر.

الهجوم الثاني، الذي وقع في 15 أبريل الماضي، كان الأكثر غرابة وإيلاماً لأنه حصد أرواحاً بريئة من المعلمين والتلاميذ في مدرسة إعدادية، كما أن منفذه لم يتجاوز الـ14 من عمره، لكنه تأثر بما شاهد عبر منصات التواصل الاجتماعي من حوادث مشابهة في أميركا.

الحادثة، التي نفذها «عيسى أراس مرسينلي» الطالب في الصف الثامن بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش، مستخدماً 5 أسلحة تعود إلى والده مفتش الشرطة، وأفرغ خلالها 7 مخازن ذخيرة في صفين دراسيين، خلَّفت 9 قتلى من زملائه، تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً، ومعلمة رياضيات تبلغ من العمر 55 عاماً، حاولت حماية مجموعة من تلاميذها بجسدها، فاخترقه الرصاص.

تفاصيل صادمة

خلَّف الحادثة حزناً عميقاً وغضباً عارماً في الشارع تم التعبير عنه عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، كما أثارت خوفاً لدى المعلمين على حياتهم وهم يمارسون عملهم، وسط انتقادات حادة من المواطنين وأحزاب المعارضة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، لغياب التدابير الأمنية في المدارس، ومطالبات بإقالة وزير التعليم، يوسف تكين.

مسعفون ينقلون جثامين القتلى في حادثة إطلاق النار بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش (إعلام تركي)

منفِّذ الهجوم «عيسى أراس مرسينلي»، شارك على حسابه في «واتساب»، صورة للأميركي إليوت رودجر، الذي نفَّذ هجوماً في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2014، وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، فقتل 6 أشخاص، قبل أن يُنهي حياته، ونشر قبيل هجومه مقطعاً مصوراً قال فيه إن ما سيقدم عليه هو بمنزلة «عقاب» للنساء اللواتي رفضنه.

وكتب مرسينلي اسمه على «واتساب» قبل الحادثة: «عيسى أراس مرسينلي قاتل المدرسة»، لكنه لم ينتحر كما فعل الأميركي رودجر ربما لأنه كان ينوي مواصلة إطلاق النار قبل أن يتصدى له والد تلميذين في المدرسة يعمل طاهياً وتصادف وجوده في منزله مقابل المدرسة عند وقوع إطلاق النار، فهرع لإنقاذ نجليه، وفي الطريق أمسك بالمهاجم واشتبك معه وأصابه بسكين في ساقه اليمني من الخلف ليلقى حتفه بسبب النزيف، كما بيَّن الطب الشرعي.

مفتش الشرطة، والد مرسينلي، اعتُقل في يوم الحادثة وأدلى باعترافات صادمة، أكد فيها أن ابنه كان يعاني مشكلات نفسية، وأنه رفض مؤخراً زيارة الطبيب النفسي، وأنه لاحظ قبل شهر من ارتكابه جريمته اهتمامه المتزايد بالأسلحة، ومن أجل تحويل انتباهه عنها قام بتدريبه على إطلاق النار على أهداف ثابتة قبل وقوع الهجوم بيومين فقط. لكن الأب لم يكن يتصور أن لدى ابنه القدرة على استخدام السلاح بهذا الشكل، الذي نفّذ به جريمته.

وقال الأب إن ابنه كان «منشغلاً باستمرار بأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكان يلعب ألعاباً تفاعلية، وكان يرفض أن يُري أحداً أي شيء، وكان يتحدث الإنجليزية، وإنه هو نفسه لم يكن يفهم ما يُقال لعدم معرفته بالإنجليزية، ولهذا السبب لم تتمكن الأسرة من رصد أي سلوك معادٍ لديه».

عائلات طلاب مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش جنوب تركيا عقب تعرضها لهجوم مسلح على يد أحد الطلاب (رويترز)

وأعلنت ولاية كهرمان ماراش، وقف ضابط شرطة عن العمل، كان مسؤولاً عن ميدان الرماية، حيث درَّب فيه والد منفذ هجوم المدرسة ابنه على إطلاق النار، بعد انتشار مقاطع فيديو له وهو يطلق النار ويصوّب على أهداف بمساعدة والده.

وأكدت التحقيقات أن الحادثتين فرديتين ومنفصلتين، وأنه لا يوجد أي رابط بين منفذيهما.

غضب واسع وانتقادات

وقررت وزارة التعليم إغلاق مدرسة «آيسر تشاليك» حتى نهاية العام الدراسي الحالي، وتوزيع طلابها على مدارس أخرى قريبة بناءً على طلب أولياء الأمور بسبب الحالة النفسية لأطفالهم، على أن يُتخّذ القرار النهائي بشأنها لاحقاً.

تظاهر آلاف المعلمين بإسطنبول مطالبين بوقف العنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي يوسف تكين (حساب اتحاد نقابات المعلمين في «إكس»)

وأثار الهجومان المتتاليان غضباً واسعاً في أوساط المعلمين، وخرج الآلاف منهم في احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد بدعم من نقابات العاملين بالتعليم واتحاد النقابات، وتجمع نحو 4 آلاف معلم في ميدان «تان دوغان» في العاصمة أنقرة في اليوم التالي لهجوم مدرسة كهرمان ماراش، محاولين السير إلى مبنى وزارة التعليم لكن الشرطة قامت بتطويق التجمع ومنعت المسيرة.

ودعا اتحاد نقابات العاملين بالتعليم إلى إضراب لمدّة يومين في عموم تركيا، وسط مطالب بوقف العنف في المدارس والشوارع، وإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

ضعف الأمان التعليمي

كشفت الهجمات المسلّحة على المدرستين عن جوانب الضعف الأمني ​​في المؤسسات التعليمية، وأعادت إلى الأذهان مطالبة المعارضة، خلال اجتماع لجنة التخطيط والميزانية بالبرلمان في سبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة ميزانية وزارة التعليم البالغة 1.9 تريليون ليرة تركية، بمقدار 225 مليار ليرة إضافية لتلبية احتياجات المدارس من عمال النظافة والأمن والصحة العامة.

ورفض نواب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحليفه حزب «الحركة القومية»، ما قالوا إنها مزاعم نقص الأمن في المدارس، قائلين إنه «مشهد من تركيا القديمة، وإنه تم تخصيص حراس أمن لـ132 مدرسة عالية الخطورة»، ورفضوا اقتراح المعارضة.

ولفت نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، سعاد أوزتشاغداش، إلى أن هجومَي مدرستَي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، جاءا بعد سلسلة حوادث عنف واعتداءات مسلحة فردية في المدارس، لافتاً إلى 16 حادثة على الأقل منذ بداية العام الحالي.

ورأى نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، مراد أمير، أن الفقر والبطالة والمشكلات الأسرية والنفسية والعنف، وتراجع جودة التعليم، وعجز الحكومة عن أداء دورها على النحو الأمثل، كلها عوامل تُؤجّج العنف في المدارس.

في المقابل، تعهَّد الرئيس رجب طيب إردوغان بعدم ترك الحادثتين تمرّان من دون عقاب المقصرين أياً كانت مواقعهم، قائلاً إن «من واجبنا الأخلاقي والضميري ألا يُستغلّ هجوم كهذا الذي أشعل نار الغضب في قلوب أمتنا بأسرها، في جدل سياسي أو لتحقيق مكاسب إعلامية».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل (حساب الحزب في «إكس»)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، إنه «في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بات من الواضح أن العنف في المدارس لم يعد يُفسّر بحوادث معزولة، يجب أن يكون أمن المدارس من أهم أولويات تركيا الآن».

تحركات عاجلة

وأثارت الحادثتان عديداً من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم، ودور المدارس والعائلات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والدراما فيها، إضافةً إلى مسألة حمل السلاح المرخص وفوضى الأسلحة غير المرخصة.

وتحركت تركيا على الفور باتجاه تشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم، وسن قانون خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على البرامج التلفزيونية التي تتضمن محتوى يُحرّض أو يشجّع على العنف.

وزير العدل التركي أكين غورليك (من حسابه في «إكس»)

وقال وزير العدل، أكين غورليك، إنه بعد هجومين شانلي أورفا وكهرمان ماراش، سنتخذ إجراءات لتشديد العقوبات على الأطفال الذين ينجرّون إلى الجريمة، وسنُسنّ قانوناً خاصاً بوسائل التواصل الاجتماعي، وسنتناول البرامج والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التلفزيونية التي تشجع على هذا السلوك.

وأضاف غورليك أنهم بدأوا العمل على وضع لائحة قانونية لا تشمل فقط مرتكب الجريمة، بل أيضاً البيئة التي رعته وأهملت مسؤولياتها الرقابية، و«إذا لزم الأمر، سنُحمّل الأسر أيضاً مسؤولية إهمالها واجباتها الرقابية والمسؤولية تجاه بعض الجرائم التي يرتكبها الأطفال، لا سيما جرائم العنف والقتل».

كان توقيف والدة منفّذ هجوم مدرسة كهرمان ماراش بتهمة الإهمال والتقصير في القيام بما يلزم تجاه تلقي نجلها العلاج النفسي اللازم واستكماله، أولى الخطوات في هذا الصدد.

نشرت السلطات التركية عناصر من الشرطة لتأمين المدارس عقب هجومي شانلي أورفا وكهرمان ماراش (رويترز)

وفرضت وزارة التعليم التركية عقب الهجومين إجراءات أمنية جديدة عبر نموذج أمني تشارك فيه وزارة الداخلية من خلال نشر عناصر من الشرطة في محيط المدارس في جميع أنحاء البلاد وتعميم البوابات الإلكترونية، وتطبيق إلزامية الحضور إلى المدرسة بالزي المدرسي فقط، وعدم السماح بدخول مبنى المدرسة لأي شخص غير المعلمين والطلاب والموظفين خلال ساعات الدوام.

وحسب النموذج الجديد، سيتمكن أولياء الأمور من دخول المدرسة فقط عبر نظام المواعيد، مع إبراز الهوية، وسيسمح لهم بتسليم أغراض الطلاب إلى نقطة الأمن بدلاً من إدخالها إلى الصفوف، كما سيتسلمون أبناءهم بعد انتهاء اليوم الدراسي من منطقة انتظار مخصصة، مع عدم السماح لهم بالبقاء فيها بعد الاستلام، مع تشديد عمليات التفتيش على الطلاب عند الدخول إلى المدرسة في بداية اليوم الدراسي، وفرض عقوبات تأديبية فورية على المخالفين، والتواصل مع أولياء الأمور عبر الرسائل الفورية في حال تأخر الطالب عن دخول المدرسة أو خروجه مبكراً.

كما يتضمن النظام الجديد آليات للإبلاغ عن حوادث التنمر في المدارس عبر خط ساخن، وتفعيل استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والرصد.

قيود على «التواصل الاجتماعي»

باتت وسائل التواصل الاجتماعي هدفاً لمزيد من القيود، ونفَّذت السلطات حملة اتخذت فيها إجراءات قانونية ضد 130 صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي، ممن نشروا منشورات تتعلق بالهجومين، وتم توقيف 411 شخصاً، وحظر الوصول إلى 1104 حسابات، وتم تحديد الحسابات التي أثارت قلقاً عاماً باستهدافها المدارس والتهديد بشن هجمات؛ وفي هذا السياق، تم احتجاز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة.

وتم تقديم طلبات لإزالة المحتوى وحظر الوصول إلى 66 رابطاً على تطبيق «تلغرام»، تبين أنها نشرت منشورات استفزازية، وتم إغلاق مجموعة على التطبيق ذاته تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تبادل صور متعلقة بالهجمات.

البرلمان التركي أقر قانوناً فرض قيوداً على استخدام الأطفال قبل سن 15 عاماً منصات التواصل الاجتماعي (حساب البرلمان في «إكس»)

وأقر البرلمان التركي قانوناً يحظر ​استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ‌لمن هم دون سن 15 عاماً، ويفرض قواعد ​جديدة على المنصات الرقمية، ​بما في ذلك شركات ⁠برمجيات الألعاب، مع تعديل ​تشريعات قائمة مثل قانون ​الخدمات الاجتماعية وقوانين أخرى.

ويلزم القانون المنصات التي تضم أعداداً ​كبيرة من المستخدمين ​بتعيين ⁠ممثل لها في تركيا، و​تصنيف الألعاب وفق الفئات العمرية للمستخدمين.

وقالت وزيرة الأسرة، ماهينور غوكطاش، إنه يجري العمل على تطبيق نظام للتحقق من العمر لدخول منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن الحكومة لا تهدف إلى حظر هذه المنصات وإنما الرقابة على محتوياتها.

ودعت غوكطاش المنصات وشركات تطوير الألعاب إلى التعاون لإنتاج محتوى نظيف وحماية الأطفال من التنمر ومن المواد التي تحض على العنف.

وللحد من احتمالات وصول الأسلحة إلى المدارس واستخدامها في ارتكاب جرائم مماثلة، قال غورليك إن وزارة العدل تدرس إدخال تعديلات على قانون المسؤولية الجنائية لحاملي رخص حيازة الأسلحة النارية في الحالات التي تُرتكب فيها جرائم نتيجة سوء تخزينها في المنزل وتركها في متناول الأطفال (كما حدث في جريمة مدرسة كهرمان ماراش)، وتصنيف جرائم القتل التي تُرتكب في المدارس والأماكن المشابهة على أنها جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالبرامج التلفزيونية التي تروّج للعنف وتشجع على استخدام الأسلحة، فإننا نتخذ الخطوات اللازمة ونخطط لإصدار لوائح تنظم المسؤولية الجنائية بشكل خاص.

وتفاعلاً مع الخطوة، قامت شركات الانتاج بمراجعة مشاهد العنف واستخدام السلاح في عدد من المسلسلات التلفزيونية، في مقدمتها «أشرف رؤيا» و«تحت الأرض»، وقامت بعض الشركات المعلنة بسحب دعمها للمسلسلات التي تُظهر المافيا ويُحتمل أن تحرض على العنف.

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو (من حساب الحزب في «إكس»)

وانتقد رئيس حزب «الجيد» القومي المعارض الحكومة، قائلاً: «أتمنى ألا يرسل أي أب أو أم طفلهما إلى المدرسة خائفاً، وألا تُذكر أي مدينة مرة أخرى بالمآسي التي عانى منها أطفالها».

وأضاف أن الإجراءات الأمنية المتخَذة في المدارس، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، وتركيب البوابات عند مداخل المدارس، غير فعّالة في منع مثل هذه الحوادث، لافتاً إلى أن «الأطفال لا يذهبون إلى المدارس وهم خائفون وقلقون فقط من هذه الهجمات، بل إنهم عالقون في دوامة من عدم اليقين، ومحاطون بالغموض، ويُنتقص من قيمتهم أمام أعيننا».

جرائم الأطفال وفوضى السلاح

سلَّط الهجومان الداميان في مدرستي شانلي أوفا وكهرمان ماراش الضوء على العنف بين الأطفال والقصَّر وانتشار السلاح المرخَّص وغير المرخَّص على نطاق واسع، يصل إلى حد الفوضى.

وتشير تقارير وإحصاءات رسمية إلى زيادة مقلقة في جرائم القتل والإصابة بين القصَّر في تركيا، حيث ارتفعت قضايا القتل التي تورَّط فيها أطفال بنسبة 131 في المائة بين عامي 2015 و2024.

كانت جريمة اغتيال الصحافي التركي من أصل أرميني، هرانت دينك، في وضح النهار عام 2007 أمام مقر صحيفة «آغوس»، التي تصدر بالتركية والأرمينية، في وسط إسطنبول، والتي كان يرأس تحريرها، واحدة من الحوادث التي دقت، بشدة، ناقوس الخطر، حول جرائم الأطفال والقصَّر.

الجريمة نفَّذها صبي يُدعى «أوجون ساماست» (17 عاماً)، تم تدريبه على السلاح في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا، وإرساله من قبل مجموعة من القوميين المتشددين لقتل دينك، بسبب موقفه في الدفاع عن الأقلية الأرمنية، ومحاولة تحقيق مصالحة بين الدولة التركية والأرمن الذين يشعرون بالمرارة بسبب ما يزعمون أنها «إبادة جماعية» بحق الأرمن ارتكبها الأتراك في عهد الدولة العثمانية عام 1915 إبان الحرب العالمية الأولى، وراح ضحيتها نحو 1.5 مليون أرميني، فيما تؤكد تركيا أن الحوادث التي وقعت في شرق الأناضول في ذلك الوقت أوقعت ضحايا من الجانبين.

اغتيال الصحافي التركي - الأرميني 2007 في إسطنبول على يد صبي قاصر دق ناقوس الخطر حول جرائم الأطفال وفوضى السلاح في تركيا (أرشيفية - صحيفة «آغوس»)

وأثار اغتيال دينك ردود فعل غاضبة واسعة النطاق داخل تركيا، وسرعان ما تحولت القضية إلى فضيحة بعد ما تبين أن سلطات الأمن التركية كانت على علم بوجود تخطيط لاغتياله لكنها لم تتحرك لمنعه، أو اتخاذ إجراءات لحمايته.

وتشير تقارير وإحصاءات حديثة إلى حالة قلق وطني متزايد في تركيا بشأن ظاهرة «التسلح الفردي»، وإلى وجود نحو 40 مليون قطعة سلاح في البلاد، الغالبية العظمى منها (نحو 90 في المائة) غير مرخصة.

ووفقاً لتقرير أصدره «وقف أوموت» للدراسات الاجتماعية، يوجد نحو 2.5 إلى 4 ملايين سلاح مرخص فقط، مقابل عشرات الملايين من الأسلحة غير القانونية، وأن هناك تقريباً 9 أسلحة غير مرخصة مقابل كل سلاح مرخص واحد.

ورصد التقرير ارتفاع معدلات العنف، ووقوع 3 آلاف و422 حادثة عنف مسلح في عام 2025، استُخدمت الأسلحة النارية، بما فيها بنادق الكلاشينكوف والبنادق الآلية، في 85 في المائة من هذه الحوادث، واستُخدمت جميع أنواع الأدوات الحادة، من السكاكين إلى الفؤوس، في 15 في المائة منها.

وتوزعت الهجمات المسلحة على مناطق مختلفة من تركيا، وسُجّل أعلى تركيز للحوادث في منطقة مرمرة، بنسبة 29.23 في المائة، تلتها منطقة البحر الأسود بنسبة 14.71 في المائة، ثم منطقة جنوب شرقي الأناضول (التي شهدت حادثتي المدرستين) بنسبة 14.44 في المائة.

وبلغت النسبة في منطقة بحر إيجة 12.54 في المائة، ووسط الأناضول 12.30 في المائة، ومنطقة البحر المتوسط 11 في المائة، وشرق الأناضول بنسبة 5.78 في المائة.

كما أظهرت تقارير أخرى أن 15 شخصاً على الأقل يُقتلون يومياً في تركيا بحوادث إطلاق نار. وتحذر جهات حقوقية من سهولة الحصول على الأسلحة عبر الإنترنت بأسعار زهيدة، مما جعلها في متناول الأطفال والقصَّر أحياناً.

وأسفرت عمليات نفَّذتها السلطات الأمنية التركية خلال عام 2025 عن ضبط أكثر من 110 آلاف سلاح غير مرخص، واتخاذ إجراءات قانونية ضد نحو 119 ألف شخص، وتم تعديل القوانين لرفع عقوبة حيازة سلاح غير مرخص لتصبح الحبس من سنتين إلى 4 سنوات، بدلاً من سنة إلى 3 سنوات، سابقاً، لتعزيز الردع.

دوافع وحلول

وصف خبراء أتراك مختصون في علم النفس والاجتماع، استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حادثتي مدرستي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، بـ«الحريق الاجتماعي» الذي تجاوز مجرد الحوادث المعزولة، وذهبوا إلى تحديد عدد من الدوافع والأسباب التي تقف وراء مثل هذه الحوادث، مؤكدين أن هذه الهجمات لا تنجم عن عامل واحد، بل عن مزيج من الأزمات المتراكمة على مدى سنوات، والاستياء، وضياع الانتماء، والإذلال، والميول الانتحارية، والأوهام العنيفة، وتقليد الجناة السابقين، وسهولة الوصول إلى الأسلحة، وهو ما يتطابق أيضاً مع دراسات عميقة أُجريت في هذا الصدد.

معلمة بمدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش التي شهدت هجوماً خلّف قتلى وجرحي تدعو وهي تبكي أمام المدرسة بينما نثر المعلمون وأولياء الأمور زهور القرنفل الأحمر على الدرج (أ.ف.ب)

واتفق الخبراء والأكاديميون على أن العنف المدرسي لا يمكن منعه إلا من خلال نهج متعدد الجوانب لا يقوم على التدابير الأمنية فحسب، وأن الوعي المبكر، والتواصل الأسري الفعال، والبيئة المدرسية الشاملة، والخطاب الإعلامي الواعي، وتوفير نظام للفهم والدعم العاطفي للأطفال من أهم ركائز هذا الأمر.

وعدَّت رئيسة الجمعية التركية لطب نفس الأطفال والمراهقين، الدكتورة نسليهان إينال، حادثتي المدرستين بمنزلة جرس إنذار على انهيار متزامن لنظام تعليمي، وبنية أسرية، وسياسات اجتماعية تركز حصراً على «الالتحاق بالجامعة»، متجاهلةً مواهب الأطفال واحتياجاتهم النفسية.

ورأت أنه لا يمكن تفسير انخراط الأطفال في الجريمة بنوبة جنون عابرة أو بالعوامل الوراثية فقط، وأن أهمَّ عاملٍ كامنٍ وراء الميل إلى الجريمة هو العوامل البيئية والإهمال، لافتةً إلى دور العامل الاقتصادي، وارتفاع معدلات الاكتئاب والميل إلى العنف والجريمة لدى الأطفال والمراهقين مع ازدياد الفقر.

ولفتت إلى ظاهرة التنمر، التي بلغت في تركيا 40 في المائة، متجاوزةً المعدل العالمي، محذرةً من أن تستر كثير من المدارس عليها يهيئ بيئة خصبة لردود فعل انتقامية عنيفة.

وأيَّدت الأكاديمية المتخصصة في علم نفس الأطفال والمراهقين، إليف كارا أوغلو، ما ذهبت إليه إينال بشأن الفقر بوصفه عاملاً في زيادة العنف، لافتةً إلى أن الهجومين وقعا في بيئة فقيرة في ولايتي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، وأن ما حدث لم يكن مفاجئاً لها لأنه يعد تطوراً لحوادث العنف التي بدأت على نطاق فردي، حتى ولو لم يُستخدم فيها السلاح.

والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

وأشار الدكتور عاكف تاشدمير إلى أن العامل الحاسم في تحول الغضب إلى جريمة هو سهولة وصول المراهقين إلى الأسلحة، وبخاصة أسلحة الآباء، منبهاً إلى تأثير العنف الأسري والبيئة، وأن العائلات الاستبدادية بشكل كبير، أو غير المبالية تماماً تسهم في نشأة سلوكيات عدوانية لدى الأطفال.

وذهب إلى أن زيادة الاستقطاب الاجتماعي ولغة الغضب في المجتمع تؤثر بشكل مباشر على المراهقين والشباب، وتجعلهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات عنيفة.

وأكدت الأكاديمية نورسال إنجي أن التعرض المستمر لمحتوى عنيف، سواء في الدراما أو الألعاب، يؤدي إلى فقد الحساسية الاجتماعية، وتعزيز رؤية الجاني بطلاً أو وسيلة لتحقيق الشهرة لدى المراهقين بدلاً من كونه مجرماً، محذرةً من أن العزلة في غرف مغلقة مع ألعاب تنافسية عنيفة يُضعف قدرة المراهق على إدارة مشاعره وقدرته على اتخاذ قرارات سليمة في الواقع.

وأوضحت أنه يمكن التعرف مبكراً على الميل إلى العنف لدى الأطفال والمراهقين، حيث تعد بعض التغيرات السلوكية مثل نوبات الغضب المفاجئة، وتحدي القواعد والسلوك التهديدي، والانسحاب من المحيط الاجتماعي، مؤشرات على هذا الميل.

ونصحت بأن يتم اعتماد، بدلاً من العقاب، العمل على تحويل أخطاء المراهقين إلى فرص تعليمية وتدريبهم على مهارات السيطرة على الغضب والتعاطف قبل وصولهم إلى مرحلة الانفجار.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended