أوروبا أمام خطر العودة إلى الإغلاق التام

مخاوف من خروج الوضع الوبائي عن السيطرة

مشاركون في احتجاج ضد القيود المفروضة لمنع انتشار «كورونا» في لندن أمس (رويترز)
مشاركون في احتجاج ضد القيود المفروضة لمنع انتشار «كورونا» في لندن أمس (رويترز)
TT

أوروبا أمام خطر العودة إلى الإغلاق التام

مشاركون في احتجاج ضد القيود المفروضة لمنع انتشار «كورونا» في لندن أمس (رويترز)
مشاركون في احتجاج ضد القيود المفروضة لمنع انتشار «كورونا» في لندن أمس (رويترز)

يقول دبلوماسي أوروبي رفيع، في معرض الدلالة على خطورة الوضع الوبائي في أوروبا، إن «الخوف» كان العبارة الأكثر تردداً على ألسنة القادة الأوروبيين خلال القمة التي عُقدت يومي الخميس والجمعة لمناقشة مجموعة من القضايا الحيوية، من الاستجابة لجائحة «كوفيد - 19» إلى الطريق المسدود الذي وصلت إليه مفاوضات «بريكست».
الخوف من أن تتخطى الموجة الثانية المستوى الذي بلغه الوباء في الربيع... الخوف من أن تخرج الإصابات الجديدة عن السيطرة وتدفع المنظومات الصحية مجدداً إلى الوضع المأساوي الذي شهدته في ذروة الموجة الأولى... الخوف من الاضطرار للعودة إلى الإغلاق التام... الخوف من أن يقضي الوباء على البوادر الضعيفة للانتعاش الاقتصادي في بعض الدول... والخوف الذي دفع برئيسة وزراء فنلندا سانا مارين إلى الانسحاب من القمة على عجل عندما بلغها أنها كانت على تواصل مع شخص تبين أنه مصاب بالفيروس.
وتجرب الحكومات الأوروبية كل التدابير والإجراءات الممكنة، من حظر التجول الليلي إلى العزل الجزئي، مروراً بالإغلاق التام للمقاهي والمطاعم، وفرض ارتداء الكمامات الواقية في الشارع، لتحاشي الوقوع في الخوف الأكبر والعودة إلى الإغلاق التام وشل الحركة الاقتصادية. وحذرت خلية الأزمة في منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام القياسية التي تسجلها الإصابات اليومية الجديدة في عدد من البلدان الأوروبية قد تعني في الأسابيع القليلة المقبلة تجاوز القدرات القصوى لوحدات العناية الفائقة في المستشفيات.
وكانت إيطاليا وألمانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وروسيا وأوكرانيا وكرواتيا وسويسرا وتشيكيا قد سجلت في الأيام الأخيرة أرقاماً تجاوزت فترة الذروة في الموجة الأولى بحيث بلغ العدد الإجمالي للإصابات ثلاثة أضعاف العدد الذي بلغه في مارس (آذار) الفائت.
وقالت ماريا فون كيركوفي من فريق الطوارئ في منظمة الصحة العالمية: «سنخرج من النفق إذا تمكنا من الصمود لبضعة أشهر، وعلينا بالتضامن بين البلدان وداخلها وبين المناطق وداخل الأسر لأن الظروف الاقتصادية تزداد صعوبة وليسوا بكثرة أولئك الذين بإمكانهم مواصلة العمل من المنزل».
وعن السفر والتنقل عبر الحدود، قال مدير مركز الطوارئ في المنظمة مايك رايان: «مخاطر السفر لها تشعبات كثيرة تتغير حسب البلدان، لكن علينا بذل كل جهد ممكن للحد من هذه المخاطر وتعزيز الثقة بين البلدان بما يتيح للجميع استئناف السفر بأمان. هذه هو التحدي الأكبر الذي سيواجه هذا القطاع الهام، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، لكني لا أتوقع التوصل قريباً إلى إجراءات موحدة من أجل استئناف حركة النقل والسفر الجوي».
وأفاد مصدر مسؤول في المنظمة الدولية بأن الدليل العلاجي الذي تصدره المنظمة دورياً سيجري تعديله في الأيام المقبلة، مرجحاً أن تُسحب منه الأدوية التي تبين أن لا فائدة منها في علاج المصابين بـ«كوفيد - 19» بعد الدراسة التي أجريت في إطار برنامج «تضامن» الذي تشرف عليه المنظمة. وعن اللقاح الثاني الذي تطوره روسيا وطلبت من المنظمة الموافقة على استخدامه، قالت سميـة سواميناتان كبيرة العلماء في المنظمة: «لا يمكن أن نعطي رأينا قبل الاطلاع على نتائج التجارب السريرية في المرحلة الثالثة».
وكانت ماريا أنجيلا سيانو المسؤولة عن قسم الأدوية واللقاحات قد أعلنت أن المنظمة تلقت طلباً من شركة فايزر (Pfizer) الأميركية للموافقة على المباشرة باستخدام اللقاح الذي تطوره للحالات الطارئة في الولايات المتحدة. وقالت: «لكل دولة تشريعاتها الخاصة في هذا المجال، ونحن نكرر للدول ما هي البيانات التي نحتاج إليها للموافقة على استخدام اللقاحات والتي تهدف إلى طمأنة الناس بشأن سلامتها».
وفيما تتسارع التدابير الصارمة التي تعلنها الحكومات الأوروبية لاحتواء الوباء، دعا المركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة إلى «عدم اتخاذ هذه التدابير استناداً لأرقام الإصابات ومعدلات الانتشار الأخيرة، بل إلى التوقعات بشأن الأسابيع المقبلة». وقال ماسيمو غالي مدير قسم الأمراض السارية في جامعة ميلانو إنه يتوقع أن تبلغ الإصابات الجديدة في إيطاليا بنهاية هذا الشهر المستوى الذي وصلت إليه في إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، علما بأن إيطاليا كانت لعشرة أيام خلت البلد الذي يسجل أدنى معدلات الانتشار في أوروبا. وأضاف غالي: «إن الخطورة في الوضع الإيطالي تكمن في انتشار الوباء اليوم على كافة الأقاليم، وعندما يصل إلى مرحلة الذروة في المناطق التي كانت في منأى عن الفيروس خلال الموجة الأولى سنواجه صعوبات كبيرة لأن تلك المناطق لم تتعرض لضغط تلك المرحلة، وبالتالي فإن منظوماتها الصحية ليست مجهزة ومدربة كغيرها، كما أن الناس لم يعرفوا صعوبات التجربة الأولى».
وإذ تجتهد الحكومات الأوروبية لعدم الذهاب إلى الإغلاق التام وتنقسم الآراء داخل هذه الحكومات بين الجناح الذي يرجح الكفة الصحية ويدعو إلى تشديد الإجراءات والإسراع في اتخاذها وتعميمها، والجناح الذي يدعو إلى التريث والتدرج خوفاً من التداعيات الكارثية على الاقتصاد، قال ديدييه ريندرز نائب رئيس المفوضية الأوروبية: «الإغلاق التام هو القرار الأسهل باتخاذه وتطبيقه، لكنه الأكثر مأساوية ونتائجه الحتمية صارت معروفة. علينا أن نبذل ما وسعنا لإيجاد حلول أخرى تحول دون الوصول إلى الإغلاق التام». وقال ريندرز إن المفوضية الأوروبية ستبدأ اعتباراً من الأسبوع المقبل «نشرة وبائية» كل يوم خميس تتضمن آخر المعلومات عن تطور الوباء في بلدان الاتحاد، وستطلب إلى جميع الحكومات أن توقف إصدار البيانات اليومية حول تدابير الاحتواء، وأن ترسل هذه البيانات إلى المفوضية التي تتولى نشرها وتعميمها مع صدور النشرة الأسبوعية. وأضاف أن الهدف من ذلك هو توحيد التدابير وإنهاء حال التشابك بينها، وكشف أن ملايين الفحوصات السريعة ستوزع على الدول الأوروبية لفرضها على جميع المطارات في مرحلة أولى ثم في المدارس.
وتعد المفوضية الأوروبية حزمة جديدة من التدابير لتوزيع اللقاحات بسرعة وإنصاف على الدول الأعضاء مع بداية الربيع المقبل، ومنع إجراءات حظر تصديرها بين الدول كما حصل في الربيع الماضي عندما فرض بعض الدول تصدير مستلزمات الوقاية وأجهزة التنفس إلى بعض البلدان الأخرى التي كانت بأمس الحاجة إليها.
وكانت ألمانيا قد سجلت أمس السبت رقماً قياسيا جديداً في عدد الإصابات اليومية التي بلغت 7830. فيما توجهت المستشارة أنجيلا ميركل إلى مواطنيها طالبة إليهم عدم مغادرة المنازل إلا في حالات الضرورة القصوى. وعادت النمسا وبولندا والمجر وبلغاريا وأوكرانيا لتسجل أمس أرقاماً قياسية جديدة في عدد الإصابات اليومية، فيما بدأت فرنسا فترة حظر التجول الليلي المفروض على باريس والمدن الكبرى لستة أسابيع، بينما أصبح أكثر من نصف سكان بريطانيا تحت القيود على الحركة والتنقل داخل المدن وخارجها.
وفي إسبانيا التي تتخبط في أزمة سياسية واقتصادية خانقة وما زالت تشكل البؤرة الرئيسية لانتشار الوباء في أوروبا، قالت زعيمة حزب «مواطنون» اينيس آريماداس: «إذا لم تتوقف الصراعات السياسية فوراً ستقضي موجة الوباء الثانية على إسبانيا».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended