العمل عن بُعد جاء ليبقى

شركات أميركية تخلت عن مكاتبها وأخرى قررت السماح بالعمل في مقرها بالتناوب

TT

العمل عن بُعد جاء ليبقى

يشغل مقر شركة «سبوتيفاي» في الولايات المتحدة الأميركية 16 طابقاً من مبنى رقم 4 بمركز التجارة العالمي، وهو مبنى إداري مرتفع في منطقة لوار منهاتن. ومن المرجح أن تظل مكاتب الشركة شاغرة للأبد، حيث أبلغت موظفيها بأنهم يستطيعون العمل من أي مكان حتى لو كان ذلك في ولاية أخرى. كذلك تعتزم شركة «ميديا ماث»، التي مقرها في نفس المبنى وتعمل في مجال الإعلان والتكنولوجيا، التخلي عن مكاتبها، وهو قرار دعمته الترتيبات الجديدة الخاصة بالعمل عن بُعد التي بدأ العمل بها أثناء فترة انتشار الوباء.
أما في وسط منهاتن، فتعتزم شركة «سيلزفورس»، التي يزين اسمها مبنى ارتفاعه 630 قدماً يطل على متنزه «براينت بارك»، السماح بوجود موظفيها في المكتب لفترة تتراوح من يوم واحد إلى ثلاثة أيام فقط أسبوعياً. كذلك تنظر شركة محاماة قريبة هي «لوينستين ساندلر» فيما إذا كانت ستجدد عقد إيجار مكتبها في «أفينيو أوف ذا أميركاز»، حيث اعتاد محاموها البالغ عددهم 140 العمل لمدة خمسة أيام أسبوعياً. ويقول جوزيف باليرمو، رئيس التشغيل بالشركة: «قليلون، وأنا من بينهم، هم من يعتقدون أننا سنعود إلى سابق عهدنا». بعد مرور عام على تسبب فيروس «كورونا» في مغادرة العاملين بشكل استثنائي للمباني الإدارية، ما بدا أنه وضع استثنائي غير ملائم مؤقت، بات الآن جلياً أنه أصبح تحولاً دائماً بنيوياً في مكان العمل وكيفية القيام به. لقد استمتع أصحاب الأعمال والموظفون على حد سواء بمزايا العمل عن بُعد بما في ذلك انخفاض تكاليف العمل في المكاتب، وإتاحة قدر أكبر من المرونة للموظفين، خاصة ممن لديهم أسر.
على الجانب الآخر، لم تشهد بعض المدن الكبرى خارج نيويورك عودة ملحوظة للموظفين، حتى في المناطق التي كانت قرارات الإغلاق الحكومية بها أقل صرامة؛ وأعلنت بعض الشركات أنها لن تسمح بعودة الموظفين بالكامل للعمل طوال الوقت كما كان في السابق.
وقد صرحت شركات كبرى من بينها «فورد» في ولاية ميشيغان، و«تارغت» في ولاية مينيسوتا خلال الأسابيع القليلة الماضية بأنها ستتخلى عن جزء كبير من مساحتها الإدارية بسبب تغير الممارسات الخاصة بأماكن العمل، في حين صرحت شركة «سيلزفورس»، التي يشغل مقرها أطول مبنى في سان فرانسيسكو، بأن عدداً قليلاً جداً من موظفيها هم مَن سيعملون بدوام كامل في المكتب.
مع ذلك لا ينبغي أن تعول أي مدينة في الولايات المتحدة الأميركية، وربما في العالم أجمع، على هذا التحول أو تضعه في الاعتبار سوى نيويورك، وتحديداً منهاتن، وهي جزيرة استطاع اقتصادها الصمود بدرجة كبيرة، من بائع النقانق إلى مسارح برودواي، في ظل حركة ما يزيد على 1.6 مليون شخص يومياً.
لقد دخل أصحاب المباني التجارية في منهاتن عام 2020 وهم مفعمون بالتفاؤل في ظل وجود طلب ثابت مستمر على المساحات الإدارية، وارتفاع أسعار المعروض من المساحات في بعض الأحياء، وحدوث أكبر حركة ازدهار في البناء منذ الثمانينيات، لكن انهار كل ذلك بين عشية وضحاها، حيث وجد أصحاب العقارات أنفسهم فجأة يلاحقون المستأجرين لتقاضي الإيجارات المستحقة، والتفاوض مع المستأجرين على خطط لسداد المستحقات، ويعرضون تخفيضات كبيرة من أجل شغل المساحات الشاغرة.
ويطالب العمدة بيل دي بلازيو بعودة موظفي المجلس المحلي البالغ عددهم نحو 80 ألفاً في بداية مايو (أيار)، في إشارة إلى الموظفين الآخرين بأن العودة إلى مباني نيويورك أمر أساسي وضروري من أجل تعافي الاقتصاد. مع ذلك يعمل نحو 90 في المائة من الموظفين في مكاتب منهاتن عن بُعد، وهو معدل ظل ثابتاً لأشهر، بحسب مسح أجرته مؤسسة «بارتنرشيب فور نيويورك سيتي» مؤخراً عن أصحاب الأعمال البارزين، والتي تشير تقديراتها إلى عودة أقل من نصف العاملين إلى المكاتب بحلول سبتمبر (أيلول).
ومع تزايد عدد الشركات التي تؤجل موعد عودة الموظفين إلى المكاتب، وتجعل عمل بعض الموظفين على الأقل عن بُعد سياسة دائمة، قد تكون العواقب التي ستواجهها نيويورك واسعة النطاق، بحيث تتجاوز المطاعم والمقاهي وغيرها من الأعمال الصغيرة بها، لتشمل عائدات المجلس المحلي التي تعتمد كثيراً على العقارات التجارية.
تؤدي سارة باتيلوس، وهي واحدة من أعضاء فريق «سبوتيفاي» الموسيقي، عملها على منضدة عشاء في تروكي بكاليفورنيا، وهي بلدة جبلية تقع بالقرب من بحيرة تاهو، قضت بها أكثر أيام العام الماضي بعد سفرها إلى هناك في رحلة قصيرة خلال شهر مارس (آذار) 2020، حيث علقت هناك بسبب قرارات الإغلاق التي فرضتها الحكومة. وتقول سارة التي كانت تعيش في بروكلين: «أحب الوجود في المدينة، لكن المرء يفكر في حياته، والتجارب التي يرغب في معايشتها، أو المراحل المختلفة التي يريد المرور بها. الوضع مختلف كثيراً حالياً؛ إن هذا يُحدث تحولاً كبيراً في الحياة».
لطالما جعلت المباني الإدارية، التي تصطف في شوارع منهاتن، من نيويورك مركزاً عالمياً وعاصمة للعديد من الصناعات، من مجال الإعلانات إلى مجال المال والأعمال.
وقد أبلغت بعض الشركات الكبرى وأكثرها استقراراً وقوة، من بينها «جي بي مورغان تشيز أند كامبني»، التي يعمل بها ما يزيد على 20 ألف موظف في المدينة، موظفيها بأن العمل طوال أيام الأسبوع قد بات من الماضي. وينظر المصرف، الذي رفض التعليق من أجل هذا المقال، في تطبيق نموذج عمل عقلاني، مما يعني عمل الموظفين عن بُعد ومن داخل المكتب بالتناوب. وقال دانييل بينتو، أحد رؤساء «جيه بي مورغان» ورئيس التشغيل في مقابلة على «سي إن بي سي» خلال شهر فبراير (شباط): «أعتقد أنه لا يوجد أي احتمال لعودة الموظفين إلى المكاتب بالكامل بدوام كامل».
كذلك تسبب فقدان العاملين في انخفاض القيمة السوقية للعقارات التجارية، التي تشمل المباني الإدارية، بنسبة 16 في المائة تقريباً أثناء انتشار الوباء، ما أدى إلى انخفاض حاد في عائدات الضرائب التي تمول خدمات ضرورية بالمدينة من المدارس إلى الصرف الصحي.
وقد دفع الانخفاض الحاد العاملين في مجال التطوير العقاري إلى الاحتشاد وراء فكرة بدت بعيدة كل البعد عن الخاطر قبل ظهور الوباء، وهي تحويل المباني الإدارية البائسة في منهاتن إلى مساكن منخفضة الدخل. ويُعزى هذا المعدل الكبير لخلو المباني إلى اكتشاف عدد كبير من الشركات في جميع المجالات تقريباً من الإعلام إلى الأزياء مزايا العمل عن بُعد.
إلى جانب توفير التكاليف عند تشغيل مكتب على نطاق محدود، أو الاستغناء عنه تماماً، سمحت التكنولوجيا الحديثة والاتصالات للعاملين بالاتصال والتعاون عن بُعد، مع تحقيق قدر أكبر من الإنتاجية دون الاضطرار إلى الانتقال المضني إلى أماكن العمل في ظل مطالبة الآباء بالمزيد من المرونة للتمكن من رعاية أبنائهم. ويقول ألكسندر ويستردال، نائب رئيس الموارد البشرية في «سبوتيفاي» العملاقة في مجال الموسيقى ومقرها ستوكهولم ويعمل بها أكثر من 6.500 موظف في مختلف أنحاء العالم: «نعتقد أننا مقبلون على تغير جديد، وهو (العصر الموزع) حيث يستطيع الناس التمتع بقيمة أكبر في طريقة العمل التي لن يمثل فيها مكان قضاء الوقت أمراً مهماً».
لا تخطط «سبوتيفاي» حتى هذه اللحظة للحد من وجودها على الأرض في نيويورك، لكن الشركة أبلغت موظفيها في الولايات المتحدة الأميركية، الذين يعمل 2100 منهم في مكتب منهاتن، بأنه بداية من فبراير سوف يعملون من أي مكان يريدونه. وتحفز العولمة والتحول الرقمي حدوث هذا التغير، حيث يضيف ويستردال قائلاً: «باتت وسائلنا أفضل كثيراً في تحقيق إمكانية عمل الناس من أي مكان يريدونه».
خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.


نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».