«داعش» بعد سنتين من الهزيمة... خلايا نائمة بلا «ذئاب منفردة»

فروع للتنظيم تتمدد في العالم وأخرى تنحسر

دخان يتصاعد من الباغوز شمال شرقي سوريا بعد غارة للتحالف الدولي في 3 مارس 2019 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من الباغوز شمال شرقي سوريا بعد غارة للتحالف الدولي في 3 مارس 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» بعد سنتين من الهزيمة... خلايا نائمة بلا «ذئاب منفردة»

دخان يتصاعد من الباغوز شمال شرقي سوريا بعد غارة للتحالف الدولي في 3 مارس 2019 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من الباغوز شمال شرقي سوريا بعد غارة للتحالف الدولي في 3 مارس 2019 (أ.ف.ب)

في مثل هذه الأيام قبل عامين، خسر تنظيم «داعش» بلدة الباغوز، معقله الأخير في شرق سوريا. «الدولة» التي أقامها عام 2014 وامتدت على مساحة توازي تقريباً مساحة المملكة المتحدة، كانت قد تقلّصت في مارس (آذار) 2019 إلى بلدة صغيرة واحدة على ضفاف نهر الفرات بريف دير الزور. قاتل «داعش» في الباغوز حتى الموت، لكنه هُزم.
هل هُزم «داعش» حقاً؟ ما هو وضعه اليوم؟ ماذ يفعل زعيمه؟ ما مصير فروعه؟ أين «ذئابه»؟ هذا التقرير يحاول الإجابة عن هذه التساؤلات؟
مع سقوط الباغوز، أعلن الرئيس الأميركي آنذاك، دونالد ترمب، الذي قادت بلاده تحالفاً دولياً ضد «داعش»، أن التنظيم «هُزم 100 في المائة». أثار كلام ترمب يومها تكهنات بأنه ربما تسرّع في الحكم على «نهاية داعش»، مثلما تسرّع سلفه جورج دبليو بوش عام 2003 بإعلان أن «المهمة أُنجزت» في العراق بهزيمة صدام حسين. صدّام هُزم حقاً آنذاك، لكن الأميركيين سرعان ما وجدوا أنفسهم غارقين في مستنقع عراقي التهم 4478 قتيلاً و32 ألف جريح من جنودهم. كما سمح ذلك «النصر» على صدام بتحويل العراق إلى معقل لمعارضي الأميركيين، من ميليشيات شيعية مرتبطة بإيران أو جماعات سنية سرعان ما هيمن عليها تنظيم «القاعدة». ومع انسحاب الأميركيين من العراق عام 2011، تمكن تنظيم «القاعدة» من خلال جماعة يهيمن عليها، وتحمل اسم «الدولة الإسلامية في العراق» من استعادة زمام المبادرة، وعاود تمدده في المدن العراقية، بل تمدد أيضاً داخل سوريا المجاورة، مستغلاً الفوضى التي أعقبت بدء الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد.
وإذا كان بوش قد تسرّع بلا شك في إعلان «إنجاز المهمة» في العراق، فإنه ربما ما زال مبكراً الآن الحكم عما إذا كان ترمب قد تسرّع بدوره في إعلان هزيمة «داعش» 100 في المائة، علماً بأنه كان يقصد آنذاك أن «دولة داعش» قد هُزمت، بحكم أنه لم يعد لها وجود بعد معركة الباغوز، وهو مصيب في ذلك.
- عودة «داعش»؟
توحي عمليات «داعش» حالياً، سواءً في سوريا أو العراق، بأن الوضع يشبه، إلى حد ما، ما حصل مع فرع التنظيم العراقي عام 2011. آنذاك، كانت «الدولة الإسلامية في العراق» مهزومة، فانكفأت إلى عمق الصحراء والمغاور الجبلية وضفاف نهري دجلة والفرات، حيث أعادت تنظيم صفوفها، قبل الانقضاض على المدن العراقية. وتوحي العمليات المتصاعدة التي يقوم بها «داعش» حالياً بأنه يعيد تكرار التجربة العراقية: تنظيم صفوفه في الصحراء والمغاور، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة محاولة الخروج من مخابئه للسيطرة على المدن.
وعلى رغم أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد عناصر «داعش» حالياً في سوريا والعراق يبلغ قرابة 10 آلاف عنصر، فمن الواضح أن التنظيم لم يقرر بعد الانتقال إلى مرحلة محاولة شن هجمات على المدن والبلدات الكبيرة، مكتفياً بهجمات الكر والفر والتفجيرات والاغتيالات. ولا شك أن «داعش» يعرف أنه بهذا العدد من المقاتلين (الذين يُضاف إليهم آلاف آخرون من خلايا الدعم والمناصرين) يمكنه أن يشنّ هجمات على مدن وبلدات، لكنه يعرف أن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة عملية انتحارية تقضي على عناصره، بحكم امتلاك السلطات السورية والعراقية، من خلال الروس أو الأميركيين، سلاح جو يمكن أنه يقضي على أي قوة مهاجمة أو منسحبة.
- فروع التنظيم
وفي حين يبدو أن «داعش الأم» في سوريا والعراق ما زال حالياً في طور إعادة بناء صفوفه، تبدو صورة فروع التنظيم حول العالم مشوشة بعض الشيء. فبعضها يحقق نجاحاً ويتوسع، في حين البعض الآخر ينحسر ويتلاشى.
ففي ليبيا، تعرض «داعش» لنكسة قوية في عام 2017، بعدما خسر آلاف المقاتلين الذين جمعهم في مدينة سرت، عاصمته على سواحل البحر المتوسط. قاتل التنظيم على مدى 7 أشهر، لكنه هُزم في نهاية المطاف. ومنذ ذلك الحين، بات وجود «داعش» محصوراً في بؤر صغيرة في عمق الصحراء، جنوب ليبيا. وعلى رغم استمرار هجماته، فإن هذه البؤر تقلصت إلى حد كبير.
وفي تونس المجاورة، ينحصر نشاط «داعش» حالياً في مناطق جبلية على الحدود مع الجزائر، بعد فشله في محاولة إقامة «إمارة» في بن قردان، في جنوب البلاد، في مارس (آذار) 2016.
أما في الجزائر، فقد تمكنت قوات الأمن من القضاء على جماعة «جند الخلافة»، فرع «داعش» المحلي، بعد وقت قصير من بدء عملياته، عام 2014، بخطف سائح فرنسي وقطع رأسه.
وفي شبه جزيرة سيناء، انكفأ فرع «داعش» أيضاً، بعدما شن الجيش المصري عمليات واسعة قضى فيها على مخابئ التنظيم، الذي كان عناصره في مرحلة ما يسرحون ويمرحون بلا رادع في عدد من المدن الكبيرة في سيناء. وعلى رغم التراجع الواضح لفرع «داعش» في سيناء، فإنه ما زال يعلن من فترة لأخرى قتله من يشتبه بتعاونهم مع قوات الأمن.
وفي أفغانستان أيضاً، تراجع نشاط فرع «داعش» المحلي، نتيجة عمليات قامت بها قوات الأمن، بدعم أميركي، إلى معقله في ننغرهار في شرق البلاد، من دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع قدرته على إرسال انتحاريين يفجّرون أنفسهم في العاصمة كابل ومدن أفغانية أخرى.
والأمر نفسه ينطبق على الفلبين، التي شهدت توسعاً كبيراً لفرع «داعش»، بعد سيطرته على مدينة مراوي المهمة في جنوب البلاد عام 2017، قاتل «داعش» حتى الموت في هذه المدينة، لكن قوات الأمن الفلبينية استطاعت انتزاعها منه، بعد معارك ضارية أسفرت عن تدمير أجزاء واسعة منها، وقتل قادة التنظيم الأساسيين. ومنذ ذلك الوقت، تراجعت عمليات «داعش» إلى حد كبير، لكنها لم تنته.
في مقابل هذا الانحسار، تمكن «داعش» من التمدد، لا سيما في أفريقيا؛ إذ سجّل توسعاً كبيراً في بلاد الساحل ما وراء الصحراء الكبرى وغرب أفريقيا، حيث يتنافس على النفوذ مع جماعات موالية لمنافسه تنظيم «القاعدة». كما سجل «داعش» حضوراً قوياً في بلدان لم يكن له وجود فيها من قبل، مثل شمال موزمبيق وجنوب تنزانيا، حيث ينشط من خلال جماعة تُعرف بـ«الشباب» أو «أنصار السنّة»، أو في الكونغو الديمقراطية (من خلال تحالف جماعات محلية).
- أبو إبراهيم ـ أبو بكر
بعد أشهر من هزيمة «داعش» في الباغوز، مُني التنظيم بضربة أخرى لا تقل شدة. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2019، نفذت قوات كوماندوس أميركية عملية ضد مخبأ زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، في ريف إدلب، على مسافة قصيرة من الحدود التركية. قُتل البغدادي في العملية، وخسر «داعش» الوجه الذي ارتبط بصورة التنظيم في أوج ذروته.
اختار «داعش» زعيماً جديداً له باسم أبو إبراهيم الهاشمي القرشي. ورث هذا الرجل «دولة» لا وجود لها سوى على الورق. أما جنوده الذين كانوا يوماً يُعدّون بعشرات الآلاف، فقد تشتتوا بين قتيل ومعطوب وأسير. وبدا تنظيم القرشي هيكلاً عظمياً لتنظيم البغدادي. فمعظم قادته الكبار، الذين صنعوا أسطورة «دولة داعش... الباقية وتتمدد»، قُتلوا في المعارك أو الضربات الجوية. أيضاً، الهزائم التي مُني بها التنظيم على مدى السنوات الماضية، أتاحت لأجهزة الأمن العراقية والسورية بحر معلومات ووثائق واعترافات تشرح تفاصيل عمل التنظيم وهيكليته، وهو ما سمح، كما يبدو، وفي أكثر من مرة، للقوات العراقية باعتقال أو قتل قادة في التنظيم.
وليس واضحاً بعد ما إذا كان انكفاء زعيم «داعش» الجديد، وغياب إصدارته الصوتية أو المرئية، وتركيزه فقط، كما يبدو، على إعادة بناء تنظيمه، سيؤدي إلى وضع مشابه لما حصل مع «القاعدة» وفروعها من قبل. ففي حالة «القاعدة»، أدى اختباء قادة «التنظيم الأم» في وزيرستان، وانقطاع التواصل أحياناً بينهم وبين فروعهم، إلى تضخم دور الفروع على حساب «القيادة العامة»، وهو ما ظهر جلياً من خلال تمرد الفرع العراقي على أوامر القيادة في وزيرستان، على خلفية النزاع في سوريا.
- الذئاب المنفردة
في أوج نفوذ «داعش»، كان هذا التنظيم قادراً على التباهي بأنه لا يحكم فقط «دولة» مساحتها بحجم مساحة بريطانيا العظمى وسكانها أكثر من سبعة ملايين نسمة، بل إن لديه كذلك «جنوداً» حول العالم، يتحولون بكلمة إلى قنابل موقوتة قادرة على قتل وجرح مئات المدنيين في دول الغرب. ضرب «ذئاب داعش» في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، والنمسا، وكندا، والولايات المتحدة، وأستراليا، وسريلانكا، والكثير من البلدان الأخرى.
وبعد هزيمة «داعش» وانهيار «دولته»، تراجعت هجمات «الذئاب المنفردة»، وأخذت تتناقص يوماً بعد يوم. وكان لافتاً أن بريطانيا، التي عانت من سلسلة طويلة من هجمات «ذئاب داعش»، قررت في فبراير (شباط) الماضي، خفض درجة التأهب الأمني درجة واحدة، من «خطير» إلى «كبير»؛ ما يعني أنهم باتوا مقتنعين بأن خطر هؤلاء بات منخفضاً، من دون أن يعني ذلك تجاهل احتمال تجدده كلياً في أي وقت.


مقالات ذات صلة

توقيف شقيقين مغربيين في فرنسا للاشتباه بضلوعهما في «مخطط إرهابي»

أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

توقيف شقيقين مغربيين في فرنسا للاشتباه بضلوعهما في «مخطط إرهابي»

أعلنت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب توقيف شقيقين مغربيين يحملان الجنسية الإيطالية، بشبهة الضلوع في مخطط «دام ومعاد للسامية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي اعتقال عنصر من «داعش» من قبل قوى الأمن في شرق دير الزور (الداخلية السورية)

ضبط مستودع ضخم للسلاح على الحدود السورية مع العراق... واستهداف خلايا «داعش»

ضبطت مديرية الأمن الداخلي في مدينة البوكمال الحدودية مع العراق مستودع أسلحة ضخماً يحوي أسلحة ثقيلة وخفيفة وذخائر متنوعة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ رسم لإبراهيم كيومي وأمير بالات خلال جلسة المحكمة في نيويورك (رويترز)

ممداني يسعى إلى التهدئة بعد هجوم فاشل في نيويورك

سعى رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني إلى تهدئة المخاوف، ولا سيما بعدما أظهرت التحقيقات أن الشابين اللذين نفذا هجوماً فاشلاً قرب منزله استلهما أفكارهما من «داعش».

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي صورة تظهر شميمة بيجوم الشابة الصغيرة قبل سفرها للانضمام إلى «داعش» (أ.ف.ب)

قضاة يحكمون بإعادة بريطانيا النظر في حظر عودة أم معاقة وابنها من مخيم سوري

أمر قضاة بريطانيون وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود بإعادة النظر في قرار منع عودة أم معاقة بشدة محتجزة حالياً بمخيم سوري مع ابنها الصغير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».


تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
TT

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)

يشكو مرضى وذووهم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء من تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية داخل المستشفيات الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، بالتوازي مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل بعض الأجهزة الحيوية، الأمر الذي فاقم من أعبائهم المالية في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويقول مرضى ومرافقون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن المستشفيات الحكومية التي كانت تُعد سابقاً الملاذ الأخير للفئات الفقيرة، أصبحت اليوم عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة، رغم أن تكاليفها تتجاوز قدرتهم المالية المحدودة.

وتشهد أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات الرئيسية في صنعاء ازدحاماً شديداً، من بينها مستشفيات «الثورة» و«الجمهوري» و«الكويت» و«السبعين» و«المستشفى العسكري»، في ظل نقص ملحوظ في الكوادر الطبية، وتعطل كثير من الأجهزة التشخيصية والعلاجية.

معدات طبية معطلة في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

ويؤكد سكان أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الطارئة والحرجة؛ خصوصاً في ظل الضغط الكبير على هذه المرافق التي تستقبل يومياً أعداداً متزايدة من المرضى القادمين من العاصمة ومناطق ريفية مجاورة.

وبسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات، يضطر كثير من المرضى إلى شراء المحاليل والعلاجات وحتى بعض المستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، وهو ما يزيد من معاناتهم المالية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات.

أزمات متعددة

ويتحدث عاملون في القطاع الصحي في صنعاء عن تحديات كبيرة تواجه معظم المستشفيات الحكومية، من أبرزها: نقص التمويل، وانقطاع رواتب العاملين الصحيين منذ سنوات، إلى جانب محدودية الإمدادات الطبية، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي.

ويقول هؤلاء العاملون إن سنوات الصراع والانقسام السياسي والحرب المستمرة أدت إلى إنهاك المنظومة الصحية بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان.

كما يشيرون إلى أن مستشفيات كثيرة تعاني نقصاً في الأطباء المتخصصين والكوادر التمريضية، في وقت تزداد فيه أعداد المرضى الذين يقصدون هذه المرافق بحثاً عن العلاج.

«مستشفى الشرطة» الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

ويؤكد «محمد. ع»، وهو مريض قلب في صنعاء، أنه اضطر إلى الانتظار ساعات طويلة في قسم الطوارئ في «المستشفى الجمهوري»، قبل أن يتمكن من مقابلة طبيب.

وقال إن الدواء الذي وصفه له الطبيب لم يكن متوفراً داخل المستشفى، ما اضطره إلى شرائه من صيدلية خارجية بأسعار مرتفعة؛ مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأدوية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى نقص الأطباء المتخصصين.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى «أم سمير»، وهي والدة لطفل يعاني التهاباً رئوياً؛ إذ تقول إن معاناتها بدأت منذ لحظة وصولها إلى «مستشفى الثورة» قادمة من إحدى مناطق ريف صنعاء.

وأوضحت أن إدارة المستشفى أخبرتها أن بعض الأجهزة الطبية معطَّلة، وأن عليها إجراء الفحوصات في مركز خاص خارج المستشفى، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى أسرة بالكاد تستطيع توفير تكاليف المواصلات.

تجمع لمرضى يمنيين وذويهم في باحة أحد المستشفيات الحكومية بصنعاء (فيسبوك)

كما يروي «خالد»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، تجربة مشابهة بعد نقله والده المسن إلى «مستشفى الكويت» بسبب مضاعفات مرض السكري.

وقال إن الأسرة الطبية أخبرته بعدم توفر أسرَّة شاغرة، وأن معظمها مخصص لحالات أخرى، ما اضطر الأسرة إلى نقل والده إلى مستشفى خاص رغم تكاليف العلاج المرتفعة.

تحذيرات أممية

في ظل هذه الظروف، يحذِّر مختصون في القطاع الطبي من أن استمرار تدهور الخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم معاناة آلاف المرضى؛ خصوصاً المصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المستشفيات الحكومية للحصول على الرعاية الطبية.

ويتهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية بفرض قيود على الحصول على الخدمات الصحية داخل بعض المرافق الحكومية، مؤكدين أن هذه الخدمات باتت في كثير من الحالات خاضعة لمعايير الولاء والانتماء.

حملات تعسف حوثية تستهدف عيادات خدمات صحية (إكس)

ويطالب هؤلاء الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية بتكثيف الدعم للقطاع الصحي في اليمن، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الأساسية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع تنبيه صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي حذَّرت من احتمال إغلاق مئات المرافق الصحية في اليمن خلال عام 2026، بسبب العجز الحاد في التمويل.

وأوضحت المنظمة أن نحو 453 مرفقاً صحياً مهدد بالتوقف عن العمل إذا استمر نقص الدعم المالي، مشيرة إلى أن نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية في البلاد تعمل حالياً بكامل طاقتها.

وأكدت المنظمة أن تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي قد يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وشددت على أن توفير الرعاية الصحية الأساسية يعد أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، محذِّرة من أن انهيار مزيد من المرافق الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن خلال الفترة المقبلة.