الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

تصاعدت درجاتها منذ 60 عاماً وباتت تشكل خطراً يهدد صحة الإنسان وإنتاج الغذاء

TT

الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

بلغت درجة الحرارة في بغداد 51 درجة مئوية خلال يوليو (تموز)، وكانت درجة الحرارة أعلى الدائرة القطبية الشمالية 38 درجة خلال الشهر نفسه. كذلك تجاوزت أستراليا أعلى درجة حرارة مسجلة خلال فصل الصيف الحالي، حيث تَحوَّل لون السماء إلى الأحمر القاني نتيجة لحرائق الغابات التي تأججت بفعل الجفاف الطويل.
طوال 150 عاماً من نشاط التصنيع، تسبب احتراق الفحم والنفط والوقود في انبعاث غازات الاحتباس الحراري (الدفيئة) وانتشارها في الجو، مما أدى إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة على مستوى العالم ووصولها إلى أرقام قياسية. كذلك ازدادت وتيرة حدوث الموجات الحارة ومدتها في كل أنحاء العالم تقريباً، مقارنةً بما كان عليه الحال منذ سبعين عاماً.
لكنّ آثار ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض لا تصيب كل سكانه على نحو متكافئ. فإذا كنت فقيراً ومهمشاً، من المرجح أنك ستعاني بدرجة أكبر من الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، إذ ربما لا تستطيع امتلاك مكيف هواء، بل قد لا تكون لديك خدمة الكهرباء حين تحتاج إليها بالأساس. كذلك ربما لا يكون أمامك خيار سوى العمل في الخارج تحت أشعة الشمس الحارقة، التي تجعل ركبتيك لا تقويان على حملك قبل أن تصاب بالهذيان. كذلك ربما يتسبب ارتفاع درجة الحرارة في حدوث جفاف شديد، ومهما كددت في العمل تحت الشمس فسيذبل المحصول الذي زرعته، وسيعاني أبناؤك من الجوع. ولن يكون من السهل حزم حقائبك والرحيل، وزراعة الذرة أعلى الجبل، فالمرء يحتاج إلى الاستحمام عدة مرات يومياً إذا توفر الماء، وكذلك تحتاج إلى ترطيب جلد طفلك لحمايته من طفح الحر. يمكنك النوم خارج المنزل حين ينقطع التيار الكهربائي، إذا كنت تحتمل لسعات البرغش، وربما تجلس أيضاً أمام المروحة وحدك وأنت تعاني من الخطر المزدوج للوحدة والحرارة.
لا يمثل الارتفاع الشديد في درجة الحرارة خطراً مستقبلياً، بل هو خطر نواجهه بالفعل في الوقت الحالي. إنه يهدد صحة الإنسان، وإنتاج الغذاء، ومصير اقتصاد دول بأسرها، وتأثيره أسوأ بالنسبة لمن يقفون عند أسفل السلم الاقتصادي في مجتمعاتهم. تخيّل ما سيكون عليه الحال إذا تعايش المرء مع خطر يُعدُّ الأكبر والأكثر خفاءً في العصر الحديث.
فيما يلي بعض الروايات الشخصية من مجتمعات محرومة في كل من اليونان ونيجيريا وغواتيمالا والهند، إلى جانب روايات بعض كبار السن في الولايات المتحدة الأميركية.
- أثينا: وتيرة الموجات الحارة تتسارع
اعتاد حسيب هوتاك، الشاب البالغ من العمر 21 عاماً، النوم على سطح منزل في أثينا. توجد غرفة صغيرة على السطح سقفها من الصفيح وبابها مجرد ستارة. تجعل حرارة النهار الغرفة فرناً، وجوُّها خانق بما يجعل النوم داخلها مستحيلاً.
كان هوتاك في السادسة عشرة حين غادر منزله في منطقة شولغارا بأفغانستان، وهو الوحيد الذي فعل ذلك من بين أحد عشر أخاً وأختاً. بعدما فشلت محاولته في العبور إلى أوروبا، وبعد إقامته لسنتين في مخيم للاجئين، تم منحه اللجوء في اليونان، وأقام مع صديق على سطح منزل يقع في حي كولونوز المكتظّ بالسكان، وهو أحد أحياء الطبقة العاملة من سكان أثينا، والذي استقر فيه الكثير من المهاجرين.
ارتفعت حرارة المدينة مع بداية العقد، حيث أوضحت سجلات درجات الحرارة الموجودة داخل مرصد أثينا القومي أن عدد الأيام الحارة، أي التي تتجاوز فيها درجة الحرارة 37 درجة، كان أقل من 20 يوماً سنوياً خلال العقد الأول من القرن العشرين، وبحلول منتصف ثمانينات القرن العشرين قارب عدد الأيام الحارة 50 يوماً، لكن العدد ارتفع إلى 120 يوماً خلال الفترة بين عامي 2006 و2017.
- نيجيريا: قرية لا تعرف الظلام
الظلام لا يخيم أبداً على القرية التي تقطنها فايث أوسي، وهي في منتصف الثلاثينات من العمر. فخمسة أعمدة من غاز الميثان تضيء أوبريكوم الواقعة في قلب المثلث الغنيّ بالنفط جنوب شرقي نيجيريا، حيث تعيش فايث مع زوجها وأولادها. تمثل تلك الأعمدة جزءاً من عمليات بتروكيميائية ضخمة تقوم بها شركة «أجيب» الإيطالية المتعددة الجنسيات. وتتم عمليات الاحتراق طوال اليوم في الهواء الاستوائي المشبع بالبخار.
عادةً ما يكون الطقس حاراً، حيث تصل درجة الحرارة في المتوسط إلى 33 درجة خلال فصل الصيف، ولا تنخفض قليلاً إلا خلال الأشهر التي تتساقط فيها الأمطار. وتزيد تلك العمليات من حرارة الجو، حتى خلال ساعات الليل، خصوصاً إذا كنت فقيراً بحيث لا تستطيع السكن إلا في نطاق تلك العمليات لانخفاض أسعار الأراضي بها.
وتوضح إحدى الدراسات أن درجات الحرارة كانت أعلى بمقدار 12 درجة في محيط المنازل الأقرب إلى عمليات الاحتراق تلك. وتعمل فايث تحت شمس حارقة في حقول الكسافا، قبل العودة مرهقةً إلى بيت أكثر حرارة، للعناية بأطفالها الذين يصيبهم الطفح الجلدي معظم أيام السنة.
ويؤثر هذا التغير المناخي الخطير بالفعل على الأشخاص الأكثر فقراً في نيجيريا، مثل فايث وعائلتها، حيث تزداد الأيام والليالي فائقة الحر، في الوقت الذي تقل فيه الأيام والليالي المعتدلة، وهو توجه رصدته الدراسات في غرب أفريقيا.
- غواتيمالا: الحرارة تفسد المحاصيل
روك، البالغ من العمر 38 عاماً، من السكان الأصليين في غواتيمالا، وهم من مجتمع الـ«شورتي» الذي ترجع أصوله إلى شعب المايا، الذين يعيشون في واحدة من المناطق الأكثر فقراً والأكثر قذارة في الأميركتين، وتُعرف باسم «دراي كوريدور» (الممر الجاف).
تدمر درجات الحرارة المرتفعة الأرض، مترافقة مع تراجع هطول الأمطار بداية الصيف بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية. وقد ضربت المنطقة خمس موجات جفاف قاسية طويلة في نهاية الصيف خلال العقد الماضي. كذلك ارتفعت درجة الحرارة في البلاد ككل بنحو درجة واحدة مئوية منذ عام 1960، وازدادت الأيام والليالي الحارة وطالت مدتها. ويقول روك إن الأمطار لا تأتي حين يحتاج إليها لري محصوله، ويوضح: «حين نحتاج إلى الشمس نحظى بالماء فجأة»، وقد ذبلت وتلفت محاصيل الذرة والفول، التي تعد من الأغذية الرئيسية، لثلاث سنوات متتالية.
يُعدُّ متوسط حجم غازات الدفيئة لكل مواطن في غواتيمالا ضئيلاً، حيث يبلغ 1.1 طن متري، مقارنةً بـ16.5 طن لكل شخص في الولايات المتحدة الأميركية، لكنّ الشعور بأثر ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب أكبر في غواتيمالا. ومن المحتمل أن يتراجع حجم محاصيل الذرة الصفراء والفول بنحو 14% بحلول 2050، حسب دراسة تم نشرها مؤخراً. ومن غير المرجح أن تكون حبوب القهوة، التي تُزرع في المناطق المنخفضة، مجدية اقتصادياً.
- الهند: الطقس الحار يتجه إلى الخطر
تنحني رابيتا لتملأ إناء بالرمال، وترفعه وتحمله على رأسها، وتصعد الدرج. إنها تفعل ذلك مرات لا تُحصى كل يوم، حتى مع ارتفاع درجة حرارة الجو ورطوبة الهواء خلال ساعات النهار. رجلاها تؤلمانها من صعود الدرج، ورأسها يصاب بالدوار أحياناً. ولا يمكن لفترات الاستراحة أن تتجاوز خمس دقائق، وإلا سوف تتلقى التوبيخ من مراقب العمال في موقع البناء. إنها تنتمي وزوجها أشوك كومار إلى طبقة المنبوذين، التي تقع في أدنى درجات السلم الاجتماعي الهندوسي، وتتقاضى أجراً أقل من نصف الأجر الذي يتقاضاه الرجل.
وقد تضاعف حدوث الموجات الحارة الشديدة المصحوبة بالرطوبة منذ عام 1979 إلى درجة لا يتحملها الجسم البشري لساعات طويلة متواصلة، حسب ورقة بحثية صدرت مؤخراً. وتصنف منظمة العمل الدولية الحرارة من بين المخاطر الصحية التي يتعرض لها بوجه خاص عمال البناء من أمثال رابيتا. يمكن لأكثر الناس العمل بنصف طاقتهم فقط عندما تتجاوز درجة الحرارة 33 درجة، كما يمكن أن يكون التعرض للحرارة الشديدة لساعات طويلة مهلكاً ومميتاً، وفقاً للمنظمة.
ومن المتوقع أن تزداد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع الحرارة لتصل إلى 2.4 تريليون دولار سنة 2030، لكن من المتوقع أيضاً ألا تتوزع تلك التكلفة على نحو متكافئ، إذ ستكون جنوب آسيا وغرب أفريقيا المنطقتين الأكثر تضرراً، ليس فقط بسبب ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة، بل أيضاً بسبب تردي أوضاع العمال من أمثال رابيتا.
- الولايات المتحدة: الحرارة أخطر على كبار السن
في يوم أحد قائظ خلال شهر يوليو وصلت فيه الحرارة إلى 34 درجة، جلس رافائيل فيلاسكيز، البالغ من العمر 66 عاماً، في باحة منزله، بينما وضع على وجهه زجاجة من المياه الباردة. لقد أحب الجلوس خارج المنزل على مقعد خشبي وإطعام الحمام، بينما يمسح عرقه المتصبب باستمرار بمنشفة. لم يكن هناك ما يفعله داخل المنزل، ولا يمكنه تحمل تكلفة شراء مكيف هواء، كما أنه لا يعرف كيف يمكنه الحصول على مكيف هواء مجاناً في إطار برنامج محلي يستهدف مساعدة كبار السن في التمتع بجو معتدل في أثناء الوباء الذي تسبب في إغلاق أكثر مراكز التبريد.
يؤدي ارتفاع درجة الحرارة في الولايات المتحدة إلى وفاة الكثير من كبار السن مقارنةً بأي حدث قوي آخر متعلق بالطقس، بما في ذلك الأعاصير. وتمثل المشكلة جزءاً من نمط قومي مشين، حيث يعيش المواطنون من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية مثل فيلاسكيز في المناطق الأكثر حراً داخل المدن الأميركية في أغلب الأحوال. وقال كيزي تشارلز غوزمان، نائب مدير جهود الصمود في مكتب عمدة نيويورك: «يزيد غياب المساواة المخاطر المناخية والبيئية». وتشير تقديرات دراسة أكاديمية حديثة إلى وفاة نحو 12 ألف شخص بسبب أمراض متعلقة بارتفاع الحرارة، تتجاوز أعمار 80% منهم الستين.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الغبار والأتربة يحجبان الرؤية لمسافات بعيدة (رويترز)

هل ازدادت حدة العواصف الترابية في مصر خلال السنوات الأخيرة؟

شهدت مصر، الجمعة، أجواء غير مستقرة بسبب هبوب عاصفة ترابية خيَّمت على البلاد وملأت الأجواء بالأتربة، وتسببت في انخفاض الرؤية الأفقية إلى أقل من 500 متر.

أحمد حسن بلح (القاهرة )

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.