طبيبات وممرضات في الصفوف الأمامية لمكافحة «كورونا»

اختبرن الموت على مدى عام كامل... وعملن لأشهر من دون يوم إجازة

عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)
عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)
TT

طبيبات وممرضات في الصفوف الأمامية لمكافحة «كورونا»

عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)
عاملة صحة تتلقى لقاح «كورونا» في المركز الطبي للجامعة الأميركية ببيروت (رويترز)

منذ فبراير (شباط) الماضي، وهنّ حبيسات مسافة الأمان، مسافة يحسبنها بدقة لتتحول إلى حاجز يقف بينهن وبين أحبائهن من أهل وأبناء، هن ممرضات وطبيبات انضممن منذ اللحظة الأولى لفرق مكافحة وباء كورونا، عملن لأشهر بلا يوم إجازة واحد، حزنّ لخيبة أصابت أمهات وآباء فقدوا أحد أبنائهم وفرحن لجدّة عادت إلى الحياة بعدما كان الفيروس أوصلها إلى حافة الموت. الممرضات والطبيبات لم يختبرن مشاعر متناقضة يوماً بقدر ما اختبرن هذا العام، إذ يتحدثن عن تعب وقوّة، عن يأس وأمل، عن رغبة بنزع السترة البيضاء والهروب، وعن إصرار على البقاء في الخطوط الأماميّة، أمّا الشعور الأصعب فكان الشعور بالذنب تجاه عائلاتهن، إذ غالباً ما كنّ يضطررن للغياب عن المنزل لساعات طويلة بسبب العمل، والبقاء بعيدات عن أحبائهن وإن كانوا في المنزل نفسه.
«منذ عام وأنا لم أضمّ أمي إلا مرة واحدة بعد شفائي مباشرة من كورونا، إذ لم أكن أقترب منها، نعيش في المنزل نفسه، ولكن مع الالتزام بالتباعد، إنها مسافة الأمان التي أفرضها على نفسي بسبب طبيعة عملي»، تقول الاختصاصية بالأمراض الجرثومية الدكتورة ميشال صليبا (37 عاماً)، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إنّ الهاجس الذي لم يفارقها لحظة هو احتمال نقل العدوى إلى والدتها البالغة من العمر 58 عاماً.
تتحدّث صليبا عن عام متعب ومضنٍ، عن عمل لساعات متواصلة وأشهر بلا يوم إجازة واحد، عن لحظات حزن وخوف واستسلام، وتقول: «نحن لسنا أبطالاً خارقين، نعم بكيت مراراً ربما مع كلّ مريض اعتنيت به وكنت متفائلة بشفائه ثمّ انتكست حالته وتوفي، مع كلّ مريض اعتنيت به وكنت أشعر بأنني عاجزة عن إنقاذه، بكيت عند مشهد المرضى ينتظرون غرفة يعالجون فيها أو يبحثون عن أجهزة أكسجين ولا يجدونها»، مضيفة: «فكّرت ربما للحظات أن أترك العمل، أن أدير ظهري للوباء وأسترح. لكنني لم أستطع، واجبي أن أكون هنا أحارب الوباء الذي يهدّد الناس، لذلك كنت أعود وبعزم». مقابل كلّ لحظة ضعف، تتحدّث صليبا عن لحظات شعور بالرضا وبالراحة النفسيّة نابع من كونها قادرة على المساعدة في مكافحة الوباء، فقد كان الأمل يتجدّد مع كلّ حالة شفاء ومع كلّ يوم ترى نفسها تقوم بواجبها.
لا تفارق وجه صليبا البسمة وهي تتحدّث عن تجربتها كطبيبة في الصفوف الأمامية، وتضحك بصوت مسموع حين تصف خوفها، لا سيّما بداية العمل مع الوباء حيث كانت تشعر بالعوارض كلّ لحظة. حين أصيبت صليبا بكورونا بداية شهر يناير (كانون الثاني) نسيت أنها طبيبة، سيطر عليها الخوف والهلع، أخذت تتصل بصديقاتها المقربات تسألهن عن احتمال أن تكون قد نقلت العدوى إلى أمها، وكنّ يرددن إجابات تعرفها وهي التي كانت من أولى الطبيبات اللاتي التحقن بفرق كورونا، لا سيّما أنها تعمل بمستشفى رفيق الحريري الجامعي أول مستشفى استقبل حالات كورونا في لبنان، ثمّ تبتسم وتقول: «الحمد لله والدتي لم تُصَب».
لا ترى صليبا أنّ الأمر يختلف بين الطبيب والطبيبة فالموضوع إنساني بحت بالنسبة لها، وظروف عمل الطبيب والطبيبة يتشابهان، والابتعاد عن الأسرة وشروط الوقاية والتضحيات لا تختلف حسب الجنس. واعتبرت أنّ ما يواجه الطبيب في لبنان ليس فقط وباء كورونا، بل الوضع الاقتصادي الصعب، فانهيار قيمة العملة الوطنية جعلت معظم اللبنانين وبمن فيهم الأطباء يفقدون قيمة رواتبهم، وبالتأكيد بقاء الطبيبة أو الطبيب في لبنان لا يرتبط بالناحية المادية، لا سيّما أنّ العروض متاحة حالياً للسفر.
تشكل الطبيبات أكثر من 40 في المائة من الطاقم الطبي الموجود في لبنان الذي يضم نحو 15 ألف طبيب وطبيبة، حسبما يوضح نقيب الأطباء في بيروت شرف أبو شرف، مشيراً في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى أنّ هذه النسبة سترتفع مع الدفعات الجديدة، إذ إن نسبة الطبيبات الجدد أكثر من الأطباء في عدد لا بأس به من الاختصاصات.
ويشير أبو شرف إلى أنّ النسبة الكبرى من الطبيبات كما الأطباء وبسبب طبيعة عملهم هم على احتكاك يومي مع الوباء، وإن لم يكن كلّهم في الخطوط الأمامية، لافتاً إلى أنّ أوّل حالة إصابة في الطاقم الطبي كان لطبيبة، وأنّ لبنان فقد طبيبة واحدة، وهي فردوس صفوان التي توفيت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، جراء إصابتها بفيروس كورونا.
حتى اللحظة، لا تشعر صليبا برغبة في الهجرة للعمل خارج لبنان، ليس فقط لأنّها لا تقوى على ترك والدتها وحدها، بل أيضاً لعدم تحملها ترك لبنان وهو يواجه هذا الوباء في أصعب ظرف اقتصادي، فهي تأمل في أن ينتصر لبنان على هذا الوباء لتعانق والدتها، ومن ثمّ «تطفئ هاتفها وتأخذ إجازة طويلة».
وكان الطاقم الطبي خسر في لبنان 500 طبيب وطبيبة هاجروا إلى دول خليجية أو أوروبية والولايات المتحدة، حيث وجدوا فرص عمل أفضل، بعدما خسرت رواتبهم أو بدل أتعابهم 80 في المائة من قيمتها بسبب انهيار العملة الوطنية.
في موضوع مكافحة كورونا، قد لا تختلف يوميات الطبيبات عن يوميات الممرضات، فهنّ أيضاً يتحدثن عن التعب والهواجس نفسها، لا سيما خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، حين ارتفعت أعداد الإصابات في لبنان بشكل غير مسبوق، فوصلت المستشفيات إلى ما يزيد على طاقتها الاستيعابية.
فاطمة عبيد (47 عاماً) كانت واحدة من أولى الممرضات اللاتي انضممن إلى فريق كورونا في مستشفى رفيق الحريري، لا تزال تذكر اسم أول مشتبه فيه دخل المستشفى واسم أول إصابة. تروي عبيد لـ«الشرق الأوسط»، تفاصيل الساعات الأولى لاستقبال مرضى كورونا: «لم يكن عددنا كطاقم تمريضي يعمل في قسم كورونا يتجاوز 4 أشخاص، كنا مدربين على التعامل مع الأوبئة مثل (إيبولا) و(سارس) و(إتش وان إن وان). ولكنّ كورونا كان جديداً، نعم خفنا، ولكنّ الواجب كان أقوى»، تقول عبيد إنها لم تتردد لحظة في أن تكون على الخطوط الأمامية لمواجهة كورونا، فهي لطالما كانت تشارك في أعمال تطوعيّة ترى فيها خدمة لمجتمعها.
بداية الجائحة، عملت عبيد لما يزيد على 3 أشهر بلا يوم إجازة واحد، ولساعات تزيد على 12 ساعة يومياً، «لم يكن عددنا كافياً، عملنا لساعات متواصلة، تعبنا، بكينا، ولكن مع الوقت بدأ عدد الممرضين والممرضات العاملين بكورونا يرتفع، فكان ضغط العمل يخفّ ولكنّه لم يصبح يوماً مريحاً»، تقول عبيد.
لم تكتفِ عبيد بالانضمام إلى فريق كورونا، إذ عملت أيضاً على تشجيع 3 من أبنائها، وهم ممرضون، للانضمام إلى الطاقم التمريضي المخصص لكورونا. «أخبرتهم أنّ عدد الممرضين والممرضات غير كافٍ، وأنّ الواجب يحتم عليهم الانضمام. كنت فرِحة بأنهم لم يترددوا، فهناك وباء يهدد مجتمعنا ولا أريد أبنائي أن يكونوا على الحياد والمستشفيات بحاجة إليهم، لا أنكر أنني أخاف عليهم، ولكنني كنت لأخاف أكثر لو أنهم تخاذلوا». تأخذ عبيد نفساً عميقاً حين أسألها عن التعب، وتقول: «أي نوع من التعب تقصدين؟ الجسدي مقدور عليه ولكن النفسي صعب، تخيلي أنك تهتمين بمريض وأنت تعرفين أن فرص نجاته من الموت ضئيلة، أو أن تستقر حالة مريض ومن ثمّ يتوفّى؟ هذا فضلاً عن مشاهد تكررت لأشخاص يبحثون عن غرف أو أجهزة أكسجين وهم في حالة حرجة، أو لزملاء يصابون واحداً تلو الآخر، أراهم ينهارون ويبكون من الحمل الثقيل الملقى عليهم، أصبت بكآبة شعرت بتعب غير مسبوق، ربما فكّرت للحظات بالعودة ولكنّي لم ولن أفعلها». تتحدّث عبيد عن متاعب وضغوطات من نوع آخر، عن والدتها التي كانت تتصل بها مراراً وتكراراً وتطلب منها ترك العمل وتقول: «لا أريد أن أخسرك، هذا ما كانت تكرره أمي على مسامعي يومياً، وأنا عاجزة عن طمأنتها وجهاً لوجه، قلقها عليّ كان يتعبني».
طبيعة عمل عبيد وصَمَها، إذ تروي أنّ أخاها اتصل بها وطلب منها عدم زيارة قريتها خوفاً من أن تكون مصابة بكورونا وتنقل العدوى للآخرين. وتضيف: «لم يكن مرحباً بي حتى في بلدتي وبيتي، أعذرهم، الوباء كان جديداً والخوف كان أقوى من الحقائق العلمية».
تمرّ أيام وعبيد لا ترى أبناءها، فساعات عملها طويلة ودوامها غالباً ما يكون عكس دوامات أبنائها، وهذا أيضاً ليس سهلاً عليها، ولكنّها تعرف أنّ المهنة التي اختارتها تتطلب تضحيات. تعتبر عبيد أنّ أكثر ما يواجهها كامرأة تعمل في مجال التمريض لا يتعلق بكورونا، بل بطبيعة مهنة التمريض التي تضطرها للعودة إلى المنزل في ساعات متأخرة من الليل، هذا فضلاً عن حرصها الدائم بأن تبقى قوية حتى لا تقصر تجاه عائلتها او عملها.
رغم استمرار ارتفاع أرقام الإصابات بكورونا في لبنان وبطء عملية التلقيح ضد الفيروس، يبقى أمل عبيد بالانتهاء من الوباء كبيراً جداً، وعندها ستأخذ إجازة طويلة ربما تسافر خلالها أو تتجه إلى قريتها وتقضي ساعات مع عائلتها، لا سيما والدتها، لتعود بعدها إلى عملها بطاقة أكبر.
لا تنكر عبيد أنّ راتب الممرضة كما الممرض لا يقارن بالتضحيات التي يقدمونها، ولكنها تعتبر أنّ الأزمة الاقتصادية «على الجميع»، والممرضون كما الأطباء يحمل عملهم جانباً إنسانياً يجبرهم على الاستمرار.
ويُشار إلى أن هناك ما يزيد على 600 ممرضة وممرض هاجروا خلال السنوات الأخيرة إلى بلدان عربية وأوروبية، حيث توافرت لهم فرص عمل برواتب وحوافز أفضل بكثير مما تقدّمه مستشفيات لبنان، لا سيما أن قيمة رواتب العدد الأكبر منهم باتت لا تتجاوز 100 دولار شهرياً، رغم أن حياتهم معرّضة للخطر بشكل يومي.
وتشكّل الممرضات في لبنان نحو 80 في المائة من مجمل عدد الطاقم التمريضي، توفي منهن 3 ممرضات بسبب إصابتهن بكورونا (وممرضان اثنان)، أما عدد الإصابات فتجاوز 2000 بين ممرض وممرضة.


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

غزيون في مصر يترقبون فتح معبر رفح

شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)
شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)
TT

غزيون في مصر يترقبون فتح معبر رفح

شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)
شاحنة محمّلة بالمساعدات أمام معبر رفح من الجانب المصري (أ.ف.ب)

يترقّب الغزي معين بركات الذي لجأ إلى مصر قبيل الحرب على قطاع غزة، فتح معبر رفح، الأحد، أبوابه من الجانب الفلسطيني بشكل تجريبي، من دون أن يخفي مخاوف من إمكانية أن «تغدر إسرائيل» وتغلقه مجدداً بـ«أي حجج».

بركات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال إن المعبر سيفتح بشكل تجريبي، ولا يتوقع أن تخرج أو تدخل أعداد كبيرة، ربما تكون بسيطة، مشيراً إلى أن الغزيين في مصر يرغبون في العودة إلى القطاع، منهم من يريد ذلك سريعاً عقب فتح المعبر.

وقطاع آخر من الغزيين، حسب بركات، «ينتظر بعض الوقت، خصوصاً من ليس لهم منازل في القطاع بعد هدم كل شيء، وينتظرون أكثر بدء الإعمار وضخ المياه والكهرباء».

وعن قراره، يقول بركات: «أنا وأسرتي نريد أن نرجع ولكن إلى أين سنعود، هل إلى خيام؟... ننتظر الإعمار، ولا بد منه لكي تصير هناك حياة بدلاً من أكوام الحجارة جراء الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل ضدنا وضد القطاع، وبالتالي التأجيل أقرب حتى بعد فتح المعبر».

صورة قمر اصطناعي تُظهر انتظار شاحنات عند معبر رفح الخميس الماضي (رويترز)

ورحلة العودة إلى قطاع غزة للغزيين في مصر، تبدأ -حسب بركات- من سفارة بلادهم بالعاصمة القاهرة، بعد إطلاقها رابطاً إلكترونياً لتسجيل الأعداد وتحديد مواعيدها، متوقعاً أن تكون الأعداد في المرحلة الأولى محدودة، وسط تقديرات للغزيين في مصر يراها «ألوفاً وليست ضخمة كما يتصور البعض».

غير أن الغزي معين بركات يبدي مخاوف من الإجراءات الإسرائيلية، قائلاً: «إسرائيل ليست لها أمان، كل ساعة في حال، من الممكن غداً أن يقولوا لن نفتح أو بعد ذلك بأي حجج، ويغلقوا المعبر مجدداً».

