«كورونا» في زمن وسائط التواصل الاجتماعي

«كورونا» في زمن وسائط التواصل الاجتماعي

«في حضرة الإمبراطور المعظم» للمغربي عبد العزيز كوكاس
الثلاثاء - 11 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 27 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15309]

في محاولة للإمساك بالجوهري في سياق الحدث المعولم وإسقاطاته الرمزية والثقافية والسياسية والمجتمعية، رغبة في «وضع اليد» على التغيرات التي من غير المستبعد أن يفرضها فيروس وباء «كوفيد19» على القيم الكونية، أصدر الكاتب والإعلامي المغربي عبد العزيز كوكاس كتاباً جديداً، عن «منشورات النورس» بالرباط، تحت عنوان: «في حضرة الإمبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر»، تضمن 29 نصاً بعناوين كتبت مضامينها من وحي «كورونا».
ومهد المفكر المغربي محمد سبيلا لكتاب كوكاس بكلمة على ظهر الغلاف، ركزت على أسلوب الكتابة والمفارقات الدلالية واللفظية الجميلة «التي يتسقّطها الكاتب ببراعة صائد الدلالات المحترف»، مشيراً إلى أنك مهما تكن صلباً وصموداً؛ فإن «أسلوباً فاتناً أخاذاً كهذا الذي يكتب به ومن خلاله كوكاس، سيعصف بك وسيقذفك إلى عوالمه الطربة والضاربة في أعماق الخيال، تطرب للحزن وتحزن للطرب»، بشكل «يجعلنا نقتنص لحظات من ظلال المتعة الدفينة في أعماق هذه المأساة»، المتمثلة في «علاقتنا المرتبكة مع هذا البطل الجديد، هذا الإمبراطور الأسطوري الفتاك، العابر للقارات الذي أصبح من غير الممكن تجاهله والذي خلط واقعنا بمتخيلنا».
وفضلاً عن أسلوبه الأخاذ ومقارباته الرصينة، يقف قارئ الكتاب على تواضع الباحثين الذي يميز كوكاس، الخصلة التي أكدها في مقدمته، بقوله: «ما خططته هنا هو محاولة لملامسة قضايا شائكة ومتشعبة، ما يشبه المسودة الأولى للتفكير العميق الذي أستحي أن أزاحم فيه ذوي الاختصاص من علماء ومؤرخين وسوسيولوجيين وأنثروبولوجيين وفلاسفة وغيرهم».
ويرى كوكاس أن «(كورونا) ليست مجرد جائحة اكتسحت العالم وشلت دورة الحياة في كل أنحاء المعمور، وأدخلت ثلثي البشرية في الحجر الصحي لشهور»، مشيراً إلى أنها «كانت فرصة نادرة في الوجود لإعادة مساءلة القيم الوجودية التي أسندنا عليها ثقتنا بتفوق الجنس البشري وإخضاعه للطبيعة وتطويعها من أجل إسعاده. فهذا الفيروس غير المرئي الذي لم تتضح بعد كل أسراره وطبيعته ومنشئه، زلزل الكون وجعلنا نلقي خلفنا كل القناعات التي استكنا إليها لقرون طويلة»، مشدداً على أن لحظة الحجر الصحي «كانت نقمة على العالمين»، قبل أن يستدرك: «لكن ككل نقمة توجد في طياتها نعمة ما؛ الخلوّ إلى الذات، التفكير في الجوهر الإنساني بعمق أكبر، لنصمت قليلاً لنرى الكون بعين قلقة، بلا غرور أو كبرياء».
وأضاف كوكاس، متحدثاً عن طريقة تناوله تداعيات الجائحة: «لست مؤرخاً ولا عالم أوبئة، ولست باحثاً في السوسيولوجيا أو مختصاً في دراسة التحولات البنيوية للمجتمعات البشرية السائرة نحو إعادة بناء استراتيجية جديدة لأفقها، وإنما ككاتب ومحلل صحافي كنت معنياً بالتأمل ومحاولة ملامسة مركز التحولات التي من المحتمل أن يفرضها الفيروس التاجي على القيم والسلوكات والبنيات والعلاقات والأفكار»، مشيراً إلى أنه وجد سبيله للتعبير عمّا عاشه العالم خلال هذا الوباء في «السخرية كقلب للعالم لإعادة فهمه واستيعاب تحولاته بعد أن أصبح العالم المفتوح والقرية الصغيرة، منطوياً على نفسه. كل دولة توجد في وضع قنفوذي لحماية مجموعتها الوطنية من عدوى فيروس غير مرئي لا يترك سوى أثره المدمر على الإنسان والاقتصاد والقيم والعلاقات الاجتماعية وفي التحليل السياسي الذي يحاول ملامسة التغيرات الجيوسياسية والقيم التي كان لوقعها ارتجاج قوي كما في الأحداث الكبرى التي عبرت التاريخ البشري وتركت وشمها عميقاً في مساراته».
وتوسع كوكاس في استعراض طريقة تعاطيه مع موضوع كتابه، مشيراً إلى أنه وجد في الترجمة سنداً لوعي متعدد بأبعاد كونية، سعى من خلالها إلى «بسط كيف يفكر الآخر- العالم المتقدم في الإشكالات التي فرضها الفيروس الإمبراطوري على البشرية»، قبل أن يطرح جملة أسئلة، من قبيل «هل الوباء التاجي كحدث جلل يمكن أن يكون له أثر أكبر على انعطاف تاريخنا المعاصر، حتى يؤدي إلى انهيار النظام الكوني أو تغيير جيوسياسي من حجم عودة شمس العالم إلى الشرق مع التنين الصيني؟»، و«هل تؤدي الوقائع الكبرى بالضرورة إلى تحولات جيوسياسية كبرى؟». وبحكم الاختلاف حول هوية فيروس «كورونا»، أهو طبيعي أم سلاح بيولوجي، «كيف غذت نظرية المؤامرة الأكاذيب الكبرى المرتبطة بـ(كوفيد19)؟ وكيف استفادت منها الأنظمة الأقل شفافية والأكثر تكتما؟»، و«لمَ يتأخر السياسيون والقادة في اتخاذ تدابير استباقية للتخفيف من حجم الخسائر رغم وجود تنبؤات علماء البيولوجيا وأحوال الطقس والزلازل والبراكين والأوبئة بالكوارث العظمى بما فيها فيروس (كوفيد19)، قبل حدوثها؟»، و«هل لقلة التبصر أم لتكلفتها المالية والاقتصادية وعدم مردوديتها السياسية في استقطاب الأصوات الانتخابية لأن الجمهور لا ترضيه تكلفة الاستعداد للكوارث؛ إذ لا يفكر سوى في الخروج منها بعد وقوعها؟».
ولاحظ كوكاس أن «ما منح جمالية خاصة لهذه الجائحة قياساً للوحوش الفيروسية السابقة كالطاعون، الكوليرا، التيفويد والجذري، هو أن وباء (كورونا) المستجد جاء في زمن التطور الرقمي وسطوة وسائط التواصل الاجتماعي التي منحت الفيروس المعولم طابعاً استثنائياً وأعطته أبعاداً غير مسبوقة في تاريخ الجوائح والأوبئة»، ليتساءل: «كيف أعاد فيروس (كورونا) قيم السحر إلى العالم والتبشيرات القيامية المنذرة بالعذاب الإلهي ونهاية العالم؟». وفي الآن ذاته، يضيف كوكاس، أصيب النظام الاستهلاكي الذي غدا أسطورة عالمنا بما يشبه «الجرح النرجسي»، حيث «انقض الناس تحت رعب الجوع والموت على المنتوجات والسلع الفائضة عن الحاجة، كأنهم يخشون بقاءها بعد فنائهم، أو أن تكتسب حياة خاصة بها وهم من يصنعونها ويرسمون مسار حياتها وموتها في آن»، مشيراً إلى أنه «إذا كانت الدول والشركات الكبرى للتكنولوجيا الفائقة الذكاء قد سعت لإبداع تطبيقات رقمية لتتبع ومحاصرة الوباء التاجي المتفشي، فإن مناصري حقوق الإنسان دقوا ناقوس الخطر ضد توظيف الجائحة لصالح الشركات العملاقة والأجهزة الأمنية للولوج إلى البيانات الخاصة للمواطنين وضرب مبدأ الحق في الخصوصية»، الشيء الذي يجعلنا نتساءل إن كنا نشهد «بداية ميلاد الاستبداد الرقمي ونمذجة وتنميط الإنسان في غياب شرعنة الحقوق الرقمية، التي من شأنها إقامة توازن مرن بين حق حماية الصحة العمومية والحق في الخصوصية، خاصة أن منشأ التطبيقات الرقمية لتتبع انتشار فيروس (كورونا) هو دول (الاستبداد الشرقي) بآسيا».
كما تحدث كوكاس عن التدابير الاحترازية لحماية الصحة من الوباء الفتاك، حيث أصبح ارتداء القناع الصحي إجبارياً رغم مقاومة الجمهور الذي عدّه حداً من الحرية الشخصية، فيما اجتهدت الدول والمؤسسات في إجبار الناس على ارتداء الكمامة التي «غدت رمزاً لعصرنا التاجي تخفي تحتها طبقة كثيفة من الأساطير والحكايات»، مشيراً، في هذا الصدد، إلى أنه «كما سبق أن كشف كلود ليفي ستراوس (طريق الأقنعة) في الحضارات القديمة»، فـ«سيأتي من بعدنا من يكتب تاريخنا ويكشف ما كنا نتقنع به، كيف سنعيش - إذا ما طال مقام فيروس (كورونا) المستجد بيننا - بأقنعة مزدوجة، القناع النفسي الذي قال عالم النفس كارل يونغ إن كل واحد منا يختاره ويقدمه للمجتمع ليجلب تقديره واحترامه واعترافه، وقناع الكمامة المفروض بقوة القانون، والذي يحيل على التضليل والتمويه والخوف والارتياب وتشتم فيه رائحة الموت».


Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة