الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

تصاعدت درجاتها منذ 60 عاماً وباتت تشكل خطراً يهدد صحة الإنسان وإنتاج الغذاء

TT

الحرارة تلهب كوكب الأرض... وملايين الفقراء ضحاياها

بلغت درجة الحرارة في بغداد 51 درجة مئوية خلال يوليو (تموز)، وكانت درجة الحرارة أعلى الدائرة القطبية الشمالية 38 درجة خلال الشهر نفسه. كذلك تجاوزت أستراليا أعلى درجة حرارة مسجلة خلال فصل الصيف الحالي، حيث تَحوَّل لون السماء إلى الأحمر القاني نتيجة لحرائق الغابات التي تأججت بفعل الجفاف الطويل.
طوال 150 عاماً من نشاط التصنيع، تسبب احتراق الفحم والنفط والوقود في انبعاث غازات الاحتباس الحراري (الدفيئة) وانتشارها في الجو، مما أدى إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة على مستوى العالم ووصولها إلى أرقام قياسية. كذلك ازدادت وتيرة حدوث الموجات الحارة ومدتها في كل أنحاء العالم تقريباً، مقارنةً بما كان عليه الحال منذ سبعين عاماً.
لكنّ آثار ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض لا تصيب كل سكانه على نحو متكافئ. فإذا كنت فقيراً ومهمشاً، من المرجح أنك ستعاني بدرجة أكبر من الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، إذ ربما لا تستطيع امتلاك مكيف هواء، بل قد لا تكون لديك خدمة الكهرباء حين تحتاج إليها بالأساس. كذلك ربما لا يكون أمامك خيار سوى العمل في الخارج تحت أشعة الشمس الحارقة، التي تجعل ركبتيك لا تقويان على حملك قبل أن تصاب بالهذيان. كذلك ربما يتسبب ارتفاع درجة الحرارة في حدوث جفاف شديد، ومهما كددت في العمل تحت الشمس فسيذبل المحصول الذي زرعته، وسيعاني أبناؤك من الجوع. ولن يكون من السهل حزم حقائبك والرحيل، وزراعة الذرة أعلى الجبل، فالمرء يحتاج إلى الاستحمام عدة مرات يومياً إذا توفر الماء، وكذلك تحتاج إلى ترطيب جلد طفلك لحمايته من طفح الحر. يمكنك النوم خارج المنزل حين ينقطع التيار الكهربائي، إذا كنت تحتمل لسعات البرغش، وربما تجلس أيضاً أمام المروحة وحدك وأنت تعاني من الخطر المزدوج للوحدة والحرارة.
لا يمثل الارتفاع الشديد في درجة الحرارة خطراً مستقبلياً، بل هو خطر نواجهه بالفعل في الوقت الحالي. إنه يهدد صحة الإنسان، وإنتاج الغذاء، ومصير اقتصاد دول بأسرها، وتأثيره أسوأ بالنسبة لمن يقفون عند أسفل السلم الاقتصادي في مجتمعاتهم. تخيّل ما سيكون عليه الحال إذا تعايش المرء مع خطر يُعدُّ الأكبر والأكثر خفاءً في العصر الحديث.
فيما يلي بعض الروايات الشخصية من مجتمعات محرومة في كل من اليونان ونيجيريا وغواتيمالا والهند، إلى جانب روايات بعض كبار السن في الولايات المتحدة الأميركية.
- أثينا: وتيرة الموجات الحارة تتسارع
اعتاد حسيب هوتاك، الشاب البالغ من العمر 21 عاماً، النوم على سطح منزل في أثينا. توجد غرفة صغيرة على السطح سقفها من الصفيح وبابها مجرد ستارة. تجعل حرارة النهار الغرفة فرناً، وجوُّها خانق بما يجعل النوم داخلها مستحيلاً.
كان هوتاك في السادسة عشرة حين غادر منزله في منطقة شولغارا بأفغانستان، وهو الوحيد الذي فعل ذلك من بين أحد عشر أخاً وأختاً. بعدما فشلت محاولته في العبور إلى أوروبا، وبعد إقامته لسنتين في مخيم للاجئين، تم منحه اللجوء في اليونان، وأقام مع صديق على سطح منزل يقع في حي كولونوز المكتظّ بالسكان، وهو أحد أحياء الطبقة العاملة من سكان أثينا، والذي استقر فيه الكثير من المهاجرين.
ارتفعت حرارة المدينة مع بداية العقد، حيث أوضحت سجلات درجات الحرارة الموجودة داخل مرصد أثينا القومي أن عدد الأيام الحارة، أي التي تتجاوز فيها درجة الحرارة 37 درجة، كان أقل من 20 يوماً سنوياً خلال العقد الأول من القرن العشرين، وبحلول منتصف ثمانينات القرن العشرين قارب عدد الأيام الحارة 50 يوماً، لكن العدد ارتفع إلى 120 يوماً خلال الفترة بين عامي 2006 و2017.
- نيجيريا: قرية لا تعرف الظلام
الظلام لا يخيم أبداً على القرية التي تقطنها فايث أوسي، وهي في منتصف الثلاثينات من العمر. فخمسة أعمدة من غاز الميثان تضيء أوبريكوم الواقعة في قلب المثلث الغنيّ بالنفط جنوب شرقي نيجيريا، حيث تعيش فايث مع زوجها وأولادها. تمثل تلك الأعمدة جزءاً من عمليات بتروكيميائية ضخمة تقوم بها شركة «أجيب» الإيطالية المتعددة الجنسيات. وتتم عمليات الاحتراق طوال اليوم في الهواء الاستوائي المشبع بالبخار.
عادةً ما يكون الطقس حاراً، حيث تصل درجة الحرارة في المتوسط إلى 33 درجة خلال فصل الصيف، ولا تنخفض قليلاً إلا خلال الأشهر التي تتساقط فيها الأمطار. وتزيد تلك العمليات من حرارة الجو، حتى خلال ساعات الليل، خصوصاً إذا كنت فقيراً بحيث لا تستطيع السكن إلا في نطاق تلك العمليات لانخفاض أسعار الأراضي بها.
وتوضح إحدى الدراسات أن درجات الحرارة كانت أعلى بمقدار 12 درجة في محيط المنازل الأقرب إلى عمليات الاحتراق تلك. وتعمل فايث تحت شمس حارقة في حقول الكسافا، قبل العودة مرهقةً إلى بيت أكثر حرارة، للعناية بأطفالها الذين يصيبهم الطفح الجلدي معظم أيام السنة.
ويؤثر هذا التغير المناخي الخطير بالفعل على الأشخاص الأكثر فقراً في نيجيريا، مثل فايث وعائلتها، حيث تزداد الأيام والليالي فائقة الحر، في الوقت الذي تقل فيه الأيام والليالي المعتدلة، وهو توجه رصدته الدراسات في غرب أفريقيا.
- غواتيمالا: الحرارة تفسد المحاصيل
روك، البالغ من العمر 38 عاماً، من السكان الأصليين في غواتيمالا، وهم من مجتمع الـ«شورتي» الذي ترجع أصوله إلى شعب المايا، الذين يعيشون في واحدة من المناطق الأكثر فقراً والأكثر قذارة في الأميركتين، وتُعرف باسم «دراي كوريدور» (الممر الجاف).
تدمر درجات الحرارة المرتفعة الأرض، مترافقة مع تراجع هطول الأمطار بداية الصيف بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية. وقد ضربت المنطقة خمس موجات جفاف قاسية طويلة في نهاية الصيف خلال العقد الماضي. كذلك ارتفعت درجة الحرارة في البلاد ككل بنحو درجة واحدة مئوية منذ عام 1960، وازدادت الأيام والليالي الحارة وطالت مدتها. ويقول روك إن الأمطار لا تأتي حين يحتاج إليها لري محصوله، ويوضح: «حين نحتاج إلى الشمس نحظى بالماء فجأة»، وقد ذبلت وتلفت محاصيل الذرة والفول، التي تعد من الأغذية الرئيسية، لثلاث سنوات متتالية.
يُعدُّ متوسط حجم غازات الدفيئة لكل مواطن في غواتيمالا ضئيلاً، حيث يبلغ 1.1 طن متري، مقارنةً بـ16.5 طن لكل شخص في الولايات المتحدة الأميركية، لكنّ الشعور بأثر ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب أكبر في غواتيمالا. ومن المحتمل أن يتراجع حجم محاصيل الذرة الصفراء والفول بنحو 14% بحلول 2050، حسب دراسة تم نشرها مؤخراً. ومن غير المرجح أن تكون حبوب القهوة، التي تُزرع في المناطق المنخفضة، مجدية اقتصادياً.
- الهند: الطقس الحار يتجه إلى الخطر
تنحني رابيتا لتملأ إناء بالرمال، وترفعه وتحمله على رأسها، وتصعد الدرج. إنها تفعل ذلك مرات لا تُحصى كل يوم، حتى مع ارتفاع درجة حرارة الجو ورطوبة الهواء خلال ساعات النهار. رجلاها تؤلمانها من صعود الدرج، ورأسها يصاب بالدوار أحياناً. ولا يمكن لفترات الاستراحة أن تتجاوز خمس دقائق، وإلا سوف تتلقى التوبيخ من مراقب العمال في موقع البناء. إنها تنتمي وزوجها أشوك كومار إلى طبقة المنبوذين، التي تقع في أدنى درجات السلم الاجتماعي الهندوسي، وتتقاضى أجراً أقل من نصف الأجر الذي يتقاضاه الرجل.
وقد تضاعف حدوث الموجات الحارة الشديدة المصحوبة بالرطوبة منذ عام 1979 إلى درجة لا يتحملها الجسم البشري لساعات طويلة متواصلة، حسب ورقة بحثية صدرت مؤخراً. وتصنف منظمة العمل الدولية الحرارة من بين المخاطر الصحية التي يتعرض لها بوجه خاص عمال البناء من أمثال رابيتا. يمكن لأكثر الناس العمل بنصف طاقتهم فقط عندما تتجاوز درجة الحرارة 33 درجة، كما يمكن أن يكون التعرض للحرارة الشديدة لساعات طويلة مهلكاً ومميتاً، وفقاً للمنظمة.
ومن المتوقع أن تزداد الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع الحرارة لتصل إلى 2.4 تريليون دولار سنة 2030، لكن من المتوقع أيضاً ألا تتوزع تلك التكلفة على نحو متكافئ، إذ ستكون جنوب آسيا وغرب أفريقيا المنطقتين الأكثر تضرراً، ليس فقط بسبب ارتفاع درجة الحرارة والرطوبة، بل أيضاً بسبب تردي أوضاع العمال من أمثال رابيتا.
- الولايات المتحدة: الحرارة أخطر على كبار السن
في يوم أحد قائظ خلال شهر يوليو وصلت فيه الحرارة إلى 34 درجة، جلس رافائيل فيلاسكيز، البالغ من العمر 66 عاماً، في باحة منزله، بينما وضع على وجهه زجاجة من المياه الباردة. لقد أحب الجلوس خارج المنزل على مقعد خشبي وإطعام الحمام، بينما يمسح عرقه المتصبب باستمرار بمنشفة. لم يكن هناك ما يفعله داخل المنزل، ولا يمكنه تحمل تكلفة شراء مكيف هواء، كما أنه لا يعرف كيف يمكنه الحصول على مكيف هواء مجاناً في إطار برنامج محلي يستهدف مساعدة كبار السن في التمتع بجو معتدل في أثناء الوباء الذي تسبب في إغلاق أكثر مراكز التبريد.
يؤدي ارتفاع درجة الحرارة في الولايات المتحدة إلى وفاة الكثير من كبار السن مقارنةً بأي حدث قوي آخر متعلق بالطقس، بما في ذلك الأعاصير. وتمثل المشكلة جزءاً من نمط قومي مشين، حيث يعيش المواطنون من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية مثل فيلاسكيز في المناطق الأكثر حراً داخل المدن الأميركية في أغلب الأحوال. وقال كيزي تشارلز غوزمان، نائب مدير جهود الصمود في مكتب عمدة نيويورك: «يزيد غياب المساواة المخاطر المناخية والبيئية». وتشير تقديرات دراسة أكاديمية حديثة إلى وفاة نحو 12 ألف شخص بسبب أمراض متعلقة بارتفاع الحرارة، تتجاوز أعمار 80% منهم الستين.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

علوم «إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيّف الموجهة

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم عامل بمطعم وجبات سريعة يحاول تبريد شخص برشّ الماء على رأسه خلال موجة حر شديدة بطوكيو 22 يوليو 2026 (رويترز)

ثلث سكان العالم تعرضوا لمستويات مرتفعة من تلوث الأوزون في 2026

تعرَّض نحو ثلث سكان العالم لمستويات مرتفعة للغاية من تلوث الهواء بالأوزون خلال عام 2026، نتيجة موجات الحر وحرائق الغابات والانبعاثات الناجمة عن الأنشطة البشرية.

«الشرق الأوسط»
صحتك تعزيز جهازك المناعي يقلل من خطر الإصابة بالإنفلونزا خلال موسم الشتاء (بيكساباي)

كيف تقوّي مناعتك مع بداية موسم الإنفلونزا كل عام؟

يستعرض التقرير قائمة بالنصائح والاستراتيجيات لتعزيز جهازك المناعي وتقليل خطر الإصابة بالإنفلونز خلال موسم الشتاء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

يواجه ملايين الصوماليين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وسط مخاوف من مجاعة بين نازحي بيدوة، مع تفاقم الجفاف والصراع ونقص المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».