ميليشيا الحوثي بلا نتيجة في هدفين: السعودية وخطوط الملاحة الدولية

منصات «باتريوت» السعودية تصدت لصواريخ الحوثيين ومسيّراتهم (رويترز)
منصات «باتريوت» السعودية تصدت لصواريخ الحوثيين ومسيّراتهم (رويترز)
TT
20

ميليشيا الحوثي بلا نتيجة في هدفين: السعودية وخطوط الملاحة الدولية

منصات «باتريوت» السعودية تصدت لصواريخ الحوثيين ومسيّراتهم (رويترز)
منصات «باتريوت» السعودية تصدت لصواريخ الحوثيين ومسيّراتهم (رويترز)

في يونيو (حزيران) عام 2015 أطلقت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، أول صاروخ باليستي باتجاه السعودية، وتصدت له قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي، كان ذلك بعد شهرين ونصف على بدء «عاصفة الحزم» التي أنهت الانقلاب الحوثي على الشرعية اليمنية.
ذلك أول صواريخ الحوثي، وتم إطلاقه بعد 75 يوماً من بدء عاصفة الحزم، حينها قال تحالف دعم الشرعية إن إطلاقهم صاروخاً واحداً بعد هذه المدة الطويلة من بدء العمليات العسكرية يدل على نجاح قواتنا في تدمير الكثير من الصواريخ التي يمتلكونها، مؤكداً في ذلك الوقت أن قوات التحالف لا تستبعد أن تعيد الميليشيات إطلاق صواريخ، لكن قوات الدفاع الجوي السعودي في أتم جاهزيتها للتصدي لهذه الصواريخ.
لم يتحقق ما يريده الحوثيون واقعاً، ومعهم الإيرانيون، حيث يمسكون بالخطوط الحقيقية للتهديدات، وأنهم حزام النار حول خاصرة الجزيرة العربية، حيث ينقلون مواجهتهم وتهديداتهم للسعودية، على وجه الخصوص، إلى مرحلة الصواريخ الباليستية. وإن كانت تجاوزت الصواريخ التي تحاول استهداف الأراضي السعودية 333 صاروخاً باليستياً، إلا أن المرحلة أخذت في الاتجاه بتحريك الطائرات المسيّرة من دون طيار.
تظهر الطائرات من دون طيار كبديل منخفض التكلفة نسبياً وأكثر فاعلية للميليشيا الحوثي، وميزة فريدة لهم، بصعوبة اكتشافها السريع، لكنها تتجه إلى مسار الصواريخ في نهايتها للتدمير، وإن بدأت قبل 2017 في توجيهها نحو السعودية وازدادت في تفاصيل زمنية لاحقة من ذلك العام.
الحوثيون ميليشيا تملك طائرات «درون» متطورة وكذا صواريخ باليستية، ومع ذلك تضمها الأمم المتحدة للتفاوض، وهذا لا يجعل الأمر خافياً حول دعم إيران لإمداد ميليشيا الحوثي بالأسلحة، من خلال عمليات تهريب السلاح الكثيرة، التي تم اكتشافها وإحباطها، وتأكد أن مصدرها إيران ووجهتها الحوثي، حيث يؤكد مراقبون أن المقدرات المالية واللوجيستية التي تضعها إيران تحت تصرف جماعة الحوثي هي ما يجعلهاتخوض كل هذه المواجهات.
407 طائرات بلا طيار
الحوثيون ومن قبلهم الإيرانيون يعلمون أن كل صاروخ حوثي باليستي يتم تحطيمه دون أضرار، لكن الطائرات المسيّرة ذات أسلوب مختلف، وتستطيع تحقيق دويّ، وإن كانت تحت أعين الدفاعات الجوية السعودية، حيث إن استهدافها حتمي، لكن تحت ارتفاعات أقل، ما يجعل تكرارها أمراً يحاكي أسلوب الاستفزاز المسلح. ووفق رصد الأعداد، أطلق الحوثيون 407 طائرات دون طيار «مفخخة» باتجاه المدن السعودية، ومنها ما وصل إلى محاول استهداف خطوط نقل النفط.
وفي ظل مرحلة زمنية حالية يحضر فيها الحوثي في طهران، ترى إيران في الحوثي أساساً في خريطة السياسة اليمنية، وسبق لها أن أعلنت على لسان اللواء إسماعيل قاآني، نائب قائد «يلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني»، عن دعمها وتقديمها استشارات للجماعة الحوثية، مضيفاً: «ندعم بقوة كل من يقاتل تحت راية الجمهورية الإسلامية... ومدافعو اليمن (الحوثي) تربّوا على يد الجمهورية الإسلامية، ولن يستطيع الأعداء مواجهتهم».
الخريطة اليمنية أصبحت أكثر وضوحاً، وكذا غامضة في تفاصيل معقدة، وضوحها أن التقدم العسكري الميداني من قوات الشرعية، والهدير الأضخم لقوات التحالف، وأن الحوثي ومن معه يستبقون كل خسارة ميدانية بالبحث عن مندوبي الأمم المتحدة، لضخ رسائل السلام الواهية لوضع مبادرات كثيرة... لعل درس «استوكهولم» أكبر أثر.
لماذا «الدرون»؟
طائرات الدرون اليوم، هي حلقة لن تكون أخيرة في أسلوب الاستهداف للأراضي السعودية، لأن كل ما سبق من فئات الرمي الإيرانية من خلف الصفوف، أفشلته القوة العسكرية والممارسات السياسية السعودية، حيث أفقدت إيران الكثير من أدوات اللعبة، ودمّرت الكثير مما كانوا يُعدون العدة له، بمواجهة المشروع الإيراني الحالم بتطويق المنطقة، ولم يعد بيد الحوثي أي محاولة للمغامرة في المجالات السياسية أو العسكرية، ولعل محاولات الانقلابيين وضع دول تحظى بالقبول لدى عدد من دول التحالف في موقف المفاوض الموثوق بغية وضع حد لخسائرهم، وإعادة ترتيب صفوفهم، ورفع الأوراق الأخرى التي يخبئونها، دليل آخر على الوهن.
هي محاولة لتحقيق بعض المكاسب لاستغلالها في الدعاية الإعلامية بعد أن ألحق بهم القصف الجوي الذي ينفّذه التحالف، خسائر فادحة على مستوى العمل الاستراتيجي، وهو ما يراه متابعون أنه أفقدهم حلم السيطرة على الجمهورية اليمنية، في مواجهة دولية ترفض ذلك الانقلاب.
باب المندب... حلم إيران
مع بداية «عاصفة الحزم» كان القلق يحيط بالدول المستوردة للنفط، حول مدى استغلال ميليشيات الحوثي لسيطرتهم السابقة على مضيق باب المندب، مما يجعل الاحتمالات حول البعد المستقبلي لسوق الطاقة في مدى الخطورة خصوصاً أن الحوثيين لا ينفكّون عن التهديدات ومحاولة تصدير أزماتهم نحو المرتزقة في المحيط البحري.
وتظهر الممرات المائية عادةً في المنهج الجيوسياسي، كمنطقة خصبة لاندلاع الحروب، وفي «باب المندب» تاريخ مفصل من محاولات عدة لتدويل المنطقة، وجعلها في قلب النزاع، عبر استغلال مستمر من دول في المنطقة لضمان تحقيق امتداد لها عبر المياه العالمية. لكن، كانت الخطة لقوات التحالف العربي ذات بُعد أعمق.
يستلزم ذلك التذكير بأن التحالف حرر باب المندب خلال 6 ساعات فقط من ميليشيا الحوثي التي كانت تسيطر على المضيق مع قطع بحرية إيرانية كانت تحاول تعكير صفو التجارة العالمية، وهي مدة وجيزة في عُرف المعارك، لكنّ قوات التحالف قدمت الخدمة الأهم ليس للمنطقة لكن للعالم في سبيل تسهيل مهمات بضائعه، فكانت خلاصة المرحلة هي القضاء على جس النبض الإيراني نحو السعودية ودول البحر الأحمر، وتأكيد القومية العربية لباب المندب.
155 لغماً بحرياً
ومنذ عام 2015، زرع الحوثيون 155 لغماً بحرياً، أحبطتها السعودية مع التحالف، وتصدت بتدمير 47 زورقاً مفخخاً، وهي في الأساس موجهة لخطوط الملاحة الدولية، التي من شأنها، إن نجحت في الاستهداف، أن تُحدث تغييراً في مسار التجارة، لكن القوة العسكرية تصدت لها.
اليمن، ذو الإشراف الأكبر عبر المضيق، تشترك معه دولتا جيبوتي وإريتريا، كانت جميعها على شفير النار مع محاولات النفوذ الإيراني تكميم منافذ المنطقة والعالم، وكانت استراتيجيات التوقعات حول مدى استفادة طهران من ذلك حاضرة في أذهان المجتمع الدولي منذ عام 2008.
استراتيجية إيران التي تنفذها في اليمن أيادي الحوثيين؛ سعت منذ أكثر من عام لوضع يدها على المضيق مما يشكل تهديداً للحركة التجارية في العالم، حيث تمر عبر المضيق أكثر من 7%، من إجمالي الملاحة العالمية، وقرابة 26 ألف سفينة نقل على مدار العام، ومن ضمن ذلك ما يقرب من 4 ملايين برميل نفط يومياً، وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية.
تلويحة الوداع لم تتمّ من الحوثيين إلا انكساراً بعد أن كانوا يحاولون استغلال سيطرتهم على المضيق في محافظة تعز ومديرية المخا التابعة لها، بل كانت إجباراً بعد منارة القوة العسكرية، التي تحيط اليوم الناقلات البحرية بالأمان، وكذلك قاطعة الإمداد العسكري الإيراني الذي كان يمر من المضيق، تطبيقاً كذلك للقرار الأممي 2216 الذي جاء من ضمن بنوده منع توريد الأسلحة إلى الانقلابيين الحوثيين.


مقالات ذات صلة

اليمنيون يرفضون أداء صلاة العيد تحت وصاية الحوثيين

العالم العربي لقطة جوية لمصور يمني توضح انفضاض مصلين في إب بعد تعيين خطيب حوثي لصلاة العيد (إكس)

اليمنيون يرفضون أداء صلاة العيد تحت وصاية الحوثيين

تسبب فرض الجماعة الحوثية خطباء لصلاة العيد من أتباعها في رفض السكان في مناطق سيطرتها أداء الصلاة تحت وصايتها، وانتقل الآلاف منهم لأدائها في مناطق سيطرة الحكومة.

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي المسافرون عبر مطار صنعاء يواجهون إجراءات حوثية مشددة (غيتي)

الحوثيون يصادرون إلكترونيات المسافرين عبر مطار صنعاء

لجأت الجماعة الحوثية لاحتجاز الأجهزة الإلكترونية للإعلاميين والناشطين المسافرين عبر مطار صنعاء لإجبارهم على العودة، في الوقت نفسه الذي تشدد رقابتها عليهم

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي أشخاص يتجمعون على أنقاض منزل تعرض لغارة أميركية في صعدة باليمن (رويترز)

الحوثيون يعلنون مقتل 4 في قصف أميركي شرق صنعاء

أعلنت جماعة الحوثي، في وقت مبكر اليوم الخميس، سقوط أربعة قتلى وجرحى جراء قصف أميركي على محافظة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الولايات المتحدة​ النائب الأميركي راجا كريشنامورثي يشير إلى رسائل نصية لوزير الدفاع بيت هيغسيث خلال جلسة استماع سنوية لتقييم التهديدات العالمية في مبنى مكتب لونغورث هاوس بعد تسريب «محادثات سيغنال» (أ.ف.ب)

روبيو: واقعة «سيغنال» خطأ فادح لكن لم يهدد حياة جنودنا

أكّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، أن المعلومات الواردة عبر محادثة «سيغنال» بشأن الهجمات على اليمن لم تكن سرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ البيت الأبيض: مستشار الأمن القومي والتز يتحمل مسؤولية «واقعة سيغنال» play-circle

البيت الأبيض: مستشار الأمن القومي والتز يتحمل مسؤولية «واقعة سيغنال»

حمّل البيت الأبيض اليوم (الأربعاء)، مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز المسؤولية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مبادرات لحفظ التماسك المجتمعي في تعز ولحج اليمنيتين

من توزيع إحدى المبادرات الخيرية ملابس العيد على الأطفال بمديرية الشمايتين (فيسبوك)
من توزيع إحدى المبادرات الخيرية ملابس العيد على الأطفال بمديرية الشمايتين (فيسبوك)
TT
20

مبادرات لحفظ التماسك المجتمعي في تعز ولحج اليمنيتين

من توزيع إحدى المبادرات الخيرية ملابس العيد على الأطفال بمديرية الشمايتين (فيسبوك)
من توزيع إحدى المبادرات الخيرية ملابس العيد على الأطفال بمديرية الشمايتين (فيسبوك)

لم يأتِ فجر أول أيام عيد الفطر المبارك إلا وقد حظي أكثر من 300 عائلة في مديريتين متجاورتين بمحافظتَي تعز ولحج (جنوبي غرب) بملابس جديدة لأطفالها، بعد أيام من حملة أطلقتها مبادرة شبابية لجمع التبرعات لمساندة الفئات الفقيرة والمهمشين والنازحين وضحايا الحرب والأيتام.

ورغم أن المبادرة الشبابية، التي تعمل منذ سنوات في المديرية، كانت تستهدف أكثر من 800 عائلة في مديريتَي الشمايتين (تعز) والمقاطرة (لحج)، فإن محدودية التمويل وتراجعه خلال الأشهر الماضية، إلى جانب استنزافه في أنشطة خيرية خلال شهر رمضان... كل ذلك أجبرها على تقليص مساحة استهدافها بحملة «كسوة العيد» لتشمل العائلات الأشد احتياجاً.

ويتوقع نشوان الزريقي، أحد مسؤولي المبادرة الشبابية، أن يتمكن وزملاؤه من تعويض باقي العائلات في عيد الأضحى المبارك المقبل، الذي يستعدون لاستقباله بإطلاق حملة واسعة بعد أيام، تهدف إلى توزيع اللحوم والأضاحي وملابس الأطفال على أكثر من ألفي عائلة.

ويشير الزريقي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هناك كثيراً من المبادرات في المديريتين المتصلتين تنشط بشكل دائم أو موسمي، وتقدم كثيراً من المساعدات للمحتاجين والمتضررين من الحرب، لكن هذا التعدد في هذه الأنشطة، مع عدم التنسيق بينها، ومع مقدمي التمويل للمساعدات، يتسبب في محدودية الوصول إلى المستهدفين أو حدوث الازدواجية».

سكان بمحافظة لحج يدعون السائقين والمسافرين لتناول وجبة الإفطار (فيسبوك)
سكان بمحافظة لحج يدعون السائقين والمسافرين لتناول وجبة الإفطار (فيسبوك)

ويوضح أن غالبية المبادرات تعمل بجهود ذاتية ودون تنظيم مؤسسي لأنشطتها بسبب محدودية التمويل، ورغبة القائمين عليها في توجيه الدعم إلى المساعدات فقط، دون تبديد أجزاء منه في الدراسات الميدانية أو النفقات التشغيلية، ما دامت لا تحظى بدعم مؤسسي من الجهات المانحة المحلية والدولية.

وتعدّ هذه المبادرات إحدى علامات التكافل الاجتماعي الذي اعتاده اليمنيون، والذي تستمر مظاهره رغم الأوضاع المعيشية المعقدة للسكان، بعد أكثر من عقد من الانقلاب الحوثي والحرب وتطوراتها الأخيرة، وتسببهما في حدوث أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

إطعام المسافرين

وقد اختتمت في آخر أيام رمضان الماضي فعاليات المبادرة الشبابية الرمضانية بمديرية القبيطة التابعة لمحافظة لحج، لإطعام المسافرين والسائقين على الطريق الجبلية البديلة التي تمر بالمديرية بعد إغلاق الجماعة الحوثية، منذ 10 سنوات، الطريق الرئيسية التي تربط محافظتَي عدن ولحج بمحافظة تعز وباقي المحافظات شمال البلاد.

اختناق طريق كَربة - الصُحى في مديرية المقاطرة بسبب حصار الحوثيين مدينة تعز (إكس)
اختناق طريق كَربة - الصُحى في مديرية المقاطرة بسبب حصار الحوثيين مدينة تعز (إكس)

ويوضح سامح عبد الله، وهو أحد أفراد المبادرة التي بدأت قبل 7 أعوام، أن شباب المديرية تفاعلوا مع زيادة معاناة المسافرين والسائقين، واضطرارهم للانتظار أوقاتاً طويلة في المنعطفات التي تحدث بها الاختناقات المرورية، مع عدم وجود محال لبيع المواد الغذائية أو مطاعم في المنطقة؛ مما دفع بهم إلى إنشاء مطبخ سنوي في رمضان لتقديم وجبات الإفطار والسحور.

وفي البداية، كان الأهالي يقدمون الطعام؛ مما يتوفر في منازلهم، ويجمعونه لدى عدد من الناشطين المجتمعيين الشباب، وفق توضيح عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، قبل أن يدعم ويمول رجالُ الأعمال الذين ينتمون إلى المنطقة المبادرة، ليُنشأ المطبخ الرمضاني، الذي أصبحت له فروع عدة على طول الطريق في المنطقة.

وتُشترى المواد الغذائية وتخزَّن في المطبخ وفروعه قبل شهر رمضان، ويتقدم عدد من الشباب الذين يجيدون الطبخ لإعداد الطعام يومياً خلال الساعات الأخيرة من النهار قبل موعد الإفطار، ثم طوال ساعات الليل إلى ما قبل السحور، في حين يعمل باقي الشباب على توزيع الطعام على السيارات، أو يشرفون على إقامة موائد على جانب الطريق.

ورغم أوضاعهم المعيشية الصعبة، فإن أهالي القرى الواقعة على طريقي الصُحى - كربة، وهيجة العبد، في مديرية المقاطرة التابعة للمحافظة نفسها، يتنافسون على تقديم الوجبات لسائقي الشاحنات والمسافرين الذين يضطرون للانتظار أوقاتاً طويلة بسبب وعورة وازدحام الطريق الجبلية الرابطة بين محافظتي تعز وعدن العاصمة المؤقتة للبلاد.

مطبخ خيري لإطعام المسافرين والسائقين بمديرية القبيطة بمحافظة لحج خلال رمضان
مطبخ خيري لإطعام المسافرين والسائقين بمديرية القبيطة بمحافظة لحج خلال رمضان

وتسبب الحصار، الذي تفرضه الجماعة الحوثية على مركز وأرياف محافظة تعز منذ 10 سنوات، في أزمات خانقة بالسفر والنقل، ويضطر سائقو السيارات والحافلات والشاحنات إلى سلوك طرق جبلية وعرة في مديريتَي المقاطرة والقبيطة الواقعتين على أطراف محافظة لحج المحاذية للمحافظة المحاصرة.

تماسك مجتمعي

تعود سائقو السيارات والشاحنات المارة في مديرية المقاطرة على مبادرات الأهالي لإطعامهم، فصاروا يحملون بدورهم هدايا صغيرة للأطفال تعبيراً عن الشكر والامتنان لهذه المبادرات التي لا تقتصر على شهر رمضان، حيث يقوم الأهالي بتقديم الطعام والماء للمسافرين والسائقين كلما حدث ازدحام وتعثر في حركة المرور.

ويقول جواد أحمد، وهو ناشط اجتماعي في المنطقة، لـ«الشرق الأوسط» إن الأهالي يعدّون يومياً وجبات طعام إفطار وسحور أكبر من احتياجاتهم من أجل إطعام المسافرين وسائقي الشاحنات، ويغادر الأطفال منازلهم حاملين أطعمة في أكياس لتوزيعها على أول من يصادفونهم قبل أوقات الإفطار والسحور.

اختناق مرور الشاحنات بمديرية القبيطة بسبب إغلاق الحوثيين الطرق الرئيسية (إكس)
اختناق مرور الشاحنات بمديرية القبيطة بسبب إغلاق الحوثيين الطرق الرئيسية (إكس)

وإذا تجاوز المسافر من مدينة عدن باتجاه مدينة تعز مديرية المقاطرة قبل موعد الإفطار، أو لم يصادفه أحد أهالي المنطقة لإطعامه، فسيجد من يعوضه ويقدم له وجبة خفيفة على مشارف مدينة التربة الواقعة في مديرية الشمايتين التابعة لمحافظة تعز.

وينتشر على أطراف المدينة شباب وأطفال يوزعون وجبات خفيفة في أكياس على المسافرين والسائقين، تحتوي المياه وبضع حبات من التمر وعصائر وأغذية معلبة.

ويتولى بعض شباب المدينة جمع هذه الأطعمة من التجار والمحال، ثم تعبئتها في الأكياس، قبل أن ينطلقوا إلى مداخل المدينة لتوزيعها على المسافرين أو المتنقلين بين المدينة وأرياف المديرية، أو المسافرين باتجاه مدينة تعز.

لم تؤثر الأوضاع المعيشية القاسية على عادة تقديم وجبة الإفطار للمسافرين في اليمن (إكس)
لم تؤثر الأوضاع المعيشية القاسية على عادة تقديم وجبة الإفطار للمسافرين في اليمن (إكس)

ويصف نبيل سعيد، وهو من أبناء مديرية المقاطرة، ويُدرّس اللغة الإنجليزية بمدينة التربة، هذه المبادرات الشبابية بأنها تعبير عن روح التكافل الاجتماعي الذي ما زال يثبت حضوره في المجتمع رغم الظروف والأوضاع المعيشية المعقدة التي فرضتها الحرب على الجميع.

ويشير سعيد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذه المبادرات «أثبتت قوة وتماسك المجتمع أمام الحرب والحصار والإفقار والفساد، وعززت من قدرة السكان على مواجهة تلك التحديات الصعبة»، مشيراً إلى أن «الأمر لا يقتصر على شهر رمضان، بل إن المبادرات لمساعدة المسافرين والمحتاجين أمر واقع في كل الأوقات طوال العام».