روبرت دي نيرو يملأ فراغ المهنة بأعمال دون مستواه

يصيب حيناً ويخيب أحياناً

دي نيرو كما يبدو في «حرب مع الجد»
دي نيرو كما يبدو في «حرب مع الجد»
TT

روبرت دي نيرو يملأ فراغ المهنة بأعمال دون مستواه

دي نيرو كما يبدو في «حرب مع الجد»
دي نيرو كما يبدو في «حرب مع الجد»

يقف البعض منا محتاراً بالنسبة لاختيارات الممثل روبرت دي نيرو من الأفلام. بعد دوره في أحد أفضل أفلام العام الماضي، وهو «الآيرلندي» نراه حالياً في «الحرب مع الجد» للمخرج تيم هِل الذي يستطيع أي منا اعتباره أحد أسوأ سقطات الكوميديا الهوليوودية و- الأهم - أحد أسوأ سقطات الممثل دي نيرو في مهنة تزيد عن خمسين سنة.
حركة هبوط أفقية من فيلم يرصد حالات إنسانية واجتماعية وتاريخية، إلى فيلم لا يرصد شيئاً على الإطلاق بل يكتفي بحكاية واهنة تبرر عنوانه.
وهذه ليست مرّة أولى ولا هي استثناء يقع مع كل الممثلين الجيدين. في مقابل كل فيلم جيد مثّله دي نيرو من التسعينات، وصاعداً هناك خمسة أفلام لا تعني شيئاً على الإطلاق ولا تقترب من مستويات أفلامه المتميّزة.
على سبيل المثال، لا أكثر، بعد فيلم مايكل مان الجيد «حرارة»، سنة 1995 حيث لعب دوراً رئيسياً عصابة في سباق زمن مع رجال القانون (يرأسهم آل باتشينو)، قام دي نيرو ببطولة «سليبرز» الذي كان مضيعة وقت للجميع. تلا ذلك بضعة أفلام جيدة مثل «جاكي براون» لكونتن تارنتينو و«رونن» لجون فرانكنهايمر ثم دلف إلى سلسلة من الأفلام التي قدّمته إلى هواة أفلامه والمعجبين به على صورة من قرر أن يستدير لتاريخه ليؤم أعمالاً نصف مسلوقة مثل «حلل هذا» (1999) و«قابل الآباء» (2000) ثم «15 ثانية» (2001) و«شوتايم» (2002) ثم «حلل هذا» (2002) و«قابل الفوكرز» (2004) و«اختبأ وابحث» (2005) وأجزاء ثانية من بعض هذه الأعمال الكوميدية العابرة.
أسئلة حائرة

استمر هذا المنوال في النصف الثاني من العشرية الأولى فشاهدنا في أفلام ركيكة التنفيذ مثل «قتل صحيح» (2008) و«الكل جيد» (2009) و«ماشيتي» (2010). وتابع دي نيرو هذه الخلطة في السنوات العشر الأخيرة لاعباً أدواراً رئيسية في «أضواء حمراء» (2012) و«العرس الكبير» (2013) و«الجد القذر» (2016) إلخ…
ليس أن المسألة تكمن في أن أداء دي نيرو في هذه الأفلام هو المشتكى منه فقط، بل القبول بهذه الأدوار بتلك الكثافة ومع مخرجين لا يمتلكون الموهبة التي تصنع الفيلم الجيد. بالتالي لدينا أداء غير لائق لممثل ظهر سابقاً في «تاكسي درايفر» و«العراب 2» و«حرارة» و«مدنايت رَن» و«غير المرتشون» (The Untouchables) وتبوأ سريعاً مركزاً قممياً بين أترابه. ثم هي مسألة أفلام لمخرجين جيء بهم توفيراً للتكلفة أو لوعود غير منجزة مثل جون هرزفلد (15 دقيقة) ونك هام (Godsent) وجاي روتش («قابل ذا فوكرز») وغاري مكندري («كيلر إيليت») وسواهم.
هل يكون دي نيرو بحاجة ماسة للعمل فعلاً، بحيث يقبل على أي مشروع يُعرض عليه؟ هل المسألة هي أنه لا يُبالي؟ أو هي طريقة مجدية للبقاء على القمّة ومقاومة سنوات العمر التي قد تهدد مكانته عاماً بعد عام؟
بداية دي نيرو في التمثيل وردت حين كان في العشرين من عمره. ظهر، بداية من مطلع الستينات، في أفلام مغمورة، لكنها مهّدت له الطريق للوقوف على أولى عتبات الشهرة، وذلك عندما مثل لحساب المخرج الجيد برايان دي بالما فيلم ««حفلة العرس» لجانب جيل كلايبورغ في واحد من أدوارها الأولى أيضاً. ودي بالما اختاره لفيلمه التالي «هاي، موم» سنة 1970 بعدما كان المخرج والمنتج المستقل روجر كورمان وضع دينيرو بين ممثليه في فيلم الغانغسترز «الأم الدموية» لجانب شيلي ونترز وبات هينغل ودون ستراود وبروس ديرن.
من هذا الدور انطلق لدور أكثر أهمية في «العراب 2» لفرنسيس فورد كوبولا، حيث لعب شخصية فيتو كارليوني، التي كان مارلون براندو أداها في «العراب» (الأول) سنة 1971. للجزء الثاني كان لدينا اثنان يلعبان الدور نفسه: براندو في عمر متقدم ودي نيرو في شخصية كارليوني شاباً وكيف ترعرع في بروكلين كصبي عصابة، ثم بسط سلطته وقتل زعيم الحي، وكل ذلك قبل تعرّفنا عليه كبير السن وكما مثله براندو في هذين الجزأين.
نال دي نيرو عن هذا الدور أوسكاره الأول، في فئة «أفضل ممثل مساند»، لكن ما هي إلا بضع سنوات حتى نال أوسكاره الثاني، وهذه المرّة في سباق أفضل ممثل، وذلك عن دوره في فيلم لاحق لمارتن سكورسيزي هو «ثور هائج».
في تلك الفترة كان دي نيرو مثالاً حديثاً ومعاصراً للممثل المنتمي إلى «المنهج». تلك المدرسة التي أمّها مارلون براندو ورود شتايغر وكارل مالدن ومونتغمري كليفت وآخرين على الشاشة من أداءات. كان يبذل لتأمين الشكل الخارجي للدور، ويعمل حثيثاً على الربط بين ذلك الشكل وبين مكنونات شخصيته.
لفت دي نيرو كل الأنظار صوبه بعد هذه الأفلام الأولى ما جعله يرتبط سريعاً مع بعض أهم مخرجي السينما: استعان به إليا كازان في «التايكون الأخير» (1976) ولو أن الفيلم نسخة معتدلة القيمة بالنسبة لأعمال كازان الأولى، وطلبه الإيطالي برناردو برتولوتشي ممثلاً أساسياً في فيلمه «1900»، ثم عرج عليه سكورسيزي في فيلميه «نيويورك، نيويورك» (1977) و«ثور هائج» (1980). بينهما كانت لدي نيرو وقفة مهمّـة جداً عبر فيلم مايكل شيمينو «صائد الغزلان» سنة 1978.
بقي هذا الصرح المسمّـى دي نيرو شامخاً بأدواره إلى أن قرر فتح جبهة في جدار الأدوار الكوميدية، وهذه بدأت جيداً بفيلم «نحن لسنا ملائكة» (1989) ثم اتحدرت إلى سلاسل ذات كسب سريع كتلك الأفلام التي وردت أعلاه.
مال ورغبة

خلال كل ذلك كان سكورسيزي بمثابة صمّام أمان. الفرصة الأهم عند دي نيرو للعودة إلى صرح الأدوار والأفلام المبنية على الموهبة والإبداع والتميز. بعد «شوارع دنيئة» (1973) أسند سكورسيزي بطولة فيلميهما الأهم لذلك الحين، وهو «سائق التاكسي» (1976). في العام التالي أسند سكورسيزي لدي نيرو دوراً أكثر نعومة. هو عازف الساكسفون في دراما عاطفية بعنوان «نيويورك نيويورك». في العام 1980 قام دي نيرو ببطولة «الثور الهائج» لاعباً شخصية الملاكم جاك لا موتا وكان هذا رابع أفلامه تحت إدارة سكورسيزي.
سنة 1982 وقع اللقاء الخامس عبر فيلم بعنوان «ملك الكوميديا». دي نيرو هنا في ضوء جديد. إنه ليس في دور درامي كما في السابق، بل في دور كوميدي يمكن اعتباره تمهيداً لفيلمه الحالي «الكوميدي»... تبع ذلك عودة سكورسيزي - دي نيرو إلى حلفة المافيا النيويوركية في «صحبة جيدة» (Goodfellas) سنة 1990 وفي العام التالي لعب دي نيرو دوراً شريراً في «كايب فير» لجانب نك نولتي وجسيكا لانغ. ثم حدث اللقاء الثامن بينهما عبر فيلم «كازينو»، الذي تابع فيه سكورسيزي مسيرة أفلام العصابات ولو أنها تتخذ الآن لاس فيغاس مقراً لها.
يبقى السؤال المطروح حول لماذا يرضى دي نيرو ببعثرة موهبته في أفلام مثل «الحرب مع الجد» الذي حين مقارنته بأفلام سيئة أخرى أقدم عليها دي نيرو تتبدى تلك الأفلام، كما لو كانت درراً أو على الأقل أعمالاً بالغة التميّز بالمقارنة.
المال ربما سبب مهم، لكن المؤكد أيضاً هو أن الممثل وقد بلغ 77 سنة من العمر، يريد أن يبقى هناك على الشاشة. في سعيه هذا سيقبل عروضاً من سكورسيزي أو واه من المخرجين الجيدين، لكن هذه الأعمال عادة ما تأتي متباعدة، وهو لا يستطيع أن يرى نفسه جالساً في ركن في منزله بانتظار مثل تلك المشاريع المهمّة.


مقالات ذات صلة

الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

يوميات الشرق هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)

الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

الصورة التي تمنح الإنسان جناحَيْن، تنتزعه أيضاً من المكان الذي أنجب هذين الجناحَيْن.

فاطمة عبد الله (بيروت)
سينما من «المحطة» (سكرين بروجكت)

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط،

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما «عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)

4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

على عكس ما تعرضه صالات السينما من أفلام «الأنيميشن» تكاد تتساوى في السقوط بين القبول والركاكة، تزخر أفلام مهرجان «أنيسي»، المتخصص في سينما «الأنيميشن»،

محمد رُضا
يوميات الشرق لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من فيلم «ابن مين فيهم» (الشركة المنتجة)

«ابن مين فيهم؟»... مباراة كوميدية بين «رجل مستهتر» و«محامية جادة»

ينطلق فيلم «ابن مين فيهم؟» في سرد حكايته من محاولة إعادة العلاقات الاجتماعية إلى مسارها الصحيح، لكن صناع الفيلم قدموها في قالب كوميدي.

داليا ماهر (القاهرة )

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)
TT

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط، بل كان صوتاً يعكس ثقافتها وحبَّها للسينما وجدِّية طرحها. هذا قبل أن تتسلَّم الإدارة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2016. ومنذ ذلك الحين أصبح حضورها أكبر على مستوى العمل السينمائي. تركت النقد، وهي تدرك أهميته في تأسيس كيان سينمائي أشمل، وتصفه بأنه «جزء سياسي من ثقافة السينما».

ريما المسمار المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» (غيتي)

«شورت شورتيز»

> إذا نظرنا إلى السنوات الخمس الماضية على الأقل، ما أبرز إنجازات «آفاق» من وجهة نظرك؟

- يتمثَّل أحد أبرز إنجازات «آفاق» في الاستمرار بدعم الفنون والثقافة في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة جداً، لضمان استمرار الفنانين وصانعي الأفلام في تطوير أعمالهم وسرد قصصهم ومشاركتها مع جماهير داخل المنطقة وخارجها. كما عملت «آفاق» على توسيع دورها من مؤسسة مانحة إلى جهة تبني منظومة ثقافية متكاملة تشمل التدريب والإرشاد والبحث والدعم المؤسسي. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت «آفاق» في تعزيز شراكات إقليمية ودولية لدعم الفنانين والممارسين الثقافيين في مختلف التخصصات، مما انعكس على ارتفاع حضور الأفلام والمبدعين العرب في المهرجانات والمنصات العالمية، وتعزيز حضور السرد العربي على المستوى الدولي.

> أخيراً، قدَّمت «نتفليكس» النسخة الثالثة من «نساء في عالم السينما» التي أنتجتها «آفاق». ما نتائج النسختين السابقتين التي أدَّت إلى استمرار هذا التعاون؟

- أظهرت نجاحات النسختين السابقتين وجود حاجة واضحة إلى دعم دائم لصانعات الأفلام العربيات الصاعدات. استفادت المشاركات ليس فقط من التدريب، بل أيضاً من الإرشاد المهني وتبادل التجارب والرؤى الإبداعية، والتعرُّف إلى شبكات المبدعين في المجال. كما واصل عدد من المشاركات تطوير مشروعاتهن بشكل احترافي بعد انتهاء البرنامج، مثل الأردنية عائشة شحالتوغ، مخرجة «ثورة غضب» الذي طُوِّر ضمن إحدى النسخ السابقة، واختير مؤخراً للعرض الأول في آسيا ضمن مهرجان «شورت شورتيز» السينمائي الآسيوي في اليابان. ويعكس استمرار التعاون بين «نتفليكس» و«آفاق» التزاماً مشتركاً بدعم المواهب النسائية العربية، وتمكين أصوات جديدة من الوصول إلى المشهد السينمائي.

> تبعاً لذلك، كيف ترين قدرة السينما العربية الجديدة على استيعاب المواهب النسائية أمام الكاميرا أو خلفها؟

- شهدت السينما العربية تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة من حيث الحضور والمشاركة، إذ أصبح مزيد من النساء يعملن في الإخراج والكتابة والإنتاج والمجالات التقنية التي كانت أقل إتاحة سابقاً. كما باتت السينما في المنطقة أكثر تقبلاً لوجهات النظر الجديدة والتجارب المختلفة، مما يخلق مساحة أكثر ملاءمة لقصصٍ تقودها النساء. مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتمويل والاستمرارية وفرص الإرشاد والتطوير المهني. ويبقى التغيير الحقيقي مرتبطاً بتمثيل النساء، ليس فقط إبداعياً، بل أيضاً على المستوى البنيوي داخل الصناعة.

> هل ترين أن دور «آفاق» مكرَّس لخدمة المرأة في السينما، أم أنه دور يهدف أيضاً إلى تعزيز حضور السينما العربية ككل؟

- تتجاوز رسالة «آفاق» دعم النساء فقط، فهي تهدف أساساً إلى تعزيز الفنون والثقافة بجميع أشكالها في العالم العربي. ويأتي دعم صانعات الأفلام ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة ثقافية أكثر شمولاً وتنوعاً واستدامة. فالسينما العربية لا يمكن أن تتطوَّر بشكل كامل إذا بقيت بعض الأصوات غير ممثَّلة بالشكل الكافي. وبالتالي، تُسهم مبادرات مثل «مختبر الفيلم القصير» في تعزيز تمثيل النساء، وفي الوقت نفسه في تطوير السينما العربية ككل.

«ثورة غضب» (نتفليكس)

منظومة نسائية

> هل تشجيع الخبرات والمواهب النسائية، في نظرك، مسألة منفصلة عن وضع السينما العربية عامة؟

- من وجهة نظري، هما مترابطان بشكل عميق. فدعم صانعات الأفلام جزء من تعزيز صحة وتنوع المنظومة السينمائية بأكملها. فكلما زاد تمثيل الأصوات المختلفة، أصبحت الصناعة أكثر ثراءً وديناميكية، وأكثر تعبيراً عن المجتمع. كما أن تشجيع مشاركة النساء يُسهم في توسيع نطاق سرد القصص وإثراء السرديات الثقافية.

> من هنَّ مخرجات وكاتبات المستقبل من خلال متابعتك لنشاطاتهن في السنوات الأخيرة؟

- هناك جيل لافت من صانعات الأفلام الصاعدات في المنطقة اليوم، لا يتميز فقط بجودة الأعمال، بل أيضاً بتنوع الأصوات والموضوعات والأساليب السينمائية. ومؤخراً، في مهرجان «كان» العام الحالي، عُرضت 3 مشروعات كانت قد تلقَّت الدعم من «آفاق» بقيادة نسائية، من بينها المخرجة سارة ريما التي عُرض فيلمها «مقنين» (À quoi rêvent les Maknines) بوصفه الفيلم الجزائري الوحيد المشارك في مهرجان «كان» هذا العام. كما شاركت سارة إسحاق بفيلمها «المحطة»، وهو أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان «كان». وقد برز أيضاً عدد من المخرجات اللواتي يقدمن أعمالاً جريئة ومختلفة. لكن الأهم من ذكر أسماء محددة هو الإقرار بأن ظهور هذا الجيل بأكمله يُعيد تشكيل مستقبل السينما العربية بشكل جماعي.

> نشأتِ ناقدة سينمائية معروفة قبل دخولك هذا المعترك. هل هناك من حنين إلى ممارسة النقد السينمائي بوصفه جزءاً أساسياً من الثقافة السينمائية؟

- يظل النقد السينمائي جزءاً أساسياً من ثقافة السينما، لأنه يخلق مساحة للتأمل والحوار والتفاعل العميق مع الأفلام. كما يُساعد النقد في وضع السينما ضمن سياقات اجتماعية وسياسية وفنية أوسع. ورغم أن دوري اليوم مختلف، فإن هذا البعد النقدي ما زال يؤثر في طريقة تفكيري تجاه السينما والسرد والإنتاج الثقافي.

تؤكد ريما أن 3 مشروعات مدعومة من «آفاق» بقيادة نسائية شاركت في مهرجان «كان» هذا العام


4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
TT

4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)

THE VIOLINIST

• إخراج: راؤول غارسيا، وإرفين هان

(جيد)

• إسبانيا، سنغافورة (2026) | جائزة أفضل فيلم أنيميشن طويل في مهرجان «أنيسي»

على عكس ما تعرضه صالات السينما من أفلام «الأنيميشن» تكاد تتساوى في السقوط بين القبول والركاكة، تزخر أفلام مهرجان «أنيسي»، المتخصص في سينما «الأنيميشن»، بعدد وفير من الأعمال التي تقوم على تفاعل لافت بين الرسم والتسجيل، وبين الرسم والدراما. وهي ليست أفلاماً للتسلية؛ ولذلك تتحرر من هاجس الترفيه.

يُعد «عازفة الكمان» أحد أفضل هذه الأفلام. فهو فيلم درامي يدور حول امرأة تُدعى (فَي) وصبي يُدعى (كاي)، ويتتبع تاريخهما المتشابك مع فترة الغزو الياباني لسنغافورة. الموسيقى والاحتلال هما وجها هذه الحكاية: الأول يمثل الأمل وما يرافقه من حزن، والآخر يكشف عن أثر الغزو في المجتمع عموماً، وفي حياة «فَي» على وجه الخصوص.

لكن الفيلم ليس على المستوى نفسه طوال مدته. فمن ناحية، يقدّم معالجة بصرية جيدة للفترة التاريخية، ومن ناحية أخرى يتراجع مستواه عندما يحاول التوسع في الشخصيات الثانوية؛ إذ يعاملها باهتمام وإتقان أقل.

A NEW DAWN

• إخراج: يوشيتوشي شينوميا

• اليابان (2026)

دراما عن شاب يواجه التقدُّم

(وسط) شهد هذا الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين الأخير. وهو دراما تتخللها مقاطع غنائية كثيرة، فضلاً عن أحداث تتمحور حول بطله كيتارو، الذي يفاجأ بقرار حكومي يقضي بهدم مصنع للألعاب النارية توارثته عائلته جيلاً بعد جيل. والغاية من ذلك شق طريق يربط هذه المدينة الصغيرة بمدن أخرى. يقرر كيتارو مقاومة القرار.

وسرعان ما يطرح المخرج يوشيتوشي شينوميا، في أول أفلامه الروائية الطويلة، العلاقة بين تمسّك الشاب بإرثه التاريخي، وبين فكرة الانتقال إلى المستقبل. وعلى المشاهد أن يكون محباً للغناء الياباني حتى يتفاعل مع هذا الجانب من الفيلم؛ إذ يشكّل الغناء عنصراً رئيسياً يكاد، إلى جانب الرغبة في توفير أجواء جمالية، يحوّل الحكاية نفسها عنصراً ثانوياً.

«فجر جديد» (ملف مهرجان أنيسي)

THE OBSESSED

• إخراج: واتارو تاكاهاشي

• اليابان (2026)

فانتازيا توفِّر أقل مما تطمح إليه

(وسط)

تتكرر في هذا الفيلم بعض المشكلات التي شابت «فجر جديد» (أعلاه)، مع أنه يمتلك حكاية أكثر إثارة للاهتمام. يدور «الاستحواذ» حول شاب ياباني يُدعى جوزيبي، مهووس بعادات واهتمامات متباينة؛ فهو محقِّق خاص حين يشاء، وجامع فراشات حين يرغب، ومغنٍ في سائر الأوقات. ولو أن المخرج أحسن الموازنة بينها، ورسم خيطاً درامياً واضحاً يربط هذه الاهتمامات ويبررها نفسياً أو درامياً، لبلغ الفيلم مستوى أعلى من مجرد إثارة الغموض حول بطله.

وكما في «فجر جديد»، تطغى الرغبة في إبراز الجماليات البصرية وتنفيذ الأفكار، على الحكاية التي تتحول عنصراً ثانوياً مقارنة ببناء الأجواء. أما الرسم، فيخفق، بحد ذاته، في تقديم إنجاز فني متكامل.

«الـ58» (ملف مهرجان أنيسي)

58th

• إخراج: كارل جوزيف إ. بابا

• الفلبين (2026)

تاريخ سياسي يعود رسماً

(جيد)

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقعت، نتيجة خلاف بين سياسيين في مقاطعة ماغوينداناو بالفلبين، مجزرة مروعة ذهب ضحيتها 58 شخصاً، معظمهم من الصحافيين الذين كانوا يغطون الانتخابات المحلية. يعود الفيلم إلى تلك الحادثة ليركز على ابنة أحد الضحايا، وهي تستعيد ذكرى والدها، ومن خلاله تلك الأحداث.

إنها رينافي موماي، ابنة المصور الصحافي رينالدو موماي، الشخص الوحيد بين الضحايا الـ58 الذي ما زالت جثته مفقودة. ويتخذ الفيلم من رينافي، إلى جانب شخصية مخرج يظهر داخل الأحداث، مدخلاً للعودة إلى الماضي. ولا يخوض في التفاصيل أو يحلل ملابسات الواقعة، لكنه لا يحيد عن هدفه في استحضارها وتسليط الضوء عليها.

وقد أُولي هذا الفيلم عناية كبيرة على صعيد رسم الشخصيات والبيئة المحيطة. استخدم المخرج التصوير الحي، ثم حوّل مشاهده إلى رسوم متحركة، على غرار فيلمي المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» (2001) و«سكانر داركلي» (2006).

ويمنح هذا الأسلوب العمل صلة بالواقع، لكنه يبقى غير مبرر فنياً، ولا ينتمي انتماءً كاملاً إلى فن الرسوم المتحركة. وإلى جانب ذلك، فإن الفيلم منفذ بواقعية شديدة، وتتناسب حكايته مع فيلم روائي مصور بالكاميرا الحية. ومع ذلك، فإن اختيار المخرج تقديمه في قالب أنيميشن يُعد خطوة جريئة، تضاهي في جرأتها أهمية الموضوع الذي يتناوله.


10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
TT

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)

حسبة سريعة لأفضل 10 أفلام (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) تمّت مشاهدتها منذ مطلع العام. تكشف هذه القائمة، إلى حدٍّ ما، عن استمرار الثراء في تناول الموضوعات الهادفة بأساليب فنية تستحق التقدير، رغم تحديات الذكاء الاصطناعي وطغيان أفلام الأبطال الخارقين وأشكال الترفيه الخالية من القيمة.

الأب وابنه في «الجكارندا» (لو فيلم بيلبوكيه)

1- «الجاكراندا»

إخراج: حسن فرحاني (الجزائر)

رحلة وثائقية يقوم بها المخرج في ذاكرة وحياة والده الكاتب الجزائري أمزيان فرحاني. العنوان هو اسم تلك الأشجار الجميلة التي يحنّ إليها الأب ضمن ما يفتقده من عالم مضى في مدينة تغيّرت عمّا كانت عليه. ليس الفيلم نوستالجيا تكتفي بالمشاعر وتتجنّب العمق، بل هو مزج بين حياة الكاتب ومدينته، يحمل كلٌّ منهما تاريخه ويمضي في مساره.

2- «خروج آمن»

إخراج: محمد حمّاد (مصر)

دراما تدور حول شاب يعمل حارساً لمبنى سكني، محاطاً دوماً بالمشاغل والمشكلات التي يفرضها عليه محيطه. سمعان (يؤديه بإتقان مروان وليد) يعيش مخاوف ووحدة قاسيتين في واقع لا يقل قسوة. لا بطولات ولا انتصارات، ولا حتى إنجازات، في عالم صغير مغلق. يعتمد المخرج إيقاعاً لا يخون رتابة البيئة وطبيعتها، ويعالج بمهارة مخاوف بطله من البيئة الاجتماعية التي تثقل كاهله.

3- «لمن يجرؤ»

إخراج: دانيال عربيد (لبنان، فرنسا)

هذا أفضل فيلم أخرجته دانيال عربيد إلى اليوم. امرأة تنقذ شاباً سودانياً يصغرها بسنوات عدة من اعتداء بدني. تنمو العلاقة العاطفية بينهما سريعاً، إذ يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر في مواجهة رفض المجتمع من منطلق عنصري. هيام عبّاس ما زالت تقدّم جديداً جيداً مع كل دور تؤديه. هي امرأة قوية وعنيدة في مواجهة محيطها الاجتماعي.

فيكتوريا لوينغو وخافيير باردم في «المحبوبة» (كاباللو فيلمز)

4- The Beloved

إخراج: رودريغو سوروغويَن (إسبانيا)

دراما عن مخرج سينمائي صارم (خافيير باردم)، يطلب من ابنته الممثلة أداء بطولة فيلمه المقبل. تنتقل العلاقة المتوترة بينهما في الحياة إلى الفيلم داخل الفيلم الذي نشاهده. يحمل عمل المخرج سوروغويَن سمات موهبة بصرية لافتة؛ فمشاهده حادّة لكنها صادقة، وخافيير باردم يوفّر، بحد ذاته، متعة فنية جمّة.

5- Fatherland

إخراج: بافل بافليكوفسكي

جزء من سيرة حياة الروائي توماس مان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولته الخروج من أزمات البحث عن الهوية والمكان معاً. يحيط الفيلم بالتوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وبين ابنته (ساندرا هولر). ‬ قد لا يصل الفيلم إلى مستوى أعمال بافليكوفسكي السابقة، لكنه يقترب منها.

6- Flies

إخراج: فرناندو إيميك (المكسيك)

دراسة لشخصية امرأة تجاوزت سن الشباب (ترستينا سانشير)، تعيش وحيدة وتعتمد على نفسها في كل شيء. تضطر إلى تأجير غرفة في منزلها لرجل ترقد زوجته في مستشفى قريب. وتشترط عدم وجود أطفال في الغرفة، لكن الرجل يضطر إلى جلب طفله معه. عندئذٍ تكتشف المرأة معنى لحياة افتقدتها طويلاً. حوار مقتصد وإخراج يعتمد أساساً على دلالات الصورة.

7- In Waves

إخراج: فيونغ ماي نغيووِن (فرنسا)

رسوم متحركة متقنة تقنياً وثريّة الألوان، تنساب بسلاسة لتحكي قصة شاب لا يجيد رياضة ركوب الأمواج، إلى أن تساعده فتاة على اكتسابها. تتغيّر حياته كما لو كان بحاجة إلى يد ترفعه من البراءة إلى الثقة بالنفس. يختلف الفيلم لا في حكايته فحسب، بل أيضاً في أسلوبه الموجّه إلى الراشدين.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وفنياً لافتاً يمتد من الجزائر إلى تشيلي

8- The Loneliest Man in Town

إخراج: راينر فريمل وتيزا فيكو (النمسا)

بطل هذا الفيلم رجل تأثر بأغاني «البلوز» التي أدمن سماعها، ويغني ما يحفظه منها في حانة صغيرة أمام جمهور محدود. يعيش وحيداً بلا عائلة ولا أهل ولا أصدقاء، إلى أن يقرر الهجرة إلى أميركا في نهاية الفيلم. إخراج مقتصد لمشاهد لا تؤلف حكاية متكاملة بقدر ما ترسم ملامح حياة رجل وحيد.

9-Project Hail Mary

إخراج: فيل لورد وكريستوفر ميلر

(الولايات المتحدة)

فيلم خيال علمي عن رحلة فضائية يقودها رايان غوسلينغ لمنع جرمٍ كوني يهدد بحجب أشعة الشمس عن الأرض. يجمع الفيلم بين التشويق والمؤثرات البصرية المتقنة وحكاية مؤثرة عن الصداقة، مقدّماً متعة لهواة الخيال العلمي ومعالجة قادرة على استقطاب جمهور أوسع.

10- The Red Hangar

إخراج: خوان بابلو سالاتو (تشيلي)

ضابط مشرف على حظيرة طائرات في تشيلي عام 1973، يجد نفسه تحت سلطة قيادة عسكرية تشن حملة اعتقالات واسعة إثر الانقلاب الذي أطاح بالسلطة السابقة. يتحوّل المكان إلى سجن ومركز للتعذيب، ما يضع الضابط أمام خيارات صعبة. يلتقط المخرج هذه اللحظة المفصلية ويبني عليها ما يدور في أعماق شخصيته.