البريطانيون يلجأون إلى المزارع لمواجهة الإغلاق التام

البريطانيون يلجأون إلى المزارع لمواجهة الإغلاق التام

بعد أن كان العمال الموسميون من أوروبا الشرقية يقطفون الثمار
الثلاثاء - 23 ذو القعدة 1441 هـ - 14 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15204]
لندن: كلير موسيس وجينيفا عبدول

لو كنا في عام غير العام الحالي، لكانت إيلا تشاندلر (19 سنة) حتماً ستلعب الكريكيت كل يوم تقريباً، ولكان زاك أورزونيسكي (23 سنة) يبحث عن وظيفة طاهٍ في لندن، ولكانت بيث بليز، مدربة شخصية (24 سنة) ساعدت زبائنها في التأقلم مع فصل الصيف، ولكان سام ريتشاردز (32 سنة) يجلس الآن خلف مكتبه للعمل في المبيعات. بيد أننا نعيش عام الوباء الذي بتنا نشاهد فيه بريطانيين في مناطق أخرى من البلاد يؤدون أعمالاً لم يكن لهم أن يتخيلوها قبل بضعة أشهر، وهي العمل في المزارع وفي قطف ثمار الكرز، وربما يستمتعون بما يفعلون إلى حد كبير.
بهذا المعنى، قالت شاندلر، لاعبة الكريكيت المحترفة في فريق نيوزيلندي اختُصر موسمه الرياضي بسبب الوباء: «لقد استمتعنا حقاً، وكان العمل شاقاً»، مضيفة أنّها التقطت في الأيام الأخيرة نحو 556 رطلاً من الفراولة خلال ما يقرب من خمس ساعات ونصف الساعة، وهو ما كان «مُرضياً للغاية».
وأوضحت شاندلر أنّها علمت من نشرات الأخبار أنّ هناك حاجة إلى جامعي ثمار في المزارع البريطانية بسبب نقص العمالة المتوقع، وقالت إنّها قررت التقدم بطلب للعمل في إحدى المزارع القريبة من منزلها في ساري، وهي مقاطعة تقع جنوب غربي لندن.
وأفاد جامعو الثمار بأنّه بالإضافة إلى فرصة كسب بعض المال، وإن كان محدوداً، فقد كانت فكرة جيدة للالتقاء بالناس والتّحدث معهم في وقت الإغلاق العام في البلاد وليثبتوا لأنفسهم أنّه بإمكانهم فعل شيء غير متوقع.
وقال أورزونيسكي، الذي يجمع الفراولة أيضاً في المزرعة ذاتها التي تعمل بها تشاندلر: «لقد فعلت شيئاً على الأقل، لم أجلس هنا على الأريكة. أنا فخور بنفسي للقيام بذلك».
المهمة ليست بذلك البريق. العمل صعب، يبدأ في الساعة السابعة صباحاً، ويمكن أن يختلف الدخل من شخص لآخر، حسب أورزونيسكي، الذي أضاف: «يقول الناس، يمكنك كسب كثير من المال، ولكنّ الأمر يعود إلى العامل نفسه». وتابع أنّ العمال في المزرعة يحصلون على الحد الأدنى للأجور في بريطانيا، وهو 8.72 جنيه إسترليني (أقل بقليل من 11 دولاراً أميركياً) للساعة، لكن يمكنهم كسب الكثير بناءً على كمية الفاكهة التي جمعوها.
في شركة «هول هنتر» التي تدير المزرعة، كان متوسط الأجر الأسبوعي في عام 2019، 414 جنيهاً إسترلينياً (نحو 520 دولاراً)، وفقاً لموقع الشركة على الإنترنت. لكنّ أورزونيسكي ذكر أن «شابين انسحبا من العمل لأنّ الراتب لم يكن كما توقعا». فعلى الرغم من أنّ الوظيفة كانت ممتعة، فقد كانت صارمة أيضاً ومليئة بالتعليمات (على سبيل المثال، جرى تدوين بعضها عن طريقة التخلص من قشر البرتقال في الأدغال). وأضاف: «إنها ليست الوظيفة المثالية لي. هي ليست شيئاً سأفعله دائماً. لكنها أبقتني مشغولاً طوال الوقت».
تُقطف الثمار في بريطانيا بشكل تقليدي من قبل العمال الموسميين من أوروبا الشرقية. وبشكل عام، هناك حاجة إلى ما بين 70.000 و90.000 عامل موسمي لجمع الفواكه والخضراوات التي تزرع في عموم البلاد.
وبسبب قيود السفر للحد من انتشار فيروس «كورونا»، لم يتمكن العديد من هؤلاء العمال من القيام بالرحلة أو تأخروا أو آثروا عدم الحضور. وعندما ضرب الوباء جميع أنحاء أوروبا، كانت معظم المحاصيل قد زرعت.
ونتيجة لنقص العمالة الذي يلوح في الأفق، بدأت الحكومة حملة «اجمع الثمار لبريطانيا» في أبريل (نيسان)، لجذب العمال البريطانيين، فيما نشر الأمير تشارلز مقطع فيديو قال فيه إنّ البلاد بحاجة إلى «جامعي ثمار».
كانت باليز من بين من سجلن أسماءهن، وهي مدربة شخصية تعمل لحسابها الخاص ولم تتمكن من العثور على عمل بسبب الإغلاق، تعمل في نوبات لتسع ساعات تجمع خلالها ثمار الفراولة والهليون وتُعبئها في مزرعة «كليرمونت» في شمال إنجلترا للحصول على الحد الأدنى من الأجور. وقالت إنّ العمل مجزٍ يتجاوز الأجر. واستطردت: «علينا جميعاً أن نكون في الخارج في تلك المزارع نزرع محاصيلنا ونعيش خارجاً في هذه الأرض، لكننا نسينا ذلك». وأضافت أنّها تأمل عندما يتلاشى الوباء أن تمتلك مزرعة، حيث يمكن للأفراد الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات الأكل القيام بالعمل نفسه.
كذلك قالت ريتشاردز التي تعمل في «مزرعة كليرمونت» بعد أن فقدت وظيفتها كمديرة حسابات لشركة بيرة أثناء الوباء، إنّها «أصعب وظيفة عملت بها على الإطلاق وأقل مالاً جنيته، لكنّها كانت أسعد أوقات لي، أليس هذا غريباً؟». واستطردت: «أريد المضي قدماً في العمل في الهواء الطلق. فأن تكون في الخارج لهو في حد ذاته مصدر سعادة كبير».
ويقول المزارعون إنّهم فوجئوا بقدر الاهتمام بهذه الوظائف. كانوا يخشون أن يبتعد البريطانيون عن الوظائف التي يؤديها عادة العمال الأجانب.
ولكن تعيين العمال وتحديد أماكن عملهم له تحدياته. فالعمل المكتبي ليس كالعمل في المزارع، الذي يتطلّب الالتواء والانحناء، والحاجة إلى تناسق جيد بين اليد والعين والمهارات الحركية الدقيقة (لتجنب تمزق النبات عند قطف الفراولة الرقيقة).
انسحب أربعة أخماس الأشخاص الذين أبدوا اهتمامهم في البداية قبل الانتقال إلى المرحلة التالية وهي المقابلة الشخصية، وفقاً لشركة «هوبس لابر سوليوشنز» لتوظيف العمال الزراعيين. فقد أدرك البعض أنّ العمل اليدوي ليس لهم أو أن العقود التي عرضتها المزارع كانت طويلة جداً.
وصرحت شيريل ليدل المتحدثة باسم الشركة بأنه «بسبب عدم اليقين بشأن الوباء، فإن العديد من عمال المملكة المتحدة غير قادرين على الالتزام بأشهر من العمل».
وذكر توم مارتن، الذي كان يعيش في لندن ليبيع حقوق بيع الأفلام، لكنّه انضم للعمل في مزرعة عائلته في مقاطعة كامبريدجشاير قبل 5 سنوات: «إنه تحدٍ ضخم وواسع. أسمع عن الأشخاص الذين يأخذون 10 أشخاص للعمل معهم، وفي نهاية الأسبوع لا يتبقى منهم سوى ثلاثة».
وبالنسبة للمزارعين، فإنّ توظيف البريطانيين دون أي خبرة في جمع الفاكهة يعقبه العديد من التحديات؛ أهمها ارتفاع الإنتاج.
يدرك مايك أشبي ذلك، فعادةً ما يستأجر عمالاً موسميين من رومانيا لجمع ثمار الهليون في مزرعته والقمح والشعير وغيرها. العام الجاري، لم يكن بالإمكان فعل ذلك، ولذلك استأجر «ثمانية عمال إنجليز لم أكن لأحصل عليهم في الأحوال العادية». وقال: «يحتاج العاملون الإنجليز إلى مزيد من التدريب المستمر. فالوقت الذي يقضونه في التدريب هو ذاته الوقت المفترض أن يقضونه في الإنتاج».
وأفاد علي كابر، الموظف في هيئة البستنة والبطاطس في اتحاد المزارعين الوطنيين في إنجلترا وويلز، بأن «العامل الجديد أغلى بنسبة من 10 إلى 30 في المائة، إذ يستغرق الأمر من ثلاثة إلى أربعة أسابيع للوصول إلى الإيقاع المطلوب».
واختتمت شارماي براوت، العضو المنتدب لشركة «فليفر فريش»، للإنتاج الزارعي في شمال غربي إنجلترا، حيث يعمل 27 عاملاً بريطانياً مقارنة بـ10 عاملين في العام الماضي، بقولها إن «العاملين ذوي الخبرة من أوروبا يتمتعون بالمهارة والسرعة».
ينظر العاملون في هذا المجال إلى الوضع الحالي على أنّه علامة تحذير. كانت مسألة ما إذا كان العمال الموسميون سيستمرون في القدوم إلى بريطانيا كل ربيع في ذهن المزارعين منذ أن صوتت البلاد لمغادرة الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016. ومن المقرر أن تدخل القواعد التي تحكم السفر من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا حيز التنفيذ في عام 2021، وهي لم تكتمل إلى الآن.
وقال ديباك رافيندران، المؤسس المشارك لشركة «أودبوكس»، وهي شركة لبيع صناديق المنتجات الطازجة لنحو 50 ألف عميل في لندن، إنّ «هذا ما كان سيحدث مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا خطة مناسبة. وهذا ما يحدث بالضبط الآن، إنّها علامة تحذير».
ومع تخفيف عمليات الإغلاق في القارة الأوروبية وإعلان بريطانيا أنّ العمال الموسميين لن يخضعوا للحجر الصحي لمدة 14 يوماً، يأمل المزارعون في أن يتمكن مزيد من العمال من أوروبا من القدوم لجزء من الموسم.
وعلى الرغم من الحاجة الملحة، فإنّ العثور على عمل جامع ثمار ليس بالأمر السهل، إذ يلجأ بعض المتفائلين إلى مجموعات عبر «فيسبوك» تفصيلياً.
جونتي ستيفنز، ممثل فقد دَخله عندما انتهت جولته في البلاد قبل موعدها بسبب الإغلاق، هو الآخر أحد الأشخاص الذين ينتظرون معرفة ما إذا كان أحد سيحتاجه في الحقول، أم لا، مضيفاً: «إنه لأمر مقلق. نحن نحاول القيام بشيء استباقي». فبعد أن تقدم ستيفنس، وهو في الخمسينات من عمره، بطلب للحصول على وظيفة في أبريل، أبلغته المزرعة أنّها ستعود إليه، لكنّه لم يسمع أي شيء بعد. واستطرد قائلاً: «نحن ننتظر الآن. علينا فقط أن ننتظر ونرى».
خدمة «نيويورك تايمز»


المملكة المتحدة أخبار المملكة المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة