الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

تصاعدت درجاتها منذ 60 عاماً وباتت تشكل خطراً يهدد صحة الإنسان وإنتاج الغذاء

TT

الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

بلغت درجة الحرارة في بغداد 51 درجة مئوية خلال يوليو (تموز)، وكانت درجة الحرارة أعلى الدائرة القطبية الشمالية 38 درجة خلال الشهر نفسه. كذلك تجاوزت أستراليا أعلى درجة حرارة مسجلة خلال فصل الصيف الحالي، حيث تَحوَّل لون السماء إلى الأحمر القاني نتيجة لحرائق الغابات التي تأججت بفعل الجفاف الطويل.
طوال 150 عاماً من نشاط التصنيع، تسبب احتراق الفحم والنفط والوقود في انبعاث غازات الاحتباس الحراري (الدفيئة) وانتشارها في الجو، مما أدى إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة على مستوى العالم ووصولها إلى أرقام قياسية. كذلك ازدادت وتيرة حدوث الموجات الحارة ومدتها في كل أنحاء العالم تقريباً، مقارنةً بما كان عليه الحال منذ سبعين عاماً.
لكنّ آثار ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض لا تصيب كل سكانه على نحو متكافئ. فإذا كنت فقيراً ومهمشاً، من المرجح أنك ستعاني بدرجة أكبر من الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، إذ ربما لا تستطيع امتلاك مكيف هواء، بل قد لا تكون لديك خدمة الكهرباء حين تحتاج إليها بالأساس. كذلك ربما لا يكون أمامك خيار سوى العمل في الخارج تحت أشعة الشمس الحارقة، التي تجعل ركبتيك لا تقويان على حملك قبل أن تصاب بالهذيان. كذلك ربما يتسبب ارتفاع درجة الحرارة في حدوث جفاف شديد، ومهما كددت في العمل تحت الشمس فسيذبل المحصول الذي زرعته، وسيعاني أبناؤك من الجوع. ولن يكون من السهل حزم حقائبك والرحيل، وزراعة الذرة أعلى الجبل، فالمرء يحتاج إلى الاستحمام عدة مرات يومياً إذا توفر الماء، وكذلك تحتاج إلى ترطيب جلد طفلك لحمايته من طفح الحر. يمكنك النوم خارج المنزل حين ينقطع التيار الكهربائي، إذا كنت تحتمل لسعات البرغش، وربما تجلس أيضاً أمام المروحة وحدك وأنت تعاني من الخطر المزدوج للوحدة والحرارة.
لا يمثل الارتفاع الشديد في درجة الحرارة خطراً مستقبلياً، بل هو خطر نواجهه بالفعل في الوقت الحالي. إنه يهدد صحة الإنسان، وإنتاج الغذاء، ومصير اقتصاد دول بأسرها، وتأثيره أسوأ بالنسبة لمن يقفون عند أسفل السلم الاقتصادي في مجتمعاتهم. تخيّل ما سيكون عليه الحال إذا تعايش المرء مع خطر يُعدُّ الأكبر والأكثر خفاءً في العصر الحديث.
فيما يلي بعض الروايات الشخصية من مجتمعات محرومة في كل من اليونان ونيجيريا وغواتيمالا والهند، إلى جانب روايات بعض كبار السن في الولايات المتحدة الأميركية.
- أثينا: وتيرة الموجات الحارة تتسارع
اعتاد حسيب هوتاك، الشاب البالغ من العمر 21 عاماً، النوم على سطح منزل في أثينا. توجد غرفة صغيرة على السطح سقفها من الصفيح وبابها مجرد ستارة. تجعل حرارة النهار الغرفة فرناً، وجوُّها خانق بما يجعل النوم داخلها مستحيلاً.
كان هوتاك في السادسة عشرة حين غادر منزله في منطقة شولغارا بأفغانستان، وهو الوحيد الذي فعل ذلك من بين أحد عشر أخاً وأختاً. بعدما فشلت محاولته في العبور إلى أوروبا، وبعد إقامته لسنتين في مخيم للاجئين، تم منحه اللجوء في اليونان، وأقام مع صديق على سطح منزل يقع في حي كولونوز المكتظّ بالسكان، وهو أحد أحياء الطبقة العاملة من سكان أثينا، والذي استقر فيه الكثير من المهاجرين.
ارتفعت حرارة المدينة مع بداية العقد، حيث أوضحت سجلات درجات الحرارة الموجودة داخل مرصد أثينا القومي أن عدد الأيام الحارة، أي التي تتجاوز فيها درجة الحرارة 37 درجة، كان أقل من 20 يوماً سنوياً خلال العقد الأول من القرن العشرين، وبحلول منتصف ثمانينات القرن العشرين قارب عدد الأيام الحارة 50 يوماً، لكن العدد ارتفع إلى 120 يوماً خلال الفترة بين عامي 2006 و2017.
- نيجيريا: قرية لا تعرف الظلام
الظلام لا يخيم أبداً على القرية التي تقطنها فايث أوسي، وهي في منتصف الثلاثينات من العمر. فخمسة أعمدة من غاز الميثان تضيء أوبريكوم الواقعة في قلب المثلث الغنيّ بالنفط جنوب شرقي نيجيريا، حيث تعيش فايث مع زوجها وأولادها. تمثل تلك الأعمدة جزءاً من عمليات بتروكيميائية ضخمة تقوم بها شركة «أجيب» الإيطالية المتعددة الجنسيات. وتتم عمليات الاحتراق طوال اليوم في الهواء الاستوائي المشبع بالبخار.
عادةً ما يكون الطقس حاراً، حيث تصل درجة الحرارة في المتوسط إلى 33 درجة خلال فصل الصيف، ولا تنخفض قليلاً إلا خلال الأشهر التي تتساقط فيها الأمطار. وتزيد تلك العمليات من حرارة الجو، حتى خلال ساعات الليل، خصوصاً إذا كنت فقيراً بحيث لا تستطيع السكن إلا في نطاق تلك العمليات لانخفاض أسعار الأراضي بها.
وتوضح إحدى الدراسات أن درجات الحرارة كانت أعلى بمقدار 12 درجة في محيط المنازل الأقرب إلى عمليات الاحتراق تلك. وتعمل فايث تحت شمس حارقة في حقول الكسافا، قبل العودة مرهقةً إلى بيت أكثر حرارة، للعناية بأطفالها الذين يصيبهم الطفح الجلدي معظم أيام السنة.
ويؤثر هذا التغير المناخي الخطير بالفعل على الأشخاص الأكثر فقراً في نيجيريا، مثل فايث وعائلتها، حيث تزداد الأيام والليالي فائقة الحر، في الوقت الذي تقل فيه الأيام والليالي المعتدلة، وهو توجه رصدته الدراسات في غرب أفريقيا.
- غواتيمالا: الحرارة تفسد المحاصيل
روك، البالغ من العمر 38 عاماً، من السكان الأصليين في غواتيمالا، وهم من مجتمع الـ«شورتي» الذي ترجع أصوله إلى شعب المايا، الذين يعيشون في واحدة من المناطق الأكثر فقراً والأكثر قذارة في الأميركتين، وتُعرف باسم «دراي كوريدور» (الممر الجاف).
تدمر درجات الحرارة المرتفعة الأرض، مترافقة مع تراجع هطول الأمطار بداية الصيف بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية. وقد ضربت المنطقة خمس موجات جفاف قاسية طويلة في نهاية الصيف خلال العقد الماضي. كذلك ارتفعت درجة الحرارة في البلاد ككل بنحو درجة واحدة مئوية منذ عام 1960، وازدادت الأيام والليالي الحارة وطالت مدتها. ويقول روك إن الأمطار لا تأتي حين يحتاج إليها لري محصوله، ويوضح: «حين نحتاج إلى الشمس نحظى بالماء فجأة»، وقد ذبلت وتلفت محاصيل الذرة والفول، التي تعد من الأغذية الرئيسية، لثلاث سنوات متتالية.
يُعدُّ متوسط حجم غازات الدفيئة لكل مواطن في غواتيمالا ضئيلاً، حيث يبلغ 1.1 طن متري، مقارنةً بـ16.5 طن لكل شخص في الولايات المتحدة الأميركية، لكنّ الشعور بأثر ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب أكبر في غواتيمالا. ومن المحتمل أن يتراجع حجم محاصيل الذرة الصفراء والفول بنحو 14% بحلول 2050، حسب دراسة تم نشرها مؤخراً. ومن غير المرجح أن تكون حبوب القهوة، التي تُزرع في المناطق المنخفضة، مجدية اقتصادياً.
- الهند: الطقس الحار يتجه إلى الخطر
تنحني رابيتا لتملأ إناء بالرمال، وترفعه وتحمله على رأسها، وتصعد الدرج. إنها تفعل ذلك مرات لا تُحصى كل يوم، حتى مع ارتفاع درجة حرارة الجو ورطوبة الهواء خلال ساعات النهار. رجلاها تؤلمانها من صعود الدرج، ورأسها يصاب بالدوار أحياناً. ولا يمكن لفترات الاستراحة أن تتجاوز خمس دقائق، وإلا سوف تتلقى التوبيخ من مراقب العمال في موقع البناء. إنها تنتمي وزوجها أشوك كومار إلى طبقة المنبوذين، التي تقع في أدنى درجات السلم الاجتماعي الهندوسي، وتتقاضى أجراً أقل من نصف الأجر الذي يتقاضاه الرجل.
وقد تضاعف حدوث الموجات الحارة الشديدة المصحوبة بالرطوبة منذ عام 1979 إلى درجة لا يتحملها الجسم البشري لساعات طويلة متواصلة، حسب ورقة بحثية صدرت مؤخراً. وتصنف منظمة العمل الدولية الحرارة من بين المخاطر الصحية التي يتعرض لها بوجه خاص عمال البناء من أمثال رابيتا. يمكن لأكثر الناس العمل بنصف طاقتهم فقط عندما تتجاوز درجة الحرارة 33 درجة، كما يمكن أن يكون التعرض للحرارة الشديدة لساعات طويلة مهلكاً ومميتاً، وفقاً للمنظمة.
ومن المتوقع أن تزداد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع الحرارة لتصل إلى 2.4 تريليون دولار سنة 2030، لكن من المتوقع أيضاً ألا تتوزع تلك التكلفة على نحو متكافئ، إذ ستكون جنوب آسيا وغرب أفريقيا المنطقتين الأكثر تضرراً، ليس فقط بسبب ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة، بل أيضاً بسبب تردي أوضاع العمال من أمثال رابيتا.
- الولايات المتحدة: الحرارة أخطر على كبار السن
في يوم أحد قائظ خلال شهر يوليو وصلت فيه الحرارة إلى 34 درجة، جلس رافائيل فيلاسكيز، البالغ من العمر 66 عاماً، في باحة منزله، بينما وضع على وجهه زجاجة من المياه الباردة. لقد أحب الجلوس خارج المنزل على مقعد خشبي وإطعام الحمام، بينما يمسح عرقه المتصبب باستمرار بمنشفة. لم يكن هناك ما يفعله داخل المنزل، ولا يمكنه تحمل تكلفة شراء مكيف هواء، كما أنه لا يعرف كيف يمكنه الحصول على مكيف هواء مجاناً في إطار برنامج محلي يستهدف مساعدة كبار السن في التمتع بجو معتدل في أثناء الوباء الذي تسبب في إغلاق أكثر مراكز التبريد.
يؤدي ارتفاع درجة الحرارة في الولايات المتحدة إلى وفاة الكثير من كبار السن مقارنةً بأي حدث قوي آخر متعلق بالطقس، بما في ذلك الأعاصير. وتمثل المشكلة جزءاً من نمط قومي مشين، حيث يعيش المواطنون من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية مثل فيلاسكيز في المناطق الأكثر حراً داخل المدن الأميركية في أغلب الأحوال. وقال كيزي تشارلز غوزمان، نائب مدير جهود الصمود في مكتب عمدة نيويورك: «يزيد غياب المساواة المخاطر المناخية والبيئية». وتشير تقديرات دراسة أكاديمية حديثة إلى وفاة نحو 12 ألف شخص بسبب أمراض متعلقة بارتفاع الحرارة، تتجاوز أعمار 80% منهم الستين.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».