اكتشاف «صعود آتون» الأثرية المفقودة في الأقصر

اكتشاف «صعود آتون» الأثرية المفقودة في الأقصر

أسسها أمنحتب الثالث واستخدمها توت عنخ آمون
الجمعة - 26 شعبان 1442 هـ - 09 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15473]

أعلنت البعثة الأثرية المصرية برئاسة الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، عن اكتشاف مدينة «صعود آتون» الأثرية المفقودة تحت الرمال، في الأقصر (جنوب مصر)، التي أسسها الملك أمنحتب الثالث، واستمر استخدامها في عهد الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، قبل نحو 3 آلاف عام.

ووصف حواس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، هذه المدينة بأنها «أكبر مدينة متكاملة، ومستوطنة صناعية وإدارية يتم اكتشافها في مصر على مدار التاريخ»، مشيراً إلى أنه «عندما بدأ العمل في المنطقة كان يبحث عن المعبد الجنائزي للفرعون الذهبي توت عنخ آمون، حيث عثر بالمنطقة من قبل على معبدي حور محب وآي».

ووفقا لبيان صحافي أصدره مكتب الدكتور حواس، أمس، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن «المدينة المكتشفة أسسها الملك أمنحتب الثالث، وهو الملك التاسع من الأسرة الثامنة عشرة، الذي حكم مصر في الفترة بين عامي 1391 و1353 قبل الميلاد، وشاركه ابنه ووريث العرش المستقبلي أمنحتب الرابع المعروف بـ(إخناتون) في السنوات الثماني الأخيرة من عهده، ويعتبر أمنحتب الثالث (أحد أعظم حكام مصر)»، بحسب حواس، الذي أوضح أن «المدينة المكتشفة ضمت شوارع، ومنازل يبلغ ارتفاع جدرانها ثلاثة أمتار»، مضيفاً: «كشفنا عن جزء من المدينة يمتد غرباً، بينما تعد منطقة دير المدينة (المخصصة للعمال بناة المقابر)، جزءا من المدينة المكتشفة».

البحث عن المدينة المفقودة بدأ في سبتمبر (أيلول) 2020، وخلال أعمال التنقيب بدأت تشكيلات الطوب اللبن في الظهور، وهو ما أثار «دهشة» البعثة الأثرية والعمال في الموقع، الذين واصلوا الحفر، ليكتشفوا أطلال مدينة في حالة جيدة من الحفظ، إذ تظهر جدرانها شبه مكتملة، وتضم غرفاً مليئة بأدوات الحياة اليومية المستخدمة منذ آلاف السنين.

وقالت الدكتورة بيتسي بريان، أستاذة علم المصريات بجامعة جون هوبكنز، في البيان الصحافي، إن «اكتشاف هذه المدينة المفقودة، هو ثاني أهم اكتشاف أثري بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في عام 1922، حيث يعطينا الكشف لمحة نادرة عن حياة قدماء المصريين في عصر الإمبراطورية، ويساعدنا في إلقاء الضوء على أحد أعظم الألغاز في التاريخ، وهو لماذا قرر إخناتون ونفرتيتي الانتقال إلى العمارنة؟».

بدوره، وصف الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، الكشف بأنه «مهم جداً، ويغير الكثير من المعلومات عن فترة العمارنة وما قبلها»، وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المدينة تعود إلى فترة نادرة في التاريخ المصري، وهي فترة حكم الملك أمنحتب الثالث، الذي كان يلقب بـ(ملك الشمس)، ولم يحدث أن تم اكتشاف تجمعات سكنية بهذا الحجم والثراء».

وقال عبد البصير إن «أمنحتب الثالث يعد الأب الشرعي لفترة العمارنة، وهي فترة مهمة ومثيرة في التاريخ المصري، شهدت صراعاً دينياً مع كهنة الإله آمون»، مشيراً إلى أن «ابنه إخناتون أسس معبد الإله آتون في طيبة (الأقصر) لكن تم هدمه، فاضطر إخناتون وزوجته نفرتيتي لهجر طيبة، والذهاب إلى مدينة تل العمارنة بالمنيا ليؤسس ديانته الجديدة على أرض لم يدنسها إله من قبل».

وعثرت البعثة خلال الحفائر بالمدينة المفقودة على نص منقوش على طبعة ختم يقول: «جم با آتون» أي مقاطعة آتون الساطع، وهذا اسم معبد بناه الملك إخناتون بالكرنك، وتم هدمه. وتقع المدينة المكتشفة في المنطقة ما بين معبد رمسيس الثالث (الأسرة العشرين) في مدينة هابو، ومعبد أمنحتب الثالث الذي يضم تمثالي ممنون الشهيرين، وبدأت الحفائر بحثاً عن معبد توت عنخ آمون الجنائزي، حيث قام الملك آي، خليفة توت عنخ آمون، ببناء معبده على موقع تجاور لاحقاً مع معبد رمسيس الثالث في مدينة هابو.

وقال عبد البصير إن «الكشف يلقي الضوء على تتابع التاريخ خلال تلك الفترة، حيث استخدمت المدينة في فترة حكم توت عنخ آمون وخليفته آي»، مشيراً إلى أن «المدينة المكتشفة متكاملة وتضم أحياء سكنية وإدارية وقصوراً ومعابد ومقابر».

ووفقاً للمراجع التاريخية، فإن هذه المدينة كانت تتكوّن من ثلاثة قصور ملكية للملك أمنحتب الثالث، إضافة إلى المركز الإداري والصناعي للإمبراطورية، وعثرت البعثة على نقوش هيروغليفية على أغطية خزفية لأواني النبيذ، وخواتم وجعارين وأوانٍ فخارية ملونة، بجانب الطوب اللبن الذي يحمل أختام خرطوش الملك أمنحتب الثالث، على تاريخ المدينة.

والمدينة مقسمة إلى ثلاث مناطق؛ الأولى تضم مخبزاً ومنطقة للطهي وأماكن كاملة لإعداد الطعام بها أفران وأوانٍ فخارية للتخزين، والمنطقة الثانية تضم حياً إدارياً وسكنياً محاطاً بجدار متعرج، مع نقطة دخول واحدة تؤدي إلى ممرات داخلية ومناطق سكنية، ووفقاً لحواس، فإن «المدخل الوحيد ربما كان محاولة لفرض الأمن، والتحكم في الدخول والخروج من المنطقة»، مشيراً إلى أن «الجدران المتعرجة من العناصر المعمارية النادرة في العمارة المصرية القديمة، واستخدمت بشكل أساسي في نهاية الأسرة الثامنة عشرة».

أما المنطقة الثالثة، فتضم ورش العمل، وتوجد بها منطقة لإنتاج الطوب اللبن المستخدم لبناء المعابد، كما عثرت البعثة على آثار تؤكد استخدام المدينة كمركز صناعي، مثل أدوات الغزل والنسيج، وركام المعادن والزجاج.

وقال حواس إنه «لم يتم اكتشاف المنطقة الصناعية الرئيسية في المدينة بعد»، مشيراً إلى أنه «تم العثور على دفنتين غير مألوفتين لبقرة أو ثور داخل إحدى الغرف، وما زال البحث جارياً لتحديد طبيعة وغرض هذه الدفنات، كما تم العثور على دفنة لشخص، ذراعاه ممدودتان إلى جانبه، وبقايا حبل ملفوف حول ركبتيه، ويعد موقع ووضع هذا الهيكل العظمي غريب نوعا ما» بحسب حواس.

وعثرت البعثة على إناء يحتوي على جالونين من اللحم المجفف أو المسلوق (نحو 10 كيلوغرامات) ويحمل نقوشاً تقول «السنة 37، لحوم مسلوقة لعيد حب سد الثالث من جزارة حظيرة (خع) التي صنعها الجزار إيوي»، وقال حواس إن «هذه المعلومات القيمة لا تعطينا فقط اسمي شخصين كانا يعيشان ويعملان في المدينة، بل تؤكد أن المدينة كانت نشطة وتحدد زمن مشاركة الملك أمنحتب الثالث مع ابنه إخناتون».

ولم تنتهِ الحفائر بالمدينة المفقودة، حيث عثرت البعثة على مقبرة كبيرة لم يتم تحديد مداها بعد، إضافة إلى مجموعة من المقابر المنحوتة في الصخور بأحجام مختلفة والتي يمكن الوصول إليها من خلال سلالم منحوتة في الصخر، وتتوقع البعثة الكشف عن «مقابر مليئة بالكنوز لم تمسها يد من قبل».

وقال حواس إن «هذه المدينة تكشف النقاب عن معلومات ستغير التاريخ، وتعطينا نظرة ثاقبة فريدة عن عائلة توت عنخ آمون، وأسرار حياة ملوك العصر الذهبي، كما تساعد في فهم أعمق للحياة اليومية للمصريين القدماء»، مؤكداً أن «البحث ما زال مستمراً عن المعبد الجنائزي لتوت عنخ آمون، حيث لم نكتشف سوى ثلث المدينة فقط».


مصر علم الاّثار المصرية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة