في المكسيك... المخابز والمطابخ في مواجهة الحجر

في المكسيك... المخابز والمطابخ في مواجهة الحجر

خسر الكثيرون وظائفهم فأصبحت الهوايات المنزلية مصدراً للدخل
الجمعة - 7 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 23 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [ 15305]

ربما لا يكون فرن التحميص العادي من الأدوات المثالية في البدء لتجهيز مشروع مخبز بالكامل، ولكننا في خضم الجائحة وكل منا يبذل قصارى جهده في حدود الإمكانات المتاحة بيه يديه.

لكن كان كل ما يملكه الفنانون من مدينة مكسيكو سيتي هو فرن التحميص الذي لا تتجاوز قيمته 42 دولارا فحسب.

تقول أندريا فيريرو، وهي تحمل وعاء يحمل خليطا من الكيك: «لقد كنا مفلسين تماما، ولقد اضطررنا لشرائه بالدين».

وكانت السيدة فيريرو رفقة صديقها ديفيد ألفونسو – على غرار الآلاف من حول العالم ممن توقفت حياتهم تماما بسبب الإغلاق العام الذي فرضته جائحة فيروس كورونا المستجد الراهنة - قد فكرا في مشروع الخبز قبل عدة شهور بغية الفرار من حالة الممل والضجر التي تلازمهم ولا تفارقهم أبدا.

ولقد تبين لهم بعد فترة من الوقت أنهم يملكون مهارات جيدة للغاية في ذلك النشاط المنزلي الجديد.

بعد ذلك، أنشأوا حسابا جديدا على منصة إنستغرام تحت عنوان «كوارينتينا بيكينغ» أو «الخبز في الحجر الصحي»، من أجل عرض منتجاتهم من الكعك، والكيك، والكعك المحلى. ولقد نجحوا منذ ذلك الحين في جذب المئات من العملاء. ثم تمكنوا بعد النجاح التجاري المبدئي في الانتقال من شقتهم الصغيرة الأولى إلى شقة أكبر يوجد فيها فرن بالحجم الحقيقي.

وكان نجاح تجربتهم البسيطة تلك – التي تمثل الخبر النادر في بلد يعاني من جائحة فيروس كورونا – عبارة عن شهادة على قوة الطهي المنزلي كأحد استراتيجيات البقاء على قيد الحياة والصمود في وجه الظروف الراهنة في العاصمة المكسيكية المعروفة بهوس سكانها بالطعام بين بلدان العالم.

قبل انتشار فيروس كورونا في المكسيك كانت شوارع العاصمة مكسيكو سيتي مليئة بأكشاك بيع التاكو، والبائعين الجائلين الذين يبيعون التامال على الدراجات، مع العربات التي تقدم البطاطا المحلاة المحمصة أو الذرة على الخبز المغطى بالمايونيز مع الجبن ومسحوق الفلفل الحار. وجاء الوباء ليقضي على ملايين الوظائف في كافة أرجاء البلاد الأمر الذي دفع المزيد من المواطنين في المكسيك إلى محاولة إعداد وبيع الأطعمة المجهزة في المنازل.

تقول السيد باتي جينيش – الطاهية المكسيكية ومؤلفة كتب الطهي: «في المكسيك، يعتبر مطبخ أحدنا هو منزله، والأطعمة التي تُباع في الشوارع عبارة عن الطعام المُعد في المنزل ثم يُباع إلى الناس في الشارع. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة، فإنهم يمكنهم إعداد الطعام الذي يعرفونه جيدا ونشأوا على تناوله في المنازل أو تعلموا إعداده فيها، أو ربما هو الشيء الوحيد الذي يستطيعون فعله». وعبر كافة أرجاء العاصمة المكسيكية، ظهرت وازدهرت ظاهرة المطابخ الشبحية – أي التي يجري إعدادها من أجل صناعة الطعام بغرض التوصيل إلى الآخرين، مع جهود الإعداد والتجهيز التي تتم غالبا داخل شقق المواطنين.

وهناك مثال واضح بالأخوين جوناثان وغابرييل واينتراوب. فعندما تدهورت أعمال العائلة في إمداد وتموين المطاعم بسبب الحائجة الراهنة تحولا على الفور إلى إعداد وبيع شطائر البسطرمة تحت اسم تجاري جديد هو «شمالتزي بروس ديليكاتسين». كما تحولت السيدة فاهرونيسا بيلاك بعد تسريحها من وظيفتها أخيرا إلى صناعة الخبز بدوام كامل وصارت تعمل حاليا من واجهة أحد المتاجر في العاصمة مكسيكو سيتي.

وقرر السيد بيدرو راياس الذي يعمل مؤلفا في مجال الطهي – وبتشجيع ومثابرة من زوجته – أن يعمل في مجال تعبئة وبيع صلصة الماشا المكسيكية الحارة الشهيرة المليئة بقطع المكسرات اللذيذة. وقال إن مشروعه التجاري الجديد يملك سوقا طبيعية معروفة في مدينة مكسيكو سيتي بالفعل، حيث يحتل الطعام جانبا كبيرا من المحادثات اليومية بين أغلب سكان البلاد.

يقول السيد بيدرو راياس عن ذلك: «يفضل أغلب الناس هنا تناول الطعام الجيد للغاية، كما أنهم يتفاخرون بمعرفة أفضل الأماكن للحصول على وجبات الطعام الممتازة. وتساعد هذه الثقافة الناس كثيرا في الانفتاح على المشروعات الشخصية الصغيرة، حتى يتمكنوا من القول: إنني أفضل شراء الكعكات من هذا البائع وأرز البايلا من البائع الآخر».

يدين مشروع «كوارينتينا بيكينغ» سالف الذكر بالكثير من الفضل إلى منصة إنستغرام والتي يُعرض عليها في كل يوم لقطات مقربة من منتجات الحلويات التي تصنعها السيدة أندريا رفقة صديقها ديفيد ألفونسو، تماما مثل الحشوات اللذيذة اللزجة التي تتخذ مكانها في قلب كعكة البراوني. وعوضا عن الإعلان عن المنتجات الفاخرة التي يصعب الوصول إليها عبر شبكة الإنترنت، تمكن الصديقان من توفير شيئا يمكن للأشخاص العاديين الحصول عليه مقابل إنفاق 1.75 دولار فقط للاستمتاع بالمذاق اللذيذ.

في بادئ الأمر، كان الصديقان ينشران صورا للأصدقاء فقط، من الذين يرسلون إليهم المشروبات أو الحمص المصنع في المنزل في مقابل بعض العينات البسيطة. ثم بدء أصدقاء الأصدقاء على منصة إنستغرام في توجيه طلبات الشراء المباشرة منهما.

وكان أن طلب أحدهم الحصول على قائمة المنتجات، فقاما بإعداد تلك القائمة على الفور التي تضم مختلف أنواع المنتجات التي يقومان بصناعتها. ولم يكن الصديقان قد قاما بصناعة أي من تلك المنتجات قبل الحجر الصحي أبدا. ولقد تمكنا منذ البداية في خبز كل شيء بالإضافة إلى الكعكات التي يعدونها داخل فرن التحميص الخاص بهما.

وجاء الانتقال إلى الشقة الكبيرة ليمنح الصديقين قدرا أكبر من التحكم على فوضى إدارة المخبز الكامل من داخل المنزل خلال الأزمة الصحية العالمية الراهنة. وقالت السيدة فيريرو عن ذلك: «إنني مهووسة بالتخطيط والترتيب لكل شيء مسبقا، ولكنني أجد الفوضى في كل مكان من حولي بعد ذلك!» تبدو شقتهم الجديدة أشبه بورشة إعداد هدايا عيد الميلاد داخل غرفة نوم أحدهم. إذ يتسع المطبخ الجديد لأربعة أشخاص فقط بالحد الأقصى. وتحولت غرفة النوم الثانية في المنزل إلى منطقة تجميع وتعبئة المنتجات. وكانت سلة المهملات الخاصة بهما عبارة عن كرسي موضوع رأسا على عقب مع كيس القمامة المثبت على أرجل الكرسي الأربعة.

وفي أحد أيام السبت الماضية، طرحت السيدة فيريرو على نفسها عددا من الأسئلة المثيرة للارتباك أثناء ما كانت تواصل خفق الكعك بطريقة محمومة: «هل وضعت البيض في هذا الخليط بالفعل؟ (كلا)، هل نفد مخزون الفانيلا من عندنا (أجل)، هل من المفترض لهذه الكعكة أن تتكون من ثلاث طبقات (ربما)».

ثم لاحظت قائمة المهام اليومية لديها – 61 برطمانا مليئة بالكعك، والثلج، والبسكويت المجروش، وأفضل الخلائط مبيعا، و162 كعكة براوني، و38 كعكة صغيرة، مع ثلاث كيكات كاملة – ثم أمسكت بالهاتف خاصتها كي ترد على سيل الرسائل التي تصل إلى صندوق الوارد الخاص بها من مختلف العملاء.

ومن بين الرسائل: «هل يمكنني المرور عليكم من أجل تسلم الطلب الخاص بي الآن»، فأجابت السيدة فيريرو في عصبية واضحة وبصوت مرتفع: «كلا!».

كانت السيدة أندريا فيريرو – وهي من رعايا دولة البيرو بالأساس – تعمل في النحت، وكان السيد ديفيد ألفونسو المولود في كولومبيا يعمل أمينا لأحد المتاحف، وهي مهن ترتبط بصورة غرضية غير مباشرة ببناء الهياكل من العجائن مع خلق الأجواء البصرية ذات الزخم الكبير على منصة إنستغرام.

بيد أن تحولهما إلى العمل من المنزل وصناعة وإعداد الأطعمة والخبائز لم يخل من المصادمات الدرامية.

لقد كانا يشعلان العديد من نيران الأفران، وأرسلا عددا لا يحصى من الطلبات غير المكتملة أو المتأخرة عن مواعيد تسليمها المقررة. وذات مرة هرب عامل التوصيل بالعديد من كعكات البراوني وكعكات الجبن. وكثيرا ما فوجئا بنفاد مخزون مكونات الأطعمة لديهما باستمرار.

وعلى مدار الشهور القليلة الماضية، كما قال السيد ديفيد ألفونسو، ظلا يواصلان العمل على إتقان الحرفة الجديدة، مع البحث في موقع يوتيوب على مقاطع الفيديو التي تتعلق بكيفية إعداد الكعك، أو أسباب فشل إعداد الكعك، أو معرفة الفارق بين صودا الخبز ومسحوق الخبز. كما قاما في الآونة الأخيرة بتعيين صديق فنان من أصدقائهما – ويُدعى يورلي فاليرو – للمساعدة في إدارة سيل الطلبات وأوامر الشراء لعدد من الأيام في كل أسبوع.

ومع مرور الوقت، نجحا في إقامة علاقات شخصية وودودة مع العملاء. ويطلب منهما الناس تدوين الملاحظات اللطيفة على علب كعكات البراوني التي يرسلونها إليهم.

يقول السيد ألفونسو: «يزيد تفاعلنا عبر منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بسبب قرارات الإغلاق العام والحجر الصحي المنزلي، ولذلك يواصل الناس الحديث معنا بالفعل. إن حسابنا على إنستغرام عبارة عن خط الدعم لأعمالنا التجارية».

بحلول الساعة الثانية من مساء يوم السبت الماضي، عندما شرعا رسميا في تسليم طلبات الزبائن، كان هناك صف صغير من عمال التوصيل والعملاء ينتظرون خارج مقر «كوارينتينا بيكينغ»، والذي يقع في شارع طويل تصطف على جانبيه الأشجار في حي «روما نورتي» العصري الواقع إلى جنوب وسط المدينة. وصاحت إحدى السيدات من الزبائن التي كانت تقف في الانتظار لمدة 10 دقائق بقولها «شكرا لكم» وذلك عندما ظهر السيد ديفيد ألفونسو حاملا معه صندوق الكعكات الخاص بها.

وبعد ذلك بنصف ساعة، أرسلت نفس المرأة رسالة على حسابهما في منصة إنستغرام تقول فيها: «إن الكعكات رائعة للغاية وكانت تستحق الانتظار».
- خدمة «نيويورك تايمز»


المكسيك فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة