لودريان يخوض «معركة التجديد لماكرون» من لبنان

الحريري ماضٍ في مهمته متمسكاً بالمبادرة الفرنسية

الحريري ولودريان أثناء لقائهما في «قصر الصنوبر» (تويتر)
الحريري ولودريان أثناء لقائهما في «قصر الصنوبر» (تويتر)
TT

لودريان يخوض «معركة التجديد لماكرون» من لبنان

الحريري ولودريان أثناء لقائهما في «قصر الصنوبر» (تويتر)
الحريري ولودريان أثناء لقائهما في «قصر الصنوبر» (تويتر)

لا يكاد اللبنانيون يصدقون أن فرنسا؛ إحدى الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، أوفدت وزير خارجيتها جان إيف لودريان إلى بيروت لتأمين خروجها «غير اللائق» من المبادرة التي أطلقها رئيسها إيمانويل ماكرون لإنقاذ لبنان لوقف انهياره بتشكيل حكومة مهمة من جهة والاستغناء عن خدمات المنظومة السياسية الحاكمة لمصلحة الرهان على منظومة بديلة تتمثل في احتضان باريس الأحزاب والجمعيات المنضوية في الحراك المدني الذي انتفض في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي أدت إلى رفع منسوب التأزم بشكل بات يصعب السيطرة عليه.
فالوزير لودريان أحسن الهروب إلى الأمام؛ من وجهة نظر رئيس حكومة سابق، فضّل عدم ذكر اسمه، وقرر أن يعفي نفسه من ملاحقة المنظومة السياسية وحثها على الالتزام بتعهداتها التي التزمت بها أثناء اجتماعها بماكرون في «قصر الصنوبر» خلال زيارته الثانية للبنان في سبتمبر (أيلول) 2020، بذريعة أنها غير مؤهلة للانتقال بلبنان إلى بر الأمان وأخذت تتبادل الاتهامات في رمي المسؤولية حيال انقلابها على التزاماتها.
ويقول رئيس الحكومة السابق إن اجتماع لودريان بالرؤساء الثلاثة (الجمهورية ميشال عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة المكلف سعد الحريري) لم يكن إلا من باب رفع العتب انطلاقاً من مواقعهم الدستورية التي يشغلونها، رافضاً البحث في الأسباب التي أدت إلى تعثر المبادرة الفرنسية، وقافزاً فوق تشكيل الحكومة، ومراهناً في الوقت نفسه على أحزاب المعارضة وجمعيات المجتمع المدني في إنتاج طبقة سياسية جديدة بديلاً للطبقة السياسية الحالية، داعياً إياها للاستعداد لخوض الانتخابات النيابية في ربيع 2022 على لوائح موحدة.
ويلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن لودريان لم يعتمد وحدة المعايير في استضافته هذه الأحزاب والجمعيات في «قصر الصنوبر»، خصوصاً أن بعضها لا يزال في مرحلة التأسيس، فيما استبعد أكثر من حزب وجمعية مع أنهم يعملون في صفوف المعارضة، إضافة إلى أنه أدرج حزب «الكتائب» على لائحة المدعوين في مقابل استبعاده حزب «القوات اللبنانية» بذريعة أنه ينتمي إلى المنظومة السياسية التقليدية.
وفي هذا السياق، يسأل مصدر سياسي مواكب للقاء المعارضة مع لودريان عن أسباب غياب أو تغييب القوى اليسارية عن لائحة المدعوين، وما إذا كان بعضها قد دُعي واعتذر تجنُّباً لإقحامه في موقف مناوئ لـ«حزب الله»، خصوصاً أنه يدور في فلك محور الممانعة، رغم أن بعض الحضور أثار مسألة سلاح الحزب من دون أن يصدر أي تعليق عن لودريان.
كما يسأل عما إذا كانت الجرعة الفرنسية التي زوّد بها لودريان قوى المعارضة قادرة على إحداث تغيير في المعادلة السياسية على حساب المنظومة الحاكمة، وصولاً إلى قلب الطاولة على رؤوس القوى المنضوية فيها، استكمالاً لما قام به في حصر لقاءاته بالرؤساء الثلاثة في إطارها البروتوكولي.
ناهيك بأن لودريان - بحسب المصدر - أقدم على دعسة ناقصة عندما حصر الدعوة للقائه بأطراف يغلب عليها اللون الطائفي الواحد، مما أدى إلى طغيان الحضور المسيحي في مقابل حضور رمزي للمسلمين، وهذا ما يطرح أكثر من سؤال حول الجهة التي تولّت توجيه الدعوات واستحصلت على ضوء أخضر من الوزير الفرنسي، بدلاً من أن يبادر إلى تعديلها بتوسيع الدعوات.
