اللاجئون السوريون في تركيا يحصلون على بطاقات هوية

البعض يحجم عنها خشية فقدان فرصة اللجوء إلى أوربا

اللاجئون السوريون في تركيا يحصلون على بطاقات هوية
TT

اللاجئون السوريون في تركيا يحصلون على بطاقات هوية

اللاجئون السوريون في تركيا يحصلون على بطاقات هوية

أصدرت تركيا لوائح جديدة تمنح اللاجئين السوريين حق تأمين الوضع القانوني في البلاد وذلك لأول مرة، مما يؤدي إلى توضيح وتوسيع صلاحيات الحقوق لأكثر من مليون لاجئ سوري تعمل تركيا على استيعابهم داخل المجتمع التركي.
بعد قضاء 4 سنوات تحت الحماية المؤقتة، بدأ اللاجئون في الأسابيع الأخيرة الحصول على بطاقات هوية جديدة بموجب الإجراءات الصادرة عن مجلس الوزراء التركي في أكتوبر (تشرين الأول)، والتي تخول لهم الحصول على الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم.
ولا تمنح اللوائح الجديدة للاجئين السوريين وضعية «اللاجئين الرسميين»، ما يخولهم التمتع بمجموعة واسعة من المزايا، بما في ذلك الإسكان، والإغاثة العامة وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية المتنوعة.
ورحب معظم اللاجئين باللوائح الجديدة واعتبروها مؤشرا على الالتزام التركي بالتخفيف من معاناة حياتهم في الوقت الذي ينحى نزوحهم من بلادهم منحى الاستدامة، مع استعار الحرب الأهلية السورية من دون بارقة أمل لنهايتها تلوح في الأفق القريب.
وتستضيف تركيا حاليا ما يقرب من 1.6 مليون لاجئ سوري، وهو تقريبا نصف عدد المواطنين الين فروا من القتال الذي اندلع قبل 4 سنوات. وحتى الآن، كان اللاجئون يحملون لقب «الضيوف» بموجب تدابير الحماية المؤقتة غامضة التعريف.
مع 22 معسكرا للاجئين في تركيا تعمل بكامل طاقتها، تدفق نحو 85 في المائة من اللاجئين السوريين إلى المناطق الحضرية بحثا عن العمل وتأمين الترتيبات الدائمة للمعيشة هناك. وقد صُممت بطاقات الهوية الجديدة لكي تمنح الحصول المباشر على مجموعة واسعة من الخدمات خارج محيط المعسكرات.
وبعد ظهر يوم قريب لدى أحد مراكز الشرطة هناك، تجمع العشرات من اللاجئين السوريين خارج مكتب تسجيل الأجانب، انتظارا لتسلم بطاقات هوياتهم الجديدة.
وقال أحد ضباط الشرطة المشرفين على عملية التسجيل «تجنب السوريون كثيرا المجيء إلى مخفر الشرطة خوفا من ترحيلهم. ولكن بطاقات الهوية تلك خرجت بهم من الظلال إلى النور. فلديهم الآن أدلة مادية على حقوقهم القانونية».
ولأن الاستجابة الدولية لأزمة اللاجئين جاءت محدودة نسبيا، دفع الأمر بدول الجوار في المنطقة إلى تحمل جانب غير متناسب من المسؤولية، فقد استوعبت كل من تركيا، والأردن، ولبنان، والعراق 97 في المائة من اللاجئين السوريين، وفقا لوكالة شؤون اللاجئين بمنظمة الأمم المتحدة.
بالنسبة إلى تركيا، فإن التدفق المستمر للاجئين سبب توترات كبيرة على سياسة الباب المفتوح التي تعتمدها، في حين أن الانخفاض الأخير في أسعار السلع الأساسية على مستوى العالم ألقى بضغوط جديدة على الميزانية الوطنية التركية.
وقد أشاد اندرو غاردنر، الباحث التركي لدى منظمة العفو الدولية، بنظام الحماية المؤقت الجديد في البلاد، ووصفه بأنه «خطوة كبيرة إلى الأمام»، حيث يمنح للاجئين وضعية قانونية آمنة. وقال: «حقيقة تحول حقوق واستحقاقات اللاجئين إلى قانون مكتوب يجب أن تعني تنفيذ أفضل من قبل السلطات لها».
لكن لا يصطف جميع السوريين للحصول على تلك الحقوق. فالكثير منهم يبتغي الحصول على حق اللجوء السياسي في أوروبا، وهو احتمال يمكن أن يتعرض للخطر من زاوية البعض حال حصولهم على بطاقة الهوية التركية الجديدة من خلال طلب البيانات البيومترية الخاصة بهم.
يقول محمد (23 عاما) الذي أحجم عن ذكر اسم عائلته «أنا في تركيا فقط للمغادرة إلى أوروبا، لست في حاجة إلى بطاقة هوية هنا. عندما أشاهد الشرطة تجمع السوريون في الحديقة لتسجيلهم، أفر هاربا. أعتقد أن البيانات يمكن استخدامها في أوروبا لإعادتنا مجددا إذا نجحنا في الهروب إلى هناك».
حتى إن اللاجئين الذين حصلوا فعلا على بطاقات الهوية الجديدة تساورهم الشكوك من أن الأحكام الجديدة سوف يكون لها تأثير مباشر على نوعية حياتهم، وهم مستمرون في البحث عن وسيلة لمغادرة تركيا.
يقول مروان علي (35 عاما) يعمل في حياكة الملابس، بأن حافزه الرئيسي للتسجيل كان سهولة حصوله على التطعيمات لابنته والحصول المنتظم على الرعاية الصحية لزوجته الحامل: «من دون بطاقات الهوية، لا يمكن أن تستقبلك المستشفيات»، كما أوضح.
ولكن سرعان ما قال علي بأنه قدم طلبا للحصول على اللجوء السياسي في أوروبا: «إن الحياة صعبة هنا. إنك تجني أقل من 200 دولار بالشهر. ومن العسير الحياة بذلك المبلغ مع عائلتك».
ويكون السواد الأعظم من اللاجئين الذين يستقرون في المدن الكبرى هم من المعدمين. وأكبر التحديات التي تواجه السوريين خارج معسكرات اللاجئين، هي البحث عن وتأمين الوظيفة. وبموجب قوانين العمل التركية، ليس للسوريين حق العمل في البلاد، مما يعرضهم للاستغلال وسوء المعاملة.
وقُدم مؤخرا اقتراح مستقل بتنظيم ظروف العمل للاجئين إلى مجلس الوزراء التركي للتصديق عليه. وفي حالة تمرير ذلك القانون، كما هو متوقع، سوف يتمكن السوريون من التقدم بطلب الحصول على تصاريح العمل المؤقتة باستخدام بطاقات الهوية الجديدة، وهو أمر من شأنه أن يعزز حالة الاستياء في المناطق التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة.
وقد أدت المنافسة على الوظائف، فضلا عن تفشي حالات العنف وارتفاع معدلات الجريمة في المدن ذات الأعداد المرتفعة من السوريين، إلى ازدياد حدة التوترات لدى لمواطنين الأتراك حيال اللاجئين، مع ثلثي الأتراك يفضلون فرض سياسات أكثر تقييدا عليهم، وفقا لمسح التوجهات عبر الأطلسي لعام 2014. في هذا الشهر، تعرضت مجموعة من عمال الزراعة السوريين في إقليم أنطاليا الجنوبي للهجوم على يد مجموعة من العمال المحليين الأتراك، حيث قذفوهم وبيوتهم بالحجارة، ما أدى لإصابة الكثير منهم. وفي اليوم السابق، أرسل المحافظ إخطارا يُطالب بترحيل ما يقرب من 1500 لاجئ سوري، مشيرا إلى تزايد المخاوف من «الاضطرابات» التي زعم أنها سببت أضرارا لوزارة السياحة التركية، على حد وصف وسائل الإعلام المحلية.
قال نورغان اوندر، نائب المدير العام للعمالة، بأنه لا يجب لتصاريح العمل أن تضع اللاجئين على قدم المنافسة المباشرة مع المواطنين الأتراك حيال الوظائف، وينبغي عليها التخفيف من بعض التوترات.
وأضاف: «سوف توضح اللوائح قطاعات ومواقع محددة يمكن للسوريين التقدم بطلب تصاريح العمل فيها، وسوف يُطبق نظام الحصص في أماكن العمل لإدارة العرض والطلب».
يقول بعض نشطاء اللاجئين بأن اللوائح الجديدة تركز كثيرا على الجوانب التنظيمية الخاصة بتدفق اللاجئين، مثل الدخول والتسجيل، وأنها أخفقت في التعامل مع احتياجات اللاجئين الضرورية لتلبية أهداف التكامل طويل الأجل لهم. يقول ميتن كوراباتير، وهو نائب مدير مركز دراسات الهجرة واللجوء «يعيش غالبية اللاجئين السوريين في المناطق الحضرية، وتتدهور الظروف كثيرا بحلول الشتاء، ولكن لا تلبية لاحتياجاتهم الحقيقية مثل الإسكان بصورة مناسبة».
وأضاف: «إنهم يعتبرون أناسا تحت نظام الحماية المؤقتة، ولكن النظام لا يوفر ما يكفي من المساعدات لأولئك الذين يعيشون خارج المعسكرات».
كما تلقت اللوائح الانتقادات لفشلها في تحديد الجدول الزمني للحماية المؤقتة – ومن الناحية النظرية، يمكن إلغاء ذلك النظام في أي وقت.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.