إمانويل تود في كتابه الأخير «هزيمة الغرب»: 10 مفاجآت لحرب أوكرانيا

عن أوروبا المتجهة إلى الانتحار وروسيا الراغبة في نصر كامل

تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»
تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»
TT

إمانويل تود في كتابه الأخير «هزيمة الغرب»: 10 مفاجآت لحرب أوكرانيا

تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»
تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»

اللافت في الكتاب الأخير للكاتب والباحث السوسيولوجي - الأنثروبولوجي الفرنسي إمانويل تود أنه يلخص في عنوانه «هزيمة الغرب» خلاصة 371 صفحة يقدمها للقارئ غنية بالأرقام والمعلومات والمراجع. نقطة انطلاقه حرب أوكرانيا التي تتيح له أن يعرض ويناقش الأسباب التي تجعله يجزم بأن روسيا هي التي ستخرج منتصرة من الحرب، وأن هزيمة أوكرانيا المحققة هي بالدرجة الأولى هزيمة للغرب وللولايات المتحدة.

وكما في كل إصدار جديد، يثير إمانويل تود موجة نقاشات تنحو غالبيتها نحو الانتقاد الآيديولوجي الرافض سلفاً لما يطرحه الخصم، غير مهتم بالبراهين والسياقات التي يعلل بها آراءه وخلاصاته؛ ولذا عُدّ تود «بوقاً» من أبواق روسيا في الغرب وفي فرنسا تحديداً. وعليه، فبات كل ما يأتي به خاطئاً أو زائفاً.

صحيح أنّ تود يبدو متسامحاً مع روسيا وبالغ التشدد مع الغرب، وصحيح أيضاً أنه يحمّل الأخير مسؤولية الحرب، بأن يذكّر مثلاً بتصريحات المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا هولاند اللذين أعلنا، كل واحد من جانبه، أن «اتفاقية مينسك» التي أنهت الحرب الأولى في أوكرانيا عام 2015 كان هدفها «توفير الوقت اللازم لتسليح كييف» بأسلحة غربية - أطلسية.

ويستعيد الكاتب الكلمة التي ألقاها الرئيس الروسي بوتين في 24 فبراير (شباط) 2022؛ ليبرر حربه على أوكرانيا، وجاء فيها: «لا يمكن أن نقبل بتمدد قواعد الحلف الأطلسي واستخدام الأراضي الأوكرانية لهذا الغرض»، مضيفاً أن ثمة «خطوطاً حمراء تم تجاوزها». لذا فالعمل العسكري الروسي هو «دفاع عن النفس». ومنذ عامين، لم يحد بوتين عن هذه السردية، وكرّرها في مقابلة مطولة أجراها معه الصحافي الأميركي توكر كارلسون، المقرّب من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، في موسكو يوم الخميس الماضي.

ويرى تود أن حرب أوكرانيا جاءت بعشر مفاجآت، أولها قيام الحرب في أوروبا نفسها التي نظرت إلى الحدث بصفته «غير معقول في قارة ظنت أنها تعيش سلاماً أبدياً». وثانيها أنها وضعت روسيا والولايات المتحدة وجهاً لوجه، فيما كانت واشنطن تعد الصين عدوها الرئيسي وليس روسيا «المتهالكة». أما المفاجأة الثالثة، ففي قدرة كييف على المقاومة بينما كان الغربيون يعتقدون أنها ستنهار خلال 72 ساعة، وأعدوا خططاً وسيناريوهات لإخراج الحكومة الأوكرانية وعلى رأسها فولوديمير زيلينسكي من كييف إلى الغرب. كذلك فاجأت أوكرانيا روسيا نفسها. ومع تمدد الحرب، جاءت المفاجأة الرابعة، وهي قدرة روسيا على مقاومة الضغوط الاقتصادية التي فرضت عليها منذ الأسبوع الأول للحرب، بما في ذلك عزلها عن النظام المالي الدولي. وخامس المفاجآت «انبطاح» الاتحاد الأوروبي، وغياب أي استقلالية عن الإرادة الأميركية. وما يصدم تود تحديداً تلاشي «محور باريس - برلين» الذي كان أساس البناء الأوروبي لصالح محور لندن - وارسو - كييف. ويوجّه الكاتب سهامه لبريطانيا التي تحولت إلى «كلب ينبح» بوجه روسيا ملتحقة بواشنطن. وسادس المفاجآت، انتقال عدوى الالتحاق بواشنطن وبالحلف الأطلسي إلى الدول الاسكندنافية التي «سارت على نهج مسالم» في السابق، وإذ بها تتحول إلى دول «مشاغبة»، بدليل انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي. وسابع المفاجآت عجز الصناعات الدفاعية الأميركية عن توفير الأسلحة والذخائر الكافية للقوات الأوكرانية. وبالمقابل، فإن روسيا ومعها حليفتها بيلاروسيا وهما لا يزنان سوى 3.3 في المائة من الناتج الداخلي الغربي الخام، نجحتا في إنتاج أسلحة أكثر مما أنتجته المصانع الأميركية والأوروبية مجتمعة. أما ثامن المفاجآت فعنوانها «العزلة الآيديولوجية للغرب»، بحيث لم ينجح في جر العالم وراءه ووراء أوكرانيا، مشيراً إلى الصين والهند وبلدان «مجموعة البريكس»، وغالبية أميركا اللاتينية، وغالبية دول آسيا وأفريقيا. وكتب تود: «بعد عام ونصف العام على اندلاع الحرب، ينظر مجمل العالم الإسلامي إلى روسيا بوصفها شريكاً وليست عدواً»، والمفاجأة الأخيرة الآخذة بالبروز تتمثل في توقع حتمية هزيمة الغرب. ويستبق الكاتب الفرنسي منتقديه القائلين إن «الحرب لم تنته بعد»، بالرد: «هزيمة الغرب واقعة لا محالة؛ لأنه آخذ في تدمير نفسه أكثر مما هو ضحية لهجمات روسية».

حلم الأميركيين بإطاحة بوتين لن يتحقق

يرجع الكاتب أحد أسباب قدرة روسيا على الصمود والمواجهة إلى كونها بدأت تستعد لمواجهة العقوبات منذ 2014. ولعل هذه العقوبات بالذات هي التي وفرت ثبات الاقتصاد الروسي، بدليل أن الصادرات الزراعية الروسية بلغت في عام 2020 (30 مليار دولار)، متخطية عائدات الغاز (26 مليار دولار). وتحولت روسيا إلى أول مصدر للمفاعلات النووية ذات الاستخدام السلمي، وإلى ثاني مصدر للأسلحة في العالم بفضل قفزات حققتها في التكنولوجيا الرقمية. ويتوقف الكاتب طويلاً عند قدرة الاقتصاد الروسي على «التأقلم» مع العقوبات من جهة، ومع التحول إلى «اقتصاد حرب»، وهو ما لم ينجح الغربيون في تحقيقه. ويأخذ على الغربيين رؤاهم الزائفة لروسيا التي «يحكمها ديكتاتور دموي (يذكر بستالين) ويسكنها شعب من السذج». ولنقض هذه الصورة، يسرد الكاتب فيضاً من الأرقام، ومنها أن عدد المهندسين الروس يتفوق على عدد نظرائهم من الأميركيين، والأمر نفسه يصح على نسبة المتعلمين، وذلك بالتوازي مع بروز طبقة وسطى ناشطة ودينامية، وتمكن بوتين من الحد من قدرات «الأوليغاركيين» الروس. ويجزم تود بأن «نظام بوتين» المرشح لولاية إضافية «ثابت ومستقر وحلم الأميركيين بتمرد يطيح به لن يتحقق».

ويؤكد الكاتب أن تحدي روسيا للغرب قبل عامين مرده لكونهم «أصبحوا جاهزين عسكرياً»، ولأن ديموغرافيتهم تتراجع، فقد عجلوا في إطلاق الحرب، ويعتقدون أنهم «قادرون على الانتهاء منها خلال خمسة أعوام». وبالمقابل، فإن النواقص الصناعية والعسكرية الغربية تظهر أكثر فأكثر للعيان، وعامل الزمن يلعب لصالح روسيا. ويحذر الكاتب الجانب الأميركي بالقول: «ما تريده روسيا هو الانتصار الكامل ولا شيء آخر».

وصفحة بعد أخرى، يظهر أن الكاتب يتبنى إلى حد بعيد طروحات روسيا بخصوص أوكرانيا، التي وصفها بوتين مؤخراً بأنها «دولة مصطنعة أنشأتها إرادة ستالين في عام 1922»، نافياً عنها صفة «الأمة في دولة». وحسبه هي في أفضل الأحوال «دولة فاشلة» تتجه نحو «العدمية». فأوكرانيا «ينخرها الفساد»، وهي «تؤجر بطون نسائها» للغربيين من أجل الإنجاب، وتقضي على لغة (الروسية) متجذرة تاريخياً فيها، حيث إنها «تنتحر ثقافياً». وما يراه تود غريباً أن منع اللغة الروسية استتبعه مشروع قانون يفرض على الموظفين إتقان الإنجليزية. ويجزم الكاتب بأن كييف كانت قادرة على تجنب الحرب منذ 2014 لو قبلت المطالب الروسية المعقولة الثلاثة وهي: ضم شبه جزيرة القرم لروسيا لأسباب تاريخية، ومنح سكان منطقة الدونباس (شرق أوكرانيا)، وهم من الروس، وضعاً مقبولاً، وأخيراً حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف الأطلسي. ولكن كييف رفضت بتشجيع من الغرب ما قاد إلى الحرب.

انتحار أوروبا

ليست أوكرانيا وحدها التي تتجه إلى الانتحار بل معها أوروبا (ص 161). والحجة التي يسوقها تود أن الاتحاد الأوروبي الذي كان يسعى ليكون القوة الثالثة المستقلة بين الولايات المتحدة والصين «اختفى تماماً وراء الحلف الأطلسي الخاضع لأميركا»، وأن الدول الاسكندنافية والمشاطئة لبحر البلطيق «أصبحت تابعة مباشرة لواشنطن». وبالتوازي، يؤكد الكاتب أن الحصار المفروض على روسيا «مدمر للاقتصادات الأوروبية»، ومن ذلك ارتفاع أسعار الغاز والمحروقات والتضخم ما يهدد الصناعات الأوروبية «ويقودنا إلى مفهوم الانتحار».

ولتثبيت نظريته، يؤكد تود أن الميزان التجاري الأوروبي تحول من فائض إيجابي قيمته 116 مليار يورو في 2021 إلى عجز يتجاوز 400 مليار يورو في 2022، ناهيك عن تكلفة باهظة للحرب. ويتساءل: «لماذا يريد الغربيون حرباً بلا نهاية» بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد صيف عام 2023؟

ومرة أخرى يتبنى تود السردية الروسية القائلة إن روسيا «تحارب على حدودها، بينما الجبهة تبعد 3200 كلم عن لندن و8400 كلم عن واشنطن». وخلاصة الكاتب أن «المشروع الأوروبي (الأساسي) مات، وأن أوروبا تحتاج لعدو خارجي وجدته في روسيا». وفي سياق انتقاداته يوجه سهامه إلى بريطانيا التي يصف ردود فعلها بـ«المضحكة»، وهي تحاول الإيحاء بأنها تعيش مرة أخرى «معركة إنجلترا» ضد الجيش الألماني، وقارن وزارة الدفاع البريطانية بـ«أفلام جيمس بوند» وروايات «OSS117» (ص 194)، كما عدّ أن لندن الأكثر تطرفاً بالدفع نحو مواصلة الحرب.

«العصابة الحاكمة في واشنطن»

يُكرّس الكاتب الفصل العاشر في الكتاب وهو بعنوان «العصابة الحاكمة في واشنطن»؛ ليشرح بالأرقام أسباب قوة اليهود في السياسة الخارجية الأميركية. ومخافة اتهامه بمعاداة السامية وهي تهمة رائجة، يحرص الكاتب على تأكيد أنه يتحدر من عائلة يهودية من أصول مجرية. ويذكر تود أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومساعدته فيكتوريا نولاند من أصول يهودية، في حين أن الرئيس بايدن ومستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، كاثوليكيان من أصول آيرلندية، لافتاً إلى أن اليهود لا يشكلون سوى 1.7 في المائة من الشعب الأميركي (ص 288)، فيما تمثيلهم في المواقع الرسمية، وتحديداً المرتبطة بالسياسة الخارجية لا علاقة له بنسبتهم العددية. ويسيطر اليهود على مواقع القرار في المراكز البحثية، والمثال على ذلك أن ثلث أعضاء الهيئة الإدارية لـ«مجلس العلاقات الخارجية» من اليهود، كما أن ثلاثين في المائة من أصل أكبر مائة ثروة في الولايات المتحدة هم أيضاً من اليهود. ولهؤلاء، كما هو معروف، تأثيرهم الكبير على الجامعات والمعاهد العليا على اعتبار أنهم من كبار المانحين، وهو ما ظهر جلياً مع حرب غزة.

ويُفسر الكاتب أهمية اليهود بعاملين: الأول تراجع القيم البروتستانتية لدى المجموعة الحاكمة السابقة وهي «WASP» (الأنغلو ساكسونيون - البيض البروتستانتيون). والثاني تركيزهم على التعليم، وارتياد المعاهد والجامعات الأكثر تميزاً ما يؤهلهم لاحتلال أعلى المراكز.

الكاتب يتبنى إلى حد بعيد طروحات روسيا بخصوص أوكرانيا، التي وصفها بوتين مؤخراً بأنها «دولة مصطنعة أنشأتها إرادة ستالين في عام 1922»، نافياً عنها صفة «الأمة في دولة»

ويحمل الفصل الأخير من كتاب تود عنوان «كيف وقع الأميركيون في الفخ الأوكراني؟»، وفيه يتساءل عن الأسباب التي تجعل أميركا «تدخل في حرب مع روسيا وهي عاجزة عن الانتصار فيها». ويرى تود أن حرب أوكرانيا جاءت خاتمة لدورة زمنية بدأت في 1990 مع انهيار الاتحاد السوفياتي وقناعته أن تمازج عدميتين، أميركية وأوكرانية، سيقود إلى هزيمتهما (ص 339). فبينما كانت الولايات المتحدة غارقة في حروبها (أفغانستان، والعراق...) وكانت الصين تقضي على النسيج الصناعي الأميركي، كانت روسيا تعيد ترتيب أوراقها (ص 347). ومع وصول بوتين إلى السلطة، وجد أمامه بولندا والتشيك والمجر في حلف الأطلسي. وكانت واشنطن تدفع نحو انضمام أوكرانيا أيضاً. وفي 2004، انضمت سبع دول إضافية إلى الحلف، كانت كلها أعضاء في حلف وارسو، وهي: بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، ورومانيا بحيث شعرت روسيا بالطوق الأميركي حول عنقها. وجاء رد بوتين في خطابه عام 2007، بمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ واضحاً، حيث أكد أن بلاده «لن تقبل أبداً عالماً أحادي القطب تفرض فيه الولايات المتحدة القانون». ويؤكد الكاتب أنه مع دعوة كييف للانضمام للحلف الأطلسي، خلال قمة بوخارست عام 2008، «نصبت واشنطن الفخ الذي لن تستطيع الإفلات منه (ص 354)».

يستعيد تود السردية الروسية بتأكيده أن أوكرانيا كانت تخطط لهجوم نهاية عام 2021 لاستعادة الدونباس وشبه جزيرة القرم، ما دفع بوتين لمراسلة الحلف الأطلسي لطلب «ضمانات»، بيد أن هذه الضمانات لم تأت، وكانت النتيجة أن روسيا أطلقت حربها أواخر فبراير 2022 «في التوقيت الذي اختارته وبعد دراسة لميزان القوى، حيث وجدت أن هناك نافذة ما بين 2022 و2027». إلا أن انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها شمال وشرق كييف، ثم الهجوم المضاد الذي قامت به خريف العام نفسه «أوجد دينامية دافعة باتجاه الحرب» في واشنطن، وتوجهاً «للمزايدة لن تستطيع التراجع عنها تحت طائل تلقيها هزيمة، ليس فقط محلية بل شاملة: عسكرية واقتصادية وآيديولوجية (ص 366)».

هل تصح توقعات تود؟ السؤال مطروح، والجواب يخضع لعوامل ومتغيرات ليس من السهل التنبؤ بها. تود اختار تبني المقاربة الروسية إلى حد بعيد، ولعل تمسكه بحرفيتها يعد أحد مظاهر ضعف تحليلاته، حيث لم ترد في صفحات كتابه أي قراءة نقدية لما حصل وقد يحصل في الجانب الروسي.


مقالات ذات صلة

فيرجيني فيارد... بين وجع التخلِّي ورفض النسيان

لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

فيرجيني فيارد... بين وجع التخلِّي ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)
كتب رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين مريم وعبدو على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون «صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب فريد الزاهي

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي

مارلين كنعان
كتب حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

ميرزا الخويلدي (الدمام)

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.


«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي
TT

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت (دار نلسن - 2026) مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي، نشأت بينهما صداقة أدبية بدأت من القراءة قبل أن تتحوّل إلى مراسلة، وتغذّت على ما كتب الزاهي وترجم، ولا سيّما ترجمته لكتابَي المستشرق الفرنسي هنري كوربان «الخيال الخلاّق في تصوّف ابن عربي»، و«مقدمة لمؤلفات شهاب الدين السهروردي الفلسفية والصوفية».

فمثل هذه القراءة، على الرغم من وجاهتها، تفوّت البنية العميقة للكتاب. إذ خلف الصداقة التي تنمو بين بيروت والمغرب، ثمة شخصية ثالثة لا تكتب رسالة واحدة فيه، ولا تظهر كموضوعٍ مباشر، لكنها حاضرة في تكوينه، عنيت شخصية الأب والصحافي والشاعر الغائب، أنسي الحاج، «موطن ندى»، على حدّ قول الزاهي، الذي جعله الرحيل أكثر حضوراً، وربما أكثر استعصاءً على الغياب.

ندى الحاج

تبدأ الحكاية، إذاً، من علاقة ابنة بأبيها، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود السيرة العائلية، لتطرح سؤال الوجود وجمال المعرفة واللغة والأدب والموسيقى والترجمة والكلمات والتصوّف والحقيقة والروح والجسد والحرب والموت والأديان والكتابة والقراءة الورقية في زمن التقنيات الرقمية، ودور المقهى والصحافة واللقاء الثقافي في تشكيل الذاكرة الأدبية وغيرها من أسئلة الحياة. لذلك تبدو الرسائل في هذا الكتاب ذات وجهين متكاملين: رسائل تُوجَّه إلى فريد الزاهي، وردودٌ تخرج عن «المسالك المعبَّدة للكتابة»، تحلّق في فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر، وتتداخل فيه التجربة الإنسانية مع التأمل في الأسئلة الوجودية الأعمق، مستعيدةً بذلك تقليداً أصيلاً في الحوار، يعود إلى قرون بعيدة مع رسائل سينيكا إلى لوقيليوس ورسائل أبيقور إلى تلاميذه ومريديه، ورسائل شيشرون إلى أتيكوس، وديكارت ولوك، وروسو وديدرو، وفلوبير وجورج صاند، وصولاً إلى رسائل ألبير كامو وماريا كاساريس وسواهم، التي تجاوزت وظيفتها التواصلية صائرةً «وسيطاً للتفكير» واستكشاف الذات في حوار غير متزامن يتجاور فيه الحضور والغياب.

منذ الصفحات الأولى للكتاب يتبين أن الرسائل لا تنشأ من فراغ. إنها تأتي من تاريخ من الشعر والكتابة والذاكرة، ومن علاقة طويلة بين ندى وإرث أبيها. لكن الزاهي لا يكتفي بمجاراة ندى في استدعاء أنسي الحاج. لعله يعيد قراءة تجربتها في إعادة تركيب لما تفتحه الرسائل من أفقٍ تأمليّ وثقافيّ واسع. ولهذا فإن الحوار معه لا يمكن فصله عن السؤال الآتي: ماذا تفعل الابنة حين يكون الأب شخصاً تحبه، وكاتباً وشاعراً سبقها إلى اللغة، واسماً صار جزءاً من هويتها الأدبية؟

هنا تحديداً تتجاوز الرسائل بعدها الشخصي لتصبح نصّاً عن الميراث الشعري، والأبوة، والغياب، وفعل الحب، وتكوّن الذات والنسب الأدبي.

ومنذ الردّ الأول على رسالة «سَفرُ المرايا»، يلتقط الزاهي ما يتصل بالكتابة والشعر والنقد والترجمة والدين والرمزية، ليفتح فضاءً مشتركاً للشعر والفكر، مؤكداً أن الكتابة الحقيقية كشفٌ واكتشاف، وأن النّص حين يكون حيّاً يتحول من «شريك» إلى «فكر»، ومن تجربة فردية إلى معرفة. والأهم أن الزاهي لا يقرأ ندى بمعزل عن أبيها. فهو يعرف الحاج من داخل تجربته الثقافية، ويعرف موقعه في المشهد الشعري والفكري العربي. فإذا كانت ندى تملك الذاكرة الحميمة، فإن الزاهي يملك ذاكرة القارئ. وبين الذاكرتين يتشكل أنسي الحاج الذي لا يعود شخصية أحادية. إنه الأب الذي عاش في البيت، والشاعر الذي عاش في اللغة، والاسم الذي ترك أثراً في جيل كامل من الشعراء والكتّاب. ولذلك فإن رسائل الزاهي تبدو أحياناً وكأنها تحاول أن تحمي ندى من اختزال نفسها في نسبها الأدبي، دافعاً الحوار باتجاه ما فعلته الابنة بهذا الإرث وخطواتها على طريق الاستقلال عنه.

وتتجلى شخصية الزاهي بصورة أوضح في رسائله التي تتناول تجربته المغربية، والقراءة والكتابة والترجمة، وعلاقته بلبنان وبالتراث العربي. ففي رسالته «خطّ وقدر»، يستعيد تاريخ علاقته بالورق والقلم، ثم ينتقل إلى القرآن، وإلى بدايات وعيه باللغة والحفظ وإلى تجربته مع الكتابة اليدوية والصحافة والترجمة. هذه الاستطرادات ليست خارج موضوع المراسلة، إنها تكشف شيئاً جوهرياً: الزاهي لا يفسر تجربة ندى من الخارج، بل يضع سيرته وتجربته الخاصة إزاء تجربتها، فيصبح الحوار تبادلاً للسيرتين. ندى تتحدث عن الذاكرة، فيستدعي الزاهي ذاكرته كما في «جنوحٌ نحو القصيدة»؛ تتحدث عن الأب، فيستعيد هو أباه الأمي وسيرته وطفولته وآباءه الثقافيين؛ تتحدث عن الكتابة في «حرية وخفّة»، فيعود إلى تاريخ كتابته وقراءاته؛ تتحدث عن لبنان وبيروت والتجاور والتعايش الديني، فيعود إلى المغرب ومدنه ومساجده ومواقعه وأديرته المسيحية ومكتاباتها العامرة زمن الوجود الفرنسي وانفتاحها على الآخر كما في رسالته حول «التجاور الديني»، التي يقرأ فيها فضاء المغرب التاريخي والثقافي والديني، مستعيداً علاقته بالتراث المسيحي، ليصل إلى فكرة أعمق عن التعدد والحوار. وفي المقابل تستجيب ندى لهذه الرؤية من موقعها اللبناني، فيصبح المغرب ولبنان تجربتين مختلفتين لكنهما تلتقيان في سؤال التعدد والتعايش والذاكرة؛ وتتحدث عن الروحانية والتوق إليها، فيدخل معها إلى نصوص وحكم محي الدين بن عربي، وتردّ ندى محدثةً إياه عن تآلفها مع روح القرآن، وقد أتيح لها قراءته وحضور حلقات ذكر للشيخ النقشبندي محمد هشام قبّاني. فيحدثها الزاهي عن قراءاته للكتاب المقدس وتعاليمه وتأثيرها على بعض من تحوَّل إليها. وهكذا لا تسير الرسائل في خط مستقيم من سؤال إلى جواب، وإنما في «دوائر متراكبة»، كأن تفتح كل رسالة باباً لا يغلقه ردّ الزاهي بقدر ما يفتح باباً آخر يزخر بشتّى أنواع المعارف، معرّجاً على أسماء أدباء وفنانين كبار تأثروا بالثقافة المغربية الأصيلة التي فتنت «العابر والمقيم»، وغدت «منبعاً لمتخيل أدبي وبصري لا ينضب».

وتتناول الرسائل أيضاً موضوعات الجفاف والمطر والتقنيات الرقمية وتدويناتها النرجسية وتجارب الفنانين الكبار كبول كلي وماتيس وثقافته الفلسفية والكتابة السيرية والصمت والحب الذي يربطه الزاهي باللغة والزمن والوجود. ففي رسالة بعنوان «الحبُّ الجارف» يقارب الزاهي الحب كقوة تتجاوز إمكانية امتلاكها أو تحديدها، فيصله بالحياة وبالعلاقة بالآخر، ثم يجد له أفقاً صوفياً في قراءة ابن عربي الذي يفتح أمام ندى صورة أخرى للأبوة: أبوة روحية وثقافية تُكتسب بالاختيار والقراءة، لا بالدم. فإذا كان أنسي الحاج هو الأب الذي جاءت به الحياة، فإن ابن عربي واحد من الآباء الذين تختارهم الروح. هكذا يتسع مفهوم النسب، نسب الجسد، ونسب الشعر، ونسب الروح الذي يخرج علاقة ندى بأبيها من حدود العائلة إلى فضاء أوسع تتداخل فيه القراءة والتلمذة والبحث عن الذات. وهذا تحديداً ما يجعل الزاهي طرفاً ضرورياً في الكتاب: إنه لا يرد على ندى، بل يعيد صياغة أسئلتها. فإذا كانت الحاج تنطلق من التجربة لكي تصل إلى الفكر، فإن الزاهي كثيراً ما ينطلق من الفكر لكي يعود إلى التجربة، وبين الاتجاهين تنشأ حركة الكتاب كلها.

إن رسائل الزاهي تؤدي في الكتاب وظيفة «المرآة النقدية». لكنها ليست مرآة تعكس ندى كما هي؛ إنها مرآة تغيّر زاوية النظر إليها وإلى الأسئلة التي تثيرها. ولعل هذه الازدواجية هي التي تمنع الكتاب من التحول إلى سيرة وجدانية صائراً سؤالاً أدبياً وفكرياً يهم القارئ أينما كان.

ولا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن الزاهي ليس «المخاطَب» في هذه المراسلات فحسب؛ إنه «القارئ الأول الذي يشارك في صناعة النصّ». فمن خلاله تنتقل رسائل ندى من حميمية المراسلة إلى أدبية الحوار، ومن الاعتراف الشخصي إلى التفكير في الشعر والكتابة والذاكرة والموت. فالزاهي الآتي من خارج ذاكرة ندى العائلية، يستطيع أن يرى ما تعجز الذاكرة الحميمة أحياناً عن رؤيته. لذا يصبح شاهداً وقارئاً ورفيقاً في إعادة بناء المعنى. ولعله في قراءته لما تقوله ندى، يعيد السؤال إليها في صورة أخرى أو حركة متبادلة تمنح الكتاب حيويته، بحيث يصبح حواراً يتسع كلما اختلف الصوتان.

ومن الخاص إلى العام يمتد الكتاب نحو لبنان. وطن ندى الحاضر هنا كذاكرة وجرح وتجربة عيش. الأزمة اللبنانية، وانهيار الحياة العامة، والشباب الذين يحاولون مواصلة حياتهم وسط الانهيار، كلها تدخل في نسيج المراسلات. الكتابة تصبح مقاومة لفقدان المعنى؛ وحين يهدد الواقع بتفكيك الحياة، تستعيد الرسالة قدرتها على بناء علاقة وذاكرة وصوت للبنان الذي يظهر في هذه الصفحات كوطن محبوب ومجروح في آن، والذي تصعب مغادرته حتى حين يصبح العيش فيه امتحاناً يومياً عسيراً.

تنبع جاذبية الكتاب الأدبية من صعوبة وضعه في خانة واحدة. هو رسائل، وتأملات، واعترافات، وحوار فكري، ونصّ شعري موزع بين صوتين يفتحان جسوراً بين لبنان والمغرب، وبين الشعر والموسيقى والترجمة، وبين التراث والحداثة، والحوار الديني والتجربة الصوفية، والعيش المشترك والعبور بين الثقافات. قيمته في جعله الفكر يحدث أمامنا كتجربة حيّة لا تنتهي عند صفحاته الأخيرة. ذلك أن الحوار الحقيقي يبدأ حين يصمت كاتبا الرسائل، ويتركان للقارئ فسحةً يواصل فيها التفكير، ليكتشف أن الكتابة متصلة بالحياة اتصالاً عميقاً، وأنها إحدى الوسائل التي يعيد الإنسان من خلالها صياغة علاقته بذاته، وبالآخر، وبالماضي؛ متجذّراً في ما وراءه، وممتدّاً نحو ما ينتظره، وساعياً إلى آفاق فكرية لا حدَّ لها.

* كاتبة لبنانية


حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة
TT

حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

في هذا الكتاب، يتتبع المؤلف عدداً من الكتب لمؤلفين عالميين خضعت لسلطة الرقابة، لكنه يميّز بين تلك الأعمال التي مُنعت فعلاً لأسباب رقابية، وليست المؤلفات التي حاولت الاستفادة من مفهوم الرقابة في الترويج والانتشار. وقبل ذلك، يحاول تتبع مفهوم «منع الكتاب»، كما يسعى لتفكيك ظاهرة المنع نفسها، وإعادة قراءتها في صورة أشمل لمفهوم «سلطة الرقابة» التي تتعدى الجهات الرسمية إلى منظومة واسعة تساهم في غياب/تغييب الكتاب، وتشمل مشكلات التوزيع، أو رفض الناشرين، أو الشائعات التي تحيط بالكتاب أو الكاتب وتضعه في القائمة السوداء.

والكتاب لا يهدف إلى الترويج لكتب لمجرد أنه تمّ منعها، بل يسعى إلى فهم ما تخشاه السلطات من الكلمة، وتتبع رحلة النص والمعركة المقامة حوله، رصداً للمسافة الفاصلة بين اليد التي حاولت إبعاد الكتاب واليد التي أعادته إلى الرف.

مفهوم «منع الكتب»

يستهل الكاتب تمهيده بسرد تجربته الشخصية مع الكتب والأشرطة المحظورة منذ الصغر؛ حيث كان لوصم العمل بكلمة «ممنوع» جاذبية خاصة تدفع القراء لاكتشاف المستور واختبار الحدود، بدءاً من كتب الثقافة الجنسية المتداولة سرّاً، مروراً بأشعار نزار قباني، وصولاً إلى استنساخ الكتب النادرة والأشرطة الصوتية في المرحلة الجامعية.

يتساءل الكاتب: ماذا نعني حين نقول إن كتاباً ما «ممنوع»؟ وهو يميز بين الحظر القانوني والإداري، والمصادرة، والمنع من التوزيع أو العرض، والرقابة السابقة على النشر، والمحاكمة، والاستبعاد من المناهج والمكتبات، والضغط غير المعلن. ويدعو لضبط مفهوم الرقابة.

ويوضح أن للمنع حكايتين: حكاية النص وأفكاره، وهي تتصل باللغة والشخصيات والأفكار والظروف التي وُلد فيها العمل. وحكاية ما جرى له بعد النشر، حين يصل الكتاب إلى قارئ، أو رقيب، أو قاضٍ، أو موظف جمارك، فيقرأ فيه شيئاً يراه خطراً أو خروجاً على المألوف.

لكنه يؤكد أن المنع ليس «شهادة جودة» للأعمال الضعيفة، بل واقعة تاريخية واجتماعية. فقد تصنع الرقابة ضجة حول نص عابر، مثلما قد تدفع عملاً مهماً إلى العزلة والنسيان.

وهو هنا يبحث عن حياة الكتاب بعد المنع، ويتناول الأثر المترتب على الحظر؛ فقد يندثر الكتاب أو يكتسب انتشاراً أوسع وترجمات متعددة، مع مراعاة أن قيمة النص تتجلى في جوهره لا في قرار رقيبه.

وفي محاولة لفصل الكتب الممنوعة بقرار فعلي، والأخرى التي بنت سمعتها على إشاعة المنع، يشير إبراهيم زولي إلى أن كل فصل في هذا الكتاب يعتمد على تتبع ولادة العمل، ووثائقه الرقابية، واللغة المستخدمة في حظره، مع إدراج بطاقة توثيقية دقيقة للمعلومات والمصادر.

الرقابة كظاهرة عالمية

يقول مؤلف الكتاب إن الرقابة لا تقتصر على ثقافة أو نظام معين؛ بل تتجاور الحالات العربية مع نظيراتها العالمية لتسليط الضوء على الخوف المشترك من أثر الكلمة وحرية التعبير. فقد «أظهرت النماذج العربية والعالمية أن الرقابة لا تنتمي إلى ثقافة بعينها، ولا تختفي لمجرد أن دولة ما تصف نفسها بالديمقراطية أو الحداثة».

والرقابة برأي المؤلف «تتغير درجاتها وأدواتها، ويتفاوت العنف المصاحب لها، لكن الرغبة في احتكار المعنى تتكرر كلما شعرت مؤسسة بأن كتاباً يربك صورتها عن نفسها». وقد تكون المؤسسة هنا «دولة، أو محكمة، أو هيئة دينية، أو إدارة تعليمية، أو جماعة ضغط. وفي كل مرة يُختزل النص في تهمة واحدة، مع أن الأدب الجيد يرفض بطبيعته أن يُحبس في خانة واحدة».

وهو يشير إلى أن الوسائط الرقمية لم تلغِ الرقابة، بل غيرت أدواتها، ليتحول الحجب من الرفوف الخشبية إلى المنصات والمتاجر الإلكترونية.

لكنه يتوقف أيضاً عن مفهوم «الرقابة الذاتية»، ويعتبرها أكثر الأشكال مراوغة. «حين يستبق الكاتب العقوبة فيحذف الجملة قبل أن يكتبها، أو يتجنب ناشر كتاباً لا لأنه ضعيف، بل لأنه مكلف»، هنا «لا يبقى في الأرشيف قرار يمكن الاعتراض عليه. يبقى فقط نص ناقص، أو مخطوط لم ير النور، أو بياض لا يعرف القارئ ما الذي كان يمكن أن يشغله».

ومن الظريف هنا، سرد ما يقوله الرقيب عن نفسه، فكل قرار حظر يكتب، من حيث لا يريد صاحبه، سيرة مختصرة للجهة التي أصدرته. اللغة المستخدمة في التبرير تكشف حدودها أكثر مما تصف الكتاب: «حماية الأخلاق»، «صيانة العقيدة»، «حفظ الأمن»، «منع الفتنة»، «رعاية القاصرين». عبارات تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها تخبئ تصوراً كاملاً للمجتمع: قارئ يُعامل بوصفه هشاً، وحقيقة يُفترض أنها لا تحتمل السؤال، وسلطة ترى أن من واجبها أن تختار للناس ما يقرأون قبل أن يختاروا بأنفسهم.

يتكون كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، من تمهيد وقسمين رئيسيين ينقسمان إلى تسعة فصول وخاتمة، ابتدأها بالقائمة العربية، وضمت أربعة فصول تتناول أعمالاً أدبية وفكرية عربية تعرضت للحظر والمنع، حيث تناول الفصل الأول، ثلاثة أعمال هي: رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة (شهادة من سجن تدمر)، ورواية «اللايقين» لمحمد الغزالي (الحرية حين تفقد المسلمات سلطتها)، وكتاب «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد (حين انتقلت القراءة إلى المحكمة).

والفصل الثاني، تناول كتاب «الحرب القذرة» لحبيب سويدية (شهادة من قلب الجيش الجزائري)، والمجموعة القصصية «سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي (الكتاب الذي حوكمت بسببه)، ودراسة «الحريم السياسي: النبي والنساء لفاطمة المرنيسي». أما الفصل الثالث، فيتناول رواية «العشّاق» لرشاد أبو شاور (رواية المخيم والمقاومة)، ورواية «الجنقو مسامير الأرض» لعبد العزيز بركة ساكن، وكتاب تاريخ الكويت لعبد العزيز الرشيد (الذاكرة المحتجزة).

ويتناول الفصل الرابع ديوان الأوزان الباكية لثريا قابل، ورواية/شهادة كريستال لجلبار نقاش، ورواية «دادابا» لحسن مطلك، وأثر كتاب «ألف ليلة وليلة» (الكتاب الذي ألهم أهم كُتّاب السرد في العالم).

القسم الثاني من الكتاب، فضمّ القائمة الأجنبية، ويضم خمسة فصول تتناول أعمالاً عالمية ممنوعة من مختلف الثقافات والدول، إذ يتناول الفصل الأول رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل (إنجلترا)، وديوان «أزهار الشر» لشارل بودلير (فرنسا)، ورواية «شيفرة دافنشي» لدان براون (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الثاني رواية «الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي (روسيا)، وكتاب «كفاحي» لأدولف هتلر (ألمانيا)، ورواية «فهرنهايت 451» لراي برادبري (الولايات المتحدة)، أما الفصل الثالث فيتناول كتاب «إميل» لجان جاك روسو (فكر تربوي - فرنسا)، ورواية «إله الأشياء الصغيرة» لأرونداتي روي (الهند)، ورواية «مدار السرطان» لهنري ميلر (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الرابع كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» لإدواردو غاليانو (التاريخ كما يُرى من موضع الجرح)، ورواية «تويجات الدم» لنغوغي واثيونغو (الصدام ثابت والحظر غير موثق)، وقصيدة «عواء» لألين غينسبيرغ (القصيدة التي دخلت المحكمة وخرجت أوسع من قفصها). ويتناول الفصل الخامس رواية «السيد الرئيس» لميغيل أنخل أستورياس (الديكتاتور الذي لا يحتاج إلى الظهور)، ورواية «بيت الأرواح» لإيزابيل الليندي (حين يصبح البيت ذاكرة بلد)، ورواية «الجذور» لأليكس هالي (الاسم الذي قاوم محو العبودية).