الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

تصاعدت درجاتها منذ 60 عاماً وباتت تشكل خطراً يهدد صحة الإنسان وإنتاج الغذاء

TT

الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

بلغت درجة الحرارة في بغداد 51 درجة مئوية خلال يوليو (تموز)، وكانت درجة الحرارة أعلى الدائرة القطبية الشمالية 38 درجة خلال الشهر نفسه. كذلك تجاوزت أستراليا أعلى درجة حرارة مسجلة خلال فصل الصيف الحالي، حيث تَحوَّل لون السماء إلى الأحمر القاني نتيجة لحرائق الغابات التي تأججت بفعل الجفاف الطويل.
طوال 150 عاماً من نشاط التصنيع، تسبب احتراق الفحم والنفط والوقود في انبعاث غازات الاحتباس الحراري (الدفيئة) وانتشارها في الجو، مما أدى إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة على مستوى العالم ووصولها إلى أرقام قياسية. كذلك ازدادت وتيرة حدوث الموجات الحارة ومدتها في كل أنحاء العالم تقريباً، مقارنةً بما كان عليه الحال منذ سبعين عاماً.
لكنّ آثار ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض لا تصيب كل سكانه على نحو متكافئ. فإذا كنت فقيراً ومهمشاً، من المرجح أنك ستعاني بدرجة أكبر من الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، إذ ربما لا تستطيع امتلاك مكيف هواء، بل قد لا تكون لديك خدمة الكهرباء حين تحتاج إليها بالأساس. كذلك ربما لا يكون أمامك خيار سوى العمل في الخارج تحت أشعة الشمس الحارقة، التي تجعل ركبتيك لا تقويان على حملك قبل أن تصاب بالهذيان. كذلك ربما يتسبب ارتفاع درجة الحرارة في حدوث جفاف شديد، ومهما كددت في العمل تحت الشمس فسيذبل المحصول الذي زرعته، وسيعاني أبناؤك من الجوع. ولن يكون من السهل حزم حقائبك والرحيل، وزراعة الذرة أعلى الجبل، فالمرء يحتاج إلى الاستحمام عدة مرات يومياً إذا توفر الماء، وكذلك تحتاج إلى ترطيب جلد طفلك لحمايته من طفح الحر. يمكنك النوم خارج المنزل حين ينقطع التيار الكهربائي، إذا كنت تحتمل لسعات البرغش، وربما تجلس أيضاً أمام المروحة وحدك وأنت تعاني من الخطر المزدوج للوحدة والحرارة.
لا يمثل الارتفاع الشديد في درجة الحرارة خطراً مستقبلياً، بل هو خطر نواجهه بالفعل في الوقت الحالي. إنه يهدد صحة الإنسان، وإنتاج الغذاء، ومصير اقتصاد دول بأسرها، وتأثيره أسوأ بالنسبة لمن يقفون عند أسفل السلم الاقتصادي في مجتمعاتهم. تخيّل ما سيكون عليه الحال إذا تعايش المرء مع خطر يُعدُّ الأكبر والأكثر خفاءً في العصر الحديث.
فيما يلي بعض الروايات الشخصية من مجتمعات محرومة في كل من اليونان ونيجيريا وغواتيمالا والهند، إلى جانب روايات بعض كبار السن في الولايات المتحدة الأميركية.
- أثينا: وتيرة الموجات الحارة تتسارع
اعتاد حسيب هوتاك، الشاب البالغ من العمر 21 عاماً، النوم على سطح منزل في أثينا. توجد غرفة صغيرة على السطح سقفها من الصفيح وبابها مجرد ستارة. تجعل حرارة النهار الغرفة فرناً، وجوُّها خانق بما يجعل النوم داخلها مستحيلاً.
كان هوتاك في السادسة عشرة حين غادر منزله في منطقة شولغارا بأفغانستان، وهو الوحيد الذي فعل ذلك من بين أحد عشر أخاً وأختاً. بعدما فشلت محاولته في العبور إلى أوروبا، وبعد إقامته لسنتين في مخيم للاجئين، تم منحه اللجوء في اليونان، وأقام مع صديق على سطح منزل يقع في حي كولونوز المكتظّ بالسكان، وهو أحد أحياء الطبقة العاملة من سكان أثينا، والذي استقر فيه الكثير من المهاجرين.
ارتفعت حرارة المدينة مع بداية العقد، حيث أوضحت سجلات درجات الحرارة الموجودة داخل مرصد أثينا القومي أن عدد الأيام الحارة، أي التي تتجاوز فيها درجة الحرارة 37 درجة، كان أقل من 20 يوماً سنوياً خلال العقد الأول من القرن العشرين، وبحلول منتصف ثمانينات القرن العشرين قارب عدد الأيام الحارة 50 يوماً، لكن العدد ارتفع إلى 120 يوماً خلال الفترة بين عامي 2006 و2017.
- نيجيريا: قرية لا تعرف الظلام
الظلام لا يخيم أبداً على القرية التي تقطنها فايث أوسي، وهي في منتصف الثلاثينات من العمر. فخمسة أعمدة من غاز الميثان تضيء أوبريكوم الواقعة في قلب المثلث الغنيّ بالنفط جنوب شرقي نيجيريا، حيث تعيش فايث مع زوجها وأولادها. تمثل تلك الأعمدة جزءاً من عمليات بتروكيميائية ضخمة تقوم بها شركة «أجيب» الإيطالية المتعددة الجنسيات. وتتم عمليات الاحتراق طوال اليوم في الهواء الاستوائي المشبع بالبخار.
عادةً ما يكون الطقس حاراً، حيث تصل درجة الحرارة في المتوسط إلى 33 درجة خلال فصل الصيف، ولا تنخفض قليلاً إلا خلال الأشهر التي تتساقط فيها الأمطار. وتزيد تلك العمليات من حرارة الجو، حتى خلال ساعات الليل، خصوصاً إذا كنت فقيراً بحيث لا تستطيع السكن إلا في نطاق تلك العمليات لانخفاض أسعار الأراضي بها.
وتوضح إحدى الدراسات أن درجات الحرارة كانت أعلى بمقدار 12 درجة في محيط المنازل الأقرب إلى عمليات الاحتراق تلك. وتعمل فايث تحت شمس حارقة في حقول الكسافا، قبل العودة مرهقةً إلى بيت أكثر حرارة، للعناية بأطفالها الذين يصيبهم الطفح الجلدي معظم أيام السنة.
ويؤثر هذا التغير المناخي الخطير بالفعل على الأشخاص الأكثر فقراً في نيجيريا، مثل فايث وعائلتها، حيث تزداد الأيام والليالي فائقة الحر، في الوقت الذي تقل فيه الأيام والليالي المعتدلة، وهو توجه رصدته الدراسات في غرب أفريقيا.
- غواتيمالا: الحرارة تفسد المحاصيل
روك، البالغ من العمر 38 عاماً، من السكان الأصليين في غواتيمالا، وهم من مجتمع الـ«شورتي» الذي ترجع أصوله إلى شعب المايا، الذين يعيشون في واحدة من المناطق الأكثر فقراً والأكثر قذارة في الأميركتين، وتُعرف باسم «دراي كوريدور» (الممر الجاف).
تدمر درجات الحرارة المرتفعة الأرض، مترافقة مع تراجع هطول الأمطار بداية الصيف بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية. وقد ضربت المنطقة خمس موجات جفاف قاسية طويلة في نهاية الصيف خلال العقد الماضي. كذلك ارتفعت درجة الحرارة في البلاد ككل بنحو درجة واحدة مئوية منذ عام 1960، وازدادت الأيام والليالي الحارة وطالت مدتها. ويقول روك إن الأمطار لا تأتي حين يحتاج إليها لري محصوله، ويوضح: «حين نحتاج إلى الشمس نحظى بالماء فجأة»، وقد ذبلت وتلفت محاصيل الذرة والفول، التي تعد من الأغذية الرئيسية، لثلاث سنوات متتالية.
يُعدُّ متوسط حجم غازات الدفيئة لكل مواطن في غواتيمالا ضئيلاً، حيث يبلغ 1.1 طن متري، مقارنةً بـ16.5 طن لكل شخص في الولايات المتحدة الأميركية، لكنّ الشعور بأثر ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب أكبر في غواتيمالا. ومن المحتمل أن يتراجع حجم محاصيل الذرة الصفراء والفول بنحو 14% بحلول 2050، حسب دراسة تم نشرها مؤخراً. ومن غير المرجح أن تكون حبوب القهوة، التي تُزرع في المناطق المنخفضة، مجدية اقتصادياً.
- الهند: الطقس الحار يتجه إلى الخطر
تنحني رابيتا لتملأ إناء بالرمال، وترفعه وتحمله على رأسها، وتصعد الدرج. إنها تفعل ذلك مرات لا تُحصى كل يوم، حتى مع ارتفاع درجة حرارة الجو ورطوبة الهواء خلال ساعات النهار. رجلاها تؤلمانها من صعود الدرج، ورأسها يصاب بالدوار أحياناً. ولا يمكن لفترات الاستراحة أن تتجاوز خمس دقائق، وإلا سوف تتلقى التوبيخ من مراقب العمال في موقع البناء. إنها تنتمي وزوجها أشوك كومار إلى طبقة المنبوذين، التي تقع في أدنى درجات السلم الاجتماعي الهندوسي، وتتقاضى أجراً أقل من نصف الأجر الذي يتقاضاه الرجل.
وقد تضاعف حدوث الموجات الحارة الشديدة المصحوبة بالرطوبة منذ عام 1979 إلى درجة لا يتحملها الجسم البشري لساعات طويلة متواصلة، حسب ورقة بحثية صدرت مؤخراً. وتصنف منظمة العمل الدولية الحرارة من بين المخاطر الصحية التي يتعرض لها بوجه خاص عمال البناء من أمثال رابيتا. يمكن لأكثر الناس العمل بنصف طاقتهم فقط عندما تتجاوز درجة الحرارة 33 درجة، كما يمكن أن يكون التعرض للحرارة الشديدة لساعات طويلة مهلكاً ومميتاً، وفقاً للمنظمة.
ومن المتوقع أن تزداد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع الحرارة لتصل إلى 2.4 تريليون دولار سنة 2030، لكن من المتوقع أيضاً ألا تتوزع تلك التكلفة على نحو متكافئ، إذ ستكون جنوب آسيا وغرب أفريقيا المنطقتين الأكثر تضرراً، ليس فقط بسبب ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة، بل أيضاً بسبب تردي أوضاع العمال من أمثال رابيتا.
- الولايات المتحدة: الحرارة أخطر على كبار السن
في يوم أحد قائظ خلال شهر يوليو وصلت فيه الحرارة إلى 34 درجة، جلس رافائيل فيلاسكيز، البالغ من العمر 66 عاماً، في باحة منزله، بينما وضع على وجهه زجاجة من المياه الباردة. لقد أحب الجلوس خارج المنزل على مقعد خشبي وإطعام الحمام، بينما يمسح عرقه المتصبب باستمرار بمنشفة. لم يكن هناك ما يفعله داخل المنزل، ولا يمكنه تحمل تكلفة شراء مكيف هواء، كما أنه لا يعرف كيف يمكنه الحصول على مكيف هواء مجاناً في إطار برنامج محلي يستهدف مساعدة كبار السن في التمتع بجو معتدل في أثناء الوباء الذي تسبب في إغلاق أكثر مراكز التبريد.
يؤدي ارتفاع درجة الحرارة في الولايات المتحدة إلى وفاة الكثير من كبار السن مقارنةً بأي حدث قوي آخر متعلق بالطقس، بما في ذلك الأعاصير. وتمثل المشكلة جزءاً من نمط قومي مشين، حيث يعيش المواطنون من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية مثل فيلاسكيز في المناطق الأكثر حراً داخل المدن الأميركية في أغلب الأحوال. وقال كيزي تشارلز غوزمان، نائب مدير جهود الصمود في مكتب عمدة نيويورك: «يزيد غياب المساواة المخاطر المناخية والبيئية». وتشير تقديرات دراسة أكاديمية حديثة إلى وفاة نحو 12 ألف شخص بسبب أمراض متعلقة بارتفاع الحرارة، تتجاوز أعمار 80% منهم الستين.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

علوم العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

لقد استبعدت في السابق نماذج مناخية كانت تتوقع حصول معدلات احترار أعلى عند مستوى معين من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، باعتبارها نماذج غير واقعية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما خُلق للدفء صار حارساً للبرودة (رويترز)

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يُجري باحثون تجربة غير مألوفة في جبال الألب، لاختبار ما إذا كان صوف الأغنام، قادراً على الإسهام في حماية الجليد...

الاقتصاد سفينة حاويات تبحر تحت العلم المالطي في قناة بنما 3 سبتمبر 2026 قبل بدء تطبيق إجراءات تقليص حركة المرور (أ.ف.ب)

قناة بنما تُقلص حركة عبور السفن بسبب ظاهرة «إل نينيو» المناخية

بدأت قناة بنما تقليص عدد السفن العابرة في مياهها بسبب انخفاض معدلات المتساقطات الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» المناخية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مراد كوروم وزير البيئة والتحضر والتغير المناخي التركي ورئيس «كوب 31» خلال المؤتمر الصحافي اليوم في إسطنبول (الشرق الأوسط)

«كوب 31» في أنطاليا... من الوعود إلى الاستثمارات

تتجه تركيا إلى جعل تنفيذ التعهدات المناخية والتمويل محوراً رئيسياً لرئاستها مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 31».

مساعد الزياني (إسطنبول)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.


قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
TT

قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ، اليوم (السبت)، إلى نيودلهي، للمشاركة إلى جانب قادة الهند وروسيا وإيران في قمة لمجموعة بريكس تتصدرها ملفات النزاعات والتجارة والطاقة.

ويتوقع أن تهيمن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 2022، وما نتج عنهما من الاضطرابات في التجارة العالمية وأسعار النفط، على محادثات القمة التي تنطلق السبت وتستمر يومين.

ويشكل حضور شي بحد ذاته حدثاً مهماً؛ إذ ستكون هذه أول زيارة له إلى البلاد منذ 2019، وهي تمثل خطوة كبيرة في مسار التقارب البطيء بين البلدين المتنافسين، بعد 6 سنوات من المواجهة العسكرية الدامية التي دارت بينهما على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهيمالايا.

أعلام دول «بريكس» في مركز المؤتمرات «بهارات ماندابام» بنيودلهي (أ.ب)

وشهدت العلاقات بين العملاقين الآسيويين المسلّحين نووياً تحسناً تدريجياً عقب موافقتهما على استئناف الرحلات الجوية والاتصالات رفيعة المستوى ومنح التأشيرات، وأكدت بكين الجمعة، أن «الصين مستعدة للعمل مع الهند من خلال تعزيز التواصل وتوطيد التعاون والتعامل مع الاختلافات وفق الأصول».

ومع ذلك، لا يزال انعدام الثقة يخيم إلى حد كبير على العلاقات، على وقع استمرار الخلافات الحدودية، مع احتفاظ البلدين بانتشار عسكري على طول الحدود الممتدة بينهما نحو 3500 كيلومتر عند أطراف منطقة التبت الصينية.

ويجري شي السبت، محادثات مباشرة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب «الخارجية» الهندية.

وتظاهر عشرات التبتيين في نيودلهي الجمعة، رافعين لافتات ضدّ زيارة شي، بحسب مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وهم يعيشون في المنفى مثل زعيمهم الروحي الدالاي لاما الذي انتقل إلى الهند للفرار من حملة قمع صينية عام 1959.

* «بريكس» منذ 2009

أُسس منتدى «بريكس» عام 2009 ليجمع الاقتصادات الناشئة الكبرى؛ البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليه سريعاً جنوب أفريقيا، وذلك خارج إطار التكتلات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والقوى الغربية، مثل مجموعة السبع.

وتوسع التكتل بعد ذلك ليشمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران، وغيرها.

دورية للشرطة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وقبل انعقاد القمة، استقبل مودي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي قال: «حين يتعرض بلد لضغوط سياسية واقتصادية على تجارته وطاقته وبناه التحتية ونظامه المالي، فإن العواقب تتخطى حدوده».

وتغلق إيران منذ اندلاع الحرب مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط. وتخطى سعر برميل برنت مجدداً هذا الأسبوع عتبة 100 دولار.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقاء سابق عقد في روسيا يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 (رويترز)

وتثير هذه الحرب انقساماً بين أعضاء «بريكس»؛ إذ تواصل روسيا والصين تعاملهما التجاري مع إيران على الرغم من العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على طهران والدول المتعاملة معها في إطار حملة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

وقال هارش بانت المحلل في مركز «أوبزيرفر ريسيرتش فاونديشن» للدراسات القريب من الحكومة الهندية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذا النزاع سيكون خط الانقسام الرئيسي خلال القمة».

ومن جهة أخرى، التقى مودي الجمعة فلاديمير بوتين، بعد 6 أشهر على آخر زيارة للرئيس الروسي إلى الهند، وأكدت نيودلهي أنهما «تبادلا وجهات النظر» بشأن الشرق الأوسط وأوكرانيا، مشيرة إلى أن مودي «أكد مجدداً أن النزاعات لا تحلّ إلا بالحوار والدبلوماسية».

وتعدّ الهند حليفاً تقليدياً لموسكو وواصلت استيراد النفط الروسي رغم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، بذريعة أن المداخيل النفطية تسمح لموسكو بتمويل حربها على أوكرانيا.

وساعد ذلك نيودلهي في تجاوز أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.


البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن مسؤولاً روسياً سيحضر اجتماعاً للطاقة خاصاً بمجموعة العشرين في هيوستن الأسبوع المقبل.

ورحبت الولايات المتحدة الشهر الماضي بحضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف اجتماعاً لدول مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية، في المرة الأولى التي يحضر فيها وزير المالية الروسي المنتدى شخصياً منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.

وسيُعقد الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين بشأن وفرة الطاقة من يوم الاثنين إلى الأربعاء بحضور مسؤولين أميركيين، منهم وزير الداخلية دوغ بورغم، ووزير الطاقة كريس رايت، والمسؤول في البيت الأبيض جارود أجين. ولم يذكر البيت الأبيض بعد من سيحضر اجتماع الأسبوع المقبل من الجانب الروسي، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومن المتوقع أيضاً حضور مسؤولين بقطاع الطاقة من أوروبا وآسيا. وقالت محكمة تدقيق الحسابات الأوروبية هذا الشهر إن جهود الاتحاد الأوروبي للتحرر من الاعتماد على النفط والغاز الروسيين تتعثر في وقت يقترب فيه الشتاء مع وجود مخزونات غاز منخفضة بنحو غير معتاد.

وعلى الرغم من اسم الاجتماع، فإن الحربين الدائرتين في أوكرانيا وإيران جعلتا أمن الطاقة مبعث قلق للعديد من الدول، إذ سجل سعر الديزل في الولايات المتحدة رقماً غير مسبوق تجاوز ستة دولارات للغالون هذا الأسبوع، وأُغلق مضيق هرمز أيضاً بنحو شبه كامل أمام شحنات النفط والغاز الطبيعي، ويشكل بناء مراكز البيانات الأميركية ضغطاً على إمدادات الكهرباء.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إنه أجرى محادثة «رائعة» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من الأسبوع، وإن الزعيم الروسي يرغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وعلى الرغم من أحدث الزيارات التي قام بها مبعوثون أميركيون إلى موسكو وكييف، يشكك مسؤولو المخابرات في الولايات المتحدة وأوكرانيا وأنحاء أوروبا في جدية بوتين في إنهاء الحرب.

ومن المرجح أن يصوت مجلس النواب الأميركي على فرض عقوبات جديدة على روسيا خلال اجتماع مجموعة العشرين، لكن من غير المؤكد ما إذا كان مشروع القانون سيتم إقراره في ذلك المجلس مثلما حدث في مجلس الشيوخ الأميركي.

وفرضت إدارة ترمب لأول مرة عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إذ حجبت المعاملات وجمدت أصول أكبر شركتين نفطيتين فيها، وهما «روسنفت» و«لوك أويل».