الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور

أكد لـ «الشرق الأوسط» التواصل الدائم مع السعودية... والاستعداد لاستقبال البابا فرنسيس بما يليق بمكانته

الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور
TT

الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور

الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور

تستعد بغداد لاستقبال البابا فرنسيس يوم الجمعة المقبل في زيارة «تعايش وتسامح» ستعيد تسليط الأضواء على محاولة العراق استعادة مؤسساته وقراره ودوره في المنطقة والعالم. والاستحقاقات العراقية كثيرة في هذه الأيام وفي صدارتها مراقبة ما ستؤول إليه العلاقة بين إيران والإدارة الأميركية الجديدة والتي يعتبرها البعض السبب الأول للرسائل «الساخنة» التي تشهدها الساحة العراقية في صورة هجمات صاروخية. وبديهي أن هذا الاستحقاق قد يؤثر أيضاً على استحقاق داخلي حاسم يتمثل في الانتخابات النيابية المبكرة والتي ستحسم في النهاية موضوع الأحجام، أي أحجام الأحزاب والفصائل، ومعها حجم حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية. كان يفترض أن يتم هذا الحوار في بغداد لكن زمن «كورونا» أباح التحاور عن بعد، وهنا نص الحوار:
> تستعدون لاستقبال البابا فرنسيس في زيارة هي الأولى من نوعها. كيف تنظرون إلى هذه الزيارة؟
- تشكل الزيارة بالنسبة لشعبنا بكل مكوناته، برمزيتها ودلالاتها، تفهماً ودعماً من قداسة البابا لنهج التسامح والشراكة الوطنية وأواصر المواطنة بين جميع العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية وهوياتهم الفرعية في إطار وطن يحتضن الجميع. والزيارة بمعنى أعمق تحرك من قداسته لإبراز ما للعراق من مكانة، كرسته عبر التاريخ موطناً للحضارات والتراث الإنساني ومهداً للأديان السماوية والقيم المعرفية والثقافية والاكتشافات ورافداً أثرى حركة التقدم والتطور والاكتشافات في مختلف الميادين.
> من المقرر أن يلتقي البابا خلال زيارته المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني. هل هي رسالة لتجديد الرهان على التعايش وهل ستصدر عن اللقاء وثيقة بهذا المعنى؟
- لا يحتاج التعايش بين المكونات العراقية إلى تجديد الرهان. والزيارة في جانب منها تأكيد على أن تجربة التعايش المشترك بين المسيحيين والمسلمين والأديان والطوائف الأخرى واقع معيش وتاريخي، رغم بعض المسارات السلبية المؤسفة التي انعكست على الجميع. وتأتي الزيارة لإبراز دلالاتها وتعميم ما هو إيجابي فيها. لقد سبق لمصدر مسؤول في مكتب المرجع الأعلى سماحة السيد السيستاني أن أدلى بتصريح يشير فيه إلى عدم تطرق السفارة البابوية في بغداد إلى التوقيع على أي وثيقة في لقاء البابا بالسيد السيستاني.
> هل تطرح الزيارة مشكلة أمنية بسبب هجمات «داعش» وممارسات السلاح المتفلت، وهل تجمع الكتل السياسية الكبرى على الترحيب بالزيارة؟
- ليست هناك مشكلة جوهرية على الصعيد الأمني. فالحكومة والأجهزة الأمنية اتخذت التدابير والإجراءات اللازمة التي من شأنها تأمين حركة قداسة البابا وسلامته. وسيكون سماحته فوق ذلك محمياً بالعراقيين أينما حل لأن أهل العراق يقدرونه ويثمنون مواقفه الإنسانية عالياً، والأصداء التي تسبق الزيارة والاستعدادات الجارية لاستقباله بما يليق بمكانته تعكس مؤشراً لا يخطئ على ترحيب الجميع بالزيارة والاحتفاء بحضوره.
> نسب إليك أنك نجحت في تجنيب العراق مواجهة عسكرية إيرانية - أميركية في عهد ترمب. هل يمكن أن نعرف بعض التفاصيل؟
- لم أقم على هذا الصعيد كما في غيره إلا بما يمليه علي واجبي وموقعي ومسؤوليتي في حماية العراق والعراقيين.
لقد أكدنا مراراً بشكل صارم ودقيق على رفضنا تحويل بلادنا إلى ساحة للصراع بالنيابة عن الآخرين أو أن يكون العراق منطلقاً للاعتداء، وهذه سياسة ثابتة حرصنا على تكريسها، وعملنا على تطبيقها عملياً في نهجنا وتوجهاتنا.
وفي الوقت ذاته، وظفنا علاقاتنا الإيجابية المتوازنة مع الجميع بالاتجاه الذي يخفف من الاحتقانات والتصعيد في المواقف في عموم المنطقة.
إن قرار العراق هو بيد العراقيين وحدهم، وهناك تفهم إقليمي ودولي لدور العراق ووزنه، ورغبة شعبه بعدم التدخل بشؤونه الداخلية. قلنا للجميع: نحن لسنا ملعباً، فالعراق القوي والمتماسك سيكون عاملاً إيجابياً لتكريس الأمن والسلم والتعاون في المنطقة والعالم.
وأضيف في هذا الجانب أن محاولة إضعاف العراق أو إخراجه من المعادلات الدولية والإقليمية أو تحجيم دوره قد كانت لها تبعات ونتائج وخيمة على الجميع. ومع أن العالم نظر إلى تنظيم «داعش» كخطر دولي فادح، فإن العراقيين على الأرض هم من واجهوا هذا الخطر وانتصروا عليه بمساعدة أشقائهم وجيرانهم وأصدقائهم.
استطاعت أجهزتنا المخابراتية وقواتنا المسلحة بجميع تكويناتها مؤخراً كشف تحركات «داعش» وخلاياه وقياداتها ومخابئها السرية والتمكين من رصدها ومحاصرتها والنيل منها. وأعتقد أنكم على دراية بتفاصيل معروفة لكم سواء في تعقب أو أسر أو القضاء على قيادات «داعش» العليا.
ومحصلة ذلك كله تؤكد على أن استقرار العراق هو ضرورة للمنطقة والعالم وهذا ما نسعى إلى تأكيده وتكريسه.
> هل للصواريخ التي تستهدف «المنطقة الخضراء» وأماكن تواجد الأميركيين علاقة بالثأر لقاسم سليماني أم بالضغط على واشنطن لاستعجال إلغاء العقوبات والشروع في التفاوض؟
- من جانبنا نرى أن أفضل سبيل لإعادة الأمور إلى نصابها على صعيد العلاقات الطبيعية في المنطقة ومن منطلق المصالح المتبادلة هو سبيل التشاور الدبلوماسي والوصول عبر طاولة المفاوضات إلى إيجاد الحلول المتوازنة التي تراعي مطالب الجميع ومصالحهم. أما استخدام منطق القوة والتلويح بغير ذلك من أساليب لي الأذرع فهو رهان خاسر على المدى القريب والبعيد ولا يخدم مصالح أحد، بل يتعارض مع مصالح شعوب المنطقة ويصعد حالة عدم الاستقرار والتوتر فيها.
أجهزتنا الأمنية تتابع العصابات الخارجة على القانون التي تحاول خلط الأوراق عبر عمليات القصف الصاروخي هنا أو هناك، ولدينا معتقلون ومتورطون سيعرضون على القضاء. مسارنا واحد هو مسار الدولة العراقية واحترام قوانينها واتفاقاتها وقراراتها، قرار السلم والحرب هو قرار الدولة وليس قراراً يتخذه أفراد هنا أو مجموعات هناك، وأي تجاوز على قرار الدولة سيواجه بسلطة القانون وملاحقة المتسببين به بما يحكم به القضاء.
يعتقد البعض أن بإمكانه اتخاذ القرار نيابة عن الدولة، وهؤلاء ثلة مجرمة خارجة على القانون سنلاحقها ونكشف نواياها الخبيثة. في الواقع أن بعض المتنمرين على الدولة ونظامها وقوانينها وسيادتها انساقوا وراء أوهامهم التي خدمتها ظروف معينة، لكن الظروف تغيرت الآن، ولن نسمح بالمزايدات التي كان ضحيتها الشعب العراقي. إن تطلعات شعبنا هي ما يحكم مسارنا وأي خيار آخر يصطدم مع إرادة شعبنا سيمنى بالهزيمة.
إن استخدام الأراضي العراقية لتوجيه رسائل سياسية مسموح فقط عندما يكون من خلال القنوات الدبلوماسية والأساليب السياسية. وهذا ما نقوم به اليوم بمسؤولية تجاه شعبنا وانطلاقاً من دورنا في تكريس التهدئة في المنطقة. أما أن تكون الرسائل صاروخية أو إرهابية فذلك ما لن نسمح به، وليس من حق أي دولة أن توجه رسائل إلى الآخرين على حساب أمن شعبنا واستقراره، والعراق حكومة وشعباً وقوى سياسية يرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية.
> إلى أين تتجه العلاقات بين بغداد وواشنطن؟ هل تصر إيران على انسحاب عسكري أميركي كامل من العراق؟ وهل يحل «الناتو» محل القوات الأميركية؟ وهل الدور العسكري الأميركي ضروري لكم لمواجهة إطلالات «داعش» الجديدة؟
- تحكم علاقاتنا مع واشنطن اتفاقيات وتعاقدات مقرة من السلطة التشريعية. ونحن نفهم ما يجمعنا من اتفاقيات على أنها لا تخرج عن إطار التمسك بسيادتنا الوطنية وحرمة ومصالح العراق. وقد جرى التأكيد في كل مناسبة يجري الحديث فيها عن العلاقات بين العراق والولايات المتحدة وتواجد قواتها أو قوات التحالف الدولي على أنها لا تخرج عن هذا الإطار.
لقد احتاج العراق إلى مساعدة دولية في الحرب على تنظيم «داعش»، وهو ما دفعنا لإطلاق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية لوضع ترتيبات ما بعد الحرب على هذا التنظيم، وهو يرتبط أساساً بالتدريب والدعم اللوجيستي وما يتطلبه العمل المشترك ضد «داعش» والإرهاب وإنهاء وجوده في البلاد.
إن قرار وجود القوات الأجنبية بغض النظر عن هويتها ومرجعيتها يعود إلى العراق وحكومته، ولا علاقة له بأي قرار أو رغبة أخرى. فهي في نهاية الأمر مسألة سيادة وقرار وطني.
> كيف تنظرون إلى التحسن الحاصل في العلاقات مع السعودية على مستويات مختلفة، وهل ستزورون الرياض قريباً؟
- نحن نحرص على إقامة أفضل العلاقات مع عمقنا العربي وجيراننا ومختلف بلدان العالم. وتجمعنا مع المملكة العربية السعودية علاقات أخوة وتاريخ مشترك وثقافة ومصالح دائمة. ونحن نشعر بالارتياح من تطور العلاقات بين بلدينا، والتصاعد الملموس للتعاون البيني على صعيد التبادل التجاري والاستثماري وسوى ذلك من ميادين حيوية. هناك زيارات متواصلة للمسؤولين في البلدين، وعقدت مع أخي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز اجتماعاً مرئياً ناجحاً للمجلس التنسيقي العراقي - السعودي ونحن متواصلون بشكل دائم، وليس هناك أي عائق أمام الزيارات المتبادلة سوى ظروف جائحة «كورونا» والترتيبات الخاصة بالتزامات الطرفين.
> ثمة من يتحدث عن احتمال ولادة محور يضم العراق ومصر والأردن. هل هذا مطروح فعلاً؟ وما هو المشرق الجديد الذي تحدثت عنه؟
- ليس في توجهنا الدخول في محاور أو تجمعات توحي بانحياز أو عزلة أو تفضيل إلا ما من شأنه أن يساهم في إشاعة بيئة عمل مشترك لصالح شعوبنا وبلداننا. وقد يكون مفيداً إرساء أسس علاقات نموذجية مع هذا البلد العربي أو الإقليمي أو ذاك من دون أن يدفع إلى التمحور السلبي. وفي هذا الاتجاه نعمل على تعزيز علاقاتنا مع الشقيقة مصر والجارة المملكة الأردنية الشقيقة.
إن أساس مفهوم المشرق الجديد هو تغليب المصالح المشتركة لدول المنطقة على الشكوك والأوهام، نمتلك في هذه المنطقة كل المقومات التي تسمح ليس ببناء أمن مشترك فقط بل التأسيس لنظام تعاون عميق يسمح لنا جميعاً بترجمة إمكاناتنا ومشتركاتنا البشرية والثقافية وثرواتنا الطبيعية إلى منظومة تعاون منتجة في العالم بدل آلية صراع وأزمات، ويتم كل ذلك ابتداء من خلال البناء على المشتركات، وأيضا تحديث مفاهيمنا، فالإرهاب هو العدو الأول لكل المنطقة، والشكوك وانعدام التواصل والبناء على الانطباعات غير المؤسسية وإهمال المشتركات، من ضمن أمراض المنطقة التي يجب معالجتها.
الذهاب إلى المستقبل يحتاج من الجميع استخدام أدوات المستقبل لا الركون إلى الماضي. المنطقة رغم كل أزماتها وتقاطعاتها مستعدة لهذا الخيار.
> هل تعتقد أن مشروع استعادة الدولة يتقدم رغم اغتيال الناشطين وتطاير الصواريخ والسلاح المتفلت؟ هل تتوقعون نتائج فعلية من الانتخابات المبكرة؟
- أشرنا منذ اليوم الأول لتولي هذه الحكومة إلى أن العراق يعاني تجاذباً حاداً بين «الدولة» بكل مقوماتها وقيمها وقوانينها والمدافعين عنها والمؤمنين بضرورة تقويتها كحتمية تاريخية، وبين قوى «اللادولة» بكل ممانعاتها وعراقيلها ومحاولاتها المتعمدة وعلى صعد مختلفة لتهشيم الدولة أو كسر هيبتها أو تفتيت قدرتها على حماية ورعاية شعبها وتحقيق الاستقرار والازدهار وحماية المستقبل.
ليس خافياً أن العراق منذ إطاحة نظام صدام حسين الاستبدادي عاش في ظل ظروف صعبة ومعقدة، لم يتهيأ فيها ما يستجيب لتطلعات شعبنا باستكمال إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. وقد كان للإرهاب التكفيري وبقايا نظام «البعث»، والصراع الطائفي المؤسف، وانفلات الوضع الأمني، ومظاهر الفساد، ومقاومة الإصلاح والتغيير الإيجابي وتكريس الوحدة الوطنية ومعافاة الحياة السياسية، دور في الحيلولة دون التقدم على مسار إعادة بناء منظومة الدولة الوطنية وفقاً للسياقات الدستورية. وكما هو واضح فإن بعضاً من هذه العوامل ما زال يضغط بالاتجاه المعرقل ذاته. ويشكل الفساد المالي والإداري عاملاً ضاغطاً بين العوامل الأخرى. ومن هنا فإن مشروع استعادة الدولة عملية ديمومة سياسية بالدرجة الأولى تترابط مع سائر العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية أيضاً. وهي تحتاج إلى إشاعة بيئة تصالحية مجتمعية، وإرادة سياسية للنهوض بمهمة استعادة الدولة واستكمال بنيانها والنهوض بكل ما يجعل منها حاضنة لكل العراقيين على قاعدة المواطنة الحرة المتساوية. ومن هنا ينبغي النظر إلى مشروع استعادة الدولة بوصفه عملية تراكمية لا تتوقف على جانب تفصيلي أو جزئي، بل على كل موحد متضافر سواء على صعيد عمليات البناء أو المقومات العملية والأسس الضامنة للنهوض الناجح بها، وما إذا كان يمكن الشك بـ«نتائج فعلية» من أي انتخابات أو فعل سياسي.
إن الانتخابات المبكرة مطلب شعبي عبرت عنه بوضوح كل قوى المجتمع. وأيدته المرجعية الرشيدة وجميع القوى سواء عن حق أو مسايرة للموجة الشعبية. الانتخابات النزيهة العادلة هي جوهر واجبنا في هذه الحكومة من أجل استكمال ترميم الثقة التي ثلمت للأسف بين الشعب والمؤسسات التي تمثل الدولة.
> تبدو الحكومة العراقية وكأنها تقيم في منطقة صعبة بين طهران وواشنطن وبين المرشد الإيراني والسيستاني. هل يستطيع العراق أن يكون دولة طبيعية مستقلة عن الوصايات؟
- قدر العراق أن يكون دولة مستقلة عن الوصايات، بل إن قدر الشعوب كان دائماً رفض الوصاية الأجنبية، ولا يمكن القول إن العراق كدولة اليوم يعيش تحت الوصاية سواء الدولية أو الإقليمية، لكن هناك ظروفاً سياسية وأخطاء جسيمة ارتكبت بحق الشعب العراقي طوال العقود الماضية ساهمت في تحول العراق في مراحل سابقة إلى ملعب لطموحات ومغامرات وفائض العنف الفكري أو التسليحي إقليمياً ودولياً. اليوم الدولة تحاول استعادة توازنها، وتحقق نجاحاً على صعيد فرض هذا التوازن على حسابات الجميع. وتكريس العلاقات الإيجابية مع الجوار والمجتمع الدولي وروح الحوار والمسؤولية الوطنية هي مفاتيح استعادة الدولة ورفض تحولها إلى ملعب للآخرين من جديد.