ويرى المصدر السياسي نفسه أنه ليس في موقع الدفاع عن المنظومة الحاكمة التي تتحمل مسؤولية حيال الانهيار المتدحرج للبنان نحو السقوط، ويقول إنه ينأى بنفسه عن الدفاع عنها، «لكن من غير الجائز أن يأتي لودريان إلى بيروت على خلفية إصراره على تعميم التجربة التي أوصلت ماكرون إلى سدة الرئاسة الفرنسية باعتماده على المجتمع المدني»، ويعزو السبب إلى أن الحراك المدني في لبنان لا يزال في طور التأسيس ولم يتمكن من تنظيم صفوفه لتزخيم الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) لدفعها إلى الأمام بدلاً من أن تغرق في متاهات المزايدات الشعبوية التي أفقدتها زخمها.
ويؤكد أن استنساخ التجربة الفرنسية ونقلها إلى لبنان ليس في محله إلا إذا كان يراهن لودريان على أن التحوّل في لبنان سيدفع باتجاه إيصال ماكرون لبناني ليتزعّم المعارضة التي هي في طور الإنشاء، مع أنه أحضر معه رزمة من المساعدات خص بها المؤسسات التربوية والصحية والأخرى العاملة في المجال الإنساني.
ويعتقد أن لودريان أبقى الأزمة الحكومية مفتوحة على كل الاحتمالات وترك للمنظومة السياسية أن تقلّع شوكها بيديها، وكأنه يربط مصيرها بالتطورات الجارية في المنطقة بين الخصوم في ضوء المفاوضات الجارية والتي لا تزال في بداياتها، ويقول إن باريس قررت مؤقتاً أن تسحب اعترافها بهذه المنظومة وإن كانت ما زالت تراهن على تمسكها بالمبادرة الفرنسية ملوّحة باتخاذ إجراءات ضد من يعرقل ولادة الحكومة.
ويؤكد أن انسحابها من الدور الذي أخذته على عاتقها لإزالة العقبات التي تؤخر تشكيلها لم يكن ليحدث بهذه السرعة لو لم تشعر بأن مفاعيل تأخيرها بدأت تنعكس على الداخل الفرنسي والتي يستفيد منها اليمين الفرنسي الذي يتحضّر لخوض الانتخابات الرئاسية ضد ماكرون الذي يسعى للرئاسة في ولاية ثانية.
لذلك؛ فإن الانتخابات الرئاسية الفرنسية تتزامن مع موعد إجراء الانتخابات النيابية في لبنان التي تصر باريس على إنجازها في موعدها، مهدّدة بفرض حجر سياسي على لبنان في حال أُطيح بهذا الاستحقاق لانتخاب برلمان جديد يتولى انتخاب رئيس جديد للجمهورية لخلافة الحالي ميشال عون.
وعليه؛ فإن لودريان أراد، وربما عن سابق تصوّر وتصميم، أن يخوض معركة التجديد لماكرون من لبنان من دون أن يميّز بين من يسهّل تشكيل الحكومة وبين من يعوق تشكيلها، وبالتالي فإنه وضع نفسه أمام اختبار جدي للتأكد من صوابية رهانه على المعارضة التي ألبسها ثوباً فرنسياً وأخذت تتصرف منذ الآن على أنها الخيار الوحيد لباريس.
ومع أن لودريان أوكل إلى المنظومة السياسية مهمة تشكيل الحكومة، رغم أنه تصرّف كأنه أوشك على تعليق اعتراف باريس بدورها، فإن الأزمة الحكومية إلى مزيد من التعقيد، ليس لأن الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله أغفل الحديث عنها في خطابه الأخير لتفادي الحرج الذي يلاقيه جراء توفيقه بين دعمه تشكيل الحكومة وبين إحجامه عن الضغط على عون وصهره رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، مما فتح الباب أمام التعامل مع تجاهله هذا على أنه يريد ترحيل تشكيلها إلى ما بعد جلاء المفاوضات الجارية في المنطقة.
وفي المقابل؛ ترصد القوى السياسية - بحسب المصدر نفسه - الموقف الذي سيتخذه الرئيس المكلف سعد الحريري في ما بعد زيارة لودريان، وهذا ما أُدرج أمس على جدول أعمال لقاء الحريري برؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام الذين جددوا تأييدهم له ودعمهم لثباته وصموده على موقفه وهم يلتقون في موقفهم مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، مما يعني أنه لا مكان لاعتذاره عن التأليف وسيمضي في تكليفه التزاماً منه بالمبادرة الفرنسية رغم أن أصحابها تخلوا عنها وتركوها وحيدة بلا غطاء تواجه القضاء والقدر اللبناني.
ويبقى السؤال: لماذا استثنى لودريان البطريرك الماروني بشارة الراعي من لقاءاته وأسقط نفسه في هفوة عندما دعا الحريري للقائه في «قصر الصنوبر» بدلاً من أن يزوره في «بيت الوسط» حسب الأصول البروتوكولية والموقع الدستوري الذي يشغله؟ وهذا ما عرّضه للانتقاد وإن بقي صامتاً بعيداً عن الأضواء.



البحرية اليمنية تحبط هجوماً حوثياً على جزر في البحر الأحمر

جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية قرب جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية قرب جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
TT

البحرية اليمنية تحبط هجوماً حوثياً على جزر في البحر الأحمر

جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية قرب جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية قرب جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

أحبطت البحرية اليمنية محاولة هجوم نفذتها جماعة الحوثي المدعومة من إيران قرب جزر محررة في البحر الأحمر، بعد ساعات من اعتراض شحنة تهريب إيرانية تحمل معدات يُعتقد أنها تستخدم في صناعة الطائرات المسيَّرة، في تطور يعكس استمرار النشاط العسكري واللوجستي للحوثيين على السواحل اليمنية وممرات الملاحة الدولية.

وأفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية اليمنية في الساحل الغربي بأن دوريات البحرية رصدت خمسة زوارق حوثية حاولت الاقتراب من الجزر المطلة على خطوط الملاحة الدولية، قبل أن تشتبك معها وتجبرها على الانسحاب شمالاً باتجاه سواحل الحديدة. وأضاف أن القوات أسقطت طائرة مسيَّرة كانت تنفذ مهمة استطلاع تمهيدية لتحرك الزوارق.

وجاء الهجوم، وفق المصدر نفسه، بعد ساعات من تمكن البحرية اليمنية من اعتراض وضبط «جلبة» (سفينة خشبية) كانت تحمل معدات مرتبطة بصناعة الطائرات المسيَّرة، مهربة من إيران إلى الحوثيين.

سفينة تابعة للقوات البحرية اليمنية تقوم بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التطور في وقت صعّد فيه الحوثيون خلال الأسابيع الماضية هجماتهم البرية والبحرية، ووسَّعوا استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة ضد مواقع ومنشآت مدنية وعسكرية في الساحل الغربي، بالتزامن مع استهداف سفن تجارية في البحر الأحمر وباب المندب.

هجمات صاروخية

في السياق ذاته، استهدفت الجماعة الحوثية، مساء الأربعاء، ميناء المخا غرب محافظة تعز بأربعة صواريخ باليستية، وصل ثلاثة منها إلى الميناء، بينما سقط الرابع داخل مدينة الخوخة، بحسب مصدر عسكري نقلت عنه وكالة «سبأ» الحكومية.

وقال المصدر إن الصواريخ أطلقت من مناطق خاضعة للحوثيين في جبل أومان شرق مدينة تعز، مشيراً إلى أن الهجوم يأتي ضمن سلسلة اعتداءات متكررة تستهدف ميناء المخا والمنشآت المدنية في مديريات الساحل الغربي.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق باتجاه الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

وكان الميناء قد تعرَّض خلال الفترة الماضية لهجمات حوثية متكررة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، في تصعيد أدَّى إلى أضرار في منشآت ومرافق مدنية وأثَّر على نشاط الميناء، الذي يمثل أحد الممرات البحرية المهمة على الساحل الغربي.

ولم يقتصر التصعيد على المخا، إذ استهدفت الجماعة، مساء الأربعاء أيضاً، المجمع القضائي في حي جبل جرة وسط مدينة تعز بقذائف الهاون. وأفادت مصادر محلية بأن القصف أصاب مبنى المجمع ومحيطه من دون تسجيل خسائر بشرية.

وتقول السلطات اليمنية إن استهداف المنشآت المدنية والأحياء السكنية في تعز أصبح جزءاً من نمط متكرر للهجمات الحوثية، في وقت لا تزال فيه المدينة ومحاورها المحيطة بها من أبرز نقاط التماس بين القوات الحكومية والجماعة.

مفتاح قطع الإمدادات

يرى نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، أن السيطرة على الحديدة وموانئها تمثل أولوية عسكرية وأمنية لقطع خطوط الإمداد التي يستخدمها الحوثيون للحصول على الأسلحة والمعدات الإيرانية.

وقال صالح إن قدرات الحوثيين العسكرية قبل اتفاق استوكهولم تختلف عن قدراتهم بعد الاتفاق، معتبراً أن الاتفاق أضر بجبهة الحكومة اليمنية ومكّن، بحسب قوله، «الحرس الثوري» الإيراني من مواصلة دعم الجماعة وتطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (إعلام عسكري)

وأكَّد أن تأمين الملاحة والوجود البحري لن يتحقق بصورة كاملة من دون تحرير الحديدة وموانئها وتأمين كامل الشريط الساحلي، والقضاء على وجود الحوثيين في المناطق المطلة على الممرات البحرية.

وفي لقاء مع السلطة المحلية ووجهاء ومكونات الحديدة وتهامة، شدَّد صالح على أن «معركة التحرير قادمة»، مؤكداً أهمية توحيد الجبهات ومنع الحوثيين من استغلال تباينها، ومشيراً إلى أن الرد على الجماعة يجب أن يأتي من مختلف محاور القتال.

ويتقاطع هذا الموقف مع التحركات الأخيرة للبحرية اليمنية وخفر السواحل، في ظل تصاعد المخاوف من استغلال الحوثيين للساحل الغربي في تهريب الأسلحة والمعدات ومن تنفيذ هجمات على الملاحة الدولية.

وأكَّد صالح، خلال استقباله رئيس مصلحة خفر السواحل اللواء خالد القملي في المخا، أهمية الدور الذي تضطلع به المصلحة في حماية السواحل ومكافحة شبكات التهريب البحري على امتداد المياه الإقليمية اليمنية.

الهجمات الحوثية على ميناء المخا تسببت في أضرار كبيرة (أ.ف.ب)

وشدَّد على ضرورة رفع جاهزية خفر السواحل بما يتناسب مع مهامه في تأمين المياه الإقليمية وحماية الملاحة، وقطع الطريق أمام شبكات الجريمة المنظمة والتهريب.

وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الهجمات الحوثية التي طالت السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب التصعيد الصاروخي والمسيَّر ضد المخا ومناطق الساحل الغربي، مما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن استمرار التوتر قد يعيد اليمن إلى دائرة أوسع من الحرب.


احتفالات حوثية باهظة تتجاهل احتياجات اليمنيين الأساسية

صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)
صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)
TT

احتفالات حوثية باهظة تتجاهل احتياجات اليمنيين الأساسية

صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)
صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)

أنفقت الجماعة الحوثية مبالغ ضخمة على تنظيم احتفالات المولد النبوي في صنعاء والمدن الواقعة تحت سيطرتها، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية والإنسانية، وتتسع دائرة الفقر، وتتراجع القدرة الشرائية، بينما يعاني آلاف الموظفين من انقطاع رواتبهم وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وقالت مصادر مطلعة في صنعاء إن الحوثيين خصصوا مبالغ تقدر بنحو 50 مليون دولار لشراء الألعاب والأعيرة النارية والمفرقعات وكميات من الإطارات التالفة، لاستخدامها في الفعاليات التعبوية المرتبطة بالمولد النبوي.

وتزامنت هذه الاستعدادات مع تحركات ميدانية واسعة لحشد السكان للمشاركة في الاحتفالات، في مشهد يقول منتقدون إنه يعكس فجوة متزايدة بين أولويات الجماعة واحتياجات السكان الأساسية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها ملايين الأسر.

أغلبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لأعمال التعبئة والحشد والدعاية (الشرق الأوسط)

وبحسب المصادر، بدأت شاحنات تابعة للجماعة، منذ ظهر الاثنين الماضي، في توزيع كميات من الألعاب النارية على «عقال الحارات» والمشرفين في عدد من أحياء العاصمة المختطفة، بالتزامن مع نشر عناصرها في مبانٍ مرتفعة ومرتفعات جبلية تحيط بصنعاء، تمهيداً لإطلاق الألعاب النارية والأعيرة النارية وإشعال الإطارات.

وشملت التحركات، وفق إفادات سكان، مناطق ومرتفعات مطلة على جبل السنينة ومذبح وعصر والصباحة والحفا ونقم وشارع الخمسين وتبة آرتل، إلى جانب مواقع أخرى حول العاصمة.

ويقول سكان إن الجماعة تستخدم مؤسسات الدولة والسلطات المحلية والقطاعات المدنية الواقعة تحت سيطرتها في تنظيم هذه الفعاليات، التي تتضمن تزيين الشوارع والمباني بالأضواء والرايات، وإقامة التجمعات والخطابات والأنشطة الجماهيرية، فضلاً عن إطلاق الألعاب النارية وإشعال الإطارات.

صورة لاحتفالات الحوثيين بالمولد النبوي في ميدان السبعي بصنعاء (الشرق الأوسط)

وتقدم الجماعة هذه الاحتفالات في ظاهرها بوصفها مناسبة دينية واجتماعية، لكنها في الواقع واحدة من أبرز الفعاليات الجماهيرية التي تستخدمها الجماعة لإظهار الحشد والتعبئة العسكرية وفرض الجبايات.

وقال موظف حكومي في صنعاء، استخدم اسماً مستعاراً، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسر التي تعاني من تراجع الدخل وارتفاع الأسعار لا تستطيع تخصيص أموال للألعاب النارية أو الزينة، مشيراً إلى أن الأولوية بالنسبة لكثير من العائلات تتمثل في توفير الغذاء والاحتياجات الضرورية لأطفالها.

أزمة إنسانية

يتزامن الإنفاق الحوثي على الاحتفالات مع استمرار تدهور الوضع الإنساني في اليمن، الذي يواجه واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم بعد أكثر من عقد من الصراع، أدى خلالها انهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى تراجع الخدمات واتساع الاحتياجات الإنسانية.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) في تقرير حديث من تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة تداخل عوامل اقتصادية وإنسانية وإقليمية، إلى جانب تداعيات الظروف المناخية.

وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من 53 في المائة من سكان اليمن قد يواجهون مستويات من الأزمة الغذائية أو أسوأ منها، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة، مع وجود أعداد كبيرة من السكان في مستويات الطوارئ المُصنَّفة ضمن المرحلة الرابعة.

زعيم الحوثيين يظهر على أتباعه من خلال شاشة عرض عملاقة في صنعاء (أ.ب)

كما لفتت إلى وصول الأوضاع الإنسانية في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مستويات حرجة، في ظلِّ تراجع العمليات الإنسانية والنقص الحاد في التمويل الدولي، بما يحدُّ من قدرة المُنظَّمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وبقيت خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 عند مستوى تمويل يقل عن 15 في المائة وفق المعطيات الواردة في التقرير، ما يعكس اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.

حادث مميت

في محافظة ريمة، الواقعة إلى الجنوب الغربي من صنعاء، سلط حادث مميت الضوء على جانب آخر من عمليات الحشد الحوثية المرتبطة بالاحتفالات، بعدما قُتل وأُصيب 19 شخصاً، بينهم أطفال، إثر انقلاب عربة عسكرية تابعة للجماعة في أثناء نقل مواطنين قسرياً من قرى ريفية إلى مديرية الجبين للمشاركة في فعالية بالمناسبة.

وقالت مصادر محلية إن الحادث وقع في منطقة جبلية في أثناء توجه العربة إلى الجبين، موضحة أنها كانت تقل عدداً يتجاوز طاقتها الاستيعابية، في ظلِّ طرق جبلية ووعرة؛ ما أدى إلى انقلابها وسقوط قتلى وجرحى، بينهم مشرف أمني تابع للجماعة.

الحوثيون يسخرون ذكرى المولد النبوي للتعبئة والحشد والجبايات (إ.ب.أ)

وتأتي الواقعة مع تكثيف الحوثيين عمليات حشد السكان من مختلف الأعمار في مناطق سيطرتهم للمشاركة في فعاليات المولد، واستخدام وسائل نقل مختلفة، بينها مركبات عسكرية وأمنية، لنقل المشاركين من القرى والمناطق النائية.

وحمل أهالي الضحايا الجماعة المسؤولية عن الحادث، مطالبين بالتحقيق في ملابساته، وتحديد المسؤولين عن عملية النقل، وقالوا إن نقل المواطنين، وبينهم أطفال، في مركبات غير مخصصة لنقل أعداد كبيرة من الركاب وعبر طرق جبلية يعكس استهتاراً بسلامتهم.

وكانت ريمة شهدت في مايو (أيار) الماضي حادثاً مماثلاً أدى إلى وفاة 9 أشخاص وإصابة آخرين، إثر انقلاب شاحنة كانت تقل 18 شخصاً.


الحوثيون يمهّدون لمحاكمة 5 من أبرز العاملين بالمنظمات الدولية

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يمهّدون لمحاكمة 5 من أبرز العاملين بالمنظمات الدولية

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

بعد أكثر من عامين على حملة الاعتقالات التي استهدفت عشرات العاملين في مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، بدأ الحوثيون إجراءات تمهّد لمحاكمة خمسة من أبرز المحتجزين، بينهم موظف في مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، ونائب مدير المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي، وطبيب متخصص في الصحة العامة ولقاحات الأطفال.

وذكرت مصادر قانونية لـ«الشرق الأوسط» أن النيابة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بدأت التحقيق مع الموظفين الخمسة الذين أحالهم إليها جهاز استخبارات الشرطة، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، وذلك بعد نحو عامين من اعتقالهم، وسط شكاوى من تعرُّضهم للتعذيب والضغط النفسي لإجبارهم على الإدلاء باعترافات تفيد بعملهم لصالح جهات خارجية.

وبحسب المصادر، عقدت النيابة جلسة تحقيق ثانية مع الطبيب وخبير الصحة العامة علي المضواحي، بحضور ثلاثة محامين متطوعين للدفاع عنه، حيث واجهته بملف يضم نحو خمسة آلاف صفحة، وطالبته بالرد على محتوياته خلال جلسة واحدة.

محكمة يديرها الحوثيون أصدرت أحكاماً بإعدام العشرات من المدنيين (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن النيابة رفضت طلب فريق الدفاع الحصول على نسخة من ملف القضية لدراسة الوثائق وإعداد الردود القانونية عليها؛ الأمر الذي يجعل من الصعب تفنيد الاتهامات الموجهة إليه، وتوقعت إحالة القضية إلى المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة، التي أصدرت في السابق عشرات الأحكام بالإعدام في قضايا تتعلق بالتجسس والتخابر.

معاناة صحية وسوء معاملة

وفقاً للمصادر نفسها، أُحضر نائب مدير المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي، مراد ظافر، البالغ من العمر 66 عاماً، إلى جلسة التحقيق مستنداً إلى عكاز، بعد أن فقد جزئياً قدرته على المشي، فيما أُحضر المضواحي تحت حراسة مشددة، معصوب العينين ومقيد اليدين.

ويُعد المعتقلون الخمسة جزءاً من مجموعة تضم نحو 30 شخصاً اعتقلتهم الجماعة بين نهاية مايو (أيار) ومنتصف يونيو (حزيران) 2024، ضمن حملة استهدفت موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات دولية ومحلية.

وتؤكد عائلات عدد من المعتقلين أنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترة الاحتجاز، ما تسبب في تدهور أوضاعهم الصحية؛ إذ أصيب أحدهم بالسرطان، بينما فقد آخر البصر في إحدى عينيه.

مسلحان حوثيان خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

واعتقلت مخابرات الحوثيين ظافر من منزله خلال الفترة نفسها، وظل رهن الإخفاء القسري لمدة ثمانية أشهر، قبل أن يُسمح له بإجراء أول اتصال بأسرته، في فبراير (شباط) 2025. وتقول مصادر حقوقية إنه تعرَّض لضغوط للاعتراف بالتهم الموجهة إليه، فيما توفيت والدته خلال فترة احتجازه دون أن تسمح له الجماعة بتوديعها أو حضور مراسم دفنها، ولم تتمكن زوجته من زيارته إلا في أغسطس (آب) 2025.

أما الاستشاري المالي لبيب شائف، الذي اعتُقل من مكتبه في صنعاء خلال الفترة نفسها، فيعاني من مشكلات صحية عدة، بينها التهاب الكبد، وتمزق في أربطة الكتف، وفقاً لعائلته.

كما فقد عاصم العشاري، مدير البحوث والسياسات العامة في مؤسسة «رنين اليمن»، جزءاً من البصر في إحدى عينيه أثناء احتجازه، وسط تحذيرات من احتمال فقدانه البصر كلياً إذا لم يحصل على رعاية طبية عاجلة.

أما سامي الكلابي، الموظف في مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، فيعاني من مضاعفات إصابته بالعصب الخامس في الوجه، إلى جانب مشكلات في الجهاز الهضمي ووظائف الكلى؛ ما استدعى نقله إلى المستشفى مرات عدة، وفقاً لزوجته.

الإكراه على الاعترافات

إلى ذلك، كانت زوجة الطبيب المضواحي قالت إنه تعرض للحبس الانفرادي والتعذيب والضغط النفسي، وأُجبر على الإدلاء باعترافات تحت الإكراه، من دون إبلاغه بالتهم الموجهة إليه. وأضافت أن المحققين طالبوه بالاعتراف بأنه جُنّد من قبل «منظمة الصحة العالمية»، وأن اللقاحات المقدمة للأطفال تمثل «أدوات جاسوسية»، وهي اتهامات قالت إنه رفض الإقرار بها.

يمني يسير بجوار نصب تذكاري يضم مجسمات لصواريخ نصبها الحوثيون في صنعاء (أ.ب)

وتأتي الإجراءات القضائية بحق المعتقلين الخمسة استكمالاً لحملة الاعتقالات التي نفذها الحوثيون وطالت عشرات العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية والمنظمات المحلية والدولية.

ولا يزال نحو 73 موظفاً محتجزين لدى الجماعة، في وقت تتصاعد فيه المطالبات الدولية بالإفراج عن العاملين في المجالين الإنساني والتنموي، وضمان عدم استخدامهم في قضايا ذات دوافع سياسية.