العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب متوقعة بدءاً من فبراير

ترقب سعي ترمب إلى ترتيب اتصال ثلاثي يجمعه بمحمد السادس ونتنياهو... والمغرب يتحدث عن «إعادة الاتصال» بإسرائيل وليس التطبيع

اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)
اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب متوقعة بدءاً من فبراير

اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)
اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)

هيمن الإعلان عن إقامة علاقات بين المغرب وإسرائيل، برعاية أميركية، على المواقف السياسية في كل من المملكة المغربية والدولة العبرية، وسط توقعات بأن يسعى الرئيس دونالد ترمب إلى ترتيب اتصال ثلاثي يجمعه بالعاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لرسم معالم الخطوات المقبلة في خصوص إقامة العلاقات الدبلوماسية المتوقعة بدءاً من فبراير (شباط) أو مارس (آذار) المقبلين. وفيما لفتت الرباط إلى أن «إعادة الاتصال» مع تل أبيب ليست تطبيعاً كون العلاقات كانت موجودة أصلاً حتى العام 2002، برز ترحيب واسع في المغرب بالإعلان الأميركي عن الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو موقف ترافق مع الإعلان عن إقامة علاقات بين إسرائيل والمغرب.
وقال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أمس، إن التطور الأخير في العلاقات بين الرباط وتل أبيب «ليس تطبيعاً»، مشيراً إلى أن «المغرب كان لديه مكتب اتصال حتى عام 2002، وأن بعض القرارات التي تطلبت إعادة الاتصال مع إسرائيل لا تعد تطبيعاً». ونفى بوريطة، في تصريحات لوكالة «سبوتنيك» الروسية، أن يكون الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على الصحراء جاء مقابل إعادة العلاقات مع إسرائيل، خاصةً أن هناك علاقة بين المغرب وإسرائيل منذ عقد التسعينات، بحسب ما نقل عنه.
وقال سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (مرجعية إسلامية)، للقناة التلفزيونية الأولى المغربية، إن الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على كامل صحرائه يعد «إنجازاً كبيراً»، معتبراً أن هذه الخطوة «ستؤثر على مسار قضية الصحراء المغربية في السنوات المقبلة إذا لم نقل في الشهور المقبلة». واعتبر أن عزم الولايات المتحدة فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة، ثاني كبريات مدن الصحراء، هو اعتراف «عملي وواقعي».
ولم يشر العثماني إلى قرار المغرب إقامة علاقة دبلوماسية مع إسرائيل. ولاحظ مراقبون أن حزب «العدالة والتنمية» التزم حتى مساء أمس الصمت، واكتفى موقعه الرسمي على الإنترنت بنشر بياني الديوان الملكي الصادرين مساء الخميس. في سياق ذلك، كتب مستشار الحزب نزار خيرون على «تويتر» قائلاً «الصحراء_مغربية ومغربيتها ثابتة تاريخياً وواقعاً، وإسرائيل كيان محتل ومغتصب للحق الفلسطيني تاريخياً وواقعاً». لكنه لم يعبر عن أي انتقاد مباشر لبيان الديوان الملكي بشأن العلاقة مع إسرائيل.
لكن بعض «صقور الحزب» انتقدوا في تدوينات على «فيسبوك» خطوة «التطبيع»، ومنهم النائب المقرئ الإدريسي أبو زيد، الذي وصف ما وقع بأنه «الخراب القادم»، متسائلاً «كيف إذا أصبح لمليون مغربي إسرائيلي حق التصويت بمسمى أنهم من مغاربة العالم؟».
بدورها، كتبت النائبة أمينة ماء العينين، المنتمية إلى «العدالة والتنمية»، تدوينة على «فيسبوك»، انتقدت فيها محاولة «خلق تقابل بين قضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية»، معتبرة أن ذلك «يضر بالقضية الوطنية التي لا يمكن كسبها من دون تكريس مبدئيتها باعتبارها قضية عادلة». وأوضحت أن المغاربة «لن يتخلوا عن الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة والمشروعة»، وأن التطبيع لن ينجح «في بنية ظلت تقاومه لعقود بإصرار».
من جهته، أشاد بيان للمكتب السياسي لحزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض بموقف الرئيس ترمب باعتراف واشنطن «للمرة الأولى في تاريخها، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة مناطق الصحراء المغربية»، وهو موقف «تاريخي حاسم وغير مسبوق في تطورات قضية وحدتنا الترابية». وثمن الحزب إعلان العاهل المغربي «الواضح والصريح»، بكون المغرب «يضع دائماً القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبداً، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة». وأعلن الحزب تأييده للرعاية التي يخص بها العاهل المغربي «بصفته أميراً للمؤمنين، اليهود المغاربة في إسرائيل أو في مختلف بقاع العالم بصفتهم رعايا مغاربة»، كما أعلن تأييده قرار «تسهيل الرحلات الجوية» المباشرة لنقل اليهود من أصل مغربي من المغرب وإليه، وكل القرارات التي تهم علاقات المغرب مع الخارج «بما فيها إسرائيل».
أما المكتب السياسي لحزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» (مشارك في الحكومة)، فقد ثمن «عالياً» قرار الولايات المتحدة «بالاعتراف الواضح والصريح بالسيادة الوطنية على أقاليمنا الصحراوية الغالية وفتح قنصلية في ربوعها»، معتبرا أن ذلك يعد «تحولاً تاريخياً غير مسبوق». وقال «هذا الاعتراف سيكون له ما بعده». وبالمقابل، سجل «الاتحاد الاشتراكي» بـ«اعتزاز وإكبار» تشديد الملك محمد السادس على «السلام واستكمال الحرية، في القضايا العادلة في العالم العربي والإسلامي، وعلى رأسها قضية فلسطين وعاصمتها القدس».
في السياق ذاته، اعتبر نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، أن القرار الأميركي لصالح مغربية الصحراء يعد «تحولاً تاريخياً لقضية الوحدة الترابية»، متوجهاً بتحية تقدير للعاهل المغربي على هذا «الإنجاز العظيم بالنسبة لوطننا وشعبنا»، وتأكيده على التشبث بـ«ثوابت بلادنا لمناصرة قضية فلسطين العادلة».
من جهتها، ثمنت منظمة الشبيبة الاستقلالية (منظمة شبابية تابعة لحزب الاستقلال المعارض) في بيان لها صدر مساء أول من أمس، الخطوة التي اتخذتها الإدارة الأميركية، وأشادت بمضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها العاهل المغربي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكدت «موقف المملكة المغربية الثابت ملكا وشعبا الداعم للقضية الفلسطينية، عبر حل الدولتين».
من جهته، أعلن عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، حمدي ولد الرشيد، نائب مدينة العيون في البرلمان، عن تنظيم تجمع خطابي في ساحة بالعيون، «دعماً للقرار الملكي وتثميناً لقرار الإدارة الأميركية». وينتظر أن تصدر قيادة حزب الاستقلال لاحقاً بياناً حول الموضوع.
بدورها، أصدرت «مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين» وهي هيئة تدعم فلسطين تضم شخصيات حزبية وجمعوية يسارية وإسلامية بياناً أمس بعنوان «فلسطين أمانة... ولا للتطبيع باسم الصحراء المغربية»، معبرة عن رفضها «مطلقاً لكل أشكال التطبيع الصهيوني كيفما كان مستواها وكيفما كانت طبيعتها وأيا كانت مبرراتها».
في سياق ذلك، قال وزير الخارجية المغربي إن «من ينتقدون هذا الاتفاق يعارضون سيادة المغرب على الصحراء».
ورغم معارضة أحزاب إسلامية وأخرى مناصرة للقومية العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل فإن آخرين يدعمون ذلك ومنهم ناشطون يؤيدون حقوق الأمازيغ. وقال الناشط الأمازيغي منير كجي إن «إعادة العلاقات مع إسرائيل نبأ طيب يخدم مصالح المغرب العليا».
في غضون ذلك، رحبت باريس الجمعة «باستئناف العلاقات الدبلوماسية» بين إسرائيل والمغرب، معتبرة أن نزاع الصحراء «طال أمده» ولا بد من إيجاد حل «عادل ودائم» له. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن «النزاع في الصحراء الغربية طال أمده ويمثل مخاطر دائمة باندلاع توتر»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
أما جبهة البوليساريو الانفصالية المدعومة من الجزائر فقد وعدت بمواصلة القتال في الصحراء. وقال وزير خارجيتها، محمد سالم ولد السالك لوكالة الصحافة الفرنسية، الجمعة إن القتال سيستمر حتى الانسحاب الكامل للقوات المغربية. وهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها جبهة البوليساريو عن مواصلتها القتال. وتعلن الجبهة يومياً عن تبادل لإطلاق النار على طول الجدار الرملي الأمني المغربي في الصحراء، وذلك منذ تدخل المغرب في معبر الكركرات الواقع عند الحدود المغربية - الموريتانية، وهو ما اعتبرته الجبهة خرقا لإطلاق النار بعد أن ظل سارياً منذ عام 1991.
ولم يعلن المغرب ولا بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو» عن أي عمليات لتبادل إطلاق النار، بينما أكد مسؤولون محليون في الصحراء المغربية «أن الوضع آمن، والطمأنينة تسود المنطقة، وأن المعارك تدور رحاها في مواقع التواصل الاجتماعي أكثر مما تدور على أرض الواقع».
وعد ولد السالك القرار الأميركي بأنه «باطل»، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي «لا يعترف ولن يعترف بأي سيادة مغربية على الصحراء الغربية».
ودانت روسيا أمس قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، معتبرة أنه يتعارض مع القانون الدولي. ونقلت وكالات الأنباء الروسية عن نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف قوله «هذا انتهاك للقانون الدولي».
وفي المنامة، رحب ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة مساء الخميس باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المملكة المغربية على «منطقة الصحراء المغربية» وافتتاح قنصلية أميركية في مدينة الداخلة باعتباره خطوة تاريخية مهمة تعزز من السيادة الترابية والحقوق المغربية في «الصحراء المغربية». وأشاد ملك البحرين، بحسب ما أوردته وكالة أنباء البحرين (بنا)، بما أعلنه الملك محمد السادس من إقامة الاتصالات الرسمية والعلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل الأمر الذي من شأنه تعزيز فرص تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة. ونوه ملك البحرين بالجهود الطيبة التي بذلها الرئيس ترمب لتسهيل التوصل إلى هذا الاتفاق.
وفي مسقط، قالت وزارة الخارجية العمانية الجمعة إن السلطنة ترحب بإعلان المغرب إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وتأمل في أن تعزز هذه الخطوة المساعي نحو إقرار سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط. وذكرت وزارة الخارجية العمانية في بيان «ترحب سلطنة عمان بما أعلنه الملك محمد السادس في اتصالاته الهاتفية بكل من الرئيس ترمب والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتأمل أن يعزز ذلك من مساعي وجهود تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط».
وفي طهران، وصف مسؤول إيراني كبير قيام المغرب بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بأنه «خيانة». وقال حسين أمير عبد اللهيان، وهو مستشار لرئيس البرلمان الإيراني، الجمعة إن تطبيع المغرب للعلاقات مع إسرائيل «خيانة وطعنة في ظهر فلسطين».
في غضون ذلك، قالت ثلاثة مصادر أميركية مطلعة إن الولايات المتحدة تتفاوض على بيع طائرات مسيرة كبيرة ومتطورة من طراز إم. كيو - 9 بي، وعددها أربعة على الأقل، إلى المغرب، وإن التشاور مع الكونغرس بشأن الصفقة المحتملة يتوقع أن يجري خلال الأيام المقبلة، بحسب وكالة «رويترز».
وفي تل أبيب، أكدت مصادر سياسية أن محادثات ستبدأ في القريب العاجل بين إسرائيل والمملكة المغربية في سبيل توقيع اتفاق رسمي لتطبيع العلاقات. وأعربت عن التقدير بأن إتمام المحادثات الأولية سيتم خلال شهر واحد، وأن العلاقات ستبدأ في فبراير (شباط) أو مارس (آذار) وكذلك خط رحلات مباشرة بين الرباط وتل أبيب. وأعلنت شركة الطيران الإسرائيلية «العال» أنها تستعد من الآن لتسيير رحلات مباشرة إلى المغرب في أسرع وقت. وأعرب مسؤول فيها عن تقديره بأنه مع فتح خط الطيران المباشر سيتم تسيير 30 رحلة في الأسبوع على الأقل بين البلدين، وأن بعض هذه الرحلات ستكون على خط مراكش – تل أبيب وأخرى على خط الرباط - تل أبيب، وأن وقت الرحلة سيستغرق 5 ساعات.
وكانت إسرائيل، حكومة ومعارضة وحتى على الصعيد الشعبي، قد رحبت بإعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن إطلاق العلاقات المغربية - الإسرائيلية. وتوقعت مصادر في تل أبيب أن تنظم الإدارة الأميركية مكالمة هاتفية ثلاثية بين الرئيس ترمب والملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يتم خلالها وضع جدول زمني للقاء المسؤولين من الطرفين تمهيداً لصياغة الاتفاقيات الرسمية حول العلاقات وكذلك حول التعاون المشترك، في مختلف المجالات، من الأمن والتكنولوجيا وحتى الزراعة والعلوم والثقافة.
وحاول وزير الأمن الإسرائيلي من حزب «كحول لفان»، بيني غانتس، ورفيقه في الحزب وزير الخارجية، غابي أشكنازي، أن يكظما غيظهما من قيام رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، باستبعادهما تماماً عن أسرار التطورات في العلاقة مع المغرب. وأكدا أنهما تلقيا المعلومات عن هذا التطور فقط قبل يومين، عندما اتصل بهما مندوب عن البيت الأبيض في واشنطن. ومع ذلك فقد أشادا بالاتفاق. وقال مسؤول في وزارة الأمن إن «هذا الاتفاق يعكس نسيج المصالح السياسية في الشرق الأوسط، ويؤكد على الوزن الجيوسياسي وتأثير الحلف الإقليمي على العلاقات» بين إسرائيل والعديد من الدول العربية. وأضاف المسؤول: «هذا الاتفاق يعد إنجازاً لملك المغرب بما لا يقل عن كونه إنجازاً لإسرائيل. وهذه هي ميزة اتفاقيات السلام. أن يشعر الطرفان بالرضا والربح».
وأعربت مصادر سياسية في تل أبيب عن تقديرها بأن تستمر وتتسع عملية السلام بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية. وتوقع أن تكون الدول القادمة، إندونيسيا وبروناي وسلطنة عمان.



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.