جيرالد دارمانان: الإسلاموية حصان طروادة المفجِّر للمجتمع الفرنسي

وزير الداخلية يدعو إلى «التعبئة العامة» للدفاع عن «الجمهورية» في كتابه الأخير

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

جيرالد دارمانان: الإسلاموية حصان طروادة المفجِّر للمجتمع الفرنسي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صوَّت مجلس الشيوخ الفرنسي، يوم الجمعة الماضي، على مشروع القانون المسمى «تعزيز مبادئ الجمهورية»، والمعروف بقانون «محاربة الانفصالية الإسلاموية»، بعد أن تم إقراره في قراءة أولى بمجلس النواب. وسيذهب المشروع مجدداً إلى مجلس النواب، لتُشكَّل لاحقاً لجنة للتوفيق بين القراءتين.
ولا شك في أن مشروع القانون سيقر، باعتبار أن الحكومة تتمتع بالأكثرية في مجلس النواب الذي له الكلمة الفصل.
وترفض الحكومة الفرنسية اعتبار مشروع القانون موجهاً ضد المسلمين، وتقول إنه موجه فقط ضد التطرف والراديكالية، أو ما تسميه «الانفصالية»، التي لا تعني الانفصالية الجغرافية، بل انغلاق جماعة أو طائفة أو جالية على نفسها وابتعادها عن القيم والممارسات العلمانية التي يتبناها المجتمع الفرنسي، وسعيها إلى فرض قيم وممارسات أخرى خاصة.
وفي مداخلته أمام مجلس الشيوخ، يوم الثلاثاء الماضي، وصف وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان المشروع المذكور بـ«المتشدد»، وأن غايته «جبه الذين يسعون لاستخدام الدين وسيلة للسيطرة على جاليتهم (أي الجالية المسلمة) الموجودة على الأراضي الفرنسية، من خلال اللجوء إلى القوة الناعمة»، أي الهيمنة الآيديولوجية، ونشر قراءة متشددة للدين الإسلامي لا تتلاءم مع المتعارف عليه والمقبول في المجتمع الفرنسي.
ومنذ أن عينه الرئيس إيمانويل ماكرون وزيراً للداخلية وشؤون العبادة في حكومة جان كاستيكس، في شهر يوليو (تموز) من العام الماضي، برز دارمانان كأحد أكثر الوزراء تشدداً في الملف الإسلامي. فهذا المسؤول جاء من اليمين، وكان مديراً لحملة الرئيس اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي الانتخابية في عام 2017، ويعد أحد الأعمدة التي يتوكأ عليها ماكرون لاجتذاب الناخب اليميني في المنافسة الرئاسية التي سيحل موعدها في شهر مايو (أيار) من العام المقبل.
وتفيد غالبية استطلاعات الرأي بأن ماكرون سيواجه في الدورة الانتخابية الثانية، كما في عام 2017، مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف. من هنا «فائدة» دارمانان، الذي يريد أن يكون قانون الانفصالية مربوطاً باسمه بشكل وثيق.
لا يجد وزير الداخلية حرجاً في اتباع نهج متشدد إزاء الإسلام السياسي، الذي يفضي إلى التطرف الإسلاموي. كما أنه لا يخاف من اتهامه بمعاداة الإسلام. فالرجل فخور بأن الدم العربي - المسلم يسري في عروقه. فاسمه الكامل جيرالد موسى دارمانان، وجده لوالدته موسى أواكيد كان جندياً في الجيش الفرنسي في المغرب، وحارب في صفوفه إبان الحرب العالمية الثانية، ووصل إلى رتبة رقيب ومعاون. وكان دارمانان قريباً منه، وهو يحمل اسمه احتراماً وتيمناً.
وفي رده على استجواب أحد النواب في الجمعية الوطنية، الذي اتهمه بمعاداة الإسلام والترويج لصور وكليشيهات مبتذلة، قال دارمانان: «جدي كان يأتي كثيراً على ذكر الله، وكان في الوقت عينه يرتدي ثياب الجيش الفرنسي. اسمي جيرالد، واسمي الثاني موسى، وبفضل رئيس الجمهورية وكل الذين رافقوني، أشعر بالفخر في أن أكون وزيراً في الجمهورية الفرنسية». وأعقب ذلك بتغريدة كتب فيها: «إنه لشرف كبير لي، أنا حفيد مهاجر، أن أعيّن وزيراً للداخلية».
ليس جديداً طرح ملف الإسلام وموقعه في المجتمع الفرنسي، ومدى تلاؤم قيمه مع قيم العلمانية والتحرر وفصل الدين عن الدولة، ومع مفهوم «الاندماج» أو «الانصهار» للوافدين الذي يتبناه النموذج الفرنسي، بعكس النموذج الأنغلو - ساكسوني. ومع تواتر العمليات الإرهابية الإسلاموية التي ضربت فرنسا منذ بداية عام 2015 وأوقعت 263 قتيلاً ومئات الجرحى، عاد هذا الملف ليُطرح بقوة، فيما سعى اليمين المتطرف وبعض اليمين الكلاسيكي لتجييره في المعارك السياسية الداخلية. من هنا، سعى ماكرون لإيجاد ضوابط، فدفع من جهة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى تبني «شرعة مبادئ الجمهورية» التي ستصبح مدونة سلوك، ومن جهة أخرى بلورت الحكومة مشروع قانون تغير اسمه من قانون «محاربة الانفصالية الإسلاموية» إلى قانون «تعزيز مبادئ الجمهورية»، الذي يسلك طريقه التشريعية، مروراً بمجلس النواب فمجلس الشيوخ، على أن يتم التوفيق بين القراءتين قبل أن يتحول إلى قانون تنفيذي.
من هنا أهمية كتاب دارمانان الصادر حديثاً تحت عنوان: «الانفصالية الإسلاموية، دفاعاً عن العلمانية»، الذي يراد منه توفير الحجج والإطار النظري للمشروع الحكومي. وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان أول من استخدم مفهوم «الانفصالية الإسلاموية»، وبعده شاع تداوله بين أطراف الحكومة واليمين واليسار.

- الإسلامية والإرهاب
الكتاب الصادر عن دار «لوبسرفاتوار» يقع في خمسة فصول مع مقدمة وخلاصة. ويتبين للقارئ منذ الصفحات الأولى للكتاب أن المؤلف لا تخامره أي شكوك لجهة قناعاته المترسخة، ولا تسكنه تساؤلات، بل لديه يقين متجذر بشأن القضية التي يضعها على مشرحته، وهي الإسلاموية التي يرى فيها «أقوى آيديولوجيا في عالمنا المعاصر، إذ إنها صادرت كلام الإسلام وسخرت الدين... وانسلت إلى خلايا المجتمع الفرنسي لتحاربه ثم لتنفصل عنه». ويضيف الكاتب: «هكذا، يجد ملايين المسلمين أنفسهم رهائن بأيدي مناضلين سياسيين إسلاميين. وهكذا، نجد أن المجتمع تتم مهاجمته من قبل عدو يُدين ويُهين ويَدس الدسائس بحق من يحاربه». لذا، يدعو الكاتب إلى «التعبئة العامة» للدفاع عن «الجمهورية» التي يجب أن تبقى «المِصهَر الذي يدمج الوافدين ويوفر سبل التقدم».
وكتاب دارمانان له غاية واحدة: «إنارة القارئ حول الوضع الملح والطارئ الذي تعرفه فرنسا، وتعيين العدو: الإسلاموية»، التي تتبع منهج «التقية» لتنفيذ «استراتيجيتها». ووفق ما يؤكده، فإنها «تتسرب إلى المجتمع للفصل بين هدفها (الجالية المسلمة) والمجتمع الوطني، لتبث قيماً ومعايير وأنماط تصرف خاصة بها، تريد فرضها على مؤسساتنا».
ويذهب دارمانان أبعد من ذلك، بتأكيد أن «الفرق بين الإسلاموية والإرهاب ليس في طبيعة الحركتين، بل في درجة (التطرف)، وأن الإسلاموية هي البيئة الخصبة التي ينمو فيها الإرهاب».
لكن وزير الداخلية يسارع لوأد أي عملية خلط، بتأكيده أن التنديد بالإسلاموية لا يتعين أن يقود إلى مسخ الإسلام، ثاني الديانات في فرنسا، وهو يرى أنه عندما ينجح الإسلام في فرنسا في التغلب على مشاكله التنظيمية، فإنه سيجد مكانه الطبيعي داخل الأسرة الفرنسية. وحل هذه الإشكالية من مسؤولية المسلمين أنفسهم. إلا أن للدولة الحق في منع الممارسات التي لا تتوافق مع روحية قانون عام 1905، الذي أرسى العلمانية والفصل بين الدين والدولة، ويتيعن على الجميع احترامهما.
ويرسم الكاتب في الفصل الأول المسار الذي سلكته فرنسا منذ مئات السنين للوصول أخيراً إلى تبني مبدأ العلمانية، الذي يتكىء إلى ثلاثة أسس: حياد الدولة، وحرية الاعتقاد وممارسة الديانة المختارة، وأخيراً التعددية الدينية. فالعلمانية تحمي كل الديانات والمعتقدات، ما دام أن معتنقيها يحترمون النظام العام، أي سلطة الدولة.
إلا أن مبدأ «المواطنة» يتخطى، وفق الكاتب الانتماءات الدينية، ما يعني عملياً أن العلمانية تضمن حياد الدولة والتعددية وانتفاء التمييز بين الأفراد، مهما تكن معتقداتهم.
وخلال العقود التي انقضت منذ تبني هذا المبدأ، لم تجد الأديان صعوبة في التعايش والتآلف معه، والنمو والتطور، أكانت مسيحية أم يهودية أم إسلامية أم بوذية. ومنذ عام 1905، المعتقد في فرنسا حق فردي تحميه الدولة وتسمح بممارسته، ولكن لا أحد مُتاح له أن يستقوي بديانته للحصول على حقوق خاصة. وبالمقابل، لا يُسمح بأن تتمايز معاملة فرد من الأفراد بسبب ديانته، كما أنه لا دين للدولة.
وبعد مرتبة «المفهوم»، ترجمت العلمانية إلى قوانين، ودخلت إلى الدستور، بحيث إن القوانين الفرنسية تكرس الحرية الدينية وحرية العبادة وتعددية المعتقدات. وكدليل على حيادية الدولة، فإن القانون يمنعها، منذ عام 1905، من تمويل الأديان، لأن التمويل يعني التدخل، وبالتالي القضاء على الحيادية. كذلك يتعين على الموظفين الحكوميين أن يلتزموا الحيادية المطلقة.
بين فرنسا والإسلام تاريخ قديم، يعود إلى وصول الإسلام إلى إسبانيا، وتمدده من هناك إلى جنوب ووسط فرنسا (معركة بواتيه عام 732 بين شارل مارتيل وعبد الرحمن الداخل) ثم الحروب الصليبية، وما شهده البحر الأبيض المتوسط طيلة مئات السنين من مبادلات تجارية وثقافية، ووصول العثمانيين إلى فيينا، وأخيراً التمدد الفرنسي الاستعماري في المغرب العربي وأفريقيا في القرن التاسع عشر، وما تبعه في القرن العشرين من حركات تحررية.
والسمة البارزة للإسلام الفرنسي، بحسب المؤلف، أنه أصبح دين المهاجرين منذ ثلاثينات القرن الماضي، بعد أن كان دين المستعمرين. وحالياً، وبغياب إحصائيات دقيقة، يتراوح عدد المسلمين في فرنسا ما بين 3.5 و5 ملايين نسمة، بينهم نحو مليون نسمة من المتديِّنين، ونحو مائة ألف من المعتنقين الجدد.
ويرى دارمانان أن إسلام فرنسا يعاني من أربعة تحديات رئيسية: تدخل دول «المصدر» في شؤون المسلمين، إن لناحية التمويل أو التنظيم، وتحديداً تركيا ودول المغرب الثلاث (الجزائر والمغرب وتونس). والثاني صعوبة توافر أئمة يعرفون الثقافة الفرنسية وقوانين البلاد وروحيتها، والثالث غياب وحدة التنظيم، ما يجعل الحوار بين الدولة والمسلمين صعباً، بعكس الحال مع الكاثوليك واليهود. والتحدي الأخير يمكن أقلية نشطة وفاعلة من مصادرة النطق باسم المسلمين، الأمر الذي يؤسف له ويفتح الباب لتغلغل الفكر المتطرف، أو بروزه بقوة على حساب المسلمين الراغبين في الاندماج، الذين يتبنون إسلاماً منفتحاً وسطياً بعيداً عن العنف وخطاب الكراهية.

- مدرستان وآيديولوجية واحدة
ويشدد الكاتب، في الفصل الرابع، على التمييز بين الإسلام والإسلاموية. إلا أن الأخيرة تستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي لتبث قراءة متشددة للإسلام ولما تسميها الممارسات الإسلامية المتوافقة مع الديانة، عن طريق الفتاوى التي تصدر من هنا وهناك، وتتناول كل مناحي الحياة اليومية.
ويميز دارمانان بين مدرستين؛ الأولى تتشكل من «الإخوان المسلمين» وتتبنى آيديولوجيا رفض الغرب وحداثته والهيمنة على الجاليات المسلمة في الغرب، لإبقائها داخل قراءة وممارسات متشددة ثقافياً ودينياً، والمدرسة الثانية هي «السلفية» التي تريد العودة إلى دين وممارسات الآباء الصالحين، وتدعو إلى الانقطاع عن المجتمع الحديث.
ويؤكد المؤلف أن ما يجمع بين هاتين المدرستين هي الآيديولوجيا المعادية للغرب والحداثة، ورفض الفصل بين ما هو ديني وسياسي - اجتماعي، واعتبار العلمانية أداة قتال ضد الإسلام.
بيد أن وسيلة التغلغل المتبعة تعتمد على العمل الاجتماعي وتوفير المساعدات المالية والصحية والخدمات والتعليم والرياضة، والاتكاء على ذلك للتأثير على العقليات والممارسات، بما فيها ارتداء الثياب والدعوة لتعميم الحجاب.
وأسهم تخلي الدولة عن واجباتها إزاء المهاجرين والأحياء الفقيرة، ووجود ممارسات تمييزية إزاءهم في بعض الأحيان، والفشل التعليمي، في توفير فضاء لتحرك الآيديولوجيات الإسلاموية، التي يهاجمها وزير الداخلية بعنف في الفصل الخامس، تحت عنوان: «مناهضة الانفصالية الإسلاموية».
بداية، يعتبر الكاتب أن الإسلاموية هي «حصان طروادة الحامل لقنبلة عنقودية ستفجر المجتمع الفرنسي»، هكذا فعلت في إيران وأفغانستان والسودان واليمن والعراق، حيث لم تترك وراءها سوى العنف والدمار والخراب والموت، مضيفاً: «إنها اليوم عندنا في أوروبا وفي فرنسا»، وخطرها يكمن في أن تدفع لظهور مجموعات تعيش وفق قيمها، وبعيداً عن قيم المجتمع، وأولاها العلمانية. وهذه المجموعات، بحسب الكاتب، يتم إخضاعها لآيديولوجيا «انفصالية» بالغة الخطورة.
والخطر الثاني يكمن في ردة فعل المجتمع المضيف، الذي ينظر بكثير من القلق لبروز مجموعات رافضة لقيمه، أو راغبة في العيش بعيداً عنه.
ويرى دارمانان أنه يتعين التحرك في اتجاهين: محاربة فرض مرجعيات وقيم إسلاموية في الفضاء العام، ومعاودة إنتاج ما يسمى الوعد بقيام جمهورية يغلب عليها الإخاء، وهو العصب الثالث في ثلاثية الجمهورية: حرية ومساواة وإخاء.
وهكذا، يصل دارمانان إلى مشروع قانون «تعزيز مبادئ الجمهورية» الذي صوت عليه مجلس الشيوخ يوم الجمعة، ويعود لمجلس النواب لقراءة ثانية وأخيرة. ويتضمن المشروع طائفة من الإجراءات التي تتناول الرقابة على الجمعيات الدينية، ومنع التدخل الخارجي في شؤون مسلمي فرنسا، وتنشئة الأئمة، ومحاربة خطاب الكراهية، ومنع تعدد الزوجات وتزويج القاصرات، ومنع شهادات العذرية، وفرض الحيادية في الخدمات العامة.
باختصار، غرض مشروع القانون الذي دار بشأنه جدل كبير في مجلسي النواب والشيوخ، أن يواجه جميع الممارسات التي يعتبرها المشرع مخالفة لمبدأ العلمانية وللمتعارف عليه في المجتمع الفرنسي.
ويرصد الكتاب كل هذه المظاهر والبنود التي يتضمنها مشروع القانون، المُنتظر منه أن يكون درعاً تقي من هذه المظاهر، أو على الأقل تحد من انتشارها.
والخلاصة التي يصل إليها وزير الداخلية أن الفرنسيين ينتظرون من حكومتهم أن تواجه بقوة الخطر الداهم، من غير سذاجة أو ضعف، ولكن من غير ديموغاجية أو انطوائية. ويحذر دارمانان من الذين «يريدون المزيد والمزيد، وقرارات أكثر قساوة وتشدداً»، لا بل يتبون نظريات عنصرية، ويرفضون اعتبار الإسلام ديناً قادراً على التعايش في مجتمع ديمقراطي علماني.


مقالات ذات صلة

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.