نهضة السينما المصرية المسكوت عنها

نهضة السينما المصرية المسكوت عنها

«صندوق الدنيا» يختبر الوضع السائد
الجمعة - 2 شوال 1442 هـ - 14 مايو 2021 مـ رقم العدد [ 15508]

إذا ما جمع الناقد الأفلام المصرية التي تم إنتاجها خلال السنوات العشر الأخيرة، سيلاحظ أنها كافية لتشكيل مجموعة مميّزة من الأعمال التي يطوق إليها الجمهور المثقف والمختلف وهواة السينما المنتشية فنّاً والنقاد الذين يعتبرون أن كل ما عدا ذلك المستوى من الأعمال ما هو إلا ترفيه له فوائد محدودة أهمها تنشيط حركة الإنتاج لأعمال لا ترغب في جني أي فائدة سوى إيرادات رابحة.

ربما مجموع هؤلاء الباحثين عن سينما جيّدة في العالم العربي لا يتعدّى 20 في المائة من روّاد السينما في الصالات والمهرجانات، لكن هذه النسبة هي التي تواجه كذلك العديد من الأفلام التجارية في مصر أو خارجها، نظراً لعمليات طحن استولت فيها شركات قليلة على شؤون الإنتاج والتوزيع وألهبت منافسة بين مجموعة من الممثلين الجدد الذين يمثّلون بعضلاتهم أكثر مما يؤدون شخصيات لها عمق ودلالات. الواحد منهم نجم بعدد التذاكر المبيعة لآخر فيلم قام بتمثيله.

على الجانب الآخر مجموعة طموحة من الأفلام ذات النبرة المختلفة تنقسم إلى قسمين: الأول أفلام جادة في مواضيعها وطروحاتها إنما ضمن الأسلوب التقليدي على غرار «اشتباك» لمحمد دياب، 2016) و«يوم الدين» (أبو بكر شوقي، 2018) و«واحد صفر» (كاملة أبو ذكري، 2010) و«تراب الماس» (مروان حامد، 2018) من بين أخرى.

الثاني لأفلام تختلف عما هو تقليدي في الطرح كما في المعالجة. أفلام مثل «باب الوداع» لكريم حنفي (2015) و«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (2016) و«أخضر يابس» لمحمد حمّاد (2017) و«لا أحد هناك» لأحمد مجدي (2018) ومؤخراً «قابل للكسر» لأحمد رشوان (2020) وآخرها «صندوق الدنيا» لعماد البهات (2020).

هذه المجموعة الأخيرة لافتة بطموحات مخرجيها الكبيرة لتجاوز عقد السرد الكامن في الطريقة المتّبعة للوصول من نقطة «أ» إلى نقطة «ب» وما يليها، وفي صياغة وجهة النظر التي يُراد لها أن تُلقى على المجتمع الذي تقع فيه الأحداث. هذا، وبطبيعة الحال، يتبعه هدوء في النبرة، رؤية فنية تعبر عن طموح لتطوير أدوات التعبير وثقة بألا يتنازل المخرج عن أي من اختياراته لا كحكاية ولا كطريقة معالجتها ولا كأسلوب تصويرها ولا في نطاق ممثليها وطواقمها الفنية الأخرى.


فصول رواية

«قابل للكسر» و«صندوق الدنيا» هما آخر ما تم تحقيقه من هذه المجموعة. ما يشتركان فيه هو الوجهة الثابتة لتقديم حكاية من زاوية سرد مختلفة وهي مختلفة أكثر في فيلم عماد البهات، «صندوق الدنيا»، عن تلك في فيلم أحمد رشوان، «قابل للكسر». لكن كليهما يعكسان الرغبة في تجاوز التقليد والتميّز في الأسلوب والبحث عن المعالجة الأفضل والأكثر التقاءً مع الذات.

في «صندوق الدنيا»، يتبلور كل ذلك في مُلكية المخرج البهات للطريقة النافذة التي يريد سرد الموضوع المكتوب عبرها. الطريقة التي لا تكتفي بحكاية بل تجعلها أرضاً صلبة لما يدور فوقها. للشخصيات المتعددة ولحكاية كل منها ثم كيف تلتقي من حيث لا تدري في رحى وقائع كل يوم لا يشعر بها معظمنا رغم وقوعها بيننا.

عند البداية، لا أحد يمكن له أن يستشرف لما سيقع بعد قليل. باسم السمرة سواق حافلة صغيرة من الريف تقل مجموعة من النساء اللواتي يردن التوجّه لمزار في القاهرة. إنها فرصة الفتى الصغير علي (رابي سعد) ابن السائق لرؤية القاهرة لأول مرّة. والده يقول له «القاهرة لها ألف ميدان». يرغّبه فيها ويحذّره. تصل الحافلة في مطلع الليلة التي ستقع فيها كل أحداث الفيلم اللاحقة). يمنح الأب ابنه بعض النقود لكي يشتري له علبة سجائر من الكشك المواجه، لا يجد الصبي ما يدخّنه والده فينطلق إلى كشك آخر. في اللحظة ذاتها يصل شرير هارب من مطارديه بعدما حصل على مسدس لصالح زبون. يصعد الحافلة عنوة ويأمر السائق بالانطلاق، لكن هذا، وقد تأخر ابنه في العودة يرفض. حيال ذلك يطعن الشرير الأب ويلقيه خارج الحافلة التي غادرتها كذلك راكباتها وينطلق بالسيارة.

لدينا الوضع التالي... أب ميّت. صبي ضائع سيمر بعض الوقت قبل أن يدرك أن والده مات وليلة وميدان.

هذا كله تحت عنوان من أربعة عناوين اسمه «حلم»، وهي تؤطر الأحداث المتشابكة التي تنطلق بشخصيات مختلفة لتصب في ذلك الميدان خلال تلك الليلة الواحدة. هناك المرأة التي تخون زوجها مع رجل اسمه حاتم (عمرو القاضي) يؤمن ممثلي الكومبارس (عنوان الفصل الثاني) الباحث عن فرص مُتاحة في بيئة السينما التقليدية لتوظيفها لصالحه. وخلال ذلك يلعب دور الوسيط بين أحد المنتجين وفتاة ترغب في التمثيل. في الفصل الثالث «ممرات الخوف» نلتقي بزوج الخائنة آدم (خالد الصاوي) الذي لأجله قام الشرير بتأمين المسدس. آدم هو شاعر أصدر كتاباً روائياً أولاً لكنه لم يصب نجاحاً في أي من كتبه الشعرية السابقة ولا يُنتظر له أن يصيب نجاحاً في عمله الروائي. هو يعيش حالة إحباط متجددة. تقول زوجته لعشيقها إن الطموح الأكبر بينها وبين زوجها هو دفع إيجار الشقة. وفوق حالة الإحباط تلك يكتشف أن لزوجته عشيقاً ويود قتلها ويكاد يفعل لولا صديق واحد له اسمه عصفور (أحمد كمال) في مشهد رائع الأداء ومدروس اللقطات والتوليف بينهما.

الفصل الرابع بعنوان «آخر نفس» كانت بعض أحداثه تبلورت في الفصل الثالث: هناك رجل أبكم اسمه مرجيحة (علاء مرسي) واقع في حب فاطمة (رانيا يوسف) التي عرّفها السمسار على المنتج (سامي مغاوري) الذي عقد عليها قراناً عرفياً. مرجيحة وفاطمة يجولان في تلك الليلة: كلاهما فاقد القدرة على البوح بما يجيش في صدره.

طوال الوقت تمر كل شخصية رئيسية من هذه الشخصيات بالصبي علي وهو جالس في ذلك الميدان أو يجول فيه. بعضهم يتحدّث إليه. جميعاً يعودون إلى الميدان ذاته في تلك الليلة الواحدة أو يمرّون به. نهاية الفيلم احتفال بفن الحاوي الشعبي (علي صبحي) الذي يلتف حول عرضه الترفيهي جمع غفير بمن فيها الكاتب آدم وصديقه عصفور والصبي ذاته. ما يلقي الحاوي من أشعار يُصيغ اختصارات لكل ما رأيناه ليس من زاوية أنه يردد ما حدث كونه لا يعلم بشيء مما رأيناه، بل من حيث إنه يغنّي عن الأقدار وهموم الناس وأحزان القاهرة.

تقصير

«صندوق الدنيا» فيلم رائع آخر، إذن، يُضاف إلى ما تجود به السينما المصرية رغم ظروف الإهمال والعزلة. يخبرنا المخرج أنه عاصر سبع سنوات مريرة قبل أن يحوّل أمير جادو إلى فيلم. في أي بلد آخر خارج الحدود العربية تواجه الأفلام غير المُنتجة لأغراض تجارية صعوبات تنفيذ، لكن ليس كما لدينا نحن في العالم العربي. ليس كما في مصر التي يهرع منتجوها صوب الجاهز والحاضر والسريع من الأعمال (ونصفها غير مضمون النجاح) وحيث تكتفي وزارة الثقافة بتمويل مشاريع مهمّة لكن محدودة (تساهم في تمويل مهرجان القاهرة وبإصدار كتب وبضع مجلات). ثم بغياب رغبة المحطات التلفزيونية العربية العمل مع مواهب رائعة وهبت نفسها للفيلم ذي القيمة الفنية أوّلاً.

إلى كل ذلك، هناك تقصير كبير من قِبل النقاد العرب في مصر وخارجها. لا يتوقف دور الناقد على مشاهدة الفيلم والكتابة عنه. هذا هو الحد المعتدل من الاهتمام. ما تتطلبه أفلام مثل «باب الوداع» و«آخر أيام المدينة» و«ورد مسموم» و«لا أحد هناك» وسواها، هو كتابة دؤوبة عن الفيلم المُنتج للفت المنتجين لضرورة أن تدخل أفلام كهذه جداول أعمالهم ولحث المشاهدين على إنجاح هذه المبادرات. لا أعرف فيلماً عربياً شارك في مهرجان سينمائي عربي ثم شاهده أكثر من جمهور ذلك المهرجان ولا تمتّع بأكثر من كتابات (غالبها غير متخصص) سريعة.

هناك نهضة جديدة للسينما المصرية لكنها نهضة مسكوت عنها، واللوم يقع على قطاعات عديدة ترضى، على عكس المخرجين المعنيين، بالوضع كما هو.


مصر سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة