غياب سيزار نمور مؤسس متحف «مقام» وحافظ الذاكرة التشكيلية في لبنان

غياب سيزار نمور مؤسس متحف «مقام» وحافظ الذاكرة التشكيلية في لبنان

الأحد - 27 شهر رمضان 1442 هـ - 09 مايو 2021 مـ رقم العدد [ 15503]
متحف «مقام» من الداخل - الراحل سيزار نمور

حزينة قرية «عليتا»، وحزين متحف «مقام» للنحت التشكيلي اللبناني، الذي فقد مؤسسه وراعيه وعاشقه، سيزار نمور. هذا الرجل الذي وهب حياته كلها للفن، غادرنا يوم الجمعة بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه إرثاً فناً، كان يحتاج دعماً كبيراً ليجمع، وإرادة فولاذية لصيانته، والاعتناء به، ومع ذلك اضطلع نمور بالمهمة بفرح وإقبال شديدين. هو ناقد، ومؤرخ للفن، بل لعله من أهم من أرخّ للحركة التشكيلية في لبنان، وخاصة حركة النحت التي عاصرها وعايش وزامل روادها، وكتب عنهم، وربط بين أعمالهم، ثم كان له ذاك الجهد الجبار ليجمع ما وصل إليه من أعمالهم في مكان واحد، أصبح قبلة لمحبي اكتشاف هذا الفن، والتعرف على رموزه وخيرة أعمالهم.
ترك نمور مشروعاً عمل عليه أكثر من نصف قرن. خلّف ما يقارب 25 كتاباً عن الفن التشكيلي اللبناني. تعددت أنشطته، لكنها كانت تصب جميعها في موضع واحد: الفن التشكيلي. افتتح «غاليري كونتانت» عام 1972 مع شركاء آخرين، ثم «غاليري لو سيميز»، وأكثر من جمعية. أسس عدة أنشطة ومؤسسات مهتمة بالفن. من هذه المشاريع دار نشر ومكتبة عامة. وبنتيجة ثقة كبيرة بناها مع الفنانين، بدأوا بإرسال أشغالهم إلى نمور إما للعرض أو للترميم، فتطورت علاقتهم به، وكبرت مجموعة الأعمال الفنية لديه، وسرعان ما اضطر إلى البحث عن مكان عرض يتسع لكل هذه الكنوز.
هو شغف لم يتوقف، وولع لم يخفت وهجه رغم تقدمه في السن. بل على العكس كان يزداد تعلقاً بالحلم الذي عاشه منذ عشريناته حتى تمكن عام 2013 من أن يشكل متحفه ويحقق تلك الفكرة المجنونة التي لا تصدق. فقد نجح في تحويل مصنعين توقفا عن العمل في قمة جبل فوق بلدة قرطبا، إلى متحف. منطقة تظن بغاباتها وخضرتها أنها منقطعة عن العالم، لكن نمور جلب إليها السيّاح والطلاب وعشاق الفن والبحاثة، من كل مكان في العالم. مصنعان أحدهما كان لأكياس الإسمنت وآخر للسبورات الصغيرة وأقلام التلوين الشمعية. تمكن من تغيير وظيفة المصنعين المهجورين بمساحة شاسعة تصل إلى 10 آلاف متر مربع إلى متحف أطلق عليه اسم «مقام»، والأظرف من ذلك أنه عرض مجموعاته النحتية في هذه المساحة الشاسعة وسكن قربها مع زوجته وشريكته في المشروع الألمانية غابرييلا شوب، وسط الأشجار في منزل خشبي صغير وأنيق كان يقول إنه «كهف». وشوب لم تكن تقل عن نمور اندفاعاً وحماسة وسعادة بهذه الحياة إلى جانب الأعمال الفنية، حيث الطبيعة هي منزلهما الحقيقي، ومجموعتهما محور اهتمامهما اليومي. متحف مقام الكبير بسقفه الشاهق الذي يصل إلى 7 أمتار، يعطيك إحساساً بالرحابة والرهبة، وقد قسم إلى صالات وأجنحة. وما إن تخرج من قسم حتى تدخل في آخر، لتجد نفسك بين التجهيزات التي جمع منها الجميل والطريف وشديد الحداثة. جمع نمور ما لم تستطع أن تفعل مثله وزارة الثقافة، 400 قطعة نحتية، لـ70 فناناً من كبار الفنانين اللبنانيين. في «مقام» تعرض مجموعات لكل من الأخوة بصبوص الذين عرفهم عن كثب، ورودي رحمة، وحسين ماضي، ورافي توكاتليان، ورافي ياداليان، وعارف الريس، وسلوى روضة شقير، ورؤوف رفاعي، وبولس ريشا، وغيرهم. في المتحف أيضاً مكتبة تحوي مخطوطات وكتب ومجلدات، ومحفوظات تكنز تفاصيل عن الحياة التشكيلية اللبنانية. كل ما وصلت إليه يد هذا المؤرشف الدقيق الرقيق، صار جزءاً من المتحف المبهر، المنظم والمقسم، حيث لكل فنان زاويته وجناحه، الذي يمكنك من خلاله قراءة تدرج مساره وأن تفهم تطور أعماله.
منحوتات من الخشب والمعدن والبرونز والحديد وقطع سيراميك. هي مجموعة دائمة، إضافة إلى المعارض الموسمية التي تنظم باستمرار، تبعاً لعناوين، غالباً ما تماشي حاجات الناس، وانشغالاتهم الفكرية. جزءاً من عمل مقام هو التنوير الفني، والتوعية والاهتمام بتلامذة المدارس، ومساعدة طلاب كليات الفنون ومساندتهم، وما لم يتخل عنه نمور يوماً هو أن يبقى مشروعه مستمراً إلى ما بعد حياته، وهذا هو الرهان اليوم الذي يقع على عاتق عائلته.


لبنان لبنان أخبار Arts وفات متحف

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة