سنوات السينما: المومياء (1969)

سنوات السينما: المومياء (1969)

الجمعة - 8 صفر 1442 هـ - 25 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15277]
مشهد من «المومياء» لشادي عبدالسلام

المومياء (1969)
- (ممتاز)
- الفيلم الروائي الوحيد لشادي عبد السلام ... وتحفته
هو نوع من التكرار عندما نعيد القول الذي تداوله الجميع: «المومياء» هو الفيلم الروائي الوحيد للمخرج المصري الراحل شادي عبد السلام. لكن ليس من قبيل التكرار التوقف عند هذه الحقيقة لبحث أهميتها: ماذا لو لم يكن الفيلم الوحيد؟ ماذا لو حققه مخرج آخر؟ أو ماذا لو أن ينال كل ذلك التقدير الذي استحقه في المحافل الدولية وبين نقاد السينما الفرنسيين والإيطاليين والبريطانيين؟
هذا هو الفيلم الأول لعبد السلام من بين أربعة أفلام قدّر له تحقيقها وكلها قصيرة وهي «شكاوى الفلاح الفصيح» (1970) و«آفاق» (1972) و«جيوش الشمس» (1973). لم يتوقف أحد، وعلى نحو كافٍ، ليفنّد الأسباب التي دفعت المخرج لتقديم أفلام تسجيلية قصيرة عوض الاستمرار في منهج الفيلم الروائي الطويل.
ولا حتى لماذا لم يعمد إلى الفيلم الطويل بصرف النظر عن الفورمات (روائي أو تسجيلي) إلا في هذه المرّة الوحيدة. صحيح كان لديه خطّة لفيلم آخر عنوانه «أخناتون»، لكن عدم قدرته على إيجاد التمويل الكافي، رغم النجاح الكبير الذي حققه الفيلم بين نقاد الغرب وعروضه المهرجاناتية، كان كفيلاً بوضعه في معمعة العمل من جديد.
في كل الأحوال «المومياء» (أو كما سُمي غرباً «ليلة تعداد السنين») فيلم مختلف تماماً عن كل فيلم مصري: رحلة يسكنها الشغف بالخوف من الظلال الساكنة التي تعيش على مقربة من تلك المقابر التي يحفرها أبناء القبيلة في الفيلم لاستخراج ما تحتويه من آثار وبيعها للأجانب. هذا في أحداث تقع في سبعينات القرن التاسع عشر وتتمحور حول الشاب ونيس (أحمد مرعي)، الذي يستيقظ على واقع أن ما كان يقوم به والده وأفراد القبيلة من بيع التحف لا يجب أن يستمر. هذا يخلق عداوة بينه وبين آخرين يجدون في الآثار المصدر المادي الوحيد لحياتهم.
حين يخسر ونيس شقيقه يلجأ للبوليس لكي يحميه ويضع، في الوقت ذاته حدّاً، لتلك السرقات.
من لم يشاهد الفيلم قد يعتقد أنه فيلم مغامرات وتشويق لكن ذلك ليس حقيقياً. قيمة فيلم عبد السلام، أو إحدى أبرز عناصر قيمته، المعالجة التي تأخذ أقصى العناية بتأطير لقطاته وبتصويره الموحي والطبيعي (قام به عبد العزيز فهمي). هذه المعالجة لا تنوي أساساً الدخول في مسارات الفيلم التقليدي ولا حتى الفيلم التقليدي الجيد. هو كناية عن متابعة حريصة لحياة موزّعة بين الماضي السحيق والحاضر الذي يحاول نهشه.
من هذه الزاوية هو فيلم عن حضارة آنية تأكل من حضارة سابقة لكي تعيش عليها. أخيار وأشرار الفيلم يتقاسمون المكان ويختلفون في أسبابه. وهو ناطق بالفصحى. أمر بدا غريباً آنذاك، وما زال غريباً اليوم. لماذا عمد المخرج إلى هذا الاختيار طالما أن الحكاية عن مصر وتاريخها الفرعوني؟
لا يصح أن أفتي هنا بالسبب أو الافتراض. ربما هي رغبته في توسيع الرقعة الوجدانية لما يطرحه، وربما لأنه معني بالشمولية عبر الخصوصية. هذا سيبقى سرّه على ما أعتقد.
يُظهر المخرج في هذا العمل عناية فائقة بكل العناصر التي عليها أن تجتمع لكي تبدو أصيلة من الملابس إلى السلوكيات الفردية ومن ثم إلى المكان ذاته. كان يعرف ما يريد وقادر على إنجازه. هناك ضعف في السرد من حيث قدرة الفيلم على تكوين علاقة درامية كافية بين شخصياته كما بينه وبين المشاهد. لكن هذا لا يُلغي نجاحاته المتوفرة في تميّزه وإيمان مخرجه بما يقوم بتحقيقه.
«المومياء» بدوره لم يكن فيلماً سهل الإنجاز. كابد عبد السلام المشاق لتمويله وساعده في إيجاد ذلك التمويل المخرج الإيطالي الراحل روبرتو روسيلليني. وعندما حان وقت ترميمه تصدّى للمهمة مارتن سكورسَزي.


أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة