الصراعات شكلت المجتمعات والمجتمعات أنتجت صراعات في دورة لا تتوقف

البروفسورة ماكميلان ترى في كتابها الجديد أن السلام ليس الحالة الطبيعية للبشر

مارغريت ماكميلان
مارغريت ماكميلان
TT

الصراعات شكلت المجتمعات والمجتمعات أنتجت صراعات في دورة لا تتوقف

مارغريت ماكميلان
مارغريت ماكميلان

نسي الجيل المعاصر من الغربيين الحروب وويلاتها بعدما انتهت «عالميتهم الثانية» منذ خمسة وسبعين عاماً، وعمّ السلام (الباكسأميركانا على نسق الباكسرومانا - فترة السلام الطويل في عصر الإمبراطوريّة الرومانيّة) الهادئ مثل ربوع دول الشمال في أوروبا واليابان والعالم الأنغلوفوني، فيما انتقلت الصراعات بعيداً إلى الأطراف القصيّة وشاشات التلفزة، وأصبحت تمس أنواعاً مختلفة عنهم من البشر. ويكاد يسود -كما تقول البروفسورة مارغريت ماكميلان مؤلفة كتاب «الحرب: كيف شكلتنا الصراعات»- إحساس عام موهوم بأن السلام هو الحالة الطبيعيّة للبشر، في حين أن الحقيقة «أن تاريخهم بأغلب مفاصله شكّلته الحروب: ستجدها دائماً في كواليس مؤسساتهم الاجتماعيّة والسياسيّة، ومنطلقاً رئيساً لقيمهم وأفكارهم». ولذلك فإن أي محاولة لفهم ماضي أي مجتمع -وحاضره- تتطلب بالضرورة العبور من الأدوار التي كانت للحروب، سواء كنا نتحدّث عن العصور القديمة أو الوسطى أو عصر النهضة أو العصر الرأسمالي الحديث منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم.
ليس الأمر مسألة مرتبطة بالتأريخ كمنهج نظري فحسب، بل إن كثيرين من علماء الإنسانيات (الأنثروبولوجيا) المعاصرين يزعمون أن فكرة انتظام البشر في مجتمعات إنما كانت مرتبطة منذ اليوم الأوّل بالتأهب لخوض الصراعات المسلّحة: إذ تتطلّب الإدارة الفاعلة لأعمال القتل الجماعي ضد آخرين هيكليّة تحدد من يعطي الأوامر ومن يتلقاها، كما ترتيبات لوجيستيّة أشد تعقيداً من الأنشطة الإنسانيّة السلميّة الطابع؛ ارتباط تراه ماكميلان جدليّاً: الصراعات شكلّت المجتمعات، والمجتمعات أنتجت صراعات، وهكذا في دورة لا تتوقف.
ورغم أنّ «الحرب» من ناحية المفهوم اللغوي تبدو قريبة للأذهان، فإنّها ما تلبث تناور عند محاولة القبض على تعريف محدد لها، بالنظر إلى أنّها اتخذت أشكالاً متفاوتة كثيرة عبر الحقب، وهو أمر اشتكت منه ماكميلان ذاتها، الخبيرة بالحروب، لتنتهي إلى توصيفها بأنها «عمل منظّم من أعمال العنف ضد منظومة أخرى بهدف نهائي متمثل في إجبار الجانب الآخر على الخضوع». ويعني هذا التوصيف عندها أن جزئيّة «التنظيم» هي المفتاح، فصراع أفراد في الشارع -بغض النظر عمّا يمكن أن نسميه- ليس حرباً، إذ لا بدّ أن ينطوي الصراع على هيئات منظمة توقع العنف على هيئات منظمة أخرى كي يتأهل لتسمية الحرب، سواء كان ذلك صراعاً بين طوائف دينية متنافسة أو اقتتال أهلي بين قوميّات أو إثنيّات أو تيّارات سياسيّة، أو نزاع مسلّح بين دولتين، أو عدة دول.
وتفرّق ماكميلان بين الدّوافع البشريّة إلى شن الحروب على مستويين، فهناك دوافع تؤدّي بمنظّومة كبيرة -سواء كانت إقطاعية أو دولة أو مملكة أو إمبراطورية- لخوض الحرب، وهذه يمكن أن تتراوح من الغزو لتحقيق المكاسب (أراض، وموارد،... إلخ) أو الدفاع ضد اعتداء آخرين، إلى مسائل معنويّة، كالكرامة الوطنيّة واسترداد الشرّف. ثم هناك الدوافع التي تلهم الأفراد -بصفتهم أفراداً- للذهاب إلى الحرب التي يمكن أن تكون أكثر تعقيداً بما لا يقاس. وقد لعبت ثقافة الشعوب هنا دوراً مهماً -مفاجئاً في كثير من الأحيان- إذ مالت بعض الثقافات القديمة مثلاً إلى تمجيد القتال (النساء أحياناً، ولكن الرجال أساساً)، وترعرعت أجيال من شبانها على أن خوض المعارك أنبل الأشياء التي يمكن للإنسان القيام بها في حياته، ومنهم كثيرون طامحون أرادوا إظهار كفاءتهم في خضّمها، أو هم -كما كان الحال في الجمهوريّة الرّومانيّة وبريطانيا إبّان الحرب العالميّة الأولى- يقعون تحت ضغوط اجتماعيّة لا ترحم تدفعهم للمشاركة في العمل العسكري المنظّم، بينما يتعرّض المستنكفون للعزل والعار وتشويه السمعة، وربّما السجن أحياناً. وهي ترى الثورة الفرنسيّة غيّرت بشكل جذري من نظرة أوروبيي العصور الوسطى تجاه الانخراط في القتال بصفته واجباً دينياً أو ولاءً للملك إلى نوع من المسؤولية الجمعيّة التي يحملها المواطنون بالتساوي لناحية حماية الدّولة التي هي ملكهم بالتضامن. وتخلق الروابط الرّفاقيّة المكثفة بين عناصر فرق القتال -وفق عشرات المذكرات التي تركها جنود في الحربين العالميتين- حافزاً لدى بعضهم لكي يقاتلوا من أجل رفاقهم، وخوفاً من خذلناهم في وقت الشّدائد.
ولعل واحدة من المفارقات الكثيرة للحرب التي يطرحها كتاب «الحرب: كيف تشكلنا الصراعات» أنها دفعت في كثير من الأحيان إلى تحقيق التقدم المادي والتقنيّ. فبعض الأشياء التي تبدو مستحيلة في زمن السلم، تصبح ممكنة زمن الحرب، حين تجد الحكومات نفسها على المحكّ، فتتولى تدبير المصادر لتمويل مشاريع طموحة لم تكن لتجرأ عليها ربّما في أوقات مستقرّة، لا سيما أن السلطات يمكنها بحكم التهديدات الوجوديّة فرض ضرائب استثنائيّة، ويتقبّل جلّ الجمهور الحاجة المستجدة لتعبئة جميع الموارد الوطنية، ولا يجرأ كثيرون عندئذ على الاعتراض. ولعل أهم مثال معاصر لنا هو مشروع «مانهاتن» الأميركي لتطوير أوّل قنبلة نوويّة. لقد استهلك ذلك المشروع من الموارد التي لو وظّفت في قطاعات أخرى لقضت على الفقر تماماً في الولايات المتحدّة، لكن أغلبية الأميركيين خلال الحرب العالميّة الثانيّة كانت تحت وهم الاعتقاد بأنّ إنتاج السلاح أولويّة وطنيّة فوق أي اعتبار آخر. وتقول ماكميلان إن تطوير الأسلحة النوويّة لأغراض الحرب والقتل الجماعي مكن في الوقت ذاته من استكشاف التطبيقات السلميّة الكثيرة للطاقة النووية. والبنسلين قد يكون مثالاً آخر، إذ اكتشفه ألكسندر فليمنغ عام 1928، لكن تكاليف إنتاجه بكميّات كبيرة كانت مرتفعة للغاية، ولم يتم تجاوزها إلا عندما حدث سفك الدّماء المليوني في الحرب العالمية الثانية، لتجد الحكومات طرائق مختلفة لجعل تلك النفقات محتملة، وتوفيره بصفته علاجاً مجانياً للجرحى، وبأسعار ميسّرة للمواطنين.
ويذهب مؤرخون اقتصاديون معاصرون إلى الزّعم بأن الحروب شكلّت دائماً نوعاً من الضغوط الحاسمة لتقليص الفجوة الاقتصاديّة بين طرفي المجتمع -الذين يملكون والذين لا يملكون- ومنحت الشرعيّة لتدّخل واسع للدولة على نحو فرض تقريب القطبين من بعضهما، سواء من خلال فرض ضرائب إضافيّة على المقتدرين، وكذلك منع تدهور أوضاع الطبقة الأقل حظاً. ووفق ماكميلان دوماً، فإن دراسات متقاطعة قالت إن البريطاني (العادي) كان أفضل تغذية خلال الحرب العالمية الثانية منه في أي وقت مضى. وربما شهدت الفترة من عام 1914 إلى الستينيات أكبر قدر من المساواة الاقتصادية في المجتمعات الغربية، وهي الفترة الصعبة ذاتها التي شهدت حربيين عالميتين.
وما عدا التقدّم الاقتصادي، بصفته عَرَضاً جانبياً للحرب، فإن التقدّم الاجتماعي كثيراً ما كان أيضاً مرتبطاً -في الغرب تحديداً- بفترات صراعات دمويّة. وتقدم ماكميلان مثالاً ملهماً من بريطانيا التي كانت النساء فيها حتى الحرب العالميّة الأولى محرومات من التصويت، رغم الحملات البطوليّة التي نفّذتها نساء رائدات دعون للمساواة مع الرّجال، إذ كان الانطباع العام -بما فيه أوساط النساء أنفسهن- أنهن غير مؤهلات لاتخاذ القرارات المهمة، وليست لهن القدرة على القيام بالوظائف الشاقة نفسها التي يقوم بها الرجال. ومع ذلك، فخلال الحرب العالمية الأولى، عندما أُرسل الرجال بعيداً للقتال، ولم يعد منهم كثيرون، فإن كثيراً من الوظائف المخصصة للذكور تقليدياً تولتها نساء. وقضت تجربة الحرب تلك على كل الأوهام المتعلقة بإمكاناتهن، بعد أن اتضح أن البريطانيات قدّن، وربّما بشكل أفضل من رفاقهن الرجال أحياناً، عمليّات الإنتاج والإدارة، من قيادة الجرارات إلى العمل على خطوط تجميع المصانع وإدارة المكاتب، ناهيك من المشاركة الفاعلة في مختلف الأنشطة اللوجيستيّة للمجهود الحربي. وبعد أن توقفت المدافع، تبخّرت كل معارضة لحصول النساء على التصويت كأنها لم تكن.
ولكن هل ستكون الحرب دائماً ممراً للبشريّة لا مفر منه نحو تحقيق تقدم نوعي في الاقتصاد والاجتماع؟ تضرب المؤلفة مثلاً من نهاية الحرب الباردة عندما توارى الاتحاد السوفياتي وراء جدار الماضي، وذهب المحللون قصيرو النظر إلى القول بنهاية التاريخ وانتهاء الصراعات الكبرى، ثم حدث غزو العراق عام 2003، والحرب في أفغانستان، والآن هناك صراعات ما زالت مفتوحة معقدّة في سوريا، وبين أذربيجان وأرمينيا، ولا شكّ ستتطور بالغد صراعات أخرى، وجميعها سيكون لها إسقاطات مختلفة على مجتمعاتها. في المقابل، ترى المؤلفة أن معظم المواجهات لن تكون عبر قتل الناس بعضهم لبعض في المعارك مباشرة، بل قد تأخذ شكل حروب سيبيريّة لشل النّظم التي يعتمد عليها العدو، دون حاجة لإنزال الجنود على أرضه أو رسو السفن قبالة مواقعه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة حروباً نظيفة، لأن مجرد النظر إلى مدى اعتماد المجتمعات الآن على عشرات الشبكات المحوسبة في كل عمليّات الإنتاج والبنية التحتية والتشغيل اليومي والأمني والاقتصادي، قد تدفعنا للهلع. ولذلك هي لا تمنحنا أي تأكيدات إيجابيّة بشأن المستقبل، وننتهي من قراءة «الحرب: كيف تشكلنا الصراعات» بقناعة واثقة، مفادها: الحروب لن تنتهي من الحيثيّات الإنسانيّة في أي وقت قريب.
«الحرب»: كيف شكلتنا الصراعات
War: How Conflict Shaped Us, MacMillan, Margaret
المؤلفة: مارغريت ماكميلان
الناشر: «راندوم هاوس» - أكتوبر (تشرين الأول) 2020



المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.