صبي يقود دراجة محمّلة بالسجاد والحصائر يمر بجوار خيام في مخيم مؤقت للنازحين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأكد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الجمعة، أنه «وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار وتوجيهات القيادة السياسية، سيُفتح معبر رفح، يوم الأحد المقبل، في كلا الاتجاهَين لحركة محدودة للأفراد فقط وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي»، كاشفاً عن أنه «سيتم إجراء تفتيش إضافي عند نقطة تابعة للمؤسسة الأمنية في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي».

عدم الأمان

عدم الإعمار أو عودة إسرائيل إلى الغلق ليسا وحدهما العائقَين أمام عودة الغزيين إلى القطاع، بل أيضاً الوضع الأمني وعدم الاستقرار، وتواصل القصف حتى الآن.

الغزية، هناء الطباع، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «المخاوف أكبر من الآمال لدى الغزيين بعد فتح معبر رفح». وأوضحت أن «الحياة في القطاع ليست بها استقرار ومدمرة، وفرص عمل محدودة، وليس هناك أمان حيث لا يزال القتل والقصف مستمرَيْن»، مضيفة: «لن يرجع إلا المضطر مثل السيدات اللاتي بلا عائل» باستثناء الجرحى وذويهم.

يسير الناس بالقرب من الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال الفلسطيني، أبو محمد صلاح المصري، الذي فقد ابنه شهيداً في أثناء الحرب على قطاع غزة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل أن نرجع إلى بلدنا غزة عقب فتح المعبر، ولكن المخاوف قائمة ولا تزال مع عدم تحقق الأمن مع تكرار القتل، وإمكانية أن تغلق إسرائيل المعبر مجدداً».

وأشار إلى أن هناك رابطاً إلكترونياً أطلقته السفارة الفلسطينية في القاهرة بشأن العودة، «والكل يسجل، والكل يريد العودة إلى غزة، وهناك كثيرون مع العودة بعد فتح معبر رفح، خاصة المعبر لن يُغلق أبد الدهر، ولكن أزمة عدم وجود أمن في القطاع تقف حائلاً».

والسبت، قالت وزارة الصحة في غزة، في بيان، إن إسرائيل شنت أعنف غاراتها الجوية على القطاع منذ أسابيع، مما أسفر عن مقتل 26 شخصاً، لافتة إلى أن القصف استهدف مركز شرطة وشققاً سكنية وخياماً في منطقة المواصي التي تؤوي نازحين.

وفي أبريل (نيسان) 2025، قال الدكتور خالد عبد الغفّار، وزير الصحة المصري، إن البلاد استقبلت نحو 107 آلاف فلسطيني، أُجريت لهم الفحوصات الطبية اللازمة، وتطعيم 27 ألف طفل فلسطيني، مؤكداً استقبال المستشفيات المصرية أكثر من 8 آلاف مصاب فلسطيني يعانون جروحاً متفرقة، برفقة 16 ألف مرافق.

واستعرض الوزير المصري في إحاطة أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أثناء زيارتهما مستشفى العريش العام آنذاك، تفاصيل المساعدات المقدمة، حيث أكد أنه تم إجراء أكثر من 5160 عملية جراحية، واستقبلت 300 مستشفى في 26 محافظة بمصر المصابين والمرضى الفلسطينيين، مضيفاً أنه يوجد حالياً في مصر مصابون فلسطينيون في 176 مستشفى موزعين على 24 محافظة، مع توفير الإقامة والإعاشة لجميع المرافقين لهم.

ودعت مصر، السبت، كل الأطراف في غزة إلى اعتماد «أقصى درجات ضبط النفس» عشية الافتتاح المرتقب لمعبر رفح، منددة بـ«الانتهاكات الإسرائيلية» بعد غارات أسفرت عن مقتل العشرات في القطاع.


مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.