التلاعب بالمصادر... صراع الغايات والوسائل في الإعلام

التلاعب بالمصادر... صراع الغايات والوسائل في الإعلام

الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 30 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15343]

أثار فتح هيئة الإذاعة البريطانية الـ«بي بي سي» التحقيق في الطريقة التي أجريت بها مقابلة الأميرة ديانا الشهيرة عام 1995، الجدل مجدداً حول قضية طالما كانت محل نقاش، وهي هل يحق للصحافي التلاعب بالمصادر، وإخفاء هويته، للحصول على المعلومات؟ وهل ينطبق مبدأ ميكيافيلي الشهير «الغاية تبرر الوسيلة» على العمل الإعلامي؟... أم أن الصحافي مطالب بالشفافية والكشف عن هويته. وكانت الـ«بي بي سي» قد طلبت فتح تحقيق في الطريقة التي أجريت فيها مقابلة الأميرة التي بثت في نوفمبر (تشرين ثاني) عام 1995، وشاهدها نحو 22.8 مليون شخص، وقد تحدثت فيها ديانا عن «انهيار زواجها». وجاء التحقيق في أعقاب اتهام تشارلز سبنسر، شقيق الأميرة الراحلة، للصحافي الذي أجرى الحوار، مارتن بشير، بـ«استخدام أساليب ملتوية لإقناع ديانا بالحوار».
آراء خبراء الإعلام منقسمة في هذا الشأن. إذ يعتقد بعضهم بأن «على الصحافي أن يكون واضحاً مع مصادره، لأن ذلك صلب أخلاقيات المهنة»، بينما يرى آخرون أن «التخفي جائز في بعض التحقيقات الصحافية؛ لكن وفق القانون».
الدكتورة أروى الكعلي، وهي مدربة وباحثة وأستاذة بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار في تونس، ترى أن «الأصل هو أن يعرف الصحافي، مصادره بهويته، والوسيلة الإعلامية التي سينشر قصته عبرها، والموضوع الذي يعمل عليه»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أنه «يجب على الصحافي أن يستشير مصادره عندما يقوم بتسجيل المقابلات أو تصويرهم، وهذه القاعدة تقع في صلب أخلاقيات المهنة. كذلك يجب على الصحافي تجنب نشر معلومات، طلب منه المصدر الامتناع عن نشرها. وإذا كان الصحافي يسجل المقابلة، من أجل تدوين ملاحظات دقيقة، أو لحماية نفسه ومؤسسته عند النشر لاحقاً، لا يجوز له نشر هذه التسجيلات، لأنه لم يعلم المصدر بذلك».
في المقابل، يقول الإعلامي والأكاديمي المصري الدكتور محمد سعيد محفوظ، الذي سبق له العمل في الـ«بي بي سي»، أن «بعض القصص الصحافية تتطلب التحايل لكشف أسرارها... مع أنه لا ينبغي أن يكون التحايل بانتهاك القانون». ويضيف محفوظ لـ«الشرق الأوسط»، مستطرداً «الغاية تبرر الوسيلة... والتخفي جائز في بعض أنواع التحقيقات. وهو نوع من أنواع الكذب الذي يهدف لكشف جريمة سيترتب على وقوعها ضرر يلحق بالمجتمع، والشرط الأساسي هنا ألا يستخدم الصحافي في هذه الحالة، وسائل غير قانونية لإيهام المصدر بعكس الحقيقة، مثل تزييف الوثائق».
الصحافي الأميركي، رون إف سميث، في كتابه حول أخلاقيات الصحافة - الصادر عام 1983، وطباعته المحدثة حتى عام 2008 - يفرق بين نوعين من الخداع في العمل الصحافي: الأول، هو الخداع السلبي «الذي لا يكشف فيه الصحافي عن هويته، ويكتفي بالتظاهر بأنه شخص آخر. وهو ما فعله مرسل للواشنطن بوست في تقريره عام 1983 عن استغلال العاطلين بلا مأوى في العمل. أما النوع الثاني فهو الخداع الإيجابي، الذي ينطوي على انتحال الصحافي لشخصية أخرى، كما كان يفعل هاري رومانوف، الصحافي بصحيفة شيكاغو أميركان، عندما كان ينتحل شخصية طبيب أو ضابط شرطة، للحصول على الخبر».
الدكتورة الكعلي تلاحظ أن «هناك العديد من المؤسسات الإعلامية الكبرى، المعروفة بمهنيتها، تلجأ إلى ممارسات من قبيل التصوير بكاميرا خفية، أو العمل بشكل خفي، من أجل جمع المعلومات، ورواية القصص التي لم يكن من الممكن الوصول إليها دون اعتماد ذلك». إلا أنها تستدرك فتقول «لكل قاعدة استثناء، عندما يكون من الواضح أن المصلحة العامة تقتضي التخفي من أجل الحصول على معلومات من شأنها أن تكشف الفساد، أو في حال اضطر الصحافي لحماية نفسه، إذا كان هنالك خطر يهدده. لكن في كل هذه الاستثناءات، يجب أن يكون هنالك دافع قوي يبرر إخفاء هوية الصحافي».
أما محفوظ فيؤمن بأن «العمل الصحافي لا يقتضي استئذان المصدر قبل النشر في جميع الحالات، بدليل القصص الصحافية التي ساهمت في إزاحة الستار عن جرائم وقدمت مجرمين للعدالة»، متسائلاً «هل كان ذلك ليحدث لو تم استئذان المجرم قبل النشر؟».
عودة إلى سميث، الذي يشير إلى أنه «على مدار أكثر من 100 سنة أثارت قضية التخفي للحصول على المعلومات الجدل. وتاريخ الصحافة الاستقصائية يعود إلى تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما تظاهرت الصحافية نيللي بلي - واسمها الحقيقي إليزابيث كوكران - بأنها مختلة نفسياً، من أجل كتابة قصة عن الطريقة التي يعامل بها المرضى في مصحة بلاكويل للأمراض العقلية، وتنشرها في صحيفة النيويورك وورلد بعنوان «عشرة أيام في مأوى للمجانين...»... ووفق سميث «رغم نجاح هذا النوع من الصحافة في الكشف عن الكثير من القضايا؛ فإن الدراسات تشير إلى أن 70 في المائة من المراسلين والجمهور، يعتقدون أن انتحال المرء صفة أخرى، لا يمكن تبريره مطلقاً».
الكعلي تذكر في هذا المجال بأن «ميثاق أخلاقيات المهنة الجديد للاتحاد الدولي للصحافيين، ينص في النقطة الرابعة على أنه «لا يستخدم الصحافي أساليب غير عادلة للحصول على المعلومات والصور والوثائق والبيانات، ويعلن دائماً عن هويته، ويمتنع عن اللجوء إلى التسجيلات الخفية للصور والأصوات...».
حول قضية حوار الأميرة ديانا تقول الكعلي «في هذه القضية تحديداً، لا يبدو أن هنالك ما يبرر لجوء الصحافي للكذب. وأعتقد أن هذا هو السبب الذي دفع البي بي سي إلى فتح التحقيق، إذ أن ميثاق هيئة الإذاعة البريطانية ينص على أنه عندما تقتضي المصلحة العامة، يمكننا أن نلجأ إلى التصوير الخفي، أو العمل الخفي، وإخفاء الهوية الصحافية، لكن ذلك يظل الاستثناء لا القاعدة... وعلى الصحافي أن يكون حذراً عندما يلجأ إلى هذا الأسلوب، فالهدف دائماً، هو كشف الحقيقة وتقديم خدمة للجمهور، لا توريط المصادر».
وفقاً لموقع معهد «بوينتر الأميركي» المتخصص في الإعلام، «في عام 2017 تسبب تحقيق حول الجيش الهندي، نشرته صحافية هندية تدعى بونام أغراوال، في انتحار الجندي الذي حاورته دون علمه، باستخدامها كاميرا خفية. ورغم إخفاء الصحافية هوية المجند وصورته في الفيديو؛ جددت الواقعة طرح السؤال حول أخلاقيات المهنة»،
من جهته، قال محفوظ إن «كان مبدأ الإنصاف، من أهم معايير الجودة الصحافية. ويعني حماية أطراف القصة الخبرية من الأذى الذي يمكن أن يلحق بهم، جراء النشر، حتى وإن وقع في المستقبل، فإن لهذه القاعدة استثناءات»، موضحاً أنه «إذا كان بطل القصة شخصية عامة، والنشر سيسفر عن كشف فساد، أو جريمة تهدد الصالح العام، فإن النشر واجب، بغض النظر عن المصير الذي صاحبه، مع أهمية تفعيل الاعتبارات الأخلاقية في نشر أخبار المشتبه بهم قبل ثبوت إدانتهم».
في أي حال يرى مراقبون أن «التلاعب بالمصادر وصراع الغايات سيظلان محل جدال ونقاش بين العاملين في الصحافة، وأنه رغم الضجة التي تحدثها القصص الصحافية التي تعتمد الخداع كطريقة للحصول على المعلومات؛ فهي تواجه إشكالية أخلاقية». وحقاً، سبق أن رفضت لجنة «جائزة بوليتزر» منح جائزة لتحقيق «حانة ذا ميراج» الذي نشرته صحيفة الـ«شيكاغو صن تايمز» الأميركية عام 1979 لـ«اعتماده على الخداع في جمع المعلومات»، بحسب اللجنة. ومن ناحية ثانية، يصف بعض الصحافيين «الكذب وخرق القانون بأنه فنون الصحافة السوداء»، وفقاً لكبير صحافيي الإعلام في موقع «بوليتيكو» الأميركي، جاك شايفر، الذي قال إن «معظم الصحافيين تقريباً يمارسون نوعاً من الخداع البسيط على الأقل، الذي لا يرتقي لدرجة الكذب».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة