معماريون يصممون نماذج لبيوت ورقية يمكن تنفيذها داخل المكتب

تعكس الرؤية للمنازل المحلية لمرحلة ما بعد الجائحة

TT

معماريون يصممون نماذج لبيوت ورقية يمكن تنفيذها داخل المكتب

يمكن القول إن قص الورق كشكل فني قد سبق اختراع الورق نفسه، وهو إنجاز تاريخي عالمي يُنسب غالباً إلى موظف البلاط الصيني كاي لون، الذي استخدم لب الخيزران (البامبو) وورق التوت المجفف لصنع نماذج لتقديمها إلى الإمبراطور هو تي عام 105 ميلادية.
قبل هذا الابتكار، كان الحرفيون في جميع أنحاء الريف الصيني يصنعون بالفعل الأشكال الزخرفية بقصها من صفائح رقيقة من الحرير والذهب ولحاء الأشجار. ومع انتشار الورق في القرن السابع، ازدهر فن قص الورق، أو «جيانجي» باللغة الصينية. وبحسب مقال نشر لكريستال هوي شاو يانغ، الباحث في الفن الشعبي الصيني عام 2007 حول التبادل الثقافي بين حرفيي «جيانجي» والممارسين السويسريين لفن «شيرنشنايت»، وهي النسخة الأوروبية من فن قص الورق الصيني، الذي ظهر في القرن السادس عشر، فإن «فن قص الورق يجسد الثقافة، والتقاليد الأمية، والتاريخ غير المكتوب». ولذلك يمكن القول إنه منذ البداية، كانت هناك صفة ديمقراطية حميمة تمنح حرية في الإبداع ولا تخلو من جاذبية.
بعد مرور عام على انتشار وباء «كوفيد - 19»، من البديهي هنا الإشارة إلى الأهمية التي أصبحنا نوليها للبقاء في البيت. فرغم أن عوالمنا الحالية، أو بالأحرى غرف معيشتنا، كانت في البداية تجعلنا نشعر أنها ملاذات، فقد باتت الآن خانقة في الكثير من الأحيان.
فمع الأخذ في الاعتبار أن ثلاثة مهندسين معماريين هو فنسنت فان دويسن، المهندس بشركة «أنتويرب» البلجيكية، والمهندسة توشيكو موري من نيويورك، والمهندس ماسيميليانو لوكاتيلي من شركة «لوكاتيلي بارتنرز» في ميلانو الإيطالية، قد جرى تكليفهم بتصميم منزل ورقي يمكن أن يعكس رؤيتهم للمنازل المحلية لمرحلة ما بعد الجائحة.
في الحقيقة، إن نماذجهم تطرح أسئلة أساسية حول كيفية صنع منازل لعالم يتغير بشكل لا رجعة فيه. ورغم أنهم يعملون في حرفة التصميم المعماري المفترض أنها تستهلك الكثير من الوقت والنقود وتتمتع بميزة الاستمرارية والديمومة لفترات طويلة، فقد استخدموا فيها ممارسة بسيطة متواضعة سريعة الزوال مثل فن قص الورق «جونشي» المتاح لأي شخص يملك طابعة وورقاً ومقصاً وغراء. بنى فان دويسين تصميمه لمشروع «دي سي 2» عام 2011. وهو نموذج يطلق عليه «البيت السلبي» صديق للبيئة في مدينة «تيلرود» البلجيكية، وهو بيت مغطى بالكامل بخشب «بادوك» الاستوائي وبنى «على شكل حظيرة نموذجية»، لكن جرت إزالة الأجزاء المتدلية من السقف الجملوني لإنشاء شكل «موشوري» أكثر حداثة. ورغم أن المنزل منتشر بالفعل على نطاق واسع، فإن عملية تحويله إلى بيت قابل للطي تطلبت تحويل المواد الأصلية المصممة بدقة إلى شيء عادي مثل الورق، وهو ما دفع فان دايسن إلى «التفكير في نمطيتها وما إذا كان من الممكن جعلها مسبقة الصنع». وإذا بني المنزل الخشبي بنموذج تقليدي ثم جرى تعديله ليصبح معاصراً، فإن المسكن المطوي ما هو إلا إعادة لتصور لمسكن خاص عالي الجودة كنموذج للإنتاج بكميات كبيرة.
يوحي منزل لوكاتيلي أسلوبه الخاص للتصميم الديمقراطي، ليس من خلال الأشكال الكلاسيكية لكن من خلال التقنيات الجديدة. فالمنزل مصنوع من أربع وحدات ملتصقة غير منتظمة الشكل على شكل حصاة يذكرنا طريقة ترتيبه بخلية «أميبا» في طور الانقسام.
يحاكي المبنى الورقي نموذجاً أولياً طوره مهندس معماري عام 2018 لصالح شركة «صالون ديل موبيل»، وهو عبارة عن «منزل خرساني ثلاثي الأبعاد مساحته 1076 قدماً مربعاً يمكن تشييده في أقل من أسبوع، ويمكن أن يساهم في «تقليل التكاليف وتوفير السكن المناسب للأشخاص في حالات الطوارئ - ويمكن تنفيذه حتى على سطح المريخ».
بدأ تصميم بيت «موري» بالقيود التي يفرضها الورق نفسه، حيث بدأت من صفحة فارغة ووضعت جداراً طويلاً لزيادة المساحة. خلال الفترة ما بين عامي 2015 - 2019. أكملت موري سلسلة من المباني في ريف السنغال عبارة عن مدرسة ابتدائية، ومقر إقامة للمعلمين بالإضافة إلى مركز ثقافي، وكانت الهياكل الدائرية في تلك المنطقة، وكذلك منزلها الورقي، مثل تلك المباني التي تميز بـ«أوكولوس» - فتحة دائرية في منتصف قبة السقف - لسحب الهواء الساخن لأعلى، وبالتالي تهوية الداخل. وفيما يوحي منزل «فان دايسين» الورقي بتنسيق أوروبي تقليدي لمنزل عائلي واحد بغرف نوم منفصلة ومساحات معيشة فيما يقوم «لوكاتيلي» بتقسيم المنزل إلى أربعة هياكل مميزة، فإن منزل موري ذا المخطط المفتوح المنحني «يجبرك على رؤية بعضكما بعضاً كعائلة بدلاً من الانعزال في غرف منفصلة». كما أنه يتحدى اعتمادنا على أنماط الإسكان المربعة والمستطيلة التي تهيمن على النمط المعماري الغربي. كانت نيتها، بحسب موري، هي «إعادة تقديم أفكار مختلفة حول كيف يعيش الناس وما ثقافتهم في أي مكان في العالم».
وشأن فان ديسين، ولوكاتيلي، فإن موري تتخيل هيكلها البسيط بحيث يكون قابلاً للتطبيق في أي مناخ أو سياق، ويكون عملياً بنفس القدر إذا تم بناؤه من الطوب ويعلوه سقف من القش المنسوج يدوياً أو مصبوباً من الخرسانة ومغطى بمعدن مطلي.
بعبارة أخرى، تعبر جميع المنازل الثلاثة عن اهتمام ليس بالجمال والراحة فحسب، بل أيضاً إمكانية زيادة عددها وتسهيل قدرتها على التكيف مع كافة الاحتمالات والتقلبات، سواء الاقتصادية أو المناخية أو السياسية بطبيعتها. وبدلاً من التركيز على زيادة مرونة التصميمات الداخلية المحلية - مثل تعزيز «الأنظمة التي يمكننا من خلالها عمل فقاعات صغيرة آمنة للعمل منها»، على حد تعبير فان ديسين - فإن هذه المنازل تضع نصب عينيها تحديات وأهدافاً أكثر تعقيداً.

- خدمة «نيويورك تايمز»



بدء عملية فصل التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا» بالرياض

الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا» قبل بدء العملية (واس)
الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا» قبل بدء العملية (واس)
TT

بدء عملية فصل التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا» بالرياض

الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا» قبل بدء العملية (واس)
الدكتور عبد الله الربيعة يطمئن على التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا» قبل بدء العملية (واس)

بدأ الفريق الطبي والجراحي التابع «للبرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الخميس، عملية فصل التوأم الملتصق الفيجي «جسبيلي وديسيسيا»، في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني في الرياض، وذلك إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.

وأوضح المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج الدكتور عبد الله الربيعة، في تصريح صحافي، ‏أن التوأم الملتصق الفيجي قدمتا إلى السعودية في 21 يوليو (تموز) 2026م، ‏وبعد دخول التوأم إلى مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال، قام الفريق الطبي بدراسة حالة التوأم وإجراء فحوصات طبية متعددة ودقيقة، وعقد عدة اجتماعات توصل من خلالها إلى أن التوأم تلتصقان في منطقتي البطن والحوض، وتشتركان في الكبد، والأمعاء، والقولون، وفتحة الشرج، والجهاز البولي، والجهاز التناسلي، وعظمة الحوض.

وبيّن أن الفريق الطبي والجراحي قرر تنفيذ العملية على 9 مراحل، وتستغرق نحو 15 ساعة، ويشارك فيها 34 فرداً من الاستشاريين والاختصاصيين والكوادر الفنية والتمريضية من تخصصات التخدير وجراحة الأطفال وجراحة التجميل وجراحة العظام وجراحة ‏المسالك البولية والتخصصات المساندة.

وأكد الدكتور الربيعة أنه بناءً على التقييم الطبي متعدد التخصصات والدراسات التشخيصية الدقيقة تعد هذه العملية من العمليات المعقدة وتصل نسبة نجاحها إلى (70 في المائة)، مشيراً إلى أن هذه العملية أول عملية فصل توأم ملتصق من فيجي وهي رقم 74 ضمن البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة الذي استطاع منذ عام 1990م، أن يعتني بـ159 توأماً من 28 دولة في 5 قارات.

ورفع الدكتور الربيعة ‏باسمه ونيابة عن زملائه أعضاء الفريق الطبي الجراحي التابع للبرنامج السعودي للتوائم الملتصقة الشكر والتقدير والامتنان إلى خادم الحرمين الشريفين وولي العهد، على الدعم السخي الذي يلقاه البرنامج؛ حتى أصبحت السعودية مركزاً عالمياً متميزاً في هذا المجال، سائلاً الله أن يمنَّ على التوأم بالشفاء العاجل، وأن يعيدهما لبلدهما سالمتين.


حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
TT

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)

لمنتصف العمر قسوة مصدرها أنّ الإنسان يصل إليه وقد أصبح بارعاً في العيش على نحو معيّن. تتوزَّع أيامه على التزامات يعرفها جيداً. تستقرّ علاقاته وتتكرَّر عاداته حتى يغدو التغيير أشبه بمساسٍ بالنظام الذي أمضى سنوات في إقامته. بالنسبة إلى المرأة خصوصاً، قد يكون ثمن هذا الاستقرار باهظاً. فالقدرة على تلبية حاجات الآخرين كثيراً ما تُكافَأ بمزيد من المَطالِب، إلى أن يصير العطاء صفةً متوقَّعَة منها، والتعب شأناً خاصاً عليها تدبّره وحدها.

في معرض «Midlife» (منتصف العمر) الذي تُقدّمه الفنانة اللبنانية حنان حوحو في غاليري «وادي 99» بوسط بيروت، بتنسيق لارا سلمان، يشهد الجسد على هذا التاريخ. نساء ممتلئات يسترحن أو يتعانقن أو ينظرن إلى انعكاساتهن. أخريات يجلسن فوق حقائب أو ينكفئن على أنفسهن. في هذه المَشاهد، تطفو إلى السطح مشاعر راكمتها سنوات من الانشغال بالآخرين، حتى اعتادت المرأة تأجيل الالتفات إليها.

تمنح حوحو أجساد نسائها أحجاماً كبيرة وتترك لرؤوسهن حيّزاً ضئيلاً. تستحوذ الأجساد على مساحة اللوحة، فيما تتشابه الوجوه إلى حدّ يصعب معه تمييز امرأة عن أخرى. وقد يُرى أثرُ حياةٍ أصبح فيها الجسد مطالَباً بأكثر ممّا تستطيع صاحبته الإفصاح عنه. إنه الجسد الذي يعمل ويحتمل ويتقدَّم في السنّ تحت أنظار الآخرين. وفي الوقت نفسه، هو مَوْضع قلق دائم لدى امرأة تعلَّمت منذ صغرها أن تُراقِب مظهرها وتربط شيئاً من قيمتها بقدرتها على الحفاظ عليه.

العمر يمضي... والمقاييس تبقى (الشرق الأوسط)

تستمرّ المقاييس الخارجية في أداء عملها بعد غياب أصحابها. فالمرأة التي اعتادت مقارنة جسدها بصورة مرغوبة اجتماعياً قد تحتفظ بتلك الصورة حتى حين تصبح أقلّ اهتماماً برأي الآخرين. تكبُر وهي تنظر إلى نفسها بعين تشكَّلت في شبابها. عندئذ يصبح الزمن تجربة انقسام بين الجسد الذي تعيش فيه والصورة التي لا تزال تطلب منه مطابقتها.

وفي المعرض حضور لفكرة الأداء. تُقابِل الملابس الأنيقة والأحذية العالية، أجساد تستسلم للجلوس وأحذية متروكة على الأرض. وراء هذا الحرص على المظهر، جهدٌ تبذله المرأة لتحافظ على هيئة مقبولة حتى في أشدّ لحظات الإرهاق. ويصير خلع الحذاء فعلاً يحمل رغبة في الخروج مؤقتاً من واجب الظهور المُتماسِك. فالإنسان يحتاج أحياناً إلى مكان يستطيع فيه أن يكون مُتعَباً من دون أن يُبرّر تعبه.

أما النساء المُتلاصقات والمُتشابِهات فينقلن الاهتمام إلى علاقة الفرد بالجماعة. فالأدوار التي تتبنّاها المرأة داخل الأسرة والمجتمع تدخل تدريجياً في تكوينها. وقد تصبح الأم أو الزوجة أو المسؤولة عن الآخرين عاجزة عن تصوُّر نفسها خارج هذه الصفات، حتى حين تشعر بأنها استنفدت جزءاً كبيراً من طاقتها. وما يجعل مراجعة تلك الأدوار مؤلِمة، أنّ الروابط التي صنعتها حقيقية ومحبوبة. فالاستقلال يحمل معه احتمال جَرْح أشخاص ارتبطت بهم حياتها، ويحتاج إلى إعادة توزيع للمسؤوليات اعتاد الجميع استقرارها على نحو واحد.

وتشير الحقائب المُتراكمة في بعض اللوحات إلى ما تحمله المرأة من مراحل سابقة. فالأعباء القديمة قد تصبح أيضاً مألوفة إلى درجة يصعب التخلّي عنها. يتعلَّم الإنسان التعايُش مع ما يُثقله، وقد يشعر بالضياع حين يُطلَب منه أخيراً أن يضعه جانباً.

وُلدت حنان حوحو عام 1970، وترأس قسم الهندسة الداخلية في كلية الفنون الجميلة والعمارة بالجامعة اللبنانية. وقد جعلت من الجسد الأنثوي الممتلئ مفردةً أساسية في تجربتها الفنّية. وفي هذا المعرض، تستحضر أفكار المحلّل النفسي اليونغي جيمس هوليس عن النصف الثاني من الحياة، حيث يبدأ الإنسان بمراجعة الأدوار التي عاش من خلالها والتوقّعات التي ورثها.

نساء أثقلتهنّ الأدوار أكثر من السنوات (الشرق الأوسط)

لكن التحدّي الذي تُواجهه أعمالها يتّصل بقدرتها على تحويل هذا التصوُّر النفسي إلى تجربة تشكيلية مستقلّة. فالتشابه بين الشخصيات يتكرَّر أحياناً من دون أن ينتج اختلافاً كافياً في معانيه. وتُقدّم بعض اللوحات أفكارها من خلال إشارات شديدة الوضوح، ثم تأتي النصوص المُرافِقة لتشرحها مرّة أخرى. ويترك ذلك انطباعاً بأنّ المعرض يعرف ما يريد قوله قبل أن يبدأ الرسم، والصورة تتولّى في بعض الأحيان تأكيد الفكرة أكثر من تعميقها.

ثمة أعمال تسمح فيها الأجساد المُتداخلة والعلاقات المكانية بقراءات متعدّدة. أما حين تتحوّل الحقيبة إلى مُرادف للعبء، أو شريط القياس إلى اختصار للحُكُم الاجتماعي، فتضيق قدرة الصورة على مفاجأة المُتلقّي. وتبقى قوة المعرض الفكرية أكبر من تماسُك لغته التشكيلية.

تأتي مرحلة في حياة المرأة تتغيَّر فيها علاقتها بنظرة الآخرين إليها، ويصبح رضاها عن نفسها أكثر إلحاحاً من رضاهم عنها. ومع السنوات، تخفّ الرغبة في إثبات شيء للعالم، ويصبح العيش وفق القناعات الشخصية أكثر أهميةً من نيل إعجابه.


معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
TT

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

دشنت «دارة الملك عبد العزيز» في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت على نسخة بخط المؤلف نفسه أساساً للتحقيق، مع مقابلتها بعدة نسخ أخرى، إلى جانب أعمال المراجعة والتدقيق التي شملت تصحيح المفاهيم، وتوضيح المصطلحات، وإثراء الهوامش والتعليقات العلمية، بما يخدم النص التاريخي، وييسر قراءته والإفادة منه.

ورعى الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة الدارة، الأربعاء، حفل تدشين «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد»، وإطلاق أول إصداراته المتمثل في هذا الكتاب.

وقال تركي الشويعر الرئيس التنفيذي للدارة، إن المؤرخين الأوائل تركوا تراثاً علمياً نفيساً، حفظ أخبار الدولة والمجتمع وسير الرجال وتحولات الزمان والمكان، وأصبح إنتاجهم شاهداً على تاريخ الوطن.

وأضاف في كلمته، خلال حفل التدشين، أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز شجَّع على إيداع المصادر لدى الدارة، إيماناً منه بقيمتها التاريخية، وأرسى من خلال الدارة نهجاً مؤسسياً لجمع المصادر وحفظها والاستفادة منها.

من جهته، أوضح اللواء علي البشر، في كلمة أسرة المؤرخ، أن التاريخ عند ابن بشر لم يكن سرداً للوقائع بل عبرة لمن يعتبر، مضيفاً أن «ابن بشر ارتبط بصلات مع أئمة الدولة السعودية وحضر مجالس عدد منهم، وكان شاهداً على تاريخ الدولة، وقد أدرك أهمية كتابة التاريخ، ونهض بهذه الأمانة، وتثبت فيما ينقل من الأخبار».

من حفل تدشين الدارة لـ«برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد» وإطلاق أول إصداراته (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن «كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أهم مصادر تاريخ الدولة السعودية، وقد بناه مؤلفه على الحوليات، ووثق الحوادث عبر السنين، ذاكراً أحداثها السياسية والاجتماعية».

ويأتي البرنامج ضمن جهود الدارة لحفظ الإرث التاريخي الوطني، وإثراء مصادره، عبر مشروع علمي يُعنى بجمع أعمال المؤرخين الرواد وحصرها ودراستها وتحقيقها وتوثيقها، ونشرها وفق منهج علمي رصين، بما يشمل مؤلفاتهم ومخطوطاتهم ووثائقهم وغيرها من المواد التاريخية، وإتاحتها للباحثين والمهتمين، بما يعزز الإفادة منها في الدراسات، ويسهم في صون هذا الإرث المعرفي للأجيال القادمة.

ويُعد كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» أحد أبرز المصادر التاريخية القريبة زمنياً من أحداث تأسيس الدولة السعودية، وسجلاً مهماً لتاريخ نجد والجزيرة العربية؛ لما يتضمنه من توثيق للأحداث والتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، مما يمنحه مكانة علمية بارزة لدى الباحثين والدارسين في التاريخ السعودي.

واعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر أساساً، مع مقابلة عدد من النسخ الأخرى وإثبات الفروق بينها في الهوامش، وتضمنت المعالجة تصحيح المفاهيم، وشرح المصطلحات غير المفهومة، وإثراء هوامش الكتاب، وتنظيم المادة التاريخية.

وتولى تحقيق الكتاب ودراسته الدكتور فهد السماري، والدكتور ناصر الجهيمي، والأستاذ أيمن الحنيحن، وصدر العمل في ثلاثة مجلدات.

سيرة بن بشر ونتاجه

وُلد المؤرخ عثمان بن بشر، في بلدة جلاجل عام 1210 هجري (1795م)، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى الدرعية طلباً لعلوم الشريعة من علمائها، وحظي بمكانة مرموقة بين أهل العلم والمجتمع، وارتبط بعلاقات وثيقة مع آئمة الدولة السعودية وحضر مجالسهم.

وأخذ ابن بشر العلم عن عدد من العلماء البارزين في نجد، وتوثقت صلته بأهل العلم بالمراسلات واللقاءات العلمية، وتنوع نتاجه بين التاريخ والفلك والأنواء والخيل والأدب والتراجم، مع ما جمعه من وثائق ومخطوطات ذات قيمة علمية.

وسجَّل ابن بشر في كتابه أحداثاً من تاريخ نجد والجزيرة العربية والدولة السعودية، ويعد من المصادر التاريخية المهمة، ويتناول الأحداث التاريخية من سنة 850 هجرية، ويتسلسل في سرده التاريخي حتى أحداث سنة 1267 هجرية، وفق تنظيم زمني منهجي.

وتوفي ابن بشر في جلاجل سنة 1290 هجرية (1873م) عن نحو ثمانين عاماً، تاركاً وراءه مسيرة علمية حافلة بالمؤلفات والوثائق والمخطوطات.

ويشكّل هذا الإصدار انطلاقة لمرحلة جديدة من جهود الدارة في جمع تراث المؤرخين الرواد وتحقيقه ونشره، وتعزيز حضوره في المشهد البحثي والمعرفي، وإتاحة مصادر التاريخ السعودي وفق أسس علمية موثقة.