نحن نتحرك في منطقة يفرض قوانينها رغم كل الصعوبات والتعقيدات شعبنا العراقي بإرادته الوطنية ومن دون قبول لأي وصاية من أي جهة.
> هل يحول سلاح الفصائل دون التعرض جدياً لمنفذي اغتيالات الناشطين ويمنع التصدي لــ«حيتان الفساد»؟
- قطعنا خطوات على صعيد مطاردة واعتقال منفذي الاغتيالات وأسقطنا أكبر مجموعة للموت في البصرة مؤخراً، وهناك عشرات المعتقلين والمطلوبين بسبب التحقيقات في عمليات الاغتيال. ونحن كما قلنا نختار ضمن سياق الدولة وتحقيقاتها الوقت المناسب لمعركتنا التي لم تتوقف ضد عصابات الاغتيال والخطف والابتزاز وتجارة المخدرات وكلها مترابطة.
والمعركة ضد الفساد بدأناها بجرأة رغم كل الممانعات والتهديدات والتسقيط الذي تلقيناه، وشكلنا لجنة مختصة بمكافحة الفساد والجرائم الاستثنائية ونجحنا في كشف العديد من أعمال الفساد وهناك محاكمات وأحكام صدرت بحق فاسدين لم يجرؤ أحد على الاقتراب منهم سابقاً.
وسبيلنا لتحقيق برنامج حكومتنا يعتمد الآليات الدستورية واعتماد القانون والابتعاد عن تسييس عمليات مواجهة الفساد والعصابات الإجرامية والسلاح المنفلت. إن متابعة موضوعية لما تحقق خلال الفترة الوجيزة من نشاط الحكومة ستظهر من دون صعوبة ما أنجز من خطوات بعيدة عن الضجيج الإعلامي أو المبالغة السياسية أو الادعاء في التصدي للفساد وللانتهاكات التي تعرض لها المواطنون أو لملاحقة فلول «الدواعش» والفرق التكفيرية وعصابات الإجرام والمجموعات المنفلتة.
> هل تطمح إلى ولاية ثانية في رئاسة الوزراء، ولماذا لم تترك رئاسة جهاز المخابرات؟ وهل كشفت الأجهزة محاولات لاغتيالك؟
- لقد تم اختياري لإنجاز برنامج مرحلة انتقالية موصوفة ومحددة. وما أتمناه في هذا الظرف الدقيق أن أنجح في تحقيق ما أنيط بي من مهام ومسؤولية وطنية. ولست في وارد تعريض هذه المهمة إلى ما ستطرحه النتائج التي تفرزها الانتخابات القادمة وتوازناتها. موقعي يسمح لي بالإشراف على القوات المسلحة، ولا يغير من ذلك استمراري في مسؤولية جهاز مهم من أجهزتها الأمنية. ما يهم بالنسبة لي هو التحفيز على اليقظة الدائمة لأجهزتنا في كشف الخلايا الإرهابية والقوى المتربصة بنا والتحركات التي تستهدف أمن البلاد وسلامة الشعب.
إن طبيعة المسؤولية التي أتصدى لها لخدمة بلادنا وشعبنا في هذا الظرف الاستثنائي على المستويات الاقتصادية والصحية والأمنية والسياسية لا تتيح فرصة الانشغال بخيارات شخصية. هدفي وكل تركيزي اليوم ينصب على العبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان وعدم السماح بعودة العراق إلى منطقة الخطر على أمن شعبنا ووحدته ومستقبل أجياله. واجبي أمام شعبنا وأمام التاريخ يتركز على حماية مسار الدولة وتكريسه وتوضيح حدوده، بما لا يسمح اليوم أو مستقبلاً، وبصرف النظر عن العناوين تعريض شعبنا إلى الخطر مرة أخرى.
> هل تعتقدون أن العلاقات بين بغداد وأربيل تتسم اليوم بما يفترض أن تكون عليه؟
- إذا كان السؤال يراد منه المقارنة بين واقع العلاقة وطموحنا المشترك في الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الوطنية باستعادة الدولة على قاعدة الدستور وتلبية مطالب مواطنينا في إقليم كردستان، فهي لا تتسم بما نفترض أن تكون عليه. ومهمة الحوار الدائر الآن والمتواصل بين وفود الإقليم والحكومة الاتحادية هو تحقيق ما نصبو إليه من رضا في العلاقات المشتركة مع أشقائنا في الإقليم الذين نريد لهم كل ما نريده للعراقيين في سائر أنحاء البلاد. لقد سعت الحكومة عبر ما اقترحته من أوراق عمل ومشاريع إلى إنهاء الإشكاليات التي تتسم بها علاقاتنا بالإقليم. ويظل القرار في نهاية المطاف رهن ما يصوت عليه البرلمان سواء ما يتعلق بالموازنة أو سواها.
إننا نؤمن بأن الوفاء بالتزامات كل منا في إطار الدستور وتفكيك أي تعقيد يشوب العلاقة مع الإقليم عامل أساسي في معافاة الحياة السياسية وتكريس الاستقرار وإلحاق الهزيمة بالإرهاب والقوى التي تستهدف النيل من العراق.
> كيف تنظرون إلى الوضع الحالي في سوريا وانعكاساته على استقرار العراق؟
- كنا ولا نزال نعتبر خير سوريا خيراً لنا، وما يضرها ويلحق الأذى بشعبها هو إضرار بنا وبمصالح شعبنا، لأننا نرى أن ما يجري في سوريا ينعكس على محيطها والعراق بشكل خاص، سواء شئنا أو لم نشأ.
ونحن إذ نتطلع إلى إيجاد الحلول المناسبة لما تواجهه الشقيقة سوريا فإننا نرى في ذلك شأناً يخص سوريا والشعب السوري يستحق دعمنا وتضامننا. إن خطر الإرهاب «الداعشي» الذي يجد حواضن له على حدودنا مع الشقيقة سوريا يشكل تهديداً لبلدينا وشعبينا وهو ما يستأثر باهتمامنا على صعيد العلاقات بيننا. ويهمنا أن تتضافر جهودنا لإلحاق الهزيمة به وتصفية وجوده.
> كيف تصفون العلاقات الحالية بين بغداد وبيروت؟
- علاقاتنا مع الأشقاء في لبنان جيدة وواعدة. ونحن نتواصل معهم ونتعاطف مع ما يبذل من جهود لتجاوز الأزمة التي تواجههم ونتشارك مع المجتمع الدولي في تأمين كل ما من شأنه تخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية على المواطنين اللبنانيين ومد يد المساعدة الأخوية لهم قدر ما تسمح به ظروفنا.
> إلى أي حد يقلقكم استمرار العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية؟
- إننا نقلق من كل ما يمس سيادتنا ومصالحنا، من أي جهة جاء. لكن ما يمكنه أن يبدد قلقنا الروابط الإيجابية بالجارة تركيا والرغبة في التعاون المثمر لحل أي إشكال يحول دون تطوير وتعزيز علاقاتنا على كل صعيد. ولا نخفي ما يعبر عنه اهتمام الرئيس التركي من رغبة جادة في تبديد أي قلق قد ينال من علاقاتنا المشتركة. وقد شعرت بذلك منه شخصياً، مما يشكل بالنسبة لي عاملاً تطمينياً.
> كيف تصف علاقاتك الحالية بالرئيس برهم صالح الذي اتخذ منذ البداية موقفاً داعماً لك؟
- تجمعني مع الرئيس صالح علاقة وطيدة على المستوى الإنساني كما تجمعنا مشتركات كبيرة في رؤية الأزمات وطرق حلها. وهذه العلاقة المتميزة ساعدت في عكس صورة التعاون بين الرئاسات للناس بدلاً عن سمة التصادم والانقطاع التي كانت سائدة للأسف سابقاً. إن الرئاسات الثلاث تمارس نشاطها بانسجام وتعاون ملموس، ما يشيع جواً من التضافر لإنجاز مهامنا.



الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