مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

أوروبا تتوسط للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران
TT

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

لم تتأخر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في «الوفاء» بوعدها الانتخابي حول الانخراط في مفاوضات مع إيران، وإن كانت غير مباشرة، وذلك بهدف العودة إلى لاتفاق النووي الذي خرج منه سلفه الرئيس السابق دونالد ترمب وعاد ليفرض العقوبات على طهران ويضيف إليها حتى.
«الدبلوماسية» التي يقول بايدن إنها الطريق الوحيد لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، تُرجمت دورتين من مفاوضات غير مباشرة مع طهران، استضافتها منذ مطلع أبريل (نيسان) الجاري العاصمة النمساوية فيينا، التي هي مكان ولادة الاتفاق الأصلي. وهذه المرة لعبت الدول الأوروبية دور الوسيط، إذ كان مسؤولوها ينتقلون بين الفندق الذي يستضيف المفاوضات مع الإيرانيين والفندق الآخر مقابله حيث يقيم الأميركيون، حاملين الرسائل بين الجانبين. ويُذكر أنه رغم تفضيل الولايات المتحدة الحوار المباشر، رفضت إيران العرض منذ البداية، وهي ما زالت ترفض الكلام حتى عن مفاوضات غير مباشرة. وهي تقول إن المطلوب واضح: إعادة العمل بالاتفاق الأصلي الذي توصلت إليه مع الدول الـ5 زائد 1، من دون زيادة أو نقصان.
وبالفعل، يبدو أن واشنطن توصلت إلى قناعة بأن هذه هي المقاربة الأفضل، على الأقل، حتى الآن. وتخلّت، وإنْ مؤقتاً، عن وعود بايدن الانتخابية بتوسيع نطاق الاتفاق ليشمل تدخّلات إيران في منطقة الشرق الأوسط وبرنامجها للصواريخ الباليستية. ولتاريخه، يمكن القول إنه إن تحقق شيء من التقدم في جولتين من التفاوض، ستُستكملان بجولة ثالثة الأسبوع المقبل. ولكن ما الذي تحقق فعلاً؟ وما حظوظ التوصل إلى اتفاق خلال شهر... كما يأمل بعض المشاركين في هذه المفاوضات؟

مدى التفاؤل أو التشاؤم حيال مآل المفاوضات النووية الأميركية الإيرانية يعتمد على مَن تسأل من المشاركين. بيد أن الجميع يتفق على الأقل على أنها تسير على الطريق الصحيح. ففي اليوم الأول من المفاوضات التي انطلقت في 6 أبريل الماضي، أمكن الاتفاق على تشكيل لجنتي خبراء: الأولى تدرس رفع العقوبات الأميركية، والثانية تركّز على عودة إيران لالتزاماتها ضمن «خطة العمل المشتركة»، وهو الاسم الرسمي للاتفاق النووي الموقّع عام 2015.
اختتمت الجولة الأولى أعمالها بعد 5 أيام، عادت الوفود بنهايتها إلى دولها للتشاور. الوفد الإيراني يترأسه عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، والوفد الأميركي يترأسه روبرت مالي المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران. الرجلان يعرف أحدهما الآخر معرفة جيدة، وسبق لهما أن خاضا المفاوضات الرئيسة معاً ضمن كبار المفاوضين، كلٌّ عن دولته، في الاتفاق الأصلي عام 2015.
إلا أنه لم تمضِ أيام قليلة حتى عادت الوفود مرة جديدة إلى فيينا للجولة الثانية من المفاوضات، بتأخر يوم واحد، تبيّن لاحقاً أنه لأسباب لوجيستية تتعلق بتأخر وصول أحد الوفود الأوروبية على أثر إصابة فرد منه بفيروس «كوفيد - 19» ولكنّ هذا التأخر كان مصحوباً بتوترات ومخاوف في أعقاب تعرّض مفاعل «نطنز» النووي -بوسط إيران- لما وصفته إيران بـ«عملية تخريب إرهابية» دمّرت أجزاء كبيرة منه، ودفعت إيران إلى التصعيد وإعلان رفع تخصيبها اليورانيوم بنسبة 60% من 20%، ما يقرّبها أكثر من درجة النقاوة المطلوبة لتطوير سلاح نووي والتي تصل إلى 90%.
لقد كان واضحاً أن إيران اختارت الخروج بهذا الإعلان من فيينا نفسها. ولكن رغم المخاوف من أن يعرقل هذا التصعيد الذي تبعه بيان أوروبي شديد اللهجة يُدين فيه قرار طهران رفع مستوى تخصيبها اليورانيوم، استمرت المفاوضات. وبينما رأى بايدن نفسه أن هذا الإعلان «لا يساعد» في المفاوضات، فإنه مع ذلك قال إنه لن يدع هكذا إعلان يعرقل المفاوضات.

- جولة ثانية متوترة
وهكذا انطلقت الجولة الثانية، وإنْ بتأخير يوم وبجلسة متوترة، انتقد فيها عراقجي امتناع الدول الأوروبية عن إدانة استهداف مفاعل «نطنز»، الذي اتهمت طهرانُ إسرائيل بتدبيره. ومن ثم، مكثت الوفود أسبوعاً تقريباً بدأت خلاله عملية صياغة الاتفاق على الأمور التي لم تعد محل خلاف، واتفقت في ختامه على تشكيل لجنة ثالثة مهمتها درس «تسلسل الخطوات» التي ستُتخذ في سياق العودة للاتفاق كاملاً. وبذا تكون هذه اللجنة انخرطت في معالجة واحدة من نقاط الخلاف الأساسية في هذه المفاوضات، وهي: مَن سيخطو الخطوة الأولى؟
طهران ما زالت متمسكة بأن ترفع واشنطن كامل العقوبات أولاً، ثم تعود إيران لالتزاماتها بعد أن تتأكد من أن العقوبات رُفعت فعلاً. ولقد كرّر الرئيس الإيراني حسن روحاني هذا التسلسل في الخطوات بعد اختتام الجولة الثانية قبل أيام. أما واشنطن فتقول إنها لن ترفع العقوبات قبل أن تعود طهران لكامل التزاماتها. وهنا، يسعى الوسطاء خلال العملية التفاوضية إلى إيجاد حل مقبول لاتخاذ خطوات متوازية من الجانبين.
غير أن المشكلات التي تهدد التفاوض لا تقتصر فقط على تسلسل الخطوات. إذ إن ميخائيل أوليانوف، السفير الروسي للمنظمات الدولية الذي يمثل بلاده في هذه المفاوضات، يتحدث عن «العشرات والعشرات» من النقاط التي ما زالت محل خلاف. ويضيف أن نقطة الخلاف الرئيسة تتمثل في تحديد العقوبات التي يمكن رفعها.
وفي حين تطالب إيران برفع كل العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب، ويصل عددها إلى 1600 عقوبة، تقول واشنطن إنها مستعدة لرفع العقوبات المتعلقة بالاتفاق النووي فقط. ومعلومٌ أن ترمب كان قد فرض عقوبات مرتبطة أيضاً ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة، وكذلك عقوبات تتعلق بحقوق الإنسان. وراهناً، يخضع البنك المركزي وقطاع النفط في إيران لعقوبات مختلفة مرتبطة بالاتفاق النووي وغيرها. ومقابل ذلك، تطالب طهران برفع كامل للعقوبات المرتبطة بالقطاعين النفطي والمالي ما يسمح لها بأن تبيع نفطها من دون قيود وتُجري معاملات مالية مع الخارج.

- تكتيكات التفاوض الإيراني
وعند هذه النقطة، يرى البعض أن تمسّك إيران بالخطاب نفسه حول رفع الولايات المتحدة كامل العقوبات قبل أن تعود إلى التزاماتها، ليس إلا أداة من أدوات التفاوض. وتقول سنام وكيل، الباحثة في الشؤون الإيرانية في معهد «تشاتام هاوس» بالعاصمة البريطانية لندن، إن هذا الخطاب الإيراني هو «جزء من تكتيكات التفاوض، وهو مهمّ بالنسبة إلى الداخل الإيراني». وهي ترى أن المفاوضات حتى الآن «مثمرة، ولكن الأطراف حذرة لأنه ما زال هناك كثير من العمل المطلوب إنجازه خصوصاً حول تسلسل الخطوات».
مع ذلك لا ترى وكيل، خلال حوار لها مع «الشرق الأوسط» أن هذه الخلافات كبيرة لدرجة أن تعرقل المفاوضات، وتوضح: «واقع أن المفاوضات مستمرة... وأن الجانبين حذران، أمر إيجابي»، مضيفةً أن «هدف الجانبين ما زال نفسه»، وهو إعادة العمل بالاتفاق النووي.
وحقاً، في هذه الأثناء، يسود داخل المفاوضات شعور مشابه بأن الطلبات الإيرانية العلنية محاولة لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب. ويقول أحد المشاركين في المفاوضات لـ«الشرق الأوسط» إن الإيرانيين «قدموا ورقتين للتفاوض، واحدة توضح توقعاتهم وأخرى تتضمن رؤيتهم... إنها عملية سائرة قدماً، لكنني لا أذكر أي مفاوضات جرى فيها تبني ورقة قدمها أحد الأطراف كما هي».
في أي حال، رغم هذه الخلافات، فإن التزام الطرفين على الأقل يبدو واضحاً. البعض يرى أن مجرد عودة الوفد الإيراني إلى فيينا يشكّل إشارة إيجابية رغم اللهجة التصعيدية العلنية. وواشنطن بعد فوز بايدن في الانتخابات الأخيرة أكّدت مراراً التزامها بإعادة الاتفاق واستعدادها لتقديم تنازلات، رغم الصعوبات. وقد كرّر مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، ذلك بعد الجولة الثانية، في حديث للإعلامية الأميركية المعروفة كريستيان أمانبور –وهي إيرانية الأصل- فقال: «حققنا بعض التقدم، غير أنه ما زالت هناك مسافة يجب قطعها، ولكن في النهاية الولايات المتحدة ملتزمة بالعودة للاتفاق على أساس الامتثال المتوازي». وحسب سوليفان، فإن واشنطن تواجه تحدّيين في هذه المفاوضات: الأول تحديد العقوبات التي يمكن رفعها مقابل الالتزامات التي ستعود إليها إيران. والآخر قضية التسلسل. الأولوية بالنسبة إلى واشنطن الآن تتعلق بـ«المحتوى»، حسب مستشار الأمن القومي، وهو بالفعل عمل اللجنتين اللتين شُكّلتا خلال الجولة الأولى من المفاوضات.
على صعيد متصل، في حين لا تتوافر تفاصيل كثيرة عن الالتزامات التي أبدت إيران جهوزيتها للعودة إليها ضمن أي اتفاق محتمل، فإن معلومات أكثر رشحت عن العقوبات التي يمكن للولايات المتحدة أن ترفعها. وقد نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول في الخارجية الأميركية قوله إن واشنطن قدّمت لطهران أمثلة عن 3 فئات من العقوبات: فئة أولى تتضمن العقوبات التي يمكن رفعها وفئة ثانية لن ترفعها، وفئة ثالثة مصنّفة «حالات صعبة» ما زالت الإدارة الأميركية تدرس إمكانية رفعها.
ووفق المسؤول الأميركي فإن العقدة الأساسية هي العقوبات المصنّفة في الفئة الثالثة، لأن «إدارة دونالد ترمب -حسب زعمه- فرضت عن عمد عقوبات تحت تسمية الإرهاب، على الرغم من أنها فُرضت فقط بهدف إعاقة أو منع عودة الولايات المتحدة للاتفاق». وقالت الصحيفة إن المسؤول رفض تحديد عدد أو نوع العقوبات المصنفة ضمن كل فئة. وهذا، بينما تحدث البعض عن استعداد واشنطن لرفع عقوبات تتعلق بالبنك المركزي المصنّفة تحت تمويل الإرهاب، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة بالحرس الثوري.

- نشاطات إيران الإقليمية
وحول موضوع العقوبات أيضاً، صرّح متحدث باسم الخارجية الأميركية بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بأن رفع بعض العقوبات عن إيران «لا يعني أننا لن نواصل مواجهة تصرفات إيران المزعزعة (للاستقرار) في المنطقة وهي تصبّ ضمن مصالحنا وصد مصالح شركائنا في المنطقة». ويرى آخرون أن واشنطن لن ترفع كامل العقوبات التي فرضها ترمب وذلك من أجل استخدامها لاحقاً لإجبار طهران على العودة للتفاوض حول أمور أخرى. وحسب سنام وكيل، فإن «إدارة بايدن تريد الإبقاء على بعض العقوبات بهدف إعادة الإيرانيين للتفاوض حول توسيع الاتفاق لتضمينه دور طهران مثلاً في المنطقة وأموراً أخرى». وترى وكيل أن ثمة «حاجة إلى العودة والتفاوض حول القضايا الأخرى، المتعلقة بدور إيران في المنطقة وبرنامجها للصواريخ الباليستية، لمواجهة (مخاوف إسرائيل ودول المنطقة)، ولتفادي المزيد من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط». وتشير إلى أن هذا سيكون أيضاً في مصلحة إيران الباحثة عن انفتاح اقتصادي يريحها من تدهور الوضع.

- مخاوف أميركية من تكرار خطأ تقديرات أوباما
ترفض الولايات المتحدة تحديد سقف زمني لمفاوضات فيينا، وتشدد على أنها ما زالت في بداية الطريق. وبهذا الشأن، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن ما تبقى من طريق المفاوضات «أطول مما مرّ»، وهذا، رغم زعم الرئيس الإيراني أن ما بين 60% و70% من الاتفاق أُنجز بالفعل، ويمكن تحقيق اتفاق كامل «إذا استمر الأميركيون بالتفاوض بصدق».
ومع استمرار هذه المفاوضات، تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على إدارة الرئيس جو بايدن لتحاشي «المغامرة» بإعادة العمل باتفاق من دون كثير من الضمانات. وبينما يكثف الإسرائيليون مشاوراتهم مع الأميركيين لمعرفة تفاصيل ما تقدمه الإدارة من إعفاءات لإيران، يتحرك الجمهوريون في واشنطن بقيادة وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، في الكونغرس، للدفع باتجاه فرض مزيد من العقوبات على إيران وتعقيد العودة للاتفاق. كذلك، يحذّر شركاء واشنطن في الشرق الأوسط من مخاطر العودة لاتفاق قد يؤدي إلى سباق تسلح في المنطقة ويزيد من تدخلات إيران في دولهم في حال بدأت تجني مكاسب مالية من الاتفاق.
وحول هذا الجانب، قال فريديريك هوف في ورقة أعدها لمعهد «أتلانتيك إنستيتيوت» إن إدارة باراك أوباما كانت تأمل عند توقيعها الاتفاق مع إيران عام 2015، أن يسهم ذلك في خفض عدائية إيران وتدخلاتها في المنطقة، ولكن هذا لم يحصل.
ويذكّر هوف بتقرير الاستخبارات الأميركي السرّي عن إيران الذي كشف عنه أخيراً، والذي يقدّر أن إيران ستستمر «بتشكيل تهديد للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على المدى المنظور».
ومن ثم، تساءل هوف عما إذا كانت الاستخبارات الأميركية تقدّر اليوم أن إعادة العمل بالاتفاق النووي ستردع إيران عن تدخلاتها في المنطقة «كما ظن أوباما ذات يوم». وأضاف أنه «يأمل ألا تؤدي دبلوماسية بايدن النووية إلى دفع طهران عن غير قصد لتطوير سلاح ترى أنه في مصلحتها، وبأمل أن تجديد الاتفاق النووي معها لن يمكّنها من فعل أسوأ ما يمكّنها فعله في الشرق الأوسط، لأن عواقب ذلك سيكون قاتلاً بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الإقليمية وللمدنيين الأبرياء الذين يكافحون يومياً في الدول التي تعاني من الوجود الخبيث لإيران وأدواتها».


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.