نهضة السينما المصرية المسكوت عنها

«صندوق الدنيا» يختبر الوضع السائد

رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»
رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»
TT

نهضة السينما المصرية المسكوت عنها

رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»
رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»

إذا ما جمع الناقد الأفلام المصرية التي تم إنتاجها خلال السنوات العشر الأخيرة، سيلاحظ أنها كافية لتشكيل مجموعة مميّزة من الأعمال التي يطوق إليها الجمهور المثقف والمختلف وهواة السينما المنتشية فنّاً والنقاد الذين يعتبرون أن كل ما عدا ذلك المستوى من الأعمال ما هو إلا ترفيه له فوائد محدودة أهمها تنشيط حركة الإنتاج لأعمال لا ترغب في جني أي فائدة سوى إيرادات رابحة.
ربما مجموع هؤلاء الباحثين عن سينما جيّدة في العالم العربي لا يتعدّى 20 في المائة من روّاد السينما في الصالات والمهرجانات، لكن هذه النسبة هي التي تواجه كذلك العديد من الأفلام التجارية في مصر أو خارجها، نظراً لعمليات طحن استولت فيها شركات قليلة على شؤون الإنتاج والتوزيع وألهبت منافسة بين مجموعة من الممثلين الجدد الذين يمثّلون بعضلاتهم أكثر مما يؤدون شخصيات لها عمق ودلالات. الواحد منهم نجم بعدد التذاكر المبيعة لآخر فيلم قام بتمثيله.
على الجانب الآخر مجموعة طموحة من الأفلام ذات النبرة المختلفة تنقسم إلى قسمين: الأول أفلام جادة في مواضيعها وطروحاتها إنما ضمن الأسلوب التقليدي على غرار «اشتباك» لمحمد دياب، 2016) و«يوم الدين» (أبو بكر شوقي، 2018) و«واحد صفر» (كاملة أبو ذكري، 2010) و«تراب الماس» (مروان حامد، 2018) من بين أخرى.
الثاني لأفلام تختلف عما هو تقليدي في الطرح كما في المعالجة. أفلام مثل «باب الوداع» لكريم حنفي (2015) و«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (2016) و«أخضر يابس» لمحمد حمّاد (2017) و«لا أحد هناك» لأحمد مجدي (2018) ومؤخراً «قابل للكسر» لأحمد رشوان (2020) وآخرها «صندوق الدنيا» لعماد البهات (2020).
هذه المجموعة الأخيرة لافتة بطموحات مخرجيها الكبيرة لتجاوز عقد السرد الكامن في الطريقة المتّبعة للوصول من نقطة «أ» إلى نقطة «ب» وما يليها، وفي صياغة وجهة النظر التي يُراد لها أن تُلقى على المجتمع الذي تقع فيه الأحداث. هذا، وبطبيعة الحال، يتبعه هدوء في النبرة، رؤية فنية تعبر عن طموح لتطوير أدوات التعبير وثقة بألا يتنازل المخرج عن أي من اختياراته لا كحكاية ولا كطريقة معالجتها ولا كأسلوب تصويرها ولا في نطاق ممثليها وطواقمها الفنية الأخرى.

فصول رواية
«قابل للكسر» و«صندوق الدنيا» هما آخر ما تم تحقيقه من هذه المجموعة. ما يشتركان فيه هو الوجهة الثابتة لتقديم حكاية من زاوية سرد مختلفة وهي مختلفة أكثر في فيلم عماد البهات، «صندوق الدنيا»، عن تلك في فيلم أحمد رشوان، «قابل للكسر». لكن كليهما يعكسان الرغبة في تجاوز التقليد والتميّز في الأسلوب والبحث عن المعالجة الأفضل والأكثر التقاءً مع الذات.
في «صندوق الدنيا»، يتبلور كل ذلك في مُلكية المخرج البهات للطريقة النافذة التي يريد سرد الموضوع المكتوب عبرها. الطريقة التي لا تكتفي بحكاية بل تجعلها أرضاً صلبة لما يدور فوقها. للشخصيات المتعددة ولحكاية كل منها ثم كيف تلتقي من حيث لا تدري في رحى وقائع كل يوم لا يشعر بها معظمنا رغم وقوعها بيننا.
عند البداية، لا أحد يمكن له أن يستشرف لما سيقع بعد قليل. باسم السمرة سواق حافلة صغيرة من الريف تقل مجموعة من النساء اللواتي يردن التوجّه لمزار في القاهرة. إنها فرصة الفتى الصغير علي (رابي سعد) ابن السائق لرؤية القاهرة لأول مرّة. والده يقول له «القاهرة لها ألف ميدان». يرغّبه فيها ويحذّره. تصل الحافلة في مطلع الليلة التي ستقع فيها كل أحداث الفيلم اللاحقة). يمنح الأب ابنه بعض النقود لكي يشتري له علبة سجائر من الكشك المواجه، لا يجد الصبي ما يدخّنه والده فينطلق إلى كشك آخر. في اللحظة ذاتها يصل شرير هارب من مطارديه بعدما حصل على مسدس لصالح زبون. يصعد الحافلة عنوة ويأمر السائق بالانطلاق، لكن هذا، وقد تأخر ابنه في العودة يرفض. حيال ذلك يطعن الشرير الأب ويلقيه خارج الحافلة التي غادرتها كذلك راكباتها وينطلق بالسيارة.
لدينا الوضع التالي... أب ميّت. صبي ضائع سيمر بعض الوقت قبل أن يدرك أن والده مات وليلة وميدان.
هذا كله تحت عنوان من أربعة عناوين اسمه «حلم»، وهي تؤطر الأحداث المتشابكة التي تنطلق بشخصيات مختلفة لتصب في ذلك الميدان خلال تلك الليلة الواحدة. هناك المرأة التي تخون زوجها مع رجل اسمه حاتم (عمرو القاضي) يؤمن ممثلي الكومبارس (عنوان الفصل الثاني) الباحث عن فرص مُتاحة في بيئة السينما التقليدية لتوظيفها لصالحه. وخلال ذلك يلعب دور الوسيط بين أحد المنتجين وفتاة ترغب في التمثيل. في الفصل الثالث «ممرات الخوف» نلتقي بزوج الخائنة آدم (خالد الصاوي) الذي لأجله قام الشرير بتأمين المسدس. آدم هو شاعر أصدر كتاباً روائياً أولاً لكنه لم يصب نجاحاً في أي من كتبه الشعرية السابقة ولا يُنتظر له أن يصيب نجاحاً في عمله الروائي. هو يعيش حالة إحباط متجددة. تقول زوجته لعشيقها إن الطموح الأكبر بينها وبين زوجها هو دفع إيجار الشقة. وفوق حالة الإحباط تلك يكتشف أن لزوجته عشيقاً ويود قتلها ويكاد يفعل لولا صديق واحد له اسمه عصفور (أحمد كمال) في مشهد رائع الأداء ومدروس اللقطات والتوليف بينهما.
الفصل الرابع بعنوان «آخر نفس» كانت بعض أحداثه تبلورت في الفصل الثالث: هناك رجل أبكم اسمه مرجيحة (علاء مرسي) واقع في حب فاطمة (رانيا يوسف) التي عرّفها السمسار على المنتج (سامي مغاوري) الذي عقد عليها قراناً عرفياً. مرجيحة وفاطمة يجولان في تلك الليلة: كلاهما فاقد القدرة على البوح بما يجيش في صدره.
طوال الوقت تمر كل شخصية رئيسية من هذه الشخصيات بالصبي علي وهو جالس في ذلك الميدان أو يجول فيه. بعضهم يتحدّث إليه. جميعاً يعودون إلى الميدان ذاته في تلك الليلة الواحدة أو يمرّون به. نهاية الفيلم احتفال بفن الحاوي الشعبي (علي صبحي) الذي يلتف حول عرضه الترفيهي جمع غفير بمن فيها الكاتب آدم وصديقه عصفور والصبي ذاته. ما يلقي الحاوي من أشعار يُصيغ اختصارات لكل ما رأيناه ليس من زاوية أنه يردد ما حدث كونه لا يعلم بشيء مما رأيناه، بل من حيث إنه يغنّي عن الأقدار وهموم الناس وأحزان القاهرة.
تقصير
«صندوق الدنيا» فيلم رائع آخر، إذن، يُضاف إلى ما تجود به السينما المصرية رغم ظروف الإهمال والعزلة. يخبرنا المخرج أنه عاصر سبع سنوات مريرة قبل أن يحوّل أمير جادو إلى فيلم. في أي بلد آخر خارج الحدود العربية تواجه الأفلام غير المُنتجة لأغراض تجارية صعوبات تنفيذ، لكن ليس كما لدينا نحن في العالم العربي. ليس كما في مصر التي يهرع منتجوها صوب الجاهز والحاضر والسريع من الأعمال (ونصفها غير مضمون النجاح) وحيث تكتفي وزارة الثقافة بتمويل مشاريع مهمّة لكن محدودة (تساهم في تمويل مهرجان القاهرة وبإصدار كتب وبضع مجلات). ثم بغياب رغبة المحطات التلفزيونية العربية العمل مع مواهب رائعة وهبت نفسها للفيلم ذي القيمة الفنية أوّلاً.
إلى كل ذلك، هناك تقصير كبير من قِبل النقاد العرب في مصر وخارجها. لا يتوقف دور الناقد على مشاهدة الفيلم والكتابة عنه. هذا هو الحد المعتدل من الاهتمام. ما تتطلبه أفلام مثل «باب الوداع» و«آخر أيام المدينة» و«ورد مسموم» و«لا أحد هناك» وسواها، هو كتابة دؤوبة عن الفيلم المُنتج للفت المنتجين لضرورة أن تدخل أفلام كهذه جداول أعمالهم ولحث المشاهدين على إنجاح هذه المبادرات. لا أعرف فيلماً عربياً شارك في مهرجان سينمائي عربي ثم شاهده أكثر من جمهور ذلك المهرجان ولا تمتّع بأكثر من كتابات (غالبها غير متخصص) سريعة.
هناك نهضة جديدة للسينما المصرية لكنها نهضة مسكوت عنها، واللوم يقع على قطاعات عديدة ترضى، على عكس المخرجين المعنيين، بالوضع كما هو.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز