السعودية تحرز تقدماً استثنائياً في تقرير التنافسية العالمي 2020

المعهد الدولي للتنمية الإدارية لـ«الشرق الأوسط» : الترتيب شامل ومبني على مؤشرات تتجاوز الجوانب الاقتصادية

السعودية تسجل التقدم الوحيد في منطقة الشرق الأوسط في «التنافسية العالمي» بفضل مبادراتها المستمرة وتنفيذ «رؤية 2030» (الشرق الأوسط)
السعودية تسجل التقدم الوحيد في منطقة الشرق الأوسط في «التنافسية العالمي» بفضل مبادراتها المستمرة وتنفيذ «رؤية 2030» (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تحرز تقدماً استثنائياً في تقرير التنافسية العالمي 2020

السعودية تسجل التقدم الوحيد في منطقة الشرق الأوسط في «التنافسية العالمي» بفضل مبادراتها المستمرة وتنفيذ «رؤية 2030» (الشرق الأوسط)
السعودية تسجل التقدم الوحيد في منطقة الشرق الأوسط في «التنافسية العالمي» بفضل مبادراتها المستمرة وتنفيذ «رؤية 2030» (الشرق الأوسط)

رغم تحديات فيروس كورونا المستجد وتداعياته على الاقتصاد الوطني، سجلت السعودية إنجازا دوليا جديدا بتقدمها في تقرير التنافسية العالمي 2020 التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية، لتأتي وحيدة من منطقة الشرق الأوسط التي تحرز تقدما في مرتبتها لتصل إلى المركز الـ24. مسجلة تحسنا استثنائيا على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
وأعلن مركز التنافسية العالمي أمس نتائج كتابه لعام 2020، إذ أفصح أن السعودية هي الدولة العربية الوحيدة التي شهد أداؤها تقدماً في تقرير هذا العام، مفصحا عن ارتفاع مستوى معظم القطاعات في الأداء السعودي مقابل السنوات الثلاث الماضية التي سجلت فيها المملكة قفزات ملموسة في التصنيف بزيادة تقييمية كبيرة وثابتة في الأداء من عام 2018.
ويرى تقرير التنافسية العالمي أن برامج واستراتيجيات «رؤية المملكة 2030» المنفذة دعمت تصاعد مؤشر السعودية في المعايير، لافتا إلى أن المملكة حققت تقدما في 3 عناصر معيارية عامة من أصل أربعة، كما تحسن أداؤها في 13 بندا في التقييم التفصيلي، مشيرا إلى أن الترتيب شامل ومبني على العديد من المؤشرات التي تتجاوز الجوانب الاقتصادية وبالتالي يعتبر بعضها من العوامل الأساسية في التعامل مع أزمة (كوفيد - 19).
- قفزات ملموسة
بحسب التقرير، حلت تنافسية السعودية في عام 2018 بالمرتبة الـ39 لتقفز إلى المركز الـ26 في العام المنصرم 2019 قبل أن تصعد إلى المرتبة الـ24 في النسخة الجديدة 2020، الأمر الذي يصفه التقرير بأنه يعد مؤشراً واضحاً على تنفيذ المملكة لعدد من البرامج والاستراتيجيات تتماشى مع تحقيق «رؤية 2030» للمملكة، وتصبّ في مصلحة المواطن السعودي، وتحقيق اقتصاد وطني مزدهر.
ونجح أداء المملكة، وفق التقرير، في التحسن عبر 13 بندا في التقييم المعتمد للتقرير وتحديدا مجالات التجارة العالمية، والاستثمار الدولي، والأسعار، والمالية العامة، وتشريعات الأعمال، والإنتاجية والكفاءة، وسوق العمل، والاقتصاد، والموقف والقيم، والبنية التحتية الأساسية، والبنية التحتية التكنولوجية، والبنية التحتية العلمية. وجاء من أبرز المجالات التي سجت فيها السعودية نقلة واسعة ما يتعلق ببند العمالة حيث نجحت في الانتقال من المرتبة الـ39 وحتى المرتبة الـ25.
- العناصر المعيارية
يهدف التقرير إلى تحليل قدرة الدول على إيجاد بيئة داعمة ومحفزة للتنافسية، والمحافظة عليها وتطويرها، حيث يقارن بين 63 دولة على أساس أربعة محاور رئيسية هي؛ الأداء الاقتصادي، والكفاءة الحكومية، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية.
وتفصيليا، جاء وضع المملكة على النحو التالي: البنية التحتية ارتفعت من المرتبة الـ38 إلى 36. بينما قفزت في كفاءة الأعمال من المركز الـ25 إلى المركز الـ19. بينما جاء الأداء الاقتصادي مرتفعا بعشر مراتب من الثلاثين إلى المركز العشرين، في وقت خالفت الكفاءة الحكومية المؤشرات بتراجعها 4 مراكز حيث كانت تشغل المرتبة الـ18 في العام المنصرم 2019 لتحل هذا العام في المرتبة الـ22.
- تحديات 2020
بحسب تقرير التنافسية العالمي، يرى أن السعودية تواجه خمسة تحديات ماثلة العام الحالي، تبرز أولها في الجهود الجارية لرفع القدرة التنافسية الداخلية لتتوافق مع أهداف «رؤية المملكة 2030»، والثانية تحدي استمرار المبادرات الحكومية الاستراتيجية للتخفيف من الخسائر الاقتصادية خلال جائحة (كوفيد - 19)، كما جاء ثالثا تحدي دعم الاستثمار الرأسمالي التكنولوجيا لرفع مستوى بيئة الأعمال أثناء الجائحة وبعدها.
ويضيف التقرير في رؤيته حول التحديات التي تواجه السعودية، اتخاذ التدابير الاقتصادية لحماية الوظائف وضمان أجور ودعم العاملين لحسابهم الخاص المتأثرة بتداعيات الفيروس، مضيفا في الخامس تحدي الاستمرار في الاستثمار في التنمية البشرية لجميع القطاعات الاقتصادية.
- عمق الإصلاحات
يرى وزير التجارة رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للتنافسية الدكتور ماجد القصبي أن مواصلة المملكة تحقق نتائج إيجابية بتقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2020، في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية التي تسببها جائحة كورونا، دليل على عمق الإصلاحات التي تسير بها المملكة في بيئة الأعمال، والجهود التوعوية لإطلاع القطاع الخاص على مستجدات التطوير في الأنظمة والتشريعات، وكذلك المبادرات الحكومية والبرامج التابعة لرؤية المملكة 2030؛ الهادفة لرفع تنافسية المملكة، إضافة إلى ارتفاع مستوى الشفافية بين القطاعين الحكومي والخاص، وفتح قنوات للتواصل بينهما. وأشار القصبي إلى أن هذا التقدم نتاج عمل تراكمي لأكثر من 50 جهة حكومية بالشراكة مع القطاع الخاص، آمنت بأهمية الإصلاحات التي طبقت خلال الفترة الماضية ومدى فاعليتها، مؤكدا أن برامج ومشروعات «رؤية المملكة 2030» أسهمت منذ إطلاقها في إكمال المنظومة الاقتصادية وتكاملها، مما انعكس إيجاباً على أداء المملكة في تقارير التنافسية العالمية. ويقوم المركز الوطني للتنافسية «تيسير» بتطوير الإصلاحات التي لها أثر على البيئة التنافسية وذلك من خلال رصد وتحليل أداء المملكة في التقارير العالمية والعمل على الارتقاء بترتيبها ومن أهمها؛ تقرير ممارسة الأعمال الصادر من مجموعة البنك الدولي، وتقرير التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بالإضافة إلى تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الصادر من المعهد الدولي للتنمية الإدارية.
- الجائحة والمقياس
من جهته، قال لـ«الشرق الأوسط» البروفسور خوسيه كاباليرو، كبير الاقتصاديين لدى مركز التنافسية العالمية التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية، إنه لا يتوقع تغييرات في منهجية تقييم التقرير، بشكل استثنائي من أجل الجائحة، مشيرا إلى أن الترتيب التقييمي شامل ومبني على العديد من المؤشرات التي تتجاوز الجوانب الاقتصادية وبالتالي يعتبر بعضها من العوامل الأساسية في التعامل مع أزمة (كوفيد - 19).
وبحسب كاباليرو، على سبيل المثال، تعد الفاعلية والجودة الشاملة للأنظمة الصحية من المؤشرات الرئيسية في ترتيب القدرة التنافسية. وعلى الرغم مما سبق ذكره، موضحا أنه بالنظر إلى مدى السرعة التي يمكن أن يتغير بها السياق الاجتماعي السياسي والاقتصادي تحت تأثير الوباء، لا يمكن استبعاد إجراء تغييرات في المستقبل بشكل قطعي.
وأقر كاباليرو بتأثير أزمة فيروس كورونا بالتأكيد، حيث أشار إلى أن ذلك سيبرز بوضوح في ترتيبات العام المقبل، حيث إن الإحصاءات التي ستستخدم في التقرير تبدأ في إظهار تلك التأثيرات بشكل كبير، مؤكدا أنه من الصعب جداً تحديد شكل هذا التأثير بشكل كامل، ولكن الأكيد، بحسب وصف كاباليرو، أن تأثيرات الأزمة ستطال مؤشر الأداء الاقتصادي للدول.
- الأجور والاستهلاك
استطرد كبير الاقتصاديين لدى مركز التنافسية العالمية التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية أنه من المرجح أن تتأثر معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي والعمالة بشكل سلبي بسبب الجائحة، كذلك قد تنخفض مؤشرات الأجور والاستهلاك، مشيرا إلى أن إحدى النتائج طويلة الأمد هي إمكانية تأثير عدم اليقين الناجم عن الأزمة أيضا على مستويات الاستثمار.
علاوة على ما سبق، يزيد كاباليرو ومع الأخذ في عين الاعتبار أنه في معظم البلدان، يقع التأثير الأكبر للوباء على أضعف فئات المجتمع، فقد ينتج عن الجائحة هذه زيادة حادة في التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية طويلة المدى وذات تأثير كبير جداً. فهي ستؤثر على سبيل المثال على التقدم في متطلبات التنمية البشرية. بالإضافة إلى ذلك، فقد يكون للاضطراب الذي يعاني منه القطاع الأكاديمي خلال الأزمة تأثير سلبي على جودة التعليم، الأمر الذي بدوره قد يؤثر على مجموعة المواهب المتوفرة، والتي تساهم في رفع الأداء الاقتصادي للدول.
- الحالة السعودية
وإذ يظهر التقرير تقدم المملكة، الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي أحرزت تقدما في الترتيب، يتبادر التساؤل حول كيف يمكن للمملكة أن تستمر في التقدم، وخصوصاً في ظلّ الجائحة التي يعيشها العالم، وهنا يشير كاباليرو في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه من أهم الدروس المستخلصة من فترات الأزمات للحفاظ على مستويات القدرة التنافسية، هو قدرة الحكومات وقابليتها للتكيف مع الظروف المتغيرة، وسرعة تنفيذ التغييرات السياسية.
ويستطرد: «مرونة الحكومات التكيفية، وشفافية سنّ السياسات والفعالية في تنفيذها، أمور ضرورية لاستدامة القدرة التنافسية... ويعتبر الحفاظ على الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي أمرين أساسيين»، مضيفا أن من التدابير الاحترازية لمواجهة عدم اليقين الحالي المهيمن على المجتمعات حول العالم زيادة الحكومة لحوافز الاستثمار.
ويرى كاباليرو أنه يمكن للسعودية أيضاً الحفاظ على الزخم في قدرتها التنافسية من خلال التركيز على العوامل التي تزيد من مرونة اقتصادها، ما يشمل على سبيل المثال - على حد استشهاده - مبادرات تعزيز روح المبادرة والابتكار، والدعم المستمر للشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تعتبر مساهما كبيرا في زيادة معدلات التوظيف.
ولفت كاباليرو إلى أن ذلك يمكن أن يضاف إلى إعطاء الأولوية لتعزيز البنية التحتية الصحية الشاملة بما يسهم بشكل كبير في القدرة التنافسية للبلاد، وهي أمور تشملها خطة المملكة لتحقيق «رؤية 2030»، مشددا أنه بالنظر إلى التحديات المختلفة التي تواجهها القطاعات الأكاديمية، لا بد للدول، منها المملكة، من ضمان جودة التعليم، وتعزيز برامج التلمذة الصناعية وتدريب الموظفين الحاليين، الأمر الذي يساعد على إعداد قوى عاملة متمكنة في وجه التحديات القادمة.


مقالات ذات صلة

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.


«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».