باسكال مشعلاني: لا توجد «مطربة أولى» في لبنان مع وجود فيروز

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تحلم بتقديم عمل استعراضي كبير

باسكال مشعلاني
باسكال مشعلاني
TT

باسكال مشعلاني: لا توجد «مطربة أولى» في لبنان مع وجود فيروز

باسكال مشعلاني
باسكال مشعلاني

أطلقت الفنانة اللبنانية باسكال مشعلاني، أخيراً، أغنيتها الجديدة «جنان بجنان»، لتكون باكورة أغنياتها لعام 2021، واحتفالاً بمرور 30 عاماً على وجودها في الساحة الغنائية العربية. وقالت باسكال، في حوارها مع «الشرق الأوسط»، إن لديها أحلاماً تسعى لتحقيقها خلال الفترة المقبلة، أبرزها تقديم عمل استعراضي غنائي كبير وألبوم طربي من الدرجة الأولى، مؤكدة أنها لا تهتم بالصراع على لقب «مطربة لبنان الأولى»، وترى أنه من العيب إطلاق البعض على أنفسهن هذا اللقب مع وجود فيروز وماجدة الرومي، وكشفت أنه عندما يكون صوتها وشكلها الخارجي لا يخدمانها سوف تعلن اعتزالها... وإلى نص الحوار:

> ما الذي حمّسكِ في أغنية «جنان بجنان» لكي تكون باكورة أغنياتكِ لعام 2021؟
أحببت أن تكون باكورة أغنياتي للعام الجديد، أغنية تحمل طاقة إيجابية وفرحاً وأملاً للحياة، ولذلك حينما عرضها عليّ الشاعر المصري رمضان محمد، أعجبت بها للغاية، وقمت على الفور بتسجيلها في استوديو زوجي الملحن ملحم أبو شديد، فنحن نعيش في أزمات وصراعات مريرة منذ العام الماضي بسبب جائحة كورونا، ثم أحداث انفجار مرفأ بيروت التي أدخلت الحزن على كل بيت عربي، ولا بد أن أتقدم بالشكر لكل من شارك في صنع الأغنية، بداية من الشاعر المصري، والملحن أحمد مصطفى والموزع شريف قاسم، ومهندس الصوت جوزيف كرم.
> ولماذا قمتِ بتقديمها في فيديو كليب كارتوني؟
عقدت جلسات عمل مطولة مع مدير المشروع جوني، الذي طلب مني أن أتركه لمدة يومين لكي يضع خطة جديدة لتنفيذ الفيديو كليب، وبعد 48 ساعة عاد لي من جديد وعرض تقديم الأغنية بشكل كارتوني، وتحمّست لفكرته جداً بشرط الاطلاع أولاً على الرسومات التي سيتم استخدامها في الكليب، ولكن جوني قام بتنفيذ الرسومات بشكل جيد من حيث الأزياء ومستحضرات التجميل، وأجمل ما في الأغنية المصورة أنها لم تخطف أنظار جمهوري وعشاقي من الشباب والكبار، بل خطفت أيضاً أنظار الأطفال بسبب الرسوم الكارتونية.
> ما هي تفاصيل ألبومكِ الغنائي الجديد الذي أعلنتِ عن طرحه منذ فترة طويلة؟
ألبومي جاهز لطرحه في الأسواق والمنصات الإلكترونية منذ ما يقرب من عام ونصف العام، ولكن مثلما قلت إن الأحوال في لبنان بشكل خاص، والعالم العربي بشكل عام غير مستقرة، ولو استقرت الأمور خلال الأسابيع المقبلة، سيتم إطلاقه بعد أسبوعين من عيد الفطر المبارك، ولو لم يتحقق ذلك، سأطرح أغنية جديدة منه، وتأجيل طرحه كاملاً إلى منتصف فصل الصيف، وللعلم هو ميني ألبوم وليس ألبوماً كاملاً، وأتعاون فيه مع نخبة من شعراء وملحني مصر ولبنان، أبرزهم منير بوعساف، ومحمد رفاعي، ورمضان محمد، وأقدم فيه الأغنية السريعة اللبنانية والكلاسيك المصري، وكما أعيد تقديم أغنية للفنانة الراحلة صباح ستكون مفاجأة لجمهور «الشحرورة».
> البعض يرى أن الأغنية المصرية كانت وراء نجاحكِ عربياً... ما تعليقكِ؟
نجحت في مصر بأغنياتي اللبنانية وليس المصرية فقط، فالجميع ما زال يتذكر لي في القاهرة حتى الآن أغنيات «نشفتلي دمي» و«نور الشمس» و«لما بشوفك» و«شو عملتلك أنا»، وأيضا لا أنكر أن الأغنيات المصرية كان لها صدى كبير ومهم في مسيرتي مثل «خيالة» و«قلبي» و«أكبر كدبة في حياتي»، وأنا أحاول دائماً إرضاء ذوق جمهوري في بلدان الوطن العربي كافة، فلا يوجد ألبوم غنائي لي متنوع لا يضم أغنية مصرية، فآخر ألبوماتي «حبك مش حكي» تضمن أغنيتين مصريتين.
> مع اقتراب ذكرى رحيل الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي الذي كتب لكِ كلمات أولى ألبوماتكِ الغنائية «سهر سهر»... ما الموقف الذي ما زلتِ تذكرينه عن الألبوم؟
ألبوم «سهر سهر» أحد أهم أعمالي الغنائية، وأتذكر الصعوبات التي خرج فيها الألبوم للنور، إذ إنني ظللت 3 أشهر كاملة في القاهرة رفقة عبد الرحمن الأبنودي والموسيقار جمال سلامة، ووقتها كانت الحرب على أشدها في بيروت، وكان الشاعر الراحل يحمّسني كثيراً ويعطيني دفعة معنوية للغناء، وظللت أمرّن صوتي على الأغنيات في استوديو جمال سلامة، وطُرح الألبوم في مصر فقط وبعدها طُرح في تونس وحقق نجاحاً كبيراً، ولم يُطرح في لبنان إلا بعد عامين من موعد طرحه الحقيقي.
> وما الفرق بين الفترة التي ظهرتِ فيها في تسعينيات القرن الماضي والفترة الجارية؟
كل عصر له جماليات ورونق خاص، أنا ظهرت على الساحة الفنية مع نهاية عام 1992، وواجهت صعوبات عدة مثل باقي اللبنانيين بسبب الحرب الأهلية، ولكن أجمل ما في تلك الفترة هو أن الفنان كان يتعب ويجتهد لكي يحفظ الجمهور اسمه، فنحن لم تكن لدينا وسيلة للانتشار سوى عدد من القنوات الفضائية العربية، وربما تكون هي السبب الحقيقي وراء استمرارنا كنجوم، فالذين حققوا نجاحات في تلك الفقرة، كمن حفروا أسماءهم على الصخر، أي لا يُمحى أبداً من ذاكرة الجمهور، على عكس ما يتم حالياً، فالنجاح أصبح سهلاً للغاية في ظل المنصات الاجتماعية والرقمية، ولكن الاستمرارية في النجاح أمر معقد للغاية.
> كثيرون يرون أن ألبوم «نور الشمس» هو الأفضل بمسيرتكِ... ما رأيكِ؟
«نور الشمس» واحد من أهم ألبوماتي الغنائية، لأنه تضمن مجموعة رائعة من الأغنيات؛ منها «نشفتلي دمي» و«طير الغرام» و«الله يا جميل» و«بتمون»، ولكن هناك ألبومات حققت النجاح ذاته، وربما أكثر منه مثل ألبوم «خيالة» الذي سبق «نور الشمس»، وأيضا ألبوم «بحبك أنا بحبك»، ولا يوجد لدي ألبوم من وجهة نظري خرج بشكل غير جيد.
> وما الحلم الذي تسعى إليه مشعلاني بعد 3 عقود من وجودها على الساحة الغنائية؟
أول تلك الأحلام تقديم عمل مسرحي استعراضي كبير مثل الذي كان يقدمه الفنان الراحل وديع الصافي والراحلة صباح، يصاحبه أداء تمثيلي، وهناك حلم آخر يتمثل في تقديم ألبوم غنائي طربي كامل، وثالث الأحلام أن يكون هناك نص فيلم سينمائي جيد يجمع بين الرومانسية والكوميديا، لكي أجسد فيه شخصيتي الحقيقية المرحة التي ربما لا يعرفها الناس عني.
> تفضلين الابتعاد عن صراع لقب «المطربة الأولى» بلبنان... لماذا؟
بوجود الأيقونة فيروز أطال الله في عمرها، لا توجد مطربة أولى لا في لبنان ولا الوطن العربي، من العيب أن يقول فنان على نفسه إنه الأول في ظل وجود فيروز، وأيضاً في وجود الفنانة العظيمة ماجدة الرومي، بالنسبة لي لا أدخل مطلقاً في تلك الصراعات ولا أشغل نفسي بها، لأنني مؤمنة بأن كل فنان له مكانته وشخصيته وصوته الذي يميزه عن غيره، ونحن في النهاية زهرات في بستان زهور على المستمع أن يختار منه.
> ولماذا تأخرتِ في دخول عالم التمثيل حتى الآن؟
الظروف وقفت دائماً حائلاً أمام هذا الحلم، ففي إحدى المرات كان هناك عمل وشك على الظهور للنور، ولكن تغير المنتج والمخرج تسبب في وفاة العمل، أنا لا يوجد لدي اعتراض على التمثيل، ربما لا أجد نفسي مطلقاً في الأعمال الدرامية التراجيدية، رغم تقديمها في أغنياتي المصورة، ولكني لا أرى نفسي على الشاشة إلا في دور رومانسي كوميدي لأن هذه هي شخصيتي الحقيقية.
> متى تفكرين في الاعتزال؟
عندما يكون صوتي وشكلي الخارجي لا يخدمانني، وقتها سأعلن اعتزالي، الفنان المتمكن من أدواته يعي جيداً الفترة التي يظهر فيها والتي يغيب فيها عن الأنظار، وربما أتخذ هذا القرار في حالة عدم وجود أغنيات جيدة قادرة على إبراز صوتي بشكل مناسب، حتى الآن أنا قادرة على الاستمرار والوجود.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